Indexed OCR Text

Pages 81-100

- ٨١ -
الجزء
الحادى عشر
جليغا مؤثرا، يتجلى فيه موقف الشركاء من عابديهم ، وموقف كل إنسان من
عمله الذى أسلفه فى الدنيا .
وبعد هذا الحديث المعجز عن يوم الحشر وأهواله ، ساقت السورة
الكريمة بضع آيات فيها الأدلة المقنعه على وحدانية الله وقدرته، ولكن
بأسلوب السؤال والجواب ، فقال - تعالى - :
قُلْ مَن يَزُفُّكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ بَمْلِكُ
أُمْعُ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىِّمِنَ الْغَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّ
مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَيُِّ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (َ
قُّ لِكُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَنّ ◌َاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّ الضَّلَلُ قَأَّه
تُصْرَ فُونَ (چ) كَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الْذِينَ فَسَقُواْ أَنَهُمٌٍ
الْأَيْمِنُونَ (#)
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: من الذى يرزقكم من السماء بالأمطار
ومايتولد عنها، ومن الأرض وما يخرج منها من نباتات وأشجار، وغير ذلك
ما تخرجه الأرض .
وقوله: (( أم من يملك السمع والأبصار، أى: بل قل لهم - أيضا - من
الذى - يملك ما تتمتعون به من سمع وبصر، ومن الذى يستطيع خلقهما
وتسويتهما بالطريقة التى أوجدها - سبحانه - .
وخص هاتين الحاستين بالذكر، لأن لهما أعظم الأثر فى حياة الإنسان،
ولأنها قد اشتملتا فى تركيبهما على ما يبهر العقول، ويشهد بقدرته -تعالى-
.وعجيب صنعه فى خلقه .
و ((أم) هنا منقطعة بمعنى بل، وهى هنا للإضراب الانتقالى لا الإيطالى،
(م ٦ - سورة يونس )

سورة
- ٨٢ -
يونس
وفيه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام فى الدلالة على المقصود، وهو إثباته.
قدرة الله - تعالى - ووجوب إخلاص العبادة له .
وقوله: (( ومن يخرج الحى من الميت ورج الميت من الحى، دليل
ثالث على قدرة الله ووحدانيته .
أى: وقل لهم كذلك من سوى الله - تعالى - يملك إخراج النبات وهو
كائن حى من الأرض الميته، وإخراج الإنسان وهو كائن حى من النطفة.
وبالعكس، وإخراج الطير من البيضة وبالعكس .
وقولة: ((ومن يدبر الأمر، دليل رابع على قدرة الله ووحدانيته.أى:
ونقل لهم - أيضاً - من الذى يتولى تدبير أمر هذا الكون من إحياء وإماتة،
وصحة ومرض، وغنى وفقر ، وليل ونهار، وشمس وقمر ونجوم ...
هذه الجملة الكريمة من باب التعميم بعد التخصيص ، لأن كل ما سبق من ..
نعم يندرج فيها .
وقوله: (( فسيقولون الله، حكاية للجواب الذى لا يستطيعون إنكاره، . .
لأنهم مقرون معترفون بأن الله - تعالى - هو الذى خلقهم، وهو الذى يدبر
أمرهم، وإنما كانوا يتخذون الشركاء للزافى، كما حكى القرآن عنهم فى قوله :
((ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله .. ، وفى قوله - سبحانه - حكاية
عنهم «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زافي ... »
ولفظ الجلالة مبتدأ، والخبر محذوف والتقدير: فسيقولون الله وحده.
هو الذى فعل كل ذلك .
وقوله: ((فقل أفلا تتقون)، أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله
عليه وسلم - بأن يرد عليهم بهذا الرد.
والهمزة لإنكار واقعهم الذميم ، وهى داخلة على كلام مقدر، ومفعول.
تتقون محذوف .

- ٨٣ - الحادى عشر
الجزء
أى: أفعلمون وتعترفون بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل ماسبق، ومع
ذلك تشركون معه آلهة فى العبادة : دون أن تتقوا عذابه يوم القيامة ؟
إن مسلكم هذا إنما يدل على ضعف فى التفكير ، وانطماس فى العقول.
وجهالة ليس بعدها جهالة .
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى الطريق القويم لوكانوا يعقلون فقال:( فذلكم
.
الله ربكم الحق .
أى: فذلكم الذى فعل ما فعل من رزقكم ومن تد بير أمركم، هو الله
المربى لكم بنعمه ، وهو الذى لا تحق العبودية والألوهية إلا له وحده .
إذا كان الأمر كذلك , فماذا بعد الحق إلا الضلال، أى: لا يوجد غير
الحق شى. يتبع سوى الضلال، فمن ترك الحق وهو عبادة الله وحده ، فقد
وقع فى الباطل والضلال وهو عبادة غيره من الآلهة الأخرى .
قال القرطبى: ثبت عن عائشة - رضى الله عنها - أن النبى - صلى الله عليه
وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل قال: ((اللهم لك الحمد)»
الحديث، وفيه: أفت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك
الحق، والجنة حق، والنار حق ، والنبيون حق ، ومحمد حق .
٠ ٠
فقوله: أنت الحق، أى الواجب الوجود، وأصله من حق الشىء إذا ثبت
ووجب. وهذا الوصف لله-تعالى- بالحقيقة، إذ وجوده بنفسه لم يسبقه عدم
ولا يلحقه عدم ، وما عداه مايقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ، ويجوز عليه
لحاق العدم ، ووجوده من موجده لامن نفسه .
ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعاً كما فى هذه الآية ... والضلال
حقيقته الذهاب عن الحق مأخوذ من ضلال الطريق ، وهو العدول عن
سمعه. يقال ضل الطريق وأضل الشىء إذا أضاعه ... )) (١).
(١) تفسير القرطى ج ٨ ص ٣٣٦

سورة
٨٤ - يونس
وقوله ((فأنى تصرفون)، أى: فكيف قصر فون وتتحولون عن الحق
لى الضلال ، بعد اعترافكم وإقراركم بأن خالقكم ورازقكم ومدير أمركم
هو الله - تعالى - وحده .
فأنى هنا بمعنى كيف، والاستفهام لإنكار واقعهم المخزى واستبعاده
التعجيب منه .
ومن الأحكام التى تؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الحق والباطل ،
الهدى والضلال ، نقيضان لايجتمعان ، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا
تقين وأن يكونا باطلين فى وقت واحد متى ثبت أن أحدهما هو الحق،
جب أن يكون الآخر هو الباطل .
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل . فقال
- تعالى - :
, كذلك حقت كلمة ربك على الذين فقوا أنهم لا يؤمنون)).
والكاف للتشبيه بمعنى مثل. وحقت بمعنى وجبت وثبتت .
والمراد بالكلمة هنا : حكمه وقضاؤه - سبحانه - .
والمعنى: مثل ما ثبت أن الله - تعالى - هو الرب الحق، وأنه ليس بعد الحق
" الضلال، ثبت - أيضا - الحكم والقضاءمنه - سبحانه - على الذين فسقوا
، أمره، وعموا وصموا عن الحق، أنهم لا يؤمنون به، لأنهم أن يروا
ديل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا.
فالمراد بالفسق هنا : التمرد فى الكفر ، والسير فيه إلى أقصى حدوده.
ثم ساق - سبحانه - أنواع أخرى من الأدلة على وحدانية الله
تعالى - وقدرته . فقال :

الجزء
- ٨٥ -
الحادى عشر
قُلُّ هَلْ مِن ◌ُرَكَبِكُم مَّنْ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ لُمَ يُعِيدُهُ
قُلِ الله ◌َبْدَؤُ أْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهٌ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ قُلْ هَلْ
مِنْ تُرَّكَا بِكُ مِّنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقِّ أَنَ
يَهْدِىَ إِلَى الْحَقِّ أَحْنُ أَن يَُبَعَ أَمَّنْ لَّا بِدِىَ إِلَّ أَنْ يُهْدَىّ ◌َمَا
◌َكُمْ كَيْفَ تَحْكُونَ (٥﴾ وَمَا بَنَّبِعُ أَكْثُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّلَا
يُغْنِى مِنَ الْحَنِّ شَيْئًا إِنَّالَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ()
أى : قل يا محمد لهؤلاء الغافلين عن الحق: هل من شركائكم الذين عبد تموهم
من دون الله، أو أشركتموهم مع الله، من له القدرة على أن يبدأ خلق الإنسان
من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة .... ثم ينشته خلقا آخر، ثم يعيده
إلى الحياة مرة أخرى بعد موته؟
قل لهم يا محمد : اللّه وحده هو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده، أما شركاؤكم
فهم أعجز من أن يخلقوا ذيابا ولو اجتمعوا له ...
وإذا كان الأمر كذلك من الوضوح والظهور «فأنى تؤفكون، والأفك
الصرف والقلب عن الشىء. يقال: أفكه عن الشىء يأفكه أفكا: إذا قلبه
عنه وصرفه .
أى : فكيف ساغ لكم أن تصرفوا عقولكم عن عبادة الإله الحق، إلى
عبادة أصنام لا تنفع ولا تضر؟ !.
وجاءت جملة (قل هل من شركائكم ... ) بدون حرف العطف على ما قبلها
للإيذان باستقلالها فى حصول المطلوب، وإثبات المقصود.
وساق - سبحانه - الأدلة بأسلوب السؤال والاستفهام، لأن الكلام إذا
كان واضحا جليا ثم ذكر على سبيل الاستفهام ، وتفويض الجواب إلى المسئول
كان ذلك أبلغ وأوقع فى القلب .

سورة
٨٦ - يونس
وجعل - سبحانه - إعادة المخلوقات بعد موتها حجة عليهم فى التدليل على
رقه مع عدم اعترافهم بها، للإيذان بسطوع أدلتها ، لأن القادر على البدء
ور على الإعادة كما قال - تعالى - (وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده
مو أمون عليه ... )(١).
فلما كان إنكارهم لهذه الحقيقة الواضحة من باب العناد والمكابرة ، نزل
كارهم لها منزلة العدم.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: فإن قلت: كيف قيل لهم
هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده) وهم غير معترفين بالإعادة ؟
قلت: قد وضعت إعادة الخلق لظهور برهانها موضع ما إن دفعه دافع
ن مكابراراداً للظاهر البين الذى لا مدخل للشبهة فيه، ودلالة على أنهم فى
كارهم لها منكرون أمرا مسلما معترفا بصحته عند العقلاء. وقال لنبيه -
لى الله عليه وسلم -: قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده) فأمره بأن ينوب عنهم
:واب . يعنى أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فتكلم
ت عنهم ... )(٢) .
وقوله : ( قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق. )
جة أخرى تدفع جهلهم ، جىء بها لتكون دليلا على قدرة الله على الهداية
لأضلال ، عقب إقامة الأدلة على قدرته - سبحانه - على بدء الخلق
إعادتهم.
أى : قل لهم يا محمد - أيضاً - على سبيل التهكم من أفكارهم: هل من
ركائكم من يستطيع أن يهدى غيره إلى الدين الحق ، فينزل كتابا ،
- يرسل رسولا، أو يشرع شريعة، أو يضع نظاما دقيقا لهذا الكون،
- يحث العقول على التدبر والتفكر فى ملكوت السموات والأرض ... ؟
(١) سورة الروم الآية ٠٢٧ (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٢٣٦

الجزء - ٨٧ -
الحادى عشر
قل لهم يا محمد: الله وحده هو الذى يفعل كل ذلك، أما شركاؤكم فلا
يستطيعون أن يفعلوا شيئاً من ذلك أو من غيره.
وقوله: (( أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدى إلا أن
هدى ... )، توبيخ آخر لهم على جهالاتهم وغفلتهم عن إدراك الأمور الواضحة.
أى: قل لهم يا محمد: أفمن يهدى غيره إلى الحق وهو الله - تعالى -.
أحق أن يتبع فيما يأمر به وينهى عنه، أم من لا يستطيع أن يهتدى بنفسه إلا
أن يهديه غيره أحق بالاتباع؟ لاشك أن الذى يهدى غيره إلى الحق أحق
بالاتباع من الذى هو فى حاجة إلى أن يهدبه غيره .
وقوله . (( فمالكم كيف تحكمون)، استفهام قصد به التعجيب من
:أحوالهم التى تدعو إلى الدهشة والغرابة.
أى: ما الذى وقع لكم، وما الذى أصابكم فى عقولكم حتى صرتم
قشر كون فى العبادة مع الله الخالق الهادى، مخلوقات لا تهدى بنفسها وإنما
هى فى حاجة إلى من يخلقها ويهديها.
قال الإمام الرازى: واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا
ثم بالهداية ثانياً، عادة مطردة فى القرآن، فقدحكى - سبحانه - عن إبراهيم
أنه ذكر ذلك فقال: (الذى خلقنى فهو يهدين، وعن موسى أنه قال: «ربنا
الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى، وأمر محمداً - صلى الله عليه وسلم - بذلك
فقال: ((سبح اسم ربك الأعلى. الذى خلق فسوى. والذى قدر فهدى .. ))
وهو فى الحقيقة دليل شريف ، لأن الإنسان له جسدوله روح، فالاستدلال
على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح
هو الهداية، فهاهنا أيضاً لما ذكر دليل الخلق فى الآية الأولى وهو قوله :
(« أم من يبدأ الخلق ثم يعيده، أتبعه بدليل الهداية فى هذه الآية (١).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٩٠

سورة - ٨٨ - يونس
وقوله: ((أم من لا يهدى)، ورد فيه ست قراءات، منها قراءة يعقوب.
وحفص بكر الهاء وتشديد الدال، ومنها قراءة حمزة والكائى بالتخفيف.
كيرمى، ومنها قراءة ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع «يهدى، فتح
الياء والهاء وتشديد الدال .. (١).
والاستثناء فى قوله: ((أم من لا يهدى إلا أن يهدى)) مفرغ من أعم
الأحوال .
والتقدير : أفمن يهدى إلى الحق أحق بالاتباع أم من لا يستطيع الهداية
إلا أن يهديه إليها غيره أحق بالاقباع؟
وجاء قوله - سبحانه - (( فمالكم كيف تحكمون)) باستفهامین.
متواليين ، زيادة فى توبيخهم وتقريعهم، ولفت أنظارهم إلى الحق الواضح
الذى لا يخفى على كل ذى عقل سليم.
وقوله: ((وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ... )) توبيخ آخر لهم على انقيادهم
للأوهام والظنون، وتسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه
منهم من إساءات .
أى أن هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوتك يا محمد، لا يتبعون فى عقائدهم
وعبادتهم لغير خالقهم سوى الظنون والأوهام التى ورثها الأبناء عزالآباء.
وخص أكثرهم بالذكر ؛ لأن هناك قلة منهم يعرفون الحق كما يعرفون
أبناءهم، ولكنهم لا يتبعونه عناداً وجوداً وحسداً، كما قال - تعالى -
((فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)) (٢).
(١) راجع تفسير القرطى ج ٨ ص ٣٤١
(٢) سورة الأنعام الآ يه ٣٣

الجزء
- ٨٩ -
الحادى عشر
ويجوز أن يكون - سبحانه - خص أكثرهم بالذكر، الإشارة إلى أن
هناك قله منهم تعرف الحق ، وستتبعه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى -.
والتفكير فى قوله ((ظنا، للتنويع. أى لا يتبع أكثرهم إلا نوعا من.
الظن الواهى الذى لا يستند إلى دليل أو برهان .
وقوله : ( إن الظن لا يغنى من الحق شيئا ) استئناف مسوق لبيان شأن
الظن وبطلانه .
والمراد بالظن هنا ما يخالف العلم واليقين. والمراد بالحق: العلم والاعتقاد
الصحيح المطابق للواقع .
أى: إن الظن الفاسد المبنى على الأوهام لا يغنى صاحبه شيئا من الأغنام،
عن الحق الثابت الذى لا ريب فى ثبوته وصمته .
وقوله ( شيئا ) مفعول مطلق. أى: لا يغنى شيئا من الأغناء . ويجوز
أن يكون مفعولا به على جعل يغنى بمعنى يدفع .
:
وقوله : ( إن الله عليم بما يفعلون ) تذييل قصد به التهديد والوعيد.
أى: إن الله - تعالى - عليم بأقوالهم وبأفعالهم، وسيحاسبهم عليها
يوم القيامة ، وسينالون ما يستحقونه من عقاب بسبب أقوالهم الباطلة ،
وأفعالهم الفاسدة .
قال صاحب المنار ما ملخصه : استدل العلماء بهذه الآية على أن العلم
اليقينى واجب فى الاعتقاديات ، ويدخل فى الاعتقاديات الإيمان بأركان
الإسلام وغيرها من الفرائض والواجبات القطعية ، والإيمان بتحريم
المحظورات القطعية كذلك .. .
أما مادون الملم اليقينى مما لا يفيد إلا الظن فلا يؤخذ به فى الاعتقاد ، وهو
متروك للأجتهاد فى الأعمال ، كاجتهاد الأفراد فى الأعمال الشخصية ،

سورة - ٩٠ - يونس
واجتهاد أولى الأمر فى الإدارة والسياسه، مع التقيد بالشورى وتحرى
العدل ... ) (١).
وبعد أن ساقت السورة الكريمة ألوانا من البراهين الدالة على وحدانية
الله - تعالى - ، وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه
عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله تعالى ... عادت السورة الكريمة
إلى الحديث عن القرآن الكريم، فتحدث أعداءه أن يأتوا بسورة مثله، ووصفتهم
بالجهالة وسفاهة الرأى، وصورت أحوالهم ومواقفهم من دعوة الحق تصويرا
بليغا . استمع إلى السورة الكريمة وهى تتحدث عن كل ذلك فتقول:
وَمَا كَانٌ
هُذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُوْنِ اللَّهِوَلَنْكِنْ تَصْدِيَقَ الَِّى بَيْنّ
يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَّبِّ الْعَلَمِينَ () أَ
يَقُولُونَ أَفْتَرَنْهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنْ أَسْتَطَمْثُ مِنْ
حُوِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَدِدِقِينَ ﴾ بَلْ كَُّرْ بَِلَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْيِهِ، وَلَمّة
وَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ، كَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقَبَةُ الظَّالِمينَ ﴾
(١) تفسير المنار جـ ١١ ص ٠٣٦٤

الجزء - ٩١ -
الحادى عشر
وَمِنْهُمُ مَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُم مَّنَ لَُّيُؤْمِنُ
بِهِ، وَرَبِّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٢) وَإِن كَّبُوكَ فَقُل لِى عَمَلِ وَلَكُمْ
عَلُكُمْ أَنْتُ بَرِ يَعُونَ مِمَّ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٣)
وَمِنْهُ مَّنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَّ أَفَانْتَ تُسْمِعُ أَلهُمَّوَلَوْ كَانُوْلَا
يَعْقِلُونَ ﴾ وَمِنْهُمْ مَّن يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَأْتُ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ
كَانُوْلَأ ◌َبْصِرُونَ (﴾ إِنَّ اللَّهَ لَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ
أَنفُسَهُمْ يَظْلُونَ
٠٠٤
قال الإمام ابن كثير: هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر
أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله؛ لأنه بفصاحته وبلاغته
ووجازته وحلاوته واشتماله على المعانى الغزيرة النافعة فى الدنيا والآخرة،
لا يكون إلا من عند الله - تعالى - الذى لا يشبهه شىء فىذاته ولا فى صفاته،
ولا فى أفعاله ولا فى أقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ، ولهذا قال
- تعالى -: ((وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله)) (١).
والنفى هذا الشأن الذى هو أبلغ فى النفي ، وأعمق فى الدلالة على أن هذا
القرآن من عند الله ، من ففى الشىء فى ذاته مباشرة .
أى: وليس من شأن هذا القرآن المعجز، أن يخترعه أو يختلقه أحد من
الإنس أوالجن أوغيرهما؛ لأن ما اشتمل عليه من إعجاز وبلاغة وتشريعات
حكيمة، وآداب قويمة ، وهدايات جامعة ... يشهد بأنه من كلام خالق
القوى والقدر.
وقوله : ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل الكتاب ، بيان
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤١٧

- ٩٢ -
سورة
يونس
لكال هداية القرآن الكريم ، وهيمنته على الكتب السماوية السابقة.
والمراد بالذى بين يديه: الكتب السابقة على القرآن كالتوراة والإنجيل والزابور.
وقوله ((بين يد به)) فيه نوع مجاز؛ لأن ما بين يدى الشىء يكون أمامه، فوصف
-سبحانه - ما مضى من الكتب بأنها بين يدى القرآن لشدة ظهورها واشتهارها.
ومعنى تصديق القرآن الكتب السابقة: تأييدهلما اشتملت عليه من دعوة إلى وحدانية
الله - تعالى-، ومن أمر بإتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ظهوره.
وأل فى «الكتاب، للجنس . فالمراد به جنس الكتب السماوية التى أنزلها
- سبحانه - على بعض أنبيائه.
والمعنى: ليس من شأن هذا الكتاب فى إعجازه وهدايته أن يكون من
عند غير الله، لأن غيره - سبحانه - لا يقدر على ذلك، ولكن من شأنه أن
يكون مؤيداً للكتب السماوية السابقة فيما دعت إليه من إخلاص العبودية
الله - تعالى -، ومن اتباع لرسله، وأن يكون مفصلا وموضحا لما اشتملت.
عليه هذه الكتب من تشريعات وآداب وأحكام .
وقوله («تصديق ، منصوب على أنه معطوف على خبر كان، أو على أنه
خبر لكان المقدرة أى : ولكن كان تصديق ...
وقوله (( لا ريب فيه من رب العالمين ، بيان لمصدره .
أى : هذا الكتاب لا ريب ولا شك فى كونه منزلا على رسوله محمد.
- صلى الله عليه وسلم - من الله - تعالى - رب العالمين.
وفصلت جملة «لاريب فيه، عما قبلها لأنهامؤكدة له، ومقررة لمضمونه.
وففى - سبحانه - عن القرآن الريب على سبيل الاستغراق : مع وقوع.
الريب فيه من المشركين ، حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين ؛ لأنه أروعة
بيانه، وسطوع حجته. ووضوح دلائله ، لا يرتاب ذو عقل متدبر فى كونه.
وحياً سماوياً، ومصدر هداية وإصلاح .
جملة (( لا ريب فيه، تنفى الريب فى القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه،
ويقبلوا على النظر فيه بروية، ومن ارتاب فيه فلأنه لم يقبل عليه بأذن.
واعية ، أو بصيرة نافذة ، أو قلب سليم .

!
٩٣ -
الجزء
الحادى عشر
وقوله - سبحانه - ((أم يقولون افتراه)، إنتقال من بيان كون
القرآن من عند الله، إلى بيان مزاعمهم فيه.
وأم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة للاستفهام، أى: بل أيقولون إن محمداً
- صلى الله عليه وسلم - هو الذى أتى بهذا القرآن من عند نفسه لامن عند الله.
وقوله : (قل فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله .. ))
أمر من الله - تعال - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم
بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم .
أى: قل لهم يا محمد على سبيل التبكيت والتحدى: إن كان الأمركاز عتم من
أنى أنا الذى اختلقت هذا القرآن ، فأقوا أنتم بافصحاء العرب بسورة مثل سوره
فى البلاغة والهداية وقوة التأثير، وقد أبحت لكم مع ذلك أن تدعوا لمعاونتكم
ومساعدتكم فى بلوغ غايتكم كل من تستطيعون دعوته سوى الله - تعالى -.
وجاءت كلمة (( سورة)) مفكرة، للإشارة إلى أنه لايطالبهم بسورة
معينة، وإنما أباح لهم أن يأتوا بأية سورة من مثل -ور القرآن، حتى ولو
كانت كأصغر سورة منه .
والضمير فى ((مثله)) يعود إلى القرآن الكريم، والمراد بمثله هنا :
مايشابهه فى حسن النظم ، وجمال الأسلوب ، وسداد المعنى، وقوة التأثير ..
وقوله: ((وادعوا، من الدعاء. والمراد به هنا: طلب حضور المدعو
أى : نادوهم .
وكلمة من فى قوله (( من استطعتم، تشمل آلهتهم وبلغامهم وشعراءهم،
وكل من يتوسمون فيه العون والمساعدة .
وكلمة دون هنا بمعنى غير أى : أدعوا لمساعدتكم كل من تستطيعون
دعوته غير الله - تعالى - فإنه وحده القادر على أن يأتى بمثله .
وقوله: « إن كنتم صادقين، جملة شرطية، وجوابها محذوف لدلالة

سورة - ٩٤ -
یو نس
الكلام السابق عليه، أى : إن كنتم صادقين فى دعوا كم أنى افتريت هذه
القرآن ، فهاقوا سورة مثله مفتراة، فإنكم مثلى فى العربية والفصاحة.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تحدتهم وأثارت حماستهم ، وأرخت لهم.
الحبل، وعرضت بعدم صدقهم، حتى تتوفر دواعيهم على المعارضة التى
زعموا أنهم أهل لها .
قال الآلوسي: هذه الآية دلالة على إعجاز القرآن؛ لأنه - صلى الله عليه.
وسلم - تحدى مصاقع العرب بسورة مامنه، فلم يأتوا بذلك، وإلا فلو أتوا:
بذلك لنقل إلينا، لتوفر الدواعى على نقله)، (١) .
هذا وقد عقد صاحب الظلال فصلا طويلا للحديث عن إعجاز القرآن
فقال: ((وقد ثبت هذا التحدى، وثبت العجزعنه. وما يزال ثابتاً ولن يزال،
الذين يدر كون بلاغة هذه اللغة، ويتذوقون الجمال الفنى والتناسق فيها، يدر كون
أن هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان، وكذلك الذين يدرسون النظم
الاجتماعية، والأصول التشريعية، ويدرسون النظام الذى جاء به هذا القرآن،
يدر كون أن النظرة فيه إلى تنظيم الجماعة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع
جوانبها، والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات فى يسرومرونة ..
كل أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشرى واحد، أو مجموعة من العقول فى جيل
واحد أو فى جميع الأجيال . ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل
الوصول إلى التأثير فيها وتوجيهها، ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه.
فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده، ولكنه الإعجاز
المطلق الذى بله الخبراء فى هذا وفى النظم والتشريعات والنفسيات.
وما إليها .... (٢) .
(١) تفسير الآلوسي جـ ١١ ص ١١٩
(٢) راجع تفسير فى ظلال القرآن جـ١١ ص ١٧٨٥ وما بعدهاطبعة دار الشروق .

الجزء
- ٩٥ -
الحادى عشر
ثم إنتقلت السورة الكريمة من توبيخهم على كذبهم وجحودهم، إلى
توبيخهم على جهلهم وغباوتهم فقال - تعالى -: «بل كذبوا بما لم يحيطوا
بعلمه ولما يأتهم تأويله ... ،
أى: أن هؤلاء الأشقياء لم يكتفوا بما قالوه فى شأن القرآن الكريم من
أقاويل فاسدة، بل هرولوا إلى تكذيب ما فيه من هدايات سامية، وآداب.
عاليه، وأخبار صادقة ، بدون فهم أو قدير ، وبدون انتظار لتفسير معانيه.
وأخباره التى لم يهتدوا إلى معرفتها بعد .
قال صاحب الكشلف قوله: « بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما بأنهم
تأويله)، أى: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه
أمره، وقبل أن بتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم
عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالنا شىء على التقليد من
الحشوية ، إذا أحس بكلمة لا توافق مانشأ عليه وألفه ، وإن كانت أضوأ من
الشمس فى ظهور الصحة وبيان الاستقامة أنكرها فى أول وهلة، واشمازمنها
قبل أن يحسن إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر فى صحة أو فساد، لأنه لم
يشعر قلبه إلا صحة مذهبه ، وفساد ما عداه من المذاهب .
فإن قلت : فما معنى التوقع فى قوله : ولما يأتهم تأويله؟ قلت: معناه أنهم
كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل ، تقليدا الآباء، وكذبوه
بعد التدبر تمردا وعنادا فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به .
ويجوز أن يكون معنى ((ولما يأتهم تأويله ((ولم يأتهم بعدتأويل مافيه من
الأخبار بالغيوب، يعنى أنه كتاب معجز من جهتين : من جهة إعجاز نظمة،
ومن جهة مافيه من الإخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن
ينظروا فى نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات

- ٩٦ - يونس
سورة
وصدقه وكذبه )،(١) .
وقال الآلوسي: وعبر - سبحانه - بقوله: ((بل كذبوا بما لم يحيطوا
بعلمه، دون أن يقال: بل كذبوابه من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه، الإيذان
بكمال جهلهم به . وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلمبه، وبأن تكذيبهم به
إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه ، لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعلية
ما فى حيز الصلة له. وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علما، إلا أنه عدل عنه
إلى ما فى النظم الكريم لأنه أبلغ .
وففى إتيان التأويل بكلمة (( لما، الدالة على توقع منفيها بعد نفى الإحاطة
بعلمه بكلمة («لم))؛ لتأكيد الذم، وتشديدالتشنيع، فإن الشناعة فى تكذيب
الشىء، قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها فى تكذيبه قبل علمه مطلقا، (٢).
وقوله (( كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين))
تهديد لهم ووعيد على التمادى فى العناد .
أى : كما كذب المشركون نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - عن جهل
وجحود، كذب الذين من قبلهم انبياءهم، كقوم نوح وعاد وثمود ، فكانت
نتيجة هذا التكذيب أن أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر .
قال - تعالى -: ((فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا،
ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خفنا به الأرض ((ومنهم من أغرقنا،
وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)) (٣) .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٢٢٨
(٢) تفسير الآلوسي جـ ١١ ص ٠١٢٠
(٣) سورة العنكبوت الآية ٤٠.

الجزء
-- ٩٧ -
الحادى عشر
ثم فصل - سبحانه - أحوالهم ومواقفهم من القرآن الكريم فقال:
« ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به، وربك أعلم بالمفسدين)).
أى: ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يامحمد من يؤمن بهذا القرآن، ويتبعك
وينتفع بما أرسلت به، ومنهم من لا يؤمن به أبدا لاستحبابه العمى على المدى.
وعليه يكون المراد بمن يؤمن به، أولئك الذين وفقهم الله لاتباع الحق
: عن يقين وإذعان .
وقيل إن المعنى: ومن قومك با محمد أناس يؤمنون فى قرارة نفوسهم بأن
هذا القرآن من عند الله ، ولكنهم يكذبونك جحوداً وعنادا ، ومنهم من
لا يؤمن به أصلا لانطماس بصيرته ، وإيثاره الغى على الرشد .
.وعلى هذا التفسير يكون المراد بمن يؤمن به : أولئك الذين يعرفون
الحق كما يعرفون أبناءهم . ولكن الغرور والجهل والحسد حال بينهم
وبين اتباعه .
..
وقوله: ((وربك أعلم بالمفسدين، أى: وربك أعلم بالمفسدين فى الأرض
بالشرك والظلم والفجور. وسيحاسبهم على ذلك يوم الدين حسابا عسيرا،
. ويذيقهم العذاب الذى يستحقونه . فالمراد بالعلم هنا لازمه وهو الحساب
والعقاب .
وقوله: ((وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم، أنتم بريتون ما أعمل
وأنا برىء مما تعملون)، إرشاد من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه
وسلم - إذا مالج أعداؤه فى طغيانهم.
أى: وإن تمادى هؤلاء الأشرار فى طغيانهم وفى تكذيبهم لك يا محمد ،
،فقل لهم : أنا مسئول عن عملى أمام الله، وأنتم مسؤولون عن أعمالكم أمامه
(٢ - ٧ سورة يونس)

سورة - ٩٨ - يونس
- سبحانه -، وأنتم بريتون مما أعمله فلاتؤاخذونى عليه، وأنا يرى كذلك.
من أعمالكم فلا يؤاخذنى الله عليها .
فالآية الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابهمن قومه،
وإعلام له بأن وظيفته البلاغ، أما حسابهم على أعمالهم فعلى الله - تعالى -.
ثم صور - سبحانه - ما عليه أولئك الجاحدون من جهالات مطبقة،
وغباء مستحكم فقال - تعالى -: ((ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع
الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من ينظر إليك أمأنت تهدى العمى
ولوكانوا لا يبصرون.
أى: ومن هؤلاء المشركين - يامحمد - من يستمعون إليك وأنت
تقر أعليهم القرآن وترشدهم إلى ما ينفعهم، ولكنهم يستمعون بلا قدير.
أو فهم، فهل أنت ـ يامحمد - فى إمكانك أن تسمع الصم، ولوانضم إلى
صممهم عدم تعقلهم، لأن الأصم العاقل - كما يقول صاحب الكشاف -
ربما تفرس واستدل إذا وقع فى صماخه دوى الصوت، فإذا اجتمع سلب
السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر .
ومنهم - أيضاً - من ينظر إليك، ويشاهد البراهين الدالة على صدقك،
فإن وجهك ليس بو جه کذاب ، و لكنهلا يتبع دعوتك جحودا وعنادا، فهل ..
نت فى إمكانك أن تهدى العمى ولو انضم إلى فقدان بصرهم فقدان بصيرتهم
فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد نعتا على المشركين جهالاتهم ،
وانطماس بصيرتهم ، بحيث صاروا لا ينتفعون بنعم الله التى أنعم بها عليهم.
فقد وصمهم - سبحانه - بفقدان السمع والبصر والعقل، مع أنهم يسمعون.
ويبصرون ويعقلون ، لأنهم لما لم يستعملوا نعم الله فيما خلقت له، مارت ...
هى والعدم سواء .
والاستفهام فى الآيتين للإنكار والاستبعاد .

الجزء
- ٩٩ -
الحادى عشر
وجواب ((لو)) فى الآيتين محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة معطوفة
على جملة مقدرة مقابلة لها . أى : أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا
لا يعقلون، على معنى أفأنت تستطيع إسماعهم فى الحالتين؟ كلا لا تستطيع ذلك
وإنما القادر على ذلك هو الله وحده .
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: (( إن الله لا يظلم
الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ).
أى: إن الله - تعالى - قد اقتضت سفنه فى خلقه، أن لا يظلمهم شيتا، كأن
يعذبهم - مثلا - مع إيمانهم وطاعتهم له، أو كأن ينقصهم شيئا من الأسباب
التى يهتدون باستعمالها إلى مافيه خيرهم ... ولكن الناس هم الذين يظلمون
أنفسهم، بإيرادها موارد المهالك، على طريق اجتراح السيئات، واقتراف
الموبقات ، الموجبة للعقوبات فى الدنيا والآخرة .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد نفت تصور أن يكون هذا
القرآن من عند غير الله ، وتحدت المشركين أن يأتوا بسورة مثله، ووصمتهم
بالتسرع فى الحكم على شىء لم يحيطوا بعلمه، وأمرت النبى - صلى الله عليه
وسلم - أن يثبت على دعوة الحق، سواء استجاب له الناس أم لم يستجيبوا،
وأن الله - تعالى - قد اقتضت حكمته ألا يعذب الناس إلا إذا فعلواما يوجب
العقوبة، وصدق الله إذ يقول: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم
وكان الله شاكرا عليما)).
وبعد أن بينت السورة الكريمة أحوال أولئك المشركين فى الدنيا،
ومواقفهم من الدعوة الإسلامية، أقبعت ذلك بالحديث عن أحوالهم يوم
الحشر، وعن استعجالهم للعذاب، وعن رد الرسول - صلى الله عليه وسلم -
- عليهم ، فقال - تعالى - :

سورة - ١٠٠ - يونس
.وَيَوْمَ بِخْتُمْ كَأَنْ لَّمْ يَلْبَنُواْ إِلََّ سَاعَةٌ مِّ
٠١١٠٠٠٠٠٠
النَّهَارِ يَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ تَسِرَ الَّذِينَ كَُّواْ بِلِقَآءِاللهِ وَمَا كَانُواْ
مُهْتَدِينَ (َ وَإِنَّا تُرِيَتَّكَ بَعْضَ الَّذِىِ نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنُّ.
عَرْجِعُهُمْ ثُمَ اللهُ شَِدُ عَ مَا يَفْعَلُونَ () وَلِكُلّ أُنَّهِ رَسُولَّ
فَإِذَا ◌َجَآءَ رَسُولَهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمُ لَا يُظْلُونَ (9)
وَيَقُولُونَ مَتَ بَهَنْذَا الْوَعُ إِن كُنُ صَدِقِينَ ﴾ قُل لََّ أَمْلِكٌ
◌ِنَفْسِ ضَّا وَلَانَفْعًا إِلَّ مَاشَاءَ اللهُ لِكُلِ أَمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجُلُهُمٍ
فَلاَ يَسْتَفِْخِرُونَ سَّاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (@)
وقوله - سبحانه -: «ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار
يتعارفون بينهم » بيان لأحوالهم السيئة عند جمعهم الحساب يوم القيامة .
إذ الخشر - كما يقول الراغب - إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم
عنه إلى الحرب ونحوها ، (١).
والمراد به هنا : إخراج الناس من قبورهم وجمعهم فى الموقف لحسابهم
على أعمالهم الدنيوية .
والمقصود بالساعة هنا : المدة القليلة من الزمان ، فقد جرت العادة أن
يضرب بها المثل فى الوقت القصير .
والمعنى: واذكر أيها الرسول الكريم، وذكر هؤلاء المشركين الذين
عموا وصموا عن الحق، يوم يجمعهم الله - فى الآخرة للحساب والعقاب،
فيشتد كربهم . وينسون تلك الملذات والشهوات ... التى استمتعوا بها فى
الدنيا، حتى لكأنهم ((لم يلبثوا)) فيها وفى قبورهم ,إلا ساعة من النهار، أى:
(١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص ٠١١٩