Indexed OCR Text

Pages 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تَفَسِيرُسُورَة يُوسف
عليْه السَّلام
لفضيله
الدكتور محمد السسيد طنطاوى
الأستاذ بكلية أصول الدين
جامعة الأزهر
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ..
١٤٠٤هـ - ١٩٨٤ م

(ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم )
( تابع الجزء الثانى عشر )
مَكَعَّ السَعَادة
ميدان احمد ماهر- شارع شهداوى رقم ١٢
ت ٩٠٧٢٧٩ س ت ١١٩٩٧٠

مقَدمَة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه.
وبعد: فهذا تفسير تحليلى لسورة يوسف - عليه السلام - ، توخيت فيه
أن أبرز ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من توجيهات سامية، وآداب
عاليه ، وهدايات شاملة، وحكم جليلة ، وترا كيب بليغة ...
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، وشفيعا
لنا يوم نلقاه، إنه - سبحانه - أكرم مسئول، وأعظم مأمول.
وصفى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .؟
المدينة المنورة: ١٩ من شوال سنه ١٤٠١ هـ
٢١ من يونيو سنة ١٩٨٠ م
المؤلف
سيد محمد طنطاوى

تعريف بسورة يوسف - عليه السلام -
١ - سورة يوسف - عليه السلام - هى السورة الثانية عشرة فى ترتيب
الصحف ، فقد سبقها فى الترتيب سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران ،
والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة ، ویونس،
وهود ...
أما ترتيبها فى النزول ، فكانت السورة الثالثة والخمسين ، وكان نزولها بعد
سورة هود - عليه السلام - .
وعدد آياتها إحدى عشرة ومائة آية .
وجه تسميتها بهذا الاسم ظاهر؛ لأنها مشتملة على قصته - عليه السلام-
مع إخوته، ومع امرأة العزيز، ومع ملك مصر فى ذلك الوقت ....
ولم يذكر اسم يوسف - عليه السلام - فى غير هذه السورة سوى
مرقين: إحداهما: فى سورة الأنعام فى قوله - تعالى - ((ووهبنا له إسحاق
ويعقوب كلا هدینا ، ونوحا هدینا من قبل ، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب
ويوسف وموسى وهارون .... الآية ٨٤.
والثانية فى سورة غافر فى قوله - تعالى -: ((ولقد جاءكم يوسف من
قبل بالبينات ... ، الآية ٠٣٤
والقول الصحيح أن سورة يوسف جميعها مكية ، ولا التفات إلى قول من
قال بأن فيها آيات مدنية ، لأن هذا القول لادليل عليه .
قال الآلوسي : سورة يوسف مكية كلها على المعتمد ، وروى عن ابن عباس
وقتادة أنهما قالا : هى مكية إلا ثلاث آيات من أولها . واستثنى بعضهم رابعة
وهى قوله - تعالى - ((لقد كان فى يوسف وإخوته آيات للسائلين».

- ٦ -
وكل ذلك واه جدا لا يلتفت إليه، وما اعتمدفاه كغيرنا - من أنها كلها مكية
- هو الثابت عن الحبر - أى عن ابن عباس)،(١).
٣ - وقد ورد فى سبب نزولها روايات متعددة ، منها ماروى عن سعد
ابن أبى وقاص أنه قال: أنزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
فتلاه على أصحابه زمانا ، فقالوا يارسول الله، لوقصصت علينا فنزلت سورة
يوسف ... ,(٢)
٤ - طبيعة الفترة التى نزات فيها هذه السورة: قلنا إن سورة يوسف كان
نزولها بعد سورة هود، وسبق أن بينا عند تفسيرنا لسورة هود ، أن هذه
السورة الكريمة كان نزولها - على الراجح - فى الفترة التى أعقبت حادث
الإسراء والمعراج ...
ويبدو أن سورة يوسف - أيضا - كان نزولها فى هذه الفترة، التى تعتبر
من أشق الفترات فى حياة النبى - صلى الله عليه وسلم -، إذ تعرض خلالها
للكثير من أذى المشركين ، بعد أن فقد - صلى الله عليه وسلم - فى هذه الفترة
عمه أبا طالب ، وزوجه السيدة خديجة - رضى الله عنها -.
ونزول سورة يوسف فى هذه الفترة، كان من أعظم المسليات التى واسى
الله - تعالى - بها نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فقد أخبره عما دار بين يوسف
وإخوته، وعما تعرض له هذا النبي الكريم من مصائب وأذى ....
ولاشك أن فى قصة يوسف وما يشبها ، تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم+
عما أصابه من قومه .
والذى يطالع هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها قد اشتملت على
أوضح الدلائل، وأنصع البراهين ، التى تشهد بأن هذا القرآن من عنداته ...
(١) تفسير الالوسى = ١٢ ص ١٧٠ طبعة منير الدمشقى ..
(٢) تفسير الألوسى جـ ١٢ ص
٠٠

- ٧ -
فقد قصت علينا قصة يوسف -عليه السلام - مع إخوته ومع غيرهم بأسلوب
مشوق حكيم ، يهدى النفوس ، ويشرح الصدور ، ويكشف عن الخفايا التى
لا يعلمها أحد إلا الله - تعالى -، ويصور أحوال النفس الإنسانية تصويرا
بديعا معجزا ...
كما يراها قد ساقت ماساقت من حكم وأحكام ، وعبر وعظات ، بأسلوب
يمتاز بحسن التقسيم، وجمال العرض، حتى إننا لنستطيع أن نقسم أهم الموضوعات
التى تحدثت عنها إلى عشرة أقسام .
(أ) أما القسم الأول (١) منها، فنراها تتحدث فيه عن جانب من فضائل
القرآن الكريم، وعن رؤيا يوسف - عليه السلام - وعن نصيحة أبيه له بعد
أن قصها عليه ...
قال - تعالى ـ((ألر. تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنا عربيا
لعلكم تعقلون. نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن
وإن كنت من قبله لمن الغافلين . إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد
عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين . قال يابنى لا تقصص رؤياك
على إخوتك فيكيدوالك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين .... (٢))
(ب) وفى القسم الثانى منها نراها تحدثنا عن مكر إخوة يوسف به ،
وحدهم له، وتآمرهم على الانتقام منه، وإجماعهم على أن يلقوا به فى الجب،
وتنفيذهم لذلك بعد خداعهم لأبيهم ، وزعمهم له بأنهم سيحافظون على أخيهم
يوسف ...
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه البديع المعجز فيقول:
، لقد كان فى يوسف وإخوته آ بات للسائلين. إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب
(١) الآيات من ١ - ٦
(٣) الآيات من ١٩ - ٢٩
(٢) الآيات من ٧ - ٠١٨

- ٨ -
إلى أيينا منا ونحن عصبة، إن أبانا لفي ضلال مبين . !قتلوا يوسف أو اطرحوه
أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين . قال قائل منهم
لاتقتلوا يوسف وألقوه فى غيابة الجب، يلتقطه بعض السيارة إن كنتم
فاعلين .... ،
إلى أن يقول - سبحانه -: ((وجاءواعلى قميصه دم كذب ، قال بل سولت
لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل، والله المستعان على ماتصفون)).
(جـ) ثم نراها فى القسم الثالث منها تحدثنا عن انتشال السيارة ليوسف من
الجب ، وعن بيعهم له بثمن بخس دراهم معدودة ، وعن وصية من اشتراه
لامرأته بإكرام مثواه ، وعن محنته مع تلك المرأة التى راودته عن نفسه
((وغلقت الأبواب وقالت هيت لك))، وعن خروجه من هذه المحنة بريئا ،
فقى العرض، طاهر الذيل ... بعد أن شهد ببراءته شاهد من أهلها .. .
قال - تعالى - ، وجاءتسيارةفارسلواو اردهم فأدلى دلوه ،قال يا بشرى
هذا غلام، وأسروه بضاعة ، والله عليهم بما يعملون. وشروه بثمن بخر درام
معدودة وكانوا فيه من الزاهدين. وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمى
مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا .... ))
إلى أن يقول - سبحانه: ((وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه وغلقت
الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله، إنه ربى أحسن مثواى إنه ألا يفلح
الظالمون ....
ثم يختم - سبحانه - هذا القسم من السورة بحكاية ماقاله الزوج لامر أته
وليوسف ، بعد أن تبين له صدق يوسف وكذب امر أنه فيقول: ((فلما رأى
قميصه قد من دبر قال إنه من كيد كن إن كيد كن عظيم . يوسف أعرض
عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين ».
ثم تحدثنا السورة بعد ذلك فى القسم الرابع منها ، عن شيوع خبر امرأة
(١) الآيات من ٣٠ - ٠٣٥

- ٩ -
العزيز مع فتاها ، وما فعلته تلك المرأة مع من أشاع هذا الخبر ، وعن ﴾
يوسف - عليه السلام - إلى ربه يستجير به من كيد هؤلاء النسوة ..
قال - تعالى - حاكيا هذا المشهد بأسلوب معجز: ((وقال نسوة فى المد
أمرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، قد شغفها حبا، إنا لنراها فى ضلا
مبين . فلما سمعت بمكر هن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وقالت أخر
عليهن، فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، وقلن حاش لله ماهذا بشرا !
هذا إلا ملك كريم .
قالت فذلكن الذى لمتنى فيه، ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولا
لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين. قال رب السجن أحب !
مما يدعوفنى إليه، وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم . ثم بدأ لهم من !.
مارأوا الآيات ليسجننه حتى حين ،.
ثم تحدثنا السورة الكريمة بعد ذلك فى القسم (1) الخامس منها، عن يوسف
السجين المظلوم ، وكيف أنه لم يمنعه السجن من دعوة رفاقه فيه إلى وحدا.
الله، وإلى إخلاص العبادة له - سبحانه - ...
((ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان
إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم، ولكن أكا
٠،٠
الناس لا يعدون .
(و) ثم تحدثنا السورة الكريمة فى القسم (٢) السادمر منها عن الرؤيا المفزع
التى رآها ملك مصر فى ذلك الوقت، وكيف أن حاشيته عجزت عن تفسيرها
ولكن يوسف الصديق فرها تفسيرا صحيحا أعجب الملك ، وحمله على دعوة
(١) الآيات من ٣٦ - ٤٢
(٢) الآيات من ٤٣ - ٥٧

١٠٠٠ -
للالتقاء به، إلا أن يوسف - عليه السلام - أبى الالتفاء به إلا بعد أن يحقق
الملك فى قضيته بنفه، ويعلن براءته على رؤوس الأشهاد ...
وبعد أن استجاب الملك لطلب يوسف، وثبتت براءته - عليه السلام -
حضر معززا مكرما وقال الملك بعزة وإباء : ( اجعلنى على خزائن الأرض
إنى حفيظ عليم ......
استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى هذا المشهد بأسلوبها الزاخر
بالمحاورات والمفاجآت ، فتقول: ((وقال الملك إنى أرى سبع بقرات سمان
يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فأيها الملأ أفتونى
فى رؤياى إن كنتم للرؤيا تعبرون. قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل
الأحلام : عالمين . وقال الذى نجا منهما وأذكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله
فأرسلون . يوسف أيها الصديق أفتغا فى سبع بقرات سمات يأكلهن سبع عجاف
وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون .
قال تزرعون سبع سنين دأبا فيما حصد تم فذروه فى سنبله إلا قليلا مما
تأكلون .... )).
وينتهى هذا المشهد ببيان سنة من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف ، والتى
تتمثل فى حسن عاقبة المؤمنين حيث يقول - سبحانه -: «وكذلك مكنا ليوسف
فى الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر
المحسنين. ولأجر الآخرة خبر للذين آمنوا وكانوا يتقون)).
ثم تنتقل السورة الكريمة فى القسم السابع(١) منها إلى الحديث عن اللقاء.
الأول الذى تم بين يوسف وإخوته ، بعد أن حضروا من بلادهم بفلسطين
إلى مصر يلتمسون الزاد والطعام ... وكيف أنه عرفهم دون أن يعرفوه،
وكيف أنه - عليه السلام - طلب منهم بعد أن أكرمهم أن يحضروا إليه من
بلادهم ومعهم أخوهم من أبيهم - وهو شقيقه بنيامين -...
(١) الآيات من ٥٨ - ٦٨
٠ ٣

- ١١ -
وكيف أن أباهم وافق على إرسال بنيامين معهم بعد أن أخذ عليهم العهود
والمواثيق لكى يحافظوا عليه ...
استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كل ذلك فتقول: وجاء إخوة
يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون . ولما جهزهم بجهازهم قال انتونى
بأخ لكم من أبيكم ، ألا ترون أنى أو فى الكيل وأنا خير المنزلين. فإن لم
تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون . قالوا سنراود عنه أباه وإنا
الفاعلون. وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا
إلى أهلهم لعلهم يرجعون. فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا السكيل
فأرسل معنا أخانا فكتل وإنا له لحافظون . قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتمكم
٠
على أخيه من قبل، فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين
ثم حدثتنا السورة الكريمة فى القسم الثامن(١) منها عن اللقاء الثانى الذى
ثم بين يوسف وإخوته، بعد أن حضروا إليه فى هذه المرة ومسهم («بنيامين))
شقيق يوسف ، وكيف قام يوسف بالتعرف عليه ، ثم كيف احتجزه عنده
بحيلة دبرها بإلهام من الله - تعالى -، وكيف رد على أخوته الذين طلبوا منه
أن يأخذ أحدهم مكان بنيامين ...
وماذا قاله (« يعقوب)) - عليه السلام - بعد أن عاد إليه أبناؤه، وليس
معهم بنيامين ....
استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكم كل هذه المشاهد والأحداث
فتقول :
ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما
كانوا يعملون. فلما جهزهم بجهازهم جعل السقابة فى رحل أخيه، ثم أذن
مؤذن أيتها العير إنكم لسارةون. قالوا وأقبلوا عليهن ماذا تفقدون. قالوا
(١) الآيات من ٦٩ - ٨٧

- ١٢ -.
نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم . قالوا قا الله لقد علمتم
ماجئنا لنفسد فى الأرض وما كنا سارقين . قالوا فا جزاؤه إن كنتم كاذبين.
قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى الظالمين . فبدأ بأوعيتهم
قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ، كذلك كدنا ليوسف، ما كان
ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله ، نرفع درجات من نشاء وفوق كل
ذي علم عليم ... ))
وينتهى هذا القسم بقول يعقوب - عليه السلام - لأبنائه بعد أن عادوا
إليه وليس معهم أخوهم بنياين: ((قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر
جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم. وتولى عنهم وقال
يا أسفى على يوسف وأبيضت عيناهمن الحزن فهو كظيم . قالوا قاالله تفتأتذكر
يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين. قال إنما أشكو بنى
وحزنى إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون. يابنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف
وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القومالكافرون)).
(ط) ثم حدثقنا السورة الكريمة بعد ذلك فى القسم التاسع(١) منها عن
اللقاء الثالث والأخير بين يوسف وإخوته ، فيمكت لنا أن يوسف - عليه
السلام - كشف لإخوته عن نفسه فى هذا اللقاء، وأمرهم بأن يذهبوا بقميصه
ليلقوا به على وجه أبيه .... كما أمرهم أن يعودوا إليه ومعهم جميع أهلهم.
كما حكت لنا لقاء يوسف بأبويه، وإكرامه لهما، وشكره لله - تعالى -
على ما وهبه من نعم ...
قال - تعالى - حاكيا مادار بين يوسف وإخوته، وبين يوسف وأبيه
فى هذا اللقاء: ((فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا
ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين .
(١) الآيات من ٨٨ - ٠١٠١

- ١٣ -
قال هل علمتم مافعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون. قالوا أتنك لأنت
يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا، إنه من يثق ويصبر فإن
الله لا يضيع أجر المحسنين ...
إذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا، وأتونى بأهلكم
أجمعين ...
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين،
ثم ختم - سبحانه - قصة يوسف بهذا الدعاء الذى حكاه - سبحانه -
عنه فى قوله: «رب قد آقيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث ، فاطر
السموات والأرض، أنت ولى فى الدنيا والآخرة، توفى مسلما وألحقنى
بالصالحين » .
(ى) أما القسم العاشر (١) والأخير من السورة الكريمة، فقد كان تعقيبا
على ماجاء فى تلك القصة من حكم وأحكام، ومن عبر وعظات ، ومن آداب
وهدايات ...
وقد بين - سبحانه - فى هذا القسم ما يدل على أن القرآن من عند الله ،
وما يشهد بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه ...
كما بين - سبحانه - وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وموقف
المشركين من دعوته، وأنه - صلى الله عليه وسلم - ليس بدعا من الرسل، وأن
العاقبة ستكون له ولأتباعه المؤمنين .
قال - تعالى - «ذلك من أنباء الغيب فو حيه إليه، وما كنت لديهم إذأجمعوا
أمرهم وهم يمكرون. وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين. وما نسألهم عليه
من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين. وكأين من آية فى السموات والأرض يمرون
عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن أكثر هم بالله إلا وهم مشر كون ...
(١) الآيات من ١٠٢ - ٠١١١

- ١٤ -
ثم يختتم - سبحانه - هذه السورة الكريمة بقوله: ((لقد كان فى قصصهم
عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه
وتفصيل كل شىء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)).
٦ - هذا عرض مجمل لأهم الموضوعات التى اشتملت عليها سورة يوسف
- عليه السلام -، ومن هذا العرض نرى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور
من أهمها ما يأتى:
(١) إبراز الحقائق والهدايات ، بأسلوب المحاورات والمجادلات
والمناقشات .... ومن مظاهر ذلك :
المحاورات التى دارت حول إخوة يوسف فى شأن الانتقام منه ، والتى
منها قوله - تعالى - ، لقد كان فى يوسف وإخوته آيات للسائلين. إذ قالوا
ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين .
اقتلوا يوسف أو أطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ، وتكونوا من بعده
قوما صالحين . قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه فى غيابة !لجب يلتقطه
....
بعض السيارة إن كنتم فاعلين
والمحاورات التى دارت بينهم وبين أبيهم فى شأن اصطحابهم ليوسف ،
والتى منها قوله - تعالى -: ((قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له
كناصحون. أرسله معنا غدا يرقع ويلعب وإنا له لحافظون. قال إنى ليحز نى
أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون . قالوا لئن أكله
الذئب ونحن عصبة إنا إذا خاسرون .... )).
والمحاورات التى دارت بين يوسف وإخوته ، بعد أن عرفهم وهم له
منكرون، وبعد أن ترددوا عليه ثلاث مرات للحصول على حاجتهم من
الزاد .... والتى منها قوله - تعالى -: فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا
وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله

- ١٥ -
يجزى المتصدقين. قال هل علمتم مافعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا أتنك لأقت يوسف، قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا، إنه
من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. قالوا تا الله لقد آثرك الله
علينا وإن كنا الخاطئين. قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم.
٠٠٠
الراحمين .
وهكذا نجد السورة الكريمة زاخرة بأسلوب المحاورات والمناقشات
والمجادلات. تارة بين يوسف وأخوته ، وتارة بين إخوته فيما بينهم ، وقارة
بينهم وبين أبيهم ، وقارة بين يوسف وامرأة العزيز، وقادة بينه وبين ملك
مصر فى ذلك الوقت ....
وهذه المحاورات التى حفلت بها السورة الكريمة، قد أكسبتها لونا من
العرض المشوق ، الذى يجعل القارى. لها يتعجل حفظ كل موضوع من
موضوعاتها ، ليصل إلى الموضوع الذى يليه ...
وهذا الأسلوب فى عرض الحقائق من اسمى الأساليب التى تعين القارئ.
على حفظ القرآن الكريم، وعلى تدبر معانيه، وعلى الانتفاع بهداياته ...
٢ - إبرازها لجوهر الأحداث ولبابها ... أما تفاصيل هذه الأحداث ...
فتركت معرفتها لفهم القارىء وفطنته ، وسلامة تفكيره ، وحسن تدبره
اسكلام الله - تعالى - ...
وهذا اللون من العرض للأحداث، يسمى فى عرف البلغاء ، بأسلوب
الإيجاز بالحذف والقارىء لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل، يراها على
رأس السور القرآ فية التى كثر فيها هذا الأسلوب البليغ .
فمثلا قوله - تعالى -: ((وجاءوا على قميصه بدم كذب ، قال بل سوات
لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ..... )) معطوف على كلام محذوف يفهم
من السياق .

- ١٦
والتقدير : وبعد أن ألقى إخوة يوسف به فى الجب، وانصرفوا لشئونهم
((جاءوا على قميصه بدم كذب، لكى يخدعوا أباهم، فلما أخبروه بأن الذئب
قد أكله (( قال، بل سؤلت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ... )).
وكذلك قوله - تعالى - ((قال رب السجن أحب إلى مما يدعو فى إليه .. ،
مترتب على كلام محذوف يفهم من سياق الآيات ...
والتقدير: وعد أن سمع ماقالته النسوة بشأنه عندما دخل عليهن بأمر
من امرأة العزيز، وسمع تهديد هذه المرأة له بقولها: «قالت فذلكن الذى
لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن
وليكونا من الصاغرين)) .
بعد أن سمع يوسف كل ذلك ، وتيقن من مكرهن به ، لجأ إلى ربه
مستجيرا به من كيدهن فقال: «رب السجن أحب إلى ما يدعونى إليه ... )).
وأيضا قوله - تعالى - ((وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم
بتأويله فأرسلون. يوسف أيها الصديق أفتنا فى سبع بقرات سمان .
٠٠
يعتبر من بديع أسلوب الإيجاز بالحذف ، إذ تقدير الكلام :
وبعد أن عجز الملأ عن تفسير رؤيا الملك، وقالوا له: إن رؤياك أضغات
أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، ((قال الذى نجا منهما، أى: من
صاحبى يوسف فى السجن وهو الساقى ((وأذكر بعد أمة)، أى وتذكر بعد
نسيان طويل («أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون، إلى من عنده تفسير هذه الرؤيا
تفسيرا صحيحا - وهو يوسف -، فاستجابوا له وأرسلوه إلى يوسف ، فذهب
إليه فى السجن ، فلما دخل عليه قال له يا يوسف يا أيها الصديق، أفتنا فى
سبع بقرات سمان ...... الخ.
وهذا الأسلوب الذى زخرت به السورة الكريمة ، وهو أسلوب الإيجاز

- ١٧ -
بالحذف، من شأنه أنه ينشط العقول، ويبعثها على التأمل والتدبر فيما تقرؤه.
ويعينها على الاتعاظ والاعتبار ...
وهو أسلوب أيضا تقتضيه هذه السورة الكريمة، لأنها تتحدث عن قصة
فى من أنبياء الله - تعالى - ، والحديث عن ذلك يستلزم إبراز جوهر
الأحداث ولبابها ، لا إبراز تفاصيلها ومالا فائدة من ذكره .
فاشتمال السورة الكريمة على هذا الأسلوب البليغ، هو من باب رعاية
الكلام لمقتضى الحال ، وهو أصل البلاغة وركنها الركين .
٣ - السورة الكريمة اهتمت اهتماما واضحا بشرح أحوال النفس البشرية
وتحليل ما يصدر عنها فى حال رضاها وغضبها ، وفى حال حبها وبغضها ، وفى
حال فرحها وحزنها ، وفى حال أملها ويأسها، وفى حال صلاحها وانحرافها ،
وفى حال غناما وفقرها، وفى حال عسرها ويسرها ، وفى حال صفائها
وحقدها ...
وقد حدثقنا عن الشخصيات التى وردت فيها حديثا صادقا أمينا ، كشفت
لنا فيه عن جوانب متعددة من أخلاقهم، وسلوكهم ، وميولهم، وأفكارهم ...
وأعطت كل واحد منهم حقه فى الحديث عنه .
(أ) فيوسف - عليه السلام - وهو الشخصية الرئيسة فى القصة -
حدثتنا عنه حديثا مستفيضا نستطيع من خلاله ، أن نرى له - عليه السلام -
مناقب ومزايا متنوعة من أهمها مايأتى :
: إمتلاكه لنفسه ولشهوته مهما كانت المغريات ، بسبب خوفه لمقام ربه ،
ونهيه لنفسه عن الهوى ...
ولا أدل على ذلك من قوله - تعالى -: «وراودته التى هو فى بينها عن نفسه
وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله، إنه ربى أحسن مثواى،
إنه لا يفلح الظالمون ... »
( ٢ - سورة يوسف )

١٨ ٠
قال الشيخ القاسمى: قال الإمام ابن القيم ما ملخصه: لقد كانت هناك دواعى
متعددة تدعو يوسف إلى الاستجابة لطلب امرأة العزيز منها : ماركبه الله فى
طبع الرجل من ميله إلى المرأة ...
ومنها : أنه كان شابا غير متزوج .. ومنها: أنها كانت ذات منصب
وجمال ... وأنها كانت غير آبية ولا ممتنعة .. بل هى التى طلبت وأرادت
وبذات الجهد ....
ومنها: أنه كان فى دارها وتحت سلطانها ... فلا يخشى أن تنم عليه ...
ومنها: أنها استعاقت عليه بأئمة المكر والاحتيال فأرته إياهن، وشكت
حالها إليهن ...
ومنها : أنها قوعدته بالسجن والصغار إن لم يفعل ما تأمره به ...
ومنها أن الزوج لم يظهر من الغيرة والقوة ما يجعله يفرق بينه وبينها ...
ومع كل هذه الدواعى ، فقد آثر يوسف مرضاة الله ومراقبته ، وحمله
خوفه من خالقه على أن يختار السجن على إرتكاب ما يغضبه .... (١)
٢ - صبره الجميل على المحن والبلايا، ولجوؤه إلى ربه ليستجير به من
كيد امرأة العزيز وصواحبها: ((قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه
وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ..
٠٠.
٣ - نشره الدين الحق، ودعوته لعبادةاللهوحده،حتى وهو بين جدران
السجن ، فهو القائل لمن معه فى السجن: « ياصاحى السجن أأرباب متفرقون
خير ، أم الله الواحد القهار. ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أتم
وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان .... )
٤ - حسن تدبيره للأمور ، وتوصله إلى مايريده بأحكم الأساليب ،
(١) تفسير القاسمى جـ ٩ ص ٣٥٥٥

- ١٩ -
وحرصه الشديد على إنقاذ الأمة مما يضرها ويعرضها للهلاك، قال تزرعون
سبع سنين دأبا فما حصدتم ثم فدروه فى سلبله إلا قليلا م) تأكلون .... .
٠٠ ٥ - عزة نفه، وسم خلقه، فقد أبى أن يذهب لمقابلة الملك إلا بعد
إعلان براءته ,وقال الملك انتوفى به، فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك
فاسأله مابال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم ... )
٦ - تحدثه بنعمة الله، ومعرفته لنفه قدرها وطلبه المنصب الذى
يناسبه، ويثق بقدرته على القيام بحقوقه ((قال اجعلنى على خزائن الأرض
إنى حفيظ عليم ،.
. ٧ - ذكاؤه وفطنته، فقد تعرف على إخوته مع طول فراقه لهم:
. وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ... )
٨ -- عفوه وصفحه عمن أساء إليه ,قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله
لكم وهو أرحم الراحمين .... )
٩ - وفاؤه لأسرته ولمشيرته( إذهبوا يقميصى هذا فألقوه على وجه
أبى يأت بصيرا وأتو فى بأهلكم أجمعين)).
١٠ - شكر الله - تعالى على نعمه ومننه «ربق. آڤيتنى من الملك وعلمتني
من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولى فى الدنيا والآخرة
تؤفى مسلما وألحقنى بالصالحين، هذا جانب من حديث السورة الكريمة عن
يوسف - عليه السلام -، وهو حديث يدل على أنه كان فى الذروة العليا من
مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم ...
(ب) وتحدثت السورة الكريمة عن يعقوب - عليه السلام . وذكرت من
بين ماذ كرت عنه، صفات الصبر الجميل . والأمل فى رحمة ابته مهما اشتدت
الخطوب، والحرص على سلامة أبنائه من كل مايؤذيهم حتى ولو أساؤا إليه،

- ٢٠ -
والنظر إلى الأمور بعين تختلف عن عيون أبنائه، والحكم عليها بحكم يختلف
عن أحكامهم ...
بدل علی ذلك قوله - تعالى - «وجاءوا علی قیصہ بدم كذب قال بل سولت
لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ،.
وقوله - تعالى -ـ((قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله
أن يأتينى بهم جميعا .... ))
وقوله - تعالى - , وقال يابنى لاتدخلوامن باب واحد وادخلوا من أواب
متفرقة ... )
وقوله - تعالى -« ولما فصلت العیر قال أبوهم إنى لأجد ريح يوسف لولا
أن تفندون . قالواتا الله إنك لفى ضلالك القديم. فلما أن جاء البشير ألقام
على وجهه فارقد بصيرا قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله مالا تعلمون)).
وتحدثت عن إخوة يوسف حديثاً مستفيضا ، تبدوفیهغیرتهم منیوسف،
وحسدهم له، وتآمرهم على حياته، وحقدهم عليه حتى وهو بعيد عنهم .... ثم ندمهم.
فى النهاية على مافرط منهم فى حقه بعد أن مكن الله له فى الأرض ...
نرى ذلك فى مثل قوله - تعالى - ,اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا
قل لكم وجه أبيكم ....
وفى قوله « قالوا تا اله تفتأقذ كر يوسف حتى تكون حرصا أو تكون
من الهالكين ،.
وفى قوله - سبحانه - (( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ... ))
وفى قوله - تعالى - (( قالوا نا الله لقد آ ثرك الله علينا وإن كنا الخاطئين))
وتحدثت عن امرأة العزيز حديثا يكشف عن حال المرأة عندما تحب ..
وكيف أنها فى سبيل الحصول على رغباتها تحطم كل المواقع النفسية والاجتماعية ..
وتستخدم كل الوسائل التى تظن أنها ستوصلها إلى مرادها. حتى ولو كانت هذه