Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٦١ -
عليها بقوله (( لولا أن رأى برهان ربه)) أو إلى التثبيت المفهوم من ذلك.
والصرف : نقل الشىء من مكان إلى مكان، والمراد به هنا: الحفظ من
الوقوع فيما نهى الله عنه. أى: أريناه مثل هذه الإراءة، أو ثبتناه نقبيتا مثل
هذا التثبيت لنعصمه ونحفظه ونصونه عن الوقوع فى السوء - أى فى المنكر
والفجوروالمكروه - والفحشاء - أى كل ماخش وقبح من الأفعال كالزنا ونحوه.
(( إنه من عبادنا المخلصين . - بفتح اللام- أى: إنه من عبادنا الذين
أخلصناهم اطاعتنا ، وعصمناهم من كل ما يغضبنا .
وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو ((المخلصون) - بكسر اللام -
أى : إنه من عبادنا الذين أخلصوا دينهم لنا .
والجملة الكريمة على القراءتين تعليل لحكمة صرفه - عليه السلام - عن
السوء والفحشاء .
وقوله - سبحانه - (( واستبقا الباب ... ، متصل بقوله - سبحانه -
قبل ذلك، ((ولقد همت به ... )) وقوله ( كذلك لنصرف عنه السوء
والفحشاء ... )، اعتراض جىء به بين المتعاطفين تقريرا لنزاهته.
وقوله (( واستبقا .. ، من الاستباق، وهو افتعال من السبق ، بمعنى أن
كل واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب .
ووجه تسابقهما : أن يوسف - عليه السلام - أسرع بالفرار من أمامها
إلى الباب هروبا من الفاحشة التى طلبتها منه . وهى أسرعت خلفه لتمتعه
من الوصول إلى الباب ومن الخروج منه .
وأفرد - سبحانه - الباب هنا، وجمعه فيما تقدم. لأن المراد به هنا الباب
الخارجى ، الذى يخلص منه يوسف إلى خارج الدار. وهو منصوب هنا على
نزع الخافض أى . واستبقا إلى الباب .

٠ ٦٢ -
وحملة ( وقدت قميصه من دبر ) حالية، والقد : القطع والشق، وأكثر
استعماله فى الحق والقطع الذى يكون طولا, وهو المرادهنا، لأن الغالب
أنها جذبته من الخلف وهو يجرى أمامها فانخرق القميص إلى أسفله.
وقوله: ( وألفيا سيدها لدى "باب ) أى: وصادفا ووجدا زوجها عند
لباب الذى تسابقا للوصول إليه .
قالوا: والتعبير عن الزوج بالسيد ، كان عادة من عادات القوم فى ذلك
الوقت. فعبر عنه القرآن بذلك حكاية لدقائق ما كان متبعا فى التاريخ القديم.
وقال - سبحانه - وألفيا سيدها، لأن ملك العزيز ليوسف - عليه السلام-
لم يكن .لكا صحيحا، فيوسف ليس رقيقا يباع ويشترى، وإنما هو الكريم
بن الكريم بن الكريم، وبيع السيارة له ، إنما كان على سبيل التخلص منه
بعد أن التقطوه من الجب.
وقوله - سبحانه - ( قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن
و عذاب أليم) حكاية لما قالتة لزوجها عندما فوجئت به عند الباب وهى
سرع وراء يوسف .
أى قالت تلك المرأة لزوجها عندما فوجئت به لدى الباب: ليس من
جزاء لمن أراد بأهلك - تعنى نفسها - سوءاً، أى ما يسومك ويؤلمك، إلا أن
سجن، عقوبة له ، أو أن يعذب عذاباً ألما عن طريق الضرب أو الجلد ،
تجاوزه الحدود، واعتدائه على أملك .
وهذه الجملة الكريمة التى حكاها القرآن الكريم عنها، تدل على أن تلك
المرأة كانت فى نهاية المكر والدهاء والتحكم فى إرادة زوجها ...
ورحم الله الآلوسى فقد علق على قولها هذا الذي حكاه القرآن عنها بقوله
املخصة :
(ولقد آتت - تلك المرأة - فى هذه الحالة التى يدهش فيها الفطن اللوذعى

- ٦٣ ٠
- حيث شاهدها زوجها على تلك الحالة المريبة - بحيلة جمعت فيها غرضيها ،
وهما تبرئة ساحتها مما يلوح من ظاهر حالها، واستنزال يوسف عن رأيه فى
استعصائه عليها ، وعدم طاعته لها ، بإلقاء الرعب فى قلبه ...
ولم تصرح بالاسم ، بل أنت بلفظ عام ((من أراد بأهلك سوءا .. ، تهويلا
للأمر ، ومبالغة فى التخويف ، كأن ذلك قانون مطرد فى حق كل من أراد
بأهله سوءا .
وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز ، إعظاما للخطب ...
ثم إن حبها الشديد ليوسف - عليه السلام - حملها على أن تبدأ بذكر
السجن، وتؤخر ذكر العذاب لأن المحب لا يسعى فى إيلام المحبوب، لاسيما
أن قولها ((إلا أن يسجن .. )، قد يكون المراد منه السجن لمدة يوم أو
يومين .... )) (١) .
والحق أن هذه الجملة التى حكاها القرآن عنها ، تدل على اكتمال قدرتها على
المكر والدهاء - كما سبق أن أشرنا - ومن مظاهر ذلك، محاولتها إيهام زوجها
بأن يوسف قد اعتدى عليها بما يسوؤها ويسوؤه، ولكن بدون تصريح بهذا
العدوان - شأن العاشق مع معشوقه - حتى لا يسعى زوجها فى التخلص منه
ببيعه - مثلا - .
وفى الوقت نفسه إفهام يوسف عن طريق مباشر ، بأن أمره بيدها لا بيد
زوجها ، وأنها هى الآمرة الناحية، فعليه أن يخضع لما تريده منه، وإلا فالسجن
أو العذاب الأليم هو مصيره المحتوم .
وهنا نجد يوسف - عليه السلام - لا يجد مفرا من الرد على هذا الاتهام
الباطل، فيقول: كما حكى القرآن عنه -: ((قال هى راودنى عن نفسى ... )).
(١) تفسير الآلوسي جـ ١٢ - ٠١٩٥
؟ .

- ٦٤ -
أى: قال يوسف مدافعا عن نفسه: إنى ما أردت بها سوءا كما تزعم،
وإنما هى التى بالغت فى ترغيى وإغرائى بارتكاب مالا يليق معها ..
ثم قال - تعالى -: ((وشهد شاهد من أهلها، إن كان قميصه قد من قبل
فصدقت وهو من الكاذبین ،وإن كان قیصه قد من دبر فكذبت وهو من
الصادقين ، .
وهذا الشاعد ذهب بعضهم إلى أنه كان ابن خال لها ، وقيل ابن عم لها، ..
قال صاحب المنار : ولكن الرواية عن إن عباس وسعيد بن جبير
والضحاك ، أنه كان صبيا فى المهد، ويؤيدها مارواه أحمد وابن جرير والبيهقى
فى الدلائل عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : - تكلم فى
المهد أربعة وهم : صفار إن ماشطة ابنة فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب
جريح، وعيسى ابن مريم ،.
وابن جرير عن أبى هريرة قال: ((عيسى ابن مريم، وصاحب يوسف
وصاحب جريج تكلموا فى المهد)، وهذا موقوف ، والمرفوع ضعيف، وقد
اختاره ابن جرير، وحكاه ابن كثير بدون تأييد ولا تضعيف .... ،(١).
وعلى أية حال فالذى يهمنا أن الله - تعالى - قد سخر فى تلك اللحظة الحرجة،
من يدلى بشهادته لتثبت براءة يوسف أمام العزيز .
وألقى الله - تعالى - هذه الشهادة على لسان من هو من أهلها، لتكون
أوجب الحجة عليها ، وأوثق لبراءة يوسف ، وأنفى للتهمة عنه .
وقد قال هذا الشاهد فى شهادته - كما حكى القرآن عنه ــ ((إن كان قميصه
قد من قبل، أى: من أمام (( فصدقت)) فى أنه أراد بها سوءا، لأن ذلك بدل
على أنها دافعته من الأمام وهو يريد الاعتداء عليها .
((وهو من الكاذبين ، فى قوله هى راودتنى عن نفسى.
(١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ٢٨٧.

- ٦٥ -
((وإن كان قميصه قد من دبر، أى من خلف ((فكذبت)) فى دعواها على
أنه أراد بها سوءا، لأن ذلك يدل على أنه حاول الهرب منها، فتعقبته حتى
الباب، وأمسكت به من الخلف. وهو من الصادقين)) فى دعواه أنها راودته
عن نفسه .
وسمى القرآن الكريم ذلك الحكم بينهما شهادة، لأن قوله هذا يساعد
على الوصول إلى الحق فى قضية التبس فيها الأمر على العزيز.
وقدم الشاهد فى شهادته الغرض الأول وهو - إن كان قميصه قد ن قبل -
لأنه إن صح يقتضى صدقها ، وقد يكون هو حريضا على ذلك بمقتضى قرابته
لها ، إلا أن الله - تعالى - أظهر ماهو الحق، تكريما ليوسف - عليه السلام-
أو يكون قد قدم ذلك باعتبارها سيدة، ويوسف فتى، فمن باب الياقة أن
يذكر الغرض الأول رحمة بها.
وزيادة جملة (( وهو من الكاذبين، بعد (( فصدقت، وزبادة جمله , وهو
من الصادقين)) بعد (فكذبت ، تأكيد لزيادة تقرير الحق كما هو الشأن فى
إصدار الأحكام .
وقوله - سبحانه -( ( فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيد كن
إن كيدكن عظيم ... ) بيان لما قاله زوجها بعد أن انكثفت له الحقيقة
انكشافا تاما .
أى : فلما رأى العزيز قميص يوسف قد قطع من الخلف. وجه كلامه إلى
زوجته معاتبا إياها بقوله، إن محاولتك إتهام يوسف بما هو برىء منه، هو
نوع من ( كيد كن) ومكركن وحيلكن (إن كيد كن عظيم) فى باء، لأن
كثيرامن الرجال لا يفطنون إلى مراميه .
وهكذا واجه ذلك الرجل خيانة زوجه له بهذا الأسلوب الناعم الهادىء،
( ٥ - سورة يوسف )

- ٦٦ -
بأن نسب كيدها ومكرها لا إليها وحدها بل الجنس كله (إنه من كيدكن .. )
ثم وجه كلامه إلى يوسف فقال له «يوسف أعرض عن هذا، أى: يايوسف
أعرض عن هذا الأمر الذى دار بينك وبينها فاكتمه . ولا تتحدث به خوفا
من الفضيحة ، وحفاظا على كرامتى وكرامتها .
وقوله (( واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين، خطاب منه لزوجته
التى ثبتت عليها الجريمة ثبوتا تاما.
أى : واستغفرى الله من ذفبك الذى وقع منك، بإساءتك فعل السوء مع
يوسف ، ثم اتهامك له بما هو بريء منه .
وجملة (( إنك كنت من الخاطئين، تعليل لطلب الاستغفار. أى توبى إلى
أنقه ما حدث منك، لأن ماحدث منك مع يوسف - ملك من جملة القوم المتعمدين
لارتكاب الذنوب وجعلها من جملة الخاطئين للتخفيف عليها فى المؤاخذة.
وهكذا نجد هذا الرجل - صاحب المنصب الكبير - يعالج الجريمة التى
تثور لها الدماء فى العروق ، وتستلزم حسما وحزما فى الأحكام، بهذا الأسلوب
الهادى. البارد ، شأن المترفين فى كل زمان ومكان، الذين تهمهم ظواهر الأمور
دون حقائقها ، وأشكالها دون جواهرها، فهو يلوم امرأته لوما خفيفا يشبه
المدح، ثم يطلب من يوسف كتمان الأمر ، ثم يطلب منها التوبة من ذنوبها
المتعمدة ... ثم تستمر الأمور بعد ذلك على ماهى عليه من بقاء يوسف معهافى
بيتها ، بعد أن كان منها معه ما يستلزم عدم اجتماعهما هذا. ومن العبر والعظات
والأحكام التى نأخذها من هذه الآيات الكريمة :
١ - أن اختلاط الرجال بالنساء. كثيرا ما يؤدى إلى الوقوع فى الفاحشة
وذلك لأن معل الرجل إلى المرأة وميل المرأة إلى الرجل أمر طبيعى، وما
بالذات لا يتغير.
ووجود يوسف - عليه السلام - مع امرأة العزيز تحت سقف واحد فى

- ٦٧ -
سن كانت هى فيها مكتملة الأنوثة ، وكان هو فيها فتى شابا جميلا .... أدى
إلى فتنتها به، وإلى أن تقول له فى نهاية الأمر بعد إغراءات شتى له منها:
((هيت لك ، .
ولا شك أن من الأسباب الأساسية التى جعلتها تقول هذا القول العجيب
وجودهما لفترة طويلة تحت سقف واحد .
لذا حرم الإسلام تحريما قاطعا الخلوة بالأجنبية، سدا لباب الوقوع فى
الفتن ، ومنعا من تهيئة الوسائل للوقوع فى الفاحشة .
ومن الأحاديث التى وردت فى ذلك ما رواه الشيخان عن عقبة بن عامر،
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إياكم والدخول على النساء، فقال
رجل من الأنصار، أفر أيت الحمو يا رسول الله؟ قال: إخمو الموت(!). والمو
هو قریب الزوج کأخيه وابن عمه .
وسئلت امرأة انحرفت عن طريق العفاف، لماذا كان منك ذلك فقالت:
قرب الوساد ، وطول السواد(٢).
أى: حملنى على ذلك قربى ممن أحبه. وكرة محادثتى له !!
٢ - أن هم الإنسان بالفعل، ثم رجوعه عنه قبل الدخول فى مرحلة
التصميم والتنفيذ، لا مؤاخذة فيه .
قال القرطبى ما ملخصه : الهم الذى هم به يوسف ، من نوع ما يخطر فى
(١) من كتاب ((رياض الصالحين، ص ٦٢١ باب تحريم الخلوة بالأجنبية.
(٢) الوساد معروف وهو ما يتوسد به الإنسان عند أومه، والسواد -
بكسر السين مصدر ساوده إذا أسر إليه بالحديث .
قالوا : وهذه الكلمة كانت لابنة الخص ، اعتذرت بها عن نفسها بعد أن
فتنت فقيل لها لماذا هذا السلوك وأنت سيدة قومك؟ فقالت هذه الكلمة التى
ذهبت مثلا .... راجع تفسير المنار - ١٢ ص ٠٢٧٨

- ٦٨ -
النفس ، ولا يثبت فى الصدر، وهو الذى رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق،
إذ لا قدرة للمكلف على دفعه ..
وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول اللهصلى
الله عليه وسلم - ((قالت الملائكة يا ربنا ذلك عندك يريد أن يعمل سيئة- وهو
أبصر به - فقال: أرقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها ، وإن تركهافا كتبوها
له حسنة ، إنما تركها من جراى - أى من أجلى -.
وفى الصحيح: إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو
تكلم به،(١).
٣ - أن من الواجب على المؤمن إذا ما دعى إلى معصية أن يستعيذ بالله
من ذلك ، وأن يذكر الداعى له بضررها ، وبسوء عاقبة المرتكب لها ....
كما قال يوسف - عليه السلام - ((معاذ الله. إنه ربى أحسن مثواى
إنه لا يفلح الظالمون)).
٤ - أن يوسف - عليه السلام - قد خرج من هذه المجنة مشهودا له بالبراءة
ونقاء العرض ، من الله - تعالى -، ومن خلقه الذين سخرهم لهذه الشهادة.
قال الإمام الرازى ما ملخصه : وأعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة ،
يوسف - عليه السلام - وقلك المرأة وزوجها ، ورب العالمين .... والكل شهد
ببراءة يوسف عن المعصية ، أما يوسف - عليه السلام - فقد قال ((هى رأودتنى
عن نفسى، وقال: (( رب السجن أحب إلى مما يدعومنى إليه .... ))
وأما امرأة العزيز فقد قالت: «أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ..
وأما زوجها فقد قال «إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ... ،
(١) تفسير القرطبى ج ٩ ص ١٦٨.

- ٦٩ --
وأما شهادة رب العالمين ببراءته ففى قوله - تعالى -,كذلك لنصرف عنه
السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين ..
فقد شهد الله - تعالى - على طهارته فى هذه الآية أربع مرات، أولها :
((لنصرف عنه السوء، وثانيها((والفحشاء)، وثالثها (( إنه من عبادنا)، ورابعها
(( المخلصين))(١).
٥ - أن موقف العزيز من امر أته كان موقفا ضعيفا متراخيا ... وهذا
الموقف هو الذى جعل تلك المرأة المتحكمة فى زمام زوجها ، تقول بعد ذلك
بكل تبجح وتكشف واستهتار: ((ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم
يفعل ما آمره ليسجنن، وليكونا من الصاغرين ).
٦ - أن القرآن الكريم قد صور تلك المحنة فى حياة يوسف وامرأة
العزيز، تصويرا واقعيا صادقا، ولكن بأسلوب حكيم، بعيد عما يخدش الحياء
أو يجرح الشعور .
قال بعض العلماء: والذى خطر لى أن قوله - تعالى - ((ولقد همت به وهم
بها لولا أن رأى برهان ربه .: هو نهاية موقف طويل من الإغراء، بعدما
أبى يوسف فى أول الأمن واستعصم ، وهو تصوير واقعى صادق لحالة النفس
البشرية الصالحة فى المقاومة والضعف ، ثم الاعتصام بالله فى النهاية والنجاة ،
ولكن السياق المرآنى لم يفصل فى تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتفاوضة
المتغالبة، لأنه المنهج القرآ فى لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معر عنا يستغرق
أكثرمن مساحته المناسبة فى محيط القصة، وفى محيط الحياة البشرية المتكاملة كذلك
فذكر طر فى الموقف بين الاعتصام فى أوله والاعتصام فى نهايته، مع الإلمام
بلحظة الضعف بينهما ، ليكتمل الصدق والواقعية والجو الغظيف جميعا ... (*)
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١٨ ص ٠١١٦
(٢) من تفسير (فى ظلال القرآن، للأستاذ سيد قطب حـ ١٢ ص ١٩٨١
طبعة دار الشروق .

- ٧٠ -
ثم حكت السورة الكريمة بعد ذلك ما قالته بعض النساء : بعد أن شاع
خبر امرأة العزيز مع فتاها ، وما فعلته معهن من أفعال تدل على شدة مكرها
ودهائها، وما قاله يوسف - عليه السلام - بعد أن سمع ما سمع من تهديدهن
وإغرائهن ... قال - تعالى -:
((وقالَ نسوةٌ فى المدينةِ امرأةُ العزير تراودُ فتاها عن نفسِه،
قَدِ شَغَفَهَا حُبَّا، إنَّ لنراها فى ضلالٍ مبينٍ (٣٠) فلما سمِعتْ بمكرِ مِنَّ،
أرسلتْ إليهِنَّ وأعتدتْ لَهُنَّ مُتَكًا، وَآتَتْ كلَّ واحدةٍ منهنّ سكيناً
وقالتِ اخرجْ عليهِنَّ، فلمَّا رأينَه أ كبَرْنَه وقطّعْنَ أيديَهُن، وقلنَ
حاشَ لِهِ مَا هَذَا بِشَراً، إنْ هذَا إلَّ ملكٌ كريمٌ (٣١) قالَتْ فذلكُنَّ
الذى لمتنِّى فيه، ولقد راوَدْتُه عن نفسِهِ فاستَعْصم، ولئنْ لم يَفْعَلْ
ما آمرُهُ لِيُسْجِزَنَّ وليكُونَمن الصَّاغِرِين (٣٢) قالَ ربِّ السجنُ أحبُ
إلىَّ مما يدعو نَنِى إليهِ، وإلا بَصرِفْ منّى كيدَهُن أصبُ إليهنَّ وأكُرْ
من الجاهلينَ (٣٣) فاستجابَ له ربُّهُ فِصَرفَ عَنْهُ كِيدَهُن، إنّه هو
السميعُ العليمُ (٣٤)).
قوله - سبحانه - «وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن
نفسه ... )، حكاية لما تناقلته الألسنة عن امرأة العزيز ، فقد جرت العادة
بين النساء، أن يتحدثن عن أمثال هذه الأمور فى مجالسهن، ولا يكتمنها،
خصوصا إذا كانت صاحبة الحادثة من نساء الطبقة المرموقة ... كام أة العزيز.
والنسوة : اسم جمع لا واحد له من لفظه، ومفرده من حيث المعنى: امرأة،
والمراد بالمدينة : مدينة مصر التى كان يعيش فيها العزيز وزوجته، والجار
والمجرور متعلق بمحذوف صفة لنسوة .

1
٠٠٠ ٧١ -
أى: وقال نسوة من نساء مدينة مصر، على سبيل النقد والتشهير والتعجب.
إن امرأة العزيز، صاحبة المكافة العالية ، والمنزلة الرفيعة ، بلغ بها الحال فى
انقيادها لهواها ، وفى خروجها عن طريق العفة .... أنها تراود فتاها عن
نفسه، أى : تطلب منه موافقتها، وتتخذ لبلوغ غرضها شتى الوسائل والحيل.
ولم يبين لنا القرآن الكريم، عدد هؤلاء النسوة، ولا صفاتهن، لأنه لا يتعلق
بذلك غرض نافع، ولأن الذى يهدف إليه القرآن الكريم هو بيان أن ماحدث
بين يوسف وامرأة العزيز ، قد شاع أمره بين عدد من النساء، فى مدينة كبيرة
كهر وفى وصفها بأنها «امرأة العزيز)) زيادة فى التشهير بها، فقد جرت العادة
بين الناس، بأن ما يتعلق بأصحاب المناصب الرفيعة من أحداث ، يكون أكثر
انتشارا ، بينهم، وأشد فى النقد والتجريح .
والتعبير بالمضارع فى قوله - سبحانه - «تراود)، يشعر بأنها كانت مستمرة
على ذلك، دون أن يمنعها منه افتضاح أمرها ، وقول زوجها لها ((واستفرى
لذفيك إنك كنت من الخاطئين».
والمراد بفتاها يوسف - عليه السلام -. ووصفته بذلك لأنه كان فى
خدمتها، والمبالغة فى رميها بسوء السلوك، حيث بلغ بها الحال فى احتقار
نفسها، أن تكون مراودة لشخص هو خادم لها ...
وجملة ((قد شغفها حبا، بيان لخالها معه، وهى فى محل نصب حال من فاعل
تراود أو من مفعوله والمقصود بها تكرير لومها، وتأكيد انقيادها لشهواتها.
وشغف مأخوذ من الشغاف - بكر الشين - وهو غلاف القلب ، أو
سويداؤة أو حجابه . يقال شغف الهوى قلب فلان شغفاً أى بلغ شغافه .
والمراد أن حبها إياه قد شق شغاف قلبها، وتمكن منه تمكنا لامزيد عليه
و((حباً، تمييز محول عن الفاعل. والأصل: شغفها حبها إياه.

- ٧٢ -
وجملة (( إنا لنراها فى ضلال مبين)) مقررة لمضمون ما قبلها من لوم امرأة
العزيز، وتحقير سلوكها . والمراد بالضلال: مخالفة طريق الصواب.
أى: إنا لنرى هذه المرأة بعين بصيرتنا، وصادق علمنا، فى خطأ عظيم
واضح بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء؛ لأنها - وهى المرأة المرموقة
وزوجة الرجل الكبير - تراود خادمها عن نفسه.
والتعبير « بإنا لنراها ... ، للإشعار بأن حكمهن عليها بالضلال ليس عن
جهل، وإنما هو عن علم وروية، مع التلويح بأنهن يتنزهن عن مثل هذا الضلال
المبين الصادر عنها .
قال صاحب المنار: وهن ما قلن هذا إنكارا للمنكر ، وكرما للرذيلة،
ولا حبا فى المعروف، ونصراً للفضيلة . وإنما قلتہ مکرا وحیله ، ليصل إليها
قولهن فيحملها على دعوتهن . وإرامتهن بأعين أبصارهن، ما يبطل ما يدعين
رؤيته بأعين بصائرهن. فيعذرنها فيما عذلنه عليه. فهو مكر لارأى)(١)
وهنا تحكى السورة الكريمة كيف قابلت تلك المرأة الداهية الجريئة ،
سكر بنات جنسها وطبقتها بمكر أشد من مكر هن بها فقال - تعالى - :
(( فلما سمعت بمكرهن)، أى: باغتيابهن لها. وسوء مقالتهن فيها، وسمى
ذلك فكراً لشبهه به فى الإخفاء والخداع .
أو قصدن بما قلنه - كما سبق أن أشرنا - إثارتها، لكى تطلعهن على فتاها
الذى راودته عن نفسه. ليعرفن السر فى هذه المراودة، وعلى هذا يكون المكر
على حقيقته . ومثل هذا المكر ليس غريبا على النساء فى مثل هذه الأحوال.
وقوله (( أرسلت اليهن. ألخ)) بيان لما فعلته معهن:
(١) تفسير المنار جـ ١٢ ص٢٩١

- ٧٣ ٠
أى: أرسلت إلى النسوة اللائى وصفتها بأنها فى ضلال مبين ، ودعتهن إلى
الحضور اليها فى دارها لتناول الطعام .
- وأعتدت لهن متكا، أى: وهيأت لهن فى مجلس طعامها ، ما بتكئن عليه
من الوسائد والنمارق ومايشبه ذلك .
فالمتكأ: إسم مفعول من الإتكاء، وهو الميل إلى أحد الجانبين فى الجلوس
كما جرت بذلك عادة المترفين عند تناول الطعام ، وعندما يريدون إطالة المكث
مع اقتصاب قليل فى النصف الأعلى من الجسم والاستراحة بعد الأكل .
أخرج ابن شيبة عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن
يأكل الرجل بشماله، وأن يأكل متكنا،(1),وآ تت كل واحدة منهن سكينا)، أى:
وأعطت كل واحدة من هؤلاء النسوة سكينا ليقطعن به مايا كان من لحم وفاكهة
(( ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الحضارة المادية فى مصر فى ذلك الوقت
كانت قد بلغت شأوا بعيداً، وأن الترف فى القصور كان عظيما ، فإن استعمال
السكاكين فى الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته فى تصوير الرف
والحضارة المادية » (٢) .
وهنا نجد المرأة الجريئة الماكرة، تقول ليوسف - عليه السلام - كما حكى
القرآن عنها: (( أخرج عليهن)): أى أبرزهن، وأدخل عليهن، وهن على تلك
الحالة من الأكل والانكاء وتقطيع ما يحتاج إلى تقطيع الطعام ....
وهى ترمى من وراء خروجه عليهن إلى إطلاعهن عليه حتى يعذرنها فى حبها له
وقد كان لهذه المفاجأة من يوسف لهن وهن مشغولات بما يقطعنه ويا كلنه ،
أثرها الشديد فى نفوسهن، وهذا ما حكاه القرآن الكريم فى قوله: ( فلما
(١) تفسير الآلوسى = ١٢ ص ٢٠٤
(٢) تفسير (, فى ظلال القرآن) جـ ١٢ ص ١٩٨٤

رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك
كريم.
والجملة الكريمة معطوفة على كلام محذوف دل عليه السياق ، والتقدير:
قالت امرأة العزيز ليوسف أخرج عليهن، فخرج عليهن وهن على تلك الحالة
فلما رأينه أكبرنه ، أى: أعظمنه، ودهشن لهيئته ، وجمال طلعته وحسن شمائله
، وقطعن أبدہن ، ای : جر حن أيدبهن وخدشنها بالسکا کین التی فی أبدهن.
دون أن يشعرن بذلك ، لشدة دهشتهن المفاجئه بهيئة يوسف ...
(( وقلن حاش لله ما هذا بشرا)، وحاش فعل ماض، واللام فى ((لقه،
التعليل، المراد بهذه الجملة الكريمة التعبير عن عجيب صنع الله فى خلقه أى:
وقلن عندما فوجئن بخروج يوسف عليهن: تنزه الله - تعالى - تنزيها كثيرا
عن صفات العجز ، ونتعجب تعجبا شدتدا من قدرته - سبحانه - على خلق
هذا الجمال البديع ، وما هذا الذى نراه أمامنا بشرا كسائر البشر ، لتفوقه فى
الحسن عنهم ، وإنما هو ملك كريم من الملائكة المقربين تمثل فى هذه الصورة
البديعة التى تخلب الألباب .
ووصفوه بذلك بناء على ماركز فى الطباع من تشبيه ما هو مفرط فى
الجمال وليفة بالملك، وتشبيه ما هو شديد القبح والسوء بالشيطان.
وهنا شعرت امرأة العزيز بانتصارها على بنات جنسها، اللائى عذلنها فى
حبها ليوسف، فقالت لهن على سبيل التفاخر والتشفى ، وبدون استحياء أو
تلميح : فذلكن الذى لمتننى فيه ،
والفاء هنا فصيحة ، والخطاب للنسوة اللائى قطعن أيديهن دهشا من جمال
يوسف ، والإشارة اليه - عليه السلام -
أى : قالت هن على سبيل النشفى والتباهى والاعتذار عما صدر منها معه:
إن كان الأمر كما قلتن ، فذلك هو الملك الكريم الذى لمتنى فى حبنى له ،

٠٠٠ ٧٥ -
وقلتن ما قلتن فى شأنى لافتتانى به ، فالآن بعد رؤيتكن له، وتقطيع أيديكن
ذهولا لطلعته ، قد علمتن أفى معذورة فيما حدث منى معه ...
ثم جاهرت أمامهن بأنها أغرته بموافعتها فلم يستجيب فقالت: ((ولقد
راودته عن نفسه فاستعصم ... ,
أى: ووالله لقد حاولت معه بشتى المغريات أن يطوع نفسه لى، فأبى
وامتنع امتناعا بليغا ، وتحفظ تحفظاً شديدا.
والتعبير بقوله (( فاستعصم) للمبالغة فى عصمته لنفسه من الزلل ، فالسين
والتاء للمبالغة، وهو من العصمة بمعنى المنع. يقال: عصمه الطعام أى: منعه
من الجوع. وعصم القربة أى : شدها بالعصام ليمنع نزول الماء منها.
وفى الآية - كما يقول الآلوسى - دليل على أنه - عليه السلام - لم
يصدر منه ما سود به القصاص وجوه الطروس (١) - أى الأوراق:
ثم قالت أمامهن بعد ذلك فى تبجح واستهتار وتهديد: (( ولئن لم يفعل
ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ،
أى: والله لقد روادته عن نفسه فاستعصم، ووالله لئن لم يفعل ما آمره
به، - وأنا سيدته الآمرة الناهية لا غيرى - ليسجنن عقوبة له، وليكونا من
الصاغرين، أى: من الأذلاء المهاتين المقهورين، من الصغار. يقال صغر
فلان - كفرح - يصغر صغرا وصغارا إذا ذل ومان.
قالوا: وأكدت السجن بالنون الثقيلة وبالقسم لتحققه فى نظرها، وأكدت
الصغار بالنون الخفيفة لأنه غير متحققفيه، ولأنه من توابع السجن ولوازمه.
وفى هذا التهديد مافيه من الدلالة على ثقتها من سلطانها على زوجها ، وأنه
لا يستطيع أن يعصى لها أمرا، مع أنه عزيز مصر ...
ويترامى على مسامع يوسف - عليه السلام - هذا التهديد السافر .. فيلجأ
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ٢٠٩

- ٧٦ -
إلى ربه مستجيرا به. ومحتميا بحماه ويقول. «رب السجن أحب إلى ما
يدعوننى إليه .....
أى: قال يوسف - عليه السلام - متضرعا إلى ربه - تعالى - : يارب
السجن الذى هددنى به تلك المرأة ومن معها، أحب إلى ؛ وآثر عندى مما
يدعوننى إليه من ارت كاب الفواحش.
وقال أحب إلى مما يدعوفنى إليه، ولم يقل ما تدعونى إليه امرأة العزيز،
لأنهن جميعا كن مشتركات فى دعوته إلى الفاحشة سواء بطريق مباشر أم غير
مباشر ، بعد أن شاهدن هيئته وحسنه . وبعد أن سمعن ما قالته فى شأنه
ربة الدار ...
قال الآلوسي: وإسناد الدعوة إليهن، لأنهن خوفنه من مخالفتها، وزين
له مطاوعتها .
فقد روى أفهن قلن له أطع مولاتك، واقض حاجتها, لتأمن عقوبتها ..
وروى أن كل واحدة منهن طلبت الخلوة به لنصيحته ، فلما خلت به دعته
إلى نفسها ....
وقوله ((وإن لا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين))
اعتراف منه - عليه السلام - بضعفه البشرى الذى لا قدرة له على الصمود
أمام الإغراء ، إذا لم يكن معه عون الله - تعالى - وعنايته ورعايته .
و«أصب، من الصبوة وهى الميل إلى الهوى، يقال: صبا فلان يصبو
صبوا وصبوة، إذا مال إلى شهرات نفسه واتبع طريق الشر ، ومنه ريح
الصبا، وهى التى تميل إليها النفوس لطيب نسيمها واعتدال هوائها.
والمعنى: وإلا تدفع عنى يا إلهى كيد هؤلاء النسوة، ومحاولانهن إيقاعى
فى حبائلهن ، أمل إليهن. وأطاوعهن على مايردنه من ، وأكن بذلك من
الجاهلين السفهاء الذين يخضعون لأهوائهم وشهواتهم ، فيقعون فى القبائح
والمنكرات .

٠٠٠ ٧٧ -
وقوله - سبحانه - ((فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه السم
العليم) بيان لتقبل الله - تعالى - لدعائه بفضله ورحمته.
أى: فاستجاب الله - تعالى - ليوسف دعاءه وضراعته، فدفع عنه بله
وقدرته كيد هؤلاء النسوة ومكرهن ، بأن أدخل اليأس فى نفوسهن من الط
فى استجابته لهن ، وبأن زاده ثباتا على ثباته ، وقوة على قوته ، فلم ينخد
بمكرهن، ولم تلن له قناة أمام ترغيبون أو ترهيبهنى .
((إنه، سبحانه (( هو السميع، لدعاء الداعين، والمجيب لضراعه المخلص
((العليم) بأحوال القلوب، وبما تنطوى عليه من خير أو شر:
وقال - سبحانه - ((فاستجاب .. ) بناء التعقيب الإشارة إلى أنه - سبحانه
بفضله وكرمه، قد أجاب دعاء عبده يوسف - عليه السلام - بدونتأخير أو إبطاء.
قال الإمام ابن كثير: وقوله - سبحانه -: (, فاستجاب له ربه فصرفء
كيدهن .... ، وذلك لأن يوسف - عليه السلام - عصمه الله عصمة عظيمة
وحماه فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا فى غا
مقامات الکال ، أنه مع شبابه وجماله وكله ، تدعوه سيدته ، وهی امر
عزيز مصر، وهى مع هذا فى غاية الجمال والمال والرياسة ، فيمتنع من ذلا
ويختار السجن خوفا من الله، ورجاء فى ثوابه.
ولهذا ثبت فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال سبه
يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل ، وشاب نشأ فى عبادة الله
ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا فى الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه
ورجل تصدق بصدقة فأخفاهاحتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ، ورجا ذ؟
الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إز
أخاف الله ، (١).

- ٧٨ -
ثم ساقت لنا السورة الكريمة بعدذلك قصة دخول يوسف - عليه السلام-
السجن، مع ثبوت براءته، بما نسب إليه، وكيف أنه وهو فى السجن لم ينس
الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - وحده، وترك عبادة ماسواه، وكيف أنه أقام
الأدلة على صحة ما يدعو إليه ، وفسر لصاحبيه فى السجن رؤياهما تفسيراً
صادقاً صحيحا ...
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول:
(( ثُمَّ بَدَا لهُم مِنْ بعد ما رأوا الآياتِ لِيَسْجُنُنَّهُ حَتَى حيزٍ (٣٥)
ودخَلُ مَعَهُ السَّجزَ فتيازٍ، قَالَ أحدُهما إِنّ أراِى أَعْصِرُ خمراً، وقال الآخرُ
إِنّى أرابِى أحِلُ فوقَ رأْسِى خبزاً تأكلُ الطيرُ منه، نبئتَاَ بتأويلهِ
إنا نراكَ من المحسنين (٣٦) قالَ لا يأتِكُما طعامٌ تَرْرَفَاهِ إلا بأْنَكُما
بِأُويله قبلَ أن يأتيكُما، ذلِكُمَا مما عَّنى ربى، إنّى تركتُ ملةَ قومٍ
لا يُؤْمِنُونَ بالله، وم بالآخرةِ م كافرونَ (٣٧) واتبعتُ ملةَ آبأبى
إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ، ما كانَ لنا أن نشرك بالله من شىءٍ،
ذَلِكَ مِنْ فضلِ اللهِ علينا وعلى الناسِ، ولكنَّ أكثرَ الناسِ
لا يشكرونَ (٣٨) يا صاحِبَ السجنِ أأربابٌ متفرقوزَ خيرٌ أم الله
الواحدُ القهارُ (٣٩) ما تعبدونَ من دونِه إلا أسماءٍ تَمْتُموها أنْتُم
وَآبَاؤُ كم ما أنزلَ اللهُ بِها من سُلطانٍ، إذِ الحكمُ إلا ◌ِ أمر أنْ
لاَتعبدُوا إلا إياهُ، ذلكَ الدينُ القيمُ ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمونَ(٤٠)
يا صاحبي السجنِ أما أحَدُ كُما فيستِى ربَّه خمراً، وأما الآخرُ فيُصلَّبُ
فتأكلُ الطيرُ من رأسِهِ، قُضِىَ الأمرُ الذى فيه تَسْتَفْيَانِ (٤١) وقالَ

- ٧٩ -
لِلَّذِى ظنَّ أَنَّه ناجٍ مِنْهُما، اذكُرْفِى عند ربِّكَ، فأنساهُ الشيطان
ذِكْرَ ربِّه، فَلبتَ فى السّجنِ بضع سنين (٤٢))) .
وقوله - سبحانه - ، ثم بدا لهم من بعد مارأوا الآيات ليسجننه حتى
حين )) بيان لما فعله العزيز وحاشيته مع يوسف - عليه السلام - بعد أن
ثبتت براءته .
وبدا هنا من البداء - بالفتح - وهو - كما يقول الإمام الرازى - عبارةء
تغير الرأى عما كان عليه فى السابق .
والضمير فى ((لهم ، يعود إلى العزيز وأهل مشورته.
والمراة بالآيات : الحجج والبراهين الدالة على براءة يوسف ونزاهته
"5انشقاق قيصه من دبر، وقول امرأة العزيز ,ولقد راودته عن نفسه فاستعص.
وشهادة الشاهد بأن يوسف هو الصادق وهى الكاذبة ...
والحين ، الزمن غير المحدد بمدة معينة .
والمعنى: ثم ظهر للعزيز وحاشيته، من بعد مارأوا وعاينوا البراه
الميعددة الدالة على صدق يوسف - عليه السلام - وطهارة عرضه ...
بدالهم بعد كل ذلك أن يغيروا رأيهم فى شأنه ، وأن يسجنوه فى المكـ
المعد لذلك ، إلى مدة غير معلومة من الزمان .
واللام فى قوله « ليسجننه، جواب نفسم محذوى على تقدير القول :
ظهر لهم من بعد مارأوا الآيات قائلين، واللّه ليسجننه حتى حين .
ولاشك أن الأمر بسجن يوسف - عليه السلام - كان بتأثير من امـ
العزيز ، تنفيذوا لتهديدها بعد أن صم يوسف - عليه السلام - على عصير
فيما تدعوه إلية، فقد سبق أن حكى القرآن عنها قولها ( ولئن لم يفعل ما آ.

- ٨٠ -
ليسجنن وليكون من الصاغرين)) (١).
ولاشك - أيضا - أن هذا القرار بسجن يوسف يدل على أن امرأة احزيز
كانت مالكة لقياد زوجها صاحب المنصب الكبير ، فهى تقود، حيث تريد
كما يقود الرجل دابته ...
ولقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف فقال ما ملخصه: قوله «ثم
بدالهم من بعد ماز أوا الآيات)) ...
وهى الشواهد على براءته، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها ،
وفتلها منه فى الذروة والغارب، وكان مطواعة لها ، وجملا ذلولا زمامه فى
يدها ، حتى أنساه ذلك ما عان من الآيات ، وعمل برأيها فى سجنه، لإلحاق
الصغار به كما أوعدته ، وذلك لما أيست من ضاعته لها، وطمعت فى أن يذلله
السجن ويسخره لها ،.
ثم بين - سبحانه - جانبا من أحواله بعد أن دخل السجن فقال: ((ودخل
معه السجن فتيان ... )).
والفتيان: تثنية فتى ، وهو من جاوز الحلم ودخل فى من الشباب .
قالوا : وهذان الفتيان كان أحدهما : خبازا للملك وصاحب طعامه. وكان
الثانى : ساقيا للملك ، وصاحب شرابه .
(١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ هـ ٥١٣٣
(٢) تفسير الكشاف ج٢ ص ٢١٩. وقوله ((وفتلها منه فى الذروة والنارب))
مثل يضرب لمن يتلطف فى خداع غيره ، حتى يتمكن من إخضاعه له ، ومن
انقياده لأمره والذروة- بالكسر والضم - أعلى الشىء والمراد به هنا أعلى سنام
البعير. والغارب المكان الذى العفق والسنام منه. والمراد أن صاحب الجمل يخفى
الخطام ويأخذ فى التحايل على الجمل حتى يتمكن منه فيضع فيه الخطام ويقوده به.