Indexed OCR Text

Pages 121-140

تفسير سورة
- ١٢١ -
التوبة
وروعى فى كل من المشبه والمشبه به معنى الإفراط والتفريط ، حيث.
شبه الإبطال والتكذيب بالإطفاء بالفم، ونسب النور إلى الله - تعالى -.
العظيم الشأن .
ومن شأن النور المضاف إليه - سبحانه - أن يكون عظما . فكيف
يطفأ بنفخ الفم (١) ١١٢٠٠
وقوله : (( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)، بشارة منه
- سبحانه - للمؤمنين ، وتقرير لسنته التى لاتتغير ولا تتبدل فى جعل العاقبة
للحق وأتباعه .
والفعل (( يأبى، هنا بمعنى لا يريد أولا يرضى. أى: أنه جار مجرى
النفى ، ولذا صح الاستثناء منه .
قال أبو السعود: وإنما صح الاستثناء المفرغ - وهو قوله، إلا أن
يتم نوره)). من الموجب. وهو قوله ((ويأبى الله) - لكونه بمعنى النفى،
ولوقوعه فى مقابلة قوله:((يريدون))، وفيه من المبالغة والدلالة على الامتناع
ما ليس فى نفى الإرادة، أى: لا يريد شيئا من الأشياء إلا إتمام نوره فيندرج
فى المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه ، فضلا عن الإطفاء .
وفى إظهار ((النور) فى مقام الإضمار مضافا إلى ضميره . سبحانه.زيادة
أعمناء بشأنه، وتشريف له على تشريف، وإشعار دولة الحكم)) (٢).
وجواب ( لو)) فى قوله ((ولو كره الكافرون، محذوف لدلالة
ما قبله عليه .
والمعنى: يريد أعداء الله أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والحال أن الله
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٠ ص ٧٦ - بتصرف وتلخيص.
.(٢) تفسير أبى السعود ج ٢ ص ٢٦٧. طبعة صبيح .

الجزء
- ١٢٢ -
العاشر
- تعالى - لا يريد إلا إتمام هذا النور، ولو كره الكافرون هذا الإمام
لأتمه. سبحانه ، دون أن يقيم لكراهتهم وزنا.
فالآية الكريمة وعد من الله . تعالى . للمؤمنين باظهار دينهم وإعلاء
كلمتهم لكى يمعضوا قدماً إلى تنفيذما كلفهم الله به بدون إبطاء أو تثاقل، وهى
فى الوقت نفسة تتضمن فى ثناياها الوعيد لهؤلاء الضالين وأمثالهم.
- ثم أكد . سبحانه. وعده باتمام نوره، وبين كيفيه هذا الإتمام
فقال: ((هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله
ولو كره المشركون ».
والمراد بالهدى : القرآن الكريم المشتمل على الإرشادات السامية ،
والتوجيهات القويمة ، والأخبار الصادقة، والتشريعات الحكيمة ..
والمراد بدين الحق : دين الإسلام الذى هو خاتم الأديان .
وقوله ((ليظهره على الدين كله)) من الإظهار بمعنى الإعلام والغلبة
بالحجة والبرهان ، والسيادة والسلطان .
والجملة تعليلة لبيان سبب هذا الإرسال والغاية منه .
والضمير فى ((ليظهره، يعود على الدين الحق أو الرسول - صلى الله
عليه وسلم -. والمعنى: هو الله. سبحانه. الذى أرسل رسوله محمدا -
حَ اله . بالقرآن الهادى للتى هى أقوم، وبالدين الحق الثابت الذى لا ينسخه
دين آخر . وكان هذا الإرسال لإظهار هذا الدين الحق على سائر الأديان
بالحجة والغلبة .. ولإظهار رسوله. صَّ الله. على أهل الأديان كلها، بما
أوحى إليه . سبحانه . من هدايات، وعبادات، وتشريعات، وآداب ...
فى أتباعها سعادة الدنيا والآخرة .
وختم - سبحانه - هذه الآية بقوله: ((ولو كره المشركون، وختم التى

- ١٢٣ -
التوبة
تفسير سورة
قبلها بقوله: ((ولو كره الكافرون))، للاشعار بأن هؤلاء الذين قالوا:
((عزيز ابن الله والمسيح ابن الله)) قد جمعوا بسبب قولهم الباطل هذا،
بين رذيلتى الكفر والشرك، وأنه . سبحانه . سيظهر أهل دينه على جميع
أهل الأديان الأخرى .
هذا ، وقد ساق الإمام ابن کثیر بعض الأحاديث التى تؤيد ذلك،منها:
ما ثبت فى الصحيح عن رسول اللّه. عدّ له. أنه قال: (( إن الله زوى لى
.الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى مازوى لى منها)).
وروى الإمام أحمد عن مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يقول:
صلى هذا الحى من محارب الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت
رسول اللّه . عَّ الله. يقول: إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها،
.وإن عمالها فى النار، إلا من اتقى الله وأدى الأمانة.
وروى أيضا عن تميم الدارى قال : سمعت رسول اللّه. ◌َ﴾. يقول:
ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار. ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر
إلا أدخله هذا الدين . يعز عزيزا ويذل ذليلا، عزاً يعز الله به الإسلام،
.وذلا يذل الله به السكفر. وكان تميم الدارى يقول: قد عرفت ذلك في أهل
بيتى . لقد أصاب من أسلم منهم الشرف والخير والعز، ولقد أصاب من كان
كافرا منهم الذل والصغار والجزية .
وأخرج أيضا عن عدى بن حاتم قال : دخلت على رسول الله . صلى
"الله عليه وسلم. فقال:(( ياعدى أسلم تسلم)). فقلت يارسول الله: إنى من أهل
دين. قال: ((أنا أعلم بدينك منك، فقلت: أنت أعلم بدينى منى؟ قال نعم،
ألست من الركوسية(١). وأنت تأكل مر باع قومك، (٢)؟
(١) الركوسية ((بفتح الراء المشددة، قوم لهم دين بين النصارى والصابتين.
(٢) المرباع بمعنى الربع، كالمعشار بمعنى العشر. وكان الناس فى الجاهلية يعطون=

تفسير سورة - ١٢٤ - التوبة
قلت: بلى. قال ((فإن هذا لا يحل لك فى دينك)).
ثم قال - عََّه -: ((أما إنى أعلم ما الذى يمنعك من الإسلام.
تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له ، ومن رمتهم العرب.
أتعرف الحيرة » ؟
قلت : لم أرها وقد سمعت بها .
قال: ((فو الذى نفسى بيده ليتمن اللّه هذا الأمر ، حتى تخرج الظعينة
من الحيرة ، حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد. ولتفتحن كنوز
کسری ابن هرمز » .
قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: ((نعم. كسرى بن هرمز. وليبذلن.
المال حتى لا يقبله أحد )) .
قال عدى بن حاتم : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت من.
غير جوار أحد. ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز. والذى
نفسى بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله - صَ لّه - قد قالها(١).
وإلى هنا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد كذبت أهل الكتاب فى قولهم
((عزيز ابن الله والمسيح ابن الله))، وأرشدتهم إلى الطريق الحق الواضح
المستقيم ليسيروا عليه، ووبختهم على تشبهم فى هذه الأقوال الباطلة بمن سبقهم
من الضالين ، وعلى انقيادهم لأحبارهم ورهباتهم بدون تعقل أو قدير ،
وبشرت المؤمنين بظهور دينهم الذى ارتضاه الله لهم على الأديان كلها .
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن أهل الكتاب بتوجيه نداء إلى المؤمنين.
= رئيسهم ربع ما يغنمونه خالصا له دون أن يشاركه فيه أحد . وكان
عدى رئيسا لقومه .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٤٩.

الجزء - ١٢٥ - العاشر
بين لهم فيه بعض الرذائل التى انغمس فيها الأحبار والرهيان ، وكيف جمعوا
بين ضلال أنفسهم وإضلال أتباعهم ، حيث أمروا هؤلاء الأتباع بالانقياد
لهم فيما يأتون ويذرون ... فقال - تعالى -:
بَيُّهَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالْبَانِ لَيَأْكُونَ أَمْوَالَ
النَّاسِ بِالَّْطِلِ وَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ
وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبِشْرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
٤ ,٢,٠٠٠
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِجَهَنَّمَ فَتُكْوَىِهَاَ جِيَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظهورهُمْ
هَذَا مَا كَتَرْثٌ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوْ مَا كُنْتُمْ تَكْثِرُونَ ﴾
قال الفخرى الرازى: أعلم أنه - تعالى - لما وصف رؤساء اليهودوالنصارى
بالتكبر والتجير وادعاء الربوبية والترفع على الخلق ، وصفهم فى هذه الآية
بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس ، تنبيها على أن المقصود من إظهار
تلك الربوبية والتجبر والفخر ، أخذ أموال الناس بالباطل .
ولعمرى من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير فى زماننا وجد هذه
الآيات كأنها ما أزلت إلا فى شأنهم. وفى شرح أحوالهم، فترى الواحدمنهم
يدعى أنه لا يلتفت إلى الدنيا، ولا يتعلق خاطره يجميع المخلوقات، وأنه فى
الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين؛ حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف
الواحد تراه يتهالك عليه؛ ويتحمل نهاية الذل والدناءة فى تحصيله (١).
والمراد بالأكل فى قوله؛ « ليا كلون، مطلق الأخذ والانتفاع.
وعبر عن ذلك بالأكل، لأنه المقصود الأعظم من جمع الأموال، فسمى
الشىء باسم ما هو أعظم مقاصده ، على سبيل المجاز المرسل، بعلاقة العلية
• المعلم لمة .. أكلوم أموال الناس بالباطل، يتناول ما كانوا يأخذونه من

تفسير سورة - ١٢٦ - التوبة
سفلتهم عن طريق الرشوة والتدليس أو التحايل أو الفتاوى الباطلة . كما
يتناول ما سوى ذلك مما كانوا يأخذونه بغير وجه حق .
وأسند - سبحانه - هذه الجريمة - وهى أكل أموال الناس بالباطل- إلى
كثير من الأحبار والرهبان ولم يسندها إلى جميعهم ، إنصافا العدد القليل
منهم الذى لم يفعل ذلك، فإن كل طائفة أو جماعة لا تخلومن وحود أفراد
من بينها يتعففون عن الحرام ، ويقيدون أنفسهم بالحلال .
قال صاحب المنار : وإسناد هذه الجريمة المزرية إلى الكثيرين منهم دون
جميعهم من دقائق تحرى الحق فى عبارات الكتاب العزيز، فهو لا يحكم على
الأمة الكبيرة بفساد جميع أفرادها أو فسقهم أو ظلمهم ، بل يسند ذلك إلى
الكثير أو الأكثر، أو يطلق اللفظ العام ثم يستثنى منه .
فمن الأول قوله - تعالى - فى اليهود: وترى كثيراً منهم يسارعون فى الإثم.
والعدوان وأكلهم السحت لبس ما كانوا يعملون . لولا ينهاهم الربانيون
والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانون يصنعون(١).
ومن الثانى قوله - تعالى - فى اليهود أيضا:( قل يا أهل الكتاب هل تنقمون
منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (٢).
ومن الثالث قوله - سبحانه - فى شأن المحر فين للكلم الطاعنين فى الإسلام من
اليهود- أيضا -: ((من الذين هادوا يحر فون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا
وعصينا، واسمع غير مسمع، وراعنا ليا بألسنتهم وطعناً فى الدين ولو أنهم
قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لمكان خيرالهم وأقوم، ولكن لعنهم.
اله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا)،(٢).
وقد نبهنا فى تفسير هذه الآيات وأمثالها على العدل الدقيق فى أحكام.
القرآن على البشر وإنما تكرره لعظم شأنه ... )، (٤).
(١) سورة المائدة الآيتان ٦٣،٦٢ (٢) سورة المائدة الآية ٥٩ :
(٣) سورة النساء الآية ٤٦ (٤) تفسير المنار ج ١٠ص٤٦٢- بتصرف يسير

...
-١٢٧ -
الجزء
العاشر
وقوله: «ويصدون عن سبيل الله، جريمة من جرائمهم الكثيرة.
والصد: المنع والصرف عن الشىء .. وسبيل الله: دينه وشريعته .
أى، أن هؤلاء الكثيرون من الأحبار والرهبان لا يكتفون بأكل أموال
الناس بالباطل . بل إنهم يضيفون إلى ذلك جريمة ثانية من جرائمهم المتعددة
وهى إنهم ينصرفون عن الدين الحق وهو دين الإسلام انقياد الأحقادهم
وشهواتهم ، ويصرفون أتباعهم عنه بشتى الوسائل، كان يصفوه لهم بأنه
دين باطل، أو بأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليس هو الرسول
الذى بشرت به الكتب السماوية السابقة .... إلى غير ذلك من وسائلهم
المتنوعة فى صرف الناس عن الحق .
والاسم الموصول فى قوله: (( والذين يكنزون الذهب والفضة
ولا ينفقونها فى سبيل الله ... )) يرى بعضهم أن المراد به أولئك الأحبار
والرهبان، لأن الكلام مسوق فى ذمهم، وتكون هذه الجملة ذما لهم على
رذيلة ثالثة هى الحرض والبخل ، بعد ذمهم على رذيلتى أكل أموال الناس
بالباطل والصد عن سبيل الله.
ويرى آخرون أن المراد بهم البخلاء من المسلمين، وأن الجملة مستأنفة
اذم مانعى الزكاة بقزينة قوله: ((ولا ينفقونها فى سبيل الله، ويكون نظمهم
مع أهل السوء من الأحبار والرهبان من باب التحذير والوعيد والاشارة إلى
أن الأشحاء المانعين لحقوق الله، مصيرهم كمصير الأحبار والرهبان فى
استحقاق والبشارة بالعذاب.
وترى طائفة ثالثة من العلماء أن المراد به كل من كنز المال ، ولم يخرج
الحقوق الواجبة فيه ، سواء أ كان من المسلمين أم من غيرهم، لأن اللفظ
مطلب، فيجب إجراؤه على إطلاقه وعمومه، إذ لم يرد ما يقيده أو يخصصه
وقوله: ((يكتزون، من الكنز، وأصله فى اللغة العربية - كما يقول
القرطى - الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة. ألا ترى قوله

تفسير سورة
- ١٢٨ -
التوبة
- صلى الله عليه وسلم - ((ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة)»
أى : بخير ما يضمه لنفسه ويجمعه ، وقال الشاعر :
لادر درى إن أطعمت جائعهم قرفُ الحق وعندى البر مكنوز
وقرف الحتى: هو سويق المقل - والمقل ثمر شجر الدوم ينضج فيؤكل
يقول : إنه نزل بقوم فكان قراه عندهم سويق المقل، وهو الحتى ، فلما
نزلوا به قال ما قال ... (١).
ويقال: كنزت التمر فى الوعاء إذا جمعته فيه . وكل شىء مجموع بعضه
إلى بعض فى بطن الأرض أو على ظهرها فهو كنز ، وجمعه كنوز .
وخص الذهب والفضة بالذكر، لأنهما الأصل الغالب فى الأموال :
ولأنهما هما اللذان يقصدان بالكنز أكثر من غيرهما ولا يكنزهما كما يقول
الزمخشرى - إلا من فضلا عن حاجته ، ومن كثر اعنده حتى يكنز هما لم يعدم
سائر أجناس المال ، فكان ذكركنزهما دليلا على ما سواهما .
وقال الفخر الرازى ما ملخصه: ذكر - سبحانه - شيئين هما الذهب
والفضة ثم قال: ((ولا ينفقونها)، - وكان الظاهر أن يقول (( ولا ينفقونهما-
والجواب من وجهين .
الأول : أن الضمير عائد إلى المعنى دون اللفظ، لأن كل واحد منهما
جملة وافية؛ وعدة كثيرة ودنانير ودراهم. فهو كقوله - تعالى - ((وإن
طائفتان من المؤمنين اقتتلوا .. ، (٢) .
أو أن يكون التقدير : والذين يكنزون الكنوز ولا ينفقونها فى سبيل
الله: فيكون الضمير عائد إلى الكنوز المدلول عليها بالفعل (( يكنزون))
الثانى: أن يكون الضمير عائد إلى اللفظ ، ويكون ذكر أحدهما يغنى
(١) تفسير القرطى ج ٨ ص ٠١٢٣
(٢) سورة الحجرات الآية ٩.

تفسير سورة
التوبة
- ١٢٩ -
- عن ذكر اليوم الآخر ، كقوله - تعالى - وإذا رأوا تجارة أو لهوا انقضوا
إليها (١) جعل الضمير للتجارة ... (٢)
وقوله : (( فبشرهم بعذاب أليم ، خبر الموصول .
والتعبير بالبشارة من باب التهكم بهم، والسخرية منهم، فهو كقولهم:
تحيتهم الضرب ؛ وإكرامهم الشتم .
وقوله : (( يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم
وظهورهم .. )) تفصيل لهذا العذاب الأليم، وبيان لميقانه ، حتى يقلع
البخلاء عن بخلهم ، والأشحاء عن شحهم ...
والظرف ((يوم)) منصوب بقوله: ((عذاب أليم))؛ أو بفعل محذوف
يدل عليه هذا القول .
أى: يعذبون يوم يحمى عليها. أو بفعل مقدر، أى: اذكريوم يحمى عليها.
وقوله (( يحمى، يجوز أن يكون من حميت وأحميت - ثلاثیا ورباعيا.
. بقال : حميت الحديدة وأحميتها، أى : أوقدت عليها لتحمى .
وقوله: «عليها ) جار ومجرور فى موضع رفع لقيامه مقام الفاعل. ويجوز
أن يكون القائم مقام الفاعل مضمرا، أى: يحمى الوقود أو الجمر عليها.
قال الألوسى: وأصله تحمى بالنار من قولك: حمبت الميسم وأحميته
فجعل الإحماء للنار مبالغة؛ لأن النار فى ذاتها ذات حمى، فإذا وصفت بأنها
تحمى دل على شدة قوقدها . تم حذفت النار ، وحول الإسناد إلى الجار
والمجرور تنبيها على المقصود بأتم وجه فانتقل من صيغة التأنيث إلى التذكير
(١) سورة الجمعة الآية ١١
(٢) تفسير الفخر الرازى ج ١٦ ص ٤٧ - بتصرف وتلخيص.
(٩ - سورة التوبة)

الجزء
- ١٣٠ -
العاشر
كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير. فإذا طرحت القصة وأسند الفعل إلىه.
الجار والمجرور قلت: رفع إلى الأمير. وقرا ابن عامر ((تحمى)) بالتاء
بإسناده إلى النار كأصله» (١).
والمعنى : بشر - يامحمد - أولئك الذين يكنزون الأموال فى الدنيا
ولا ينفقونها فى سبيل الله، بالعذاب الأليم يوم الحساب يوم تحمى النار
المشتعلة على تلك الأموال التى لم يؤدوا حق الله فيها ((فتكوى)) بهاجباههم
أى: فتحرق بها جباههم التى كانوا يستقبلون بها الناس، والتى طالما أرتفعت.
غرورا بالمال المكنوز، وتحرق بها - أيضا - ((جنوبهم)) التى كثيرا ما
انتفخت من شدة الدبع وغيرها جائع، وتحرق بها كذلك (( ظهورهم)) التى.
نبذت وراءها حقوق الله بجحود وبطر ...
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم خصت هذه الأعضاء بالكى؟
قلت: لأنهم لم يطلبوا بأموالهم- حيث لم ینفقوها فی سبیل اله -إلا
الأغراض الدنيوية ، من وجاهة عند الناس، وتقدم ، وأن يكون ماء.
وجوههم مصونا عندهم ، يتلقون بالجميل ويحيون بالإكرام، ويبخلون.
ويحتشمون ومن أكل طيبات يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن أبس ..
ناعمة من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك هذه.
أغراضهم وطلباتهم من أموالهم، لا يخطرون بالهم قول رسول الله - عَليه-
, ذهب أهل الدثور بالأجر كله )).
وقيل : لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبوا، وإذا ضمهم وإياه.
مجلس أزوروا عنه، وقولوا بأركانهم، وولوه ظهورهم .. ، (٢)
وقوله : هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون )، مقول القول.
محذوف .
(١) تفسير الآاوسى : جـ ١٠ ص ٧٨
(٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٦٨

- ١٣١ -
التوبة
تفسير سورة
والتقدير: تقول لهم ملائكة العذاب على سبيل التبكيت والتوبيخ، وهى
تتولى حرق جباههم وجنوبهم وظهورهم: هذا العذاب الأليم النازل بكم فى الآخرة
هو جزاء ماكنتم تكنزونه فى الدنيا من مال لمنفعة أنفسكم دون أن تؤدوا
حق الله فيه . فذوقوا وحدكم وبال كنزكم . وتجرعوا غصصه ، وتحملوا
سوء عاقبته فأنتم الذين جنيتم على أنفسكم، لأنكم لم تشكروا الله على. بل
استعملتموها فى غير ما خلقت له .
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى.
١ - التحذير من الانقياد لدعاة السوء، ومن تقليدهم فى رذائلهم وفباتحهم.
ووجوب السير على حسب ما جاء به الإسلام من تعاليم وتشريعات ...
ولذا قال ابن كثير عند تفسيره الآية الأولى: والمقصود التحذير من
علماء السوء، وعباد الضلال. كما قال سفيان بن عيينه: من فسد من علماتنا
کان فیه شبه من أحبار اليهود ، ومن فسد من عبادنا کان فیه شبهمن رهبان
النصارى .
وفى الحديث الصحيح : لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة،
قالوا اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن)،؟ وفى رواية: فارس والروم ؟ قال :
((فمن الناس إلا هؤلاء)) والحاصل التحذير من التشبه بهم فى أقوالهم
وأحوالهم)) (١)
هذا، ونص الحديث الصحيح الذى ذكره الإمام ابن كثير - كما رواه
الشيخان - هكذا عن أبى سعيد الخدرى أن النبى. صَّ له. قال: «لتقبعن
سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع. حتى او سلكموا جحر ضب
لسلكتموه ، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن ؟(٢)
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٥٠
(٢) أخرجه الترمذى فى باب ما ذكر عن بنى إسرائيل،جـ ٤ ص٢٠٦
طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٣٤٥ه

الجزء
- ١٣٢ -
العاشر
أما الحديث الذى جاء فيه حذو القذة بالقذة، فقد أخرجه الإمام أحمد
عن شداد بن أوس ونصه : «ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا
من قبلهم . أهل الكتاب . حذو القذة بالقذة،(١).
٢ - يرى جمهور العلماء أن المقصود بالكنز فى قوله. تعالى. «والذين
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها .. ألخ)) المال الذى لم قرد زكاته. أما
إذا أديت زكانه فلا يسمى كنزا، ولا يدخل صاحبه تحت الوعيد الذى
اشتملت عليه الآية .
وقد وضح الإمام القرطبى هذه المسألة فقال: واختلف العلماء فى
المال الذى أديت زكاته هل يسمى كنزا أولا ؟
فقال قوم: نعم . رواه أبو الضحا عن جعدة بن هبيرة عن على قال :
أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته، ولا يصح.
وقال قوم : ما أدیت زکاته منه أو من غيره عنه فليس بکنز قال ابن عمر
ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين. وكل مالم تؤذ زكاته
فهو كنز وإن كان فوق الأرض . ومثله عن جابر ، وهو الصحيح.
وروى البخارى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صَّ له -من آتاه
الله مالا فلم يؤد زكانه ، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زييبتان يطوقه
يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعنى شد قيه - ثم يقول: أنا مالك
أنا كنزك ...
وفيه أيضا عن أبى ذر قال: انتهيت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال:
والذى نفسى بيده ، ما من رجل تكون له إبل أو بقر أوغنم، لا يؤدى حقها،
إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه
(١) راجع المسند جـ ٤ ص ١٢٥ . طبعة عيسى الحلبى. تحقيق الأستاذ
أحمد شاكر .

التوبة
- ١٣٣ -
تفسير سورة
بقرونها، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس ».
فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ماذكرنا. وقد بين ابن عمر
فى صحيح البخارى هذا المعنى. قال له أعرابى: أخبرنى عن قول الله. تعالى:
والذين يكنزون الذهب والفضة .. الآية) فقال ابن عمر: من كنزها فلم
يؤد زكاتها فوبل له ، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها
الله طهراً الأموال .
وروى أبو داود عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ((والذين
يكنزون الذهب والفضة .. ، كبر ذلك على المسلمين. فقال عمر: أن أفرج
عنكم . فانطلق فقال: يا نبى الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية.
فقال - صَّ اللّه -: ((إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقى من أموالكم،
وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم ، قال : فكبر عمر . ثم قال له
رسول الله - عَِّلّه -: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة،
إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته، (١)
٣ - أخذ بعض الصحابة من هذه الآية تحريم اكتناز الأموال التى
تفيض عن حاجات الإنسان الضرورية .
قال ان كثير : كان من مذهب أبى ذر - رضى الله عنه - تحريم ادخار
مازاد على نفقة العيال ، وكان يفتى بذلك ، ويحثهم عليهم ويأمرهم به ،
ويغلظ فى خلافه . فنهاه معاوية فلم ينته . خشى أن يضر بالناس فى هذا،
فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه ،فاستقدمه عثمان
إلى المدينة وأنزله بالربذة - وهى بلدة قريبة من المدينة - وبها مات -
رضى الله عنه فى خلافه عثمان .
وروى البخارى فى تفسير هذه الآية عن زيد بن وهب قال : مررت
(١) تفسير القرطبى ج ٨ ص ١٢٥

الجزء
- ١٣٤ -
العاشر
بالربذة، فإذا بأبى ذر، فقلت له: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنا بالشام
فقرأت ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم
بعذاب أليم،. فقال معاوية: ماهذه فينا ماهذه إلا فى أهل الكتاب. قال:
قلت: إنها لفينا وفيهم ..
ثم قال ابن كثير: وفى الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال لأبى ذر: ( ما يسرنى أن عندى مثل أحد ذهباً يمر على ثلاثة أيام
وعندى منه شىء إلا دينار أرصده لدين)) فهذا - والله أعلم - هو الذى
حدا أباذر على القول بهذا ، (٩)
وقال الشيخ القاسمى : قال ابن عبد البر: وردت عن أبى ذر آثار كثيرة
تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد
العيش ، فهو كنز يذم فاعله . وأن آية الوعيد نزات فى ذلك .
وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانعى
الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره فى قصة الأعرابى حيث
قال: هل على غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع» (٢).
وحديث طلحة الذى أشار إليه ابن عبد البر، قد جاء فى صحيح
البخارى ونصه : عن طلحة بن عبيد الله قال: جاءرجل إلى رسول الله -
منّ الله - من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول
حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((خمس صلوات فى اليوم
والليلة، فقال: هل على غيرها؟ قال: (( لا. إلا أن تطوع)) قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - ((وصيام رمضان، قال: هل على غيره؟ قال:
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٥٢ - بتصرف وتليخض.
(٢) تفسير القاسمى جـ ٨ ص ٣١٢٧

التوبة
تفسير سورة - ١٣٥ -
٤لا إلا أن تطوع)). قال. وذكر له رسول الله - بله - الزكاة، قال.
هل على غيرها؟ قال . ((لا إلا أن تطوع)).
قال. فأدبر الرجل وهو يقول. والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص.
فقال رسول اللّه - عَل ـ «أفلح إن صدق))(١).
هذا؛ ومما استدل به جمهور الصحابة ومن بعدهم من العلماء، على عدم
حرمة اقتناء الأموال التى تفيض عن الحاجة ــ ما دام قد أدى حق الله فيها=
مما يأتى .
(١) أن قواعد الشرع لا تحرم ذلك، وإلا لما شرع الله المواريث، لأنه
لو وجب إنفاق كل ما زاد عن الحاجة، لما كان لمشروعية المواريث فائدة.
(ب) ثبت فى الحديث الصحيح أن سعدبن أبى وقاص عندها كان مريضاً،
وزاره رسول الله - عبَّ الله - قال له: " رسول الله: أأوصى عالى كله؟
قال . لا. قال سعد فالش طر؟ قال لا. قال سعد. فالثلث ، فقال له -
تربة - فالتلث والثلث كثير. إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن
قدعهم عالة يتكففون الناس فى أيديهم .... (٢).
ولو كان جمع المال واقتناؤه محرماً، لأقر النبى - بَل ــ سعدا على
التصديق بجميع ماله، ولأمر المدين أن يحذوا حذو سعد، ولكنه فقطالله -
لم يفعل ذلك، بل قال لسعد: «إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن
تدعهم عالة يتكففون الناس ....
وقد كان فى عهده - بَيج - من الصحابة من ملكون الكثير من
الأموال - كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما - ومع
هذا فلم يأمرهم بإنفاق كل ما زاد عن حاجتهم الضرورية .
-
(١) صحيح البخارى.١ ١٨٠٠ باب: الزكاة من الاسلام. من كتاب الايمان.
((٢) صحيح البخارى جـ٤ ٣ بأب ((أن يترك ورقته أغنياء .. من كتاب الوصايا

الجزء
العاشر
- ١٣٦ -
قال القرطبى: قرر الشموع ضبط الأموال وأداء حقها. ولو كان ضبط .
المال ممنوعاً، لكان حقه أن يخرج كله، وليس فى الأمة من يلزم هذا .
وحسبك حال الصحابة وأموالهم - رضوان الله عليهم - وأما ماذكرعن.
أبى ذر فهو مذهب له(١).
(جـ) ما ورد من آثار فى ذم الكنز والكانزين كان قبل أن تفرض
الزكاة أو هو فى حق من امتنع عن أداء حق فى ماله .
قال صاحب الكثانفى. فان قلت فما تصنع فى قوله - عبد
شيكا = «منه
ترك صفراء أو بيضاء كوى بها)».
قلت. كان هذا قبل أن تفرض الزكاة ، فأما بعد فرضيتها ، فالله أعدل
وأ كرم من أن يجمع عبده ما لا من حيث أذنله فيه، ويؤدى عنهما أو جب
عليه فيه ، ثم يعاقبه .
ولقد كان كثير من الصحابة كعيد الرحمن بنعوف وطلحة بن عبيدالله
يقتنون الأموال ويتصرفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن التقنية
لأن الاعراض اختيار للافضل ، والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه،
ولكل شىء حد (٢))).
٤ - أن الاسلام وإن كان قد أباح للمسلم اقتناء المال - بعدأداء حق
الله فيه - إلا أنه أمر أتباعه أن يكونوا متوسطين فى حبهم لهذا الاقتناء،
حتى لا. يشغلهم حب المال عن طاعة الله .
ورحم الله الإمام الرازى، فقد قال عند تفسيرهلهذه الآيات ما ملخصه.
أعلم أن الطريق الحق أن يقال. الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب الدين
(١) تفسير القرطبى ج٨ ص١٣١ (٢) تفسير الكشافج٢/ ٢٢٦٨

تفسير سورة
- ١٣٧ -
التوبة
المال الكثير. إلا أنه لم يمنع عنه فى ظاهر الشرع. فالأول محمول على
التقوى والثانى على ظاهر الفتوى .
أما بيان أن الأولى الاحتزاز عن طلب المال الكثير فيوجوه منها.
أن كثرة المال سبب لكثرة الحرص فى الطلب، والحرص متعب الروح
والنفس والقلب ... والعاقل هو الذى يحترز عما يتعب روحه ونفسه وقلبه.
أن كسب المال شاق شديد، وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب .
فيبقى الإنسان طول عمره قارة فى طلب التحصيل، وأخرى فى تعبالحفظ
أن كثرة الجاه والمال تورث الطغيان، كما قال - تعالى -. إن الإنسان ليطغى
أن رآه استغنى)) (١).
هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير جملة مر الأحاديث فى ذم التكثر من
الذهب والفضة ، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حسان بن عطية قال :
كان شداد بن أوس - رضى الله عنه - فى سفر، فنزل منز لافقال الغلام»:
أفتنا بالفرة فعبث بها ، فأنكرت عليه ذلك . فقال : ما تكلمت بكلمة منذ
أسلمت إلا وأنا أحطمها وأزمها غير كلمتى هذه فلا تحفظوها عى وأحفظوا
ما أقول لكم: سمعت رسول الله - عَّ اله - يقول: ((إذا كنز الناس
الذهب والفضة ، فأكنز هؤلاء الكلمات: اللهم إنى أسألك الثبات فى الأمر،
والعزيمة على الرشد ، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك
قلبا سليما ، وأسألك أماناً صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك
من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم. إنك علام الغيوب (٢).
وبعد : فهذه سبع آيات عن أهل الكتاب، بدأت - بقوله تعالى ((قاتلوا
الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... ، وانتهث بقوله تعالى - :
(((فذوقوا ما كنتم تكنزون)).
((١) تفسير الفخر الرازى -١٦ ص ٤٥
(٢، تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٣٥١.

العاشر
- ١٣٨ -
الجزء
وقد بينت هذه الآيات ما يجب أن يكون عليه موقف المؤمنين منهم،
.وكشفت عن أقوالهم الباطلة ، وعن جحود رؤسائهم للجق، وعن انقياد:
عامتهم للضلال، وعن استحلال كثير من أحبارهم ورهبانهم لمحارم الله ...
ثم عادت السورة بعد ذلك إلى تكملة الحديث عن أحوال المشركين
السيئة، وعن وجوب مقاتلتهم ، فقال تعالى .
١٬٥
إِنْ عدّة
الشّهُورِ عِنْدَ الَِّ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوْتِ
وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُمْ ذَلِكَ الّذِينُ الْقَِّمْ فَلَا تَظْلُواْ فِنَّ
أَنْفُسَكُ وَقَدِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَ يُقَدِلُونَكُمْ كَفَّةً وَأَعْلَمُوَاْ
أَنَّ الَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (2) إَِّ النَِّيُّ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلْ يِ
الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُونَهُ، كَمًا وَيُحَرِّمُونَهُ, عَامً لِيُوَاِ عُواْعِدَّةَ مَا حَرَّمَ
"اللّهُ فَهِلُواْ مَاَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءٌ أَعْمَلِهِمْ وَاللهُ لَ يَدِى الْقَوْمَ
اَلْكَفِ ينَ ®
قال صاحب المنار. هاتان الآيتان عود إلى الكلام فى أحوالالمشركين.
وما يشرع من معاملاتهم بعد الفتح، وسقوط عصبية الشرك، وكان الكلام
قبل هاتين الآيتين - فى قتال أهل الكتاب وما يجب أن ينتهى به من إعطاء
الجزية من قبيل الاستطراد، اقتضاه ما ذكر قبله من أحكام قتال المشركين
ومعاملتهم . وقد ختم الكلام فى أهل الكتاب ببيان حال كثير من رجال
الدين الذين أفسدت عليهم دينهم المطامع المالية، التى هى وسيلة العظمة الدنيوية
والشهوات الحيوانيه، وإنذار من كانت هذه حالهم بالعذاب الشديديوم القيامة
وجعل هذا الإنذار موجهاً إلينا وإليهم جميعاً .... ))(١)).

تفسير سورة
- ١٣٩ -
التوبة
والعدة - فى قوله. إن عدة الشهور - : على وزن فعله من العددوهى
بمعنى المعدود. قال الراغب: العدة: هى الشىء المعدود . قال - تعالى))
وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا،
أى: وما جعلنا عددهم إلا فتنة للذين كفروا :...
والشهور: جمع شهر، والمراد بها هنا: الشهور التى تتألف منها السنة
: القمرية وهى شهور. المحرم، وصفر، وربيع الأول .
وهذه الشهور عليها مدار الأحكام الشرعية، وبها يعتد المسلمون
فىعبادتهم وأعيادهم وسائر أمورهم .
والمراد بقوله: « يوم خلق السموات والأرض»: الوقت الذى خلقهما
فيه، وهو ستة أيام كما جاء فى كثير من الآيات، ومن ذلك قوله - تعالى-
إن ريكم الله الذى خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على
العرش ١٥٠٠).
والمعنى: إن عدد الشهور ((عند الله)) أى: فى حكمه وقضائه, أثنا عشر
شهراً هى الشهور القمرية التى عليها يدور فلك الأحكام الشرعية .
وقوله(( فى كتاب الله)( أى: فى اللوح المحفوظ -.
قال القرطى: وأعاده بعد أن قال ((عند الله (( لأن كثيراً من الأشياء
يوصف بأنه عند الله، ولا يقال إنه مكتوب فى كتاب الله، لقوله « إن الله عنده
علم الساعة ٠ ((٢)،.
وقيل معنى ((فى كتاب الله، أى فيما كتبه - سبحانه - وأثبته. وأوجب
على عباده العمل به منذ خلق السموات والأرض .
(١) سورة الأعرف الآية ٥٣
(٢)) تفسير القرطبى ج٨ص١٣٢.

الجزء
- ١٤٠ -
العاشر
قال الجمل: وقوله. فى كتاب الله، صفة لاثنى عشر، وقوله : (يوم
خلق السموات والأرض ، متعلق بما تعلق به الظروف قبله من معنى الثبوت
والاستقرار. أو بالكتاب، إن جعل مصدراً.
والمعنى: أن هذا أمر ثابت فى نفس الأمر منذ خلق الله الأجرام
والأزمنة (١)، أى: أن المقصود من هذه الآية الكريمة، بيان أن كون الشهود
كذلك حكم أثبته - سبحانه - فى اللوح المحفوظ منذ أوجد هذا العام،
وبينه لأنبيائه على هذا الوضع .. فمن الواجب اتباع ترتيب الله لهذه الشهور،
والتزام أحكامها ونبذما كان يفعله أهل الجاهلية من تقديم بعض الشهور
أو تأخيرها أو الزيادة عليها، أو انتهاك حرمة المحرم منها .
وقوله: ((منها أربعة حرم)) صفة لقولة (إثنا عشر )،
وقوله. ( حرم) جمع حرام - كسب جمع سحاب- مأخوذمن الحرمة
وذلك لأن الله تعالى - أوجب على الناس احترام هذه الشهور، ونهى على القتال
فيها :
وقد أجمع العلماء على أن المراد بها ذى القعدة، وذى الحجة، والمحرم،
ورجب، وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله - عين -.
فقد أخرج البخارى عن أبى بكر عن النبى بتجر - أنه قال فى خطبة
حجة الوداع - إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
والأرض . السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم. ثلاث متواليات: ذو القعدة
وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان ((٢).
وسماه - مَالَّم - رجب مضر، لأن بنى ربيعة بن نزار كانوا يحرمون
شهر رمضان ويسمونه رجباً وكانت قبيلة مضر تحرم رجباً نفسه ، لذاقال-
عَّ اللّه فيه (( ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان.
قال ابن كثير . وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة: ثلاثة سرد. وواحد
(١)) حاشية الجمل ج ٢ ص ٠٢٨٠
(٢)، صحيح البخارى ج٦ ص٨٢ - كتاب التفسير.