Indexed OCR Text

Pages 101-120

التوبة
تفسير سورة - ١٠١ -
٢ - إعطاؤهم مهلة مقدارها أربعة أشهر يتدبرون خلالها أمرهم،
دون أن يتعرض المسلمون لهم بسوء.
٣ - إعلان الناس جميعاً يوم الحج الأكبر بهذه البراءة ...
٤ - أمر المؤمنين بإتمام مدة العهد لمن حافظ من المشركين على عهده.
٥ - بيان ما يجب على المؤمنين فعله إذا ما انقضت أشهر الأمان التى
أعطيت للمشركين .
٦ - إرشاد المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم تأمين المشرك المستجير
بهم حتى يسمع كلام الله، ويطلع على حقيقة الإسلام ... ثم توصيله إلى
موضع أمنه إن لم يسلم .
٧ - بيان الأسباب التى تدعو إلى قتال المشركين، وإلى وجوب البراءة
منهم .
٨ - بيان بعض الحكم والأسرار التى من أجلها شرع الجهاد فى الإسلام.
٩ - بيان أن المشركين ليسوا أهلا لعمارة مساجد الله ... وأن الذين
م أهل لذلك : المؤمنون الصادقون .
١٠ - توجيه المؤمنين إلى أن إيمانهم يحتم عليهم أن يؤثروامحبة أنا
ورسوله على أى شىء آخر، من الآباء والأبناء والإخوان.
١١ - تذكيرهم بجانب من نعم الله عليهم حيث نصرهم فى مواطن كثيرة
ونصرهم يوم غزوة حنين ، بعد أن هزموا فى أول المعركة دون أن تنفعه.
كثرتهم التى أعجبوا بها .
١٢ - نهبهم عن تمكين المشركين من قربان المسجد الحرام، وإزاله
الوساوس التى قد تخطر ببالهم بسبب هذا النهى، بأن وعدهم . سبحانه. بأنه
سيعطيهم من فضله ما يغنيهم عن المكاسب التى تأتيهم عن طريق تبادل المنافع
مع المشر كين فى موسم الحج.

الجزء
- ١٠٢ -
العاشر
هذه أهم الموضوعات التى تعرضت لها سورة التوبة. فى ثمان وعشرين آبة
من أولها إلى هنا . وهى موضوعات وضحت. كما أسلفنا. الأحكام النهائية
فى علاقات المسلمين بالمشر كين عبدة الأوثان .
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك سبع آيات بينت فيها ما يحب أن يكون
عليه موقف المسلمين من المنحرفين من أهل الكتاب، كماحكت بعض أقوالهم
الذميمة، وأفعالهم القبيحة،،، التى تدعو المسلمين إلى فتالهم حتى يخضعوا
لسلطان الإسلام، وقد بدئت هذه الآيات بقوله . تعالى.
قَدِلُواْ
الَّذِينَ لَأُؤْمِنُونَ بِللهِ وَلَ بِالْيَوْمِ آلْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَاَحَِّمَ اَلله
وَرَسُولُهُ, وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ خَّى
يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ بَدٍ وَهُمْ صَدِرُونَ ()
قال الإمام الرازى: أعلم أنه لما ذكر. سبحانه. حكم المشركين فى إظهار
البراءة من عهدهم ، وفى إظهار البراءة عنهم فى أنفسهم، وفى وجوب مقاتلتهم،
وفى تبعيدهم عن المسجد الحرام ... ذكر بعده حكم أهل الكتاب، وهو
أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط ،
ويكونوا عند ذلك من أهل الذمة والعهد (١).
وقال إن كثير ما ملخصه: هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب
- اليهود والنصارى. وكان ذلك فى سنة تسع، ولهذا تجهز رسول الله
- بَ له - لقتال الروم، ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى
أحياء العرب حول المدينة، فندبهم فأرعبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو
من ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة .
(١) تفسير الفخر الرازى ج١٦ ص٠٢٧

التوبة
تفسير سورة : ١٠ - ١٠٣ -
ومن حولها من المنافقين وغيرهم، وكان ذلك فى عام جدب ، ووا
حفيظ وحر. وخرج رسول الله.وب للر " يريد الشام لقتال الروم)) *
تبوك، ونزل بها ، وأقام بها قريباً من عشرين يوماً ، ثم استخار الله
الرجوع، فرجع عامه ذلك لضيق الحال، وضعف الناس ... ، (١).
وقوله : ((قاتلوا الذين ..... أمر منه . سبحانه . للمؤمنين بقتالأ
: الكتاب، وبيان الأسباب التى افتضت هذا الأمر , وهى أنهم:
أولا: (( لا يؤمنون بالله، لأنهم لو كانوا مؤمنين به إيماناً صحيح
لاتبعوارسوله محمداً. عَ﴾.، ولأن منهم من قال: «عزير ابن الا
.ومنهم من قال: ((المسيح ابن الله)).
وقولهم هذا كفر صريح، لأنه . سبحانه . مفزه عما يقولون .
قال. تعالى .: ((قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد.
. يكن له كفواً أحد ،.
وثانياً : أنهم (( لا يؤمنون باليوم الآخر، على الوجه الذى أمرافقه. تعا.
به، ومن كان كذلك كان إيمانه . على فرض وجوده. كلا إيمان .
قال الجمل ما ملخصه: فان قلت: اليهود والنصارى يز عمون أنهم يؤ منه
بالله واليوم الآخر فكيف ففى الله عنهم ذلك؟
قلت: إن إيمانهم بهما باطل لا يفيد، بدليل أنهم لم يؤمنوا بالنبي عدّ
فلما لم يؤمنوا به كان إيمانهم بالله واليوم الآخر كمالعدم فصح نفيه فى الأ
ولأن إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين، وذلك أن اليهود يعتقدور.
التجسيم والتشبيه، والنصارى يعتقدون الحلول، ومن اعتقد ذلك فلي
بمؤمن بالله بل هو مشرك بالله.
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص٠٣٤٧

الجزء
- ١٠٤ - العاشر:
وأيضاً فإن إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين، وذلك لأنهم ...
يعتقدون بعث الأرواح دون الأجساد، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا
يشربون ولا ينكحون - أى أنهم يرون نعيم الجنة وعذاب النار يتعلقان.
بالروح فقط ولا شأن للجسد بذلك. ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان ..
المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن (١).
وثالثاً: أنهم (( لا يحرمون ما حرم الله ورسوله)) أى. أنهم لا يحرمون .
ما حرمه الله ورسوله محمد. صِّ له. فى القرآن والسنه، وفضلا عن ذلك
فهم لا يلتزمون ما حرمته شريعتهم على ألسنة رسلهم، وإنما غيروا وبدلوا
فيها على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم .
أى أنهم لا يحرمون ما حرمه الله لا فى شريعتنا ولا فى شريعتهم.
فاليهود - بجانب كفرهم بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم ، بدليل أنهم.
استحلوا أكل أموال الناس بالباطل مع أنها . أى شريعتهم. فهتهم عن ذلك.
قال - تعالى -: ((وأخذهم الربا وقد نهواعنه وأكلهم أموال الناس
بالباطل ... )، (٢).
والنصارى - بجانب كفرهم - أيضاً - بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم.
بدليل أنهم استحلوا الرهبانية مع أن شريعتهم لم تشرع لهم ذلك .
قال - تعالى-, ثم قفينا على آثارهم برسلنا، وقفينا بعيسى ابن مريم.
وآتيناه الإنجيل، وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية
ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فمارعوها حق رعايتها. (٣),-
(١) حاشية الجمل على الجلالين +٣ ص ٠٣٧٥
(٢) سورة النساء . الآية , ٠١٦
(٣) سورة الحديد

تفسير سورة
- ١٠٥ -
التوبة
ورابعاً: (( لا يدينون دين الحق)).
وقوله: (( يدينون)) بمعنى يعتقدون ويطيعون، يقال : فلان يدين.
بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده وأطاع أوامره ونواهيه .
والمراد بدين الحق: دين الإسلام الناسخ لغيره من الأديان .
أى : أنهم لا يتخذون دين الإسلام ديناً لهم ، مع أنه الدين الذى
ارتضاه الله لعباده، والذى لا يقبل - سبحانه - دينا سواه.
قال - تعالى -: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
ورضيت لكم الإسلام ديناً ... )، (١).
وقال - تعالى -: ((ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو فى
الآخرة من الخاسرين ،(٢).
ويصح أن يكون المراد بدين الحق. ما يشمل دين الاسلام وغيره من
الأديان السماوية التى جاء بها الأنبياء السابقون.
أى: ولا يدينون بدين من الأديان التى أنزلها المه على أنبيائه، وشرعها
لعباده، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه علهيم.
وعبر عنهم فى قوله ٠ , قاقلوا الذين لا يؤمنون .. ، بالاسم الموصول
للإيذان بعلية ما فى حين الصلة للامر بالقتال
أى أن العلة فى الأمر بقتالهم، كونهم لا يؤمنون بالولا باليوم الآخر،
ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق .
وقوله .(( من الذين أوتوا الكتاب)) بيان للمتصفين بهذه الصفات الأربعة
وهم اليهود والنصارى؛ لأن الحديث عنهم، وعن الأسباب التىتوجب قتالهم.
ب (١) سورة المائدة. الآية ٣. (٢) سورة آل عمران الآية ٨٥.

الجزء
- ١٠٦ -
العاشر
والمراد بالكتاب . جنسه الشامل التوراة والانجيل .
أى: قاتلوا من هذه صفاتهم، وهم اليهود والنصارى الذين أعطاه.
الله التوراة والانجيل - عن طريق موسى وعيسى - عليهما السلام-ولكنهم
لم يعملوا بتعاليمهما وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواذهم وشهواتهم .
والمقصود بقوله . من الذين أوتوا الكتاب)، تميزهم عن المشر كين عبدا
الأوثان فى الحكم، لأن حكم هؤلاء قتالهم حتى يسلموا ، أما حكم أهل
الكتاب فهو القتال ، أو الاسلام، أو الجزية :
وقوله: (( حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون، غاية لانهاء القتال
أى. قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب, حتى يعطوا الجزية
عن طوع وانقياد، فان فعلوا ذلك فاتر كواقتالهم .
والجزية. ضرب من الخراج يدفعه أهل الكتاب للمسلمين وهى -
كما يقول القرطبى : - من جزى يجزى - مجازاة - إذا كافأ أسدى إليه.
فكأنهم أعطوها للمسلمين جزاء ما منحوامن الأمن، وهى كالقعدة والجلسة:
ومن هذا المعنى قول الشاعر :
يجزيك أو يثنى عليك وإن من أثنى عليك بما فعلت فقد جزى (١)
والمراد بإعطائها فى قوله: ((حتى يعطوا الجزية،. التزام دفعها وإن لم
يجىء الوقت المحدد لذلك .
واليد هنا: يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد. أى: حتى
يعطوا الجزية عن خضوع وإنقياد .
ويحتمل أن تكون كناية عن الدفع نقداً بدون تأجيل. أى : حتى
يعطوها نقداً بدون تسويف أو تأخير .
ويحتمل أن تكون على معناها الحقيقى ودعن بمعنى الباء أى: حتى
يعطوها بيدهم إلى المسلمين لا أن يبعثوا بها بيد أحد سواهم.
وهذه المعانى للبدائما تتأتى إذا أريد بها يد المعطى. أى: يد الكتابى

التوبة
- ١٠٧ -
تفسير سورة
أما إذا أردنا بها اليد الآخدة - وهى بد الحاكم المسلم - ففى هذه الحالة
-يكون معناها القوة والقهر والغلبة .
أى : حتى يعطوها عن يد غالبة قوية لا قبل لهم بالوقوف أمامها .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال قوله: ((عن يد)) إما أن يراد
يد المعطى أو الآخذ فمعناه على إيراده يد المعطى حتى يعطوها عن يده، أى
عن يد مؤاتيه غير ممتنعه؛ إذ أن من أبى وأمتنع لم يعظ يده ، بخلاف
المطيع المنقاد ، ولذلك قالوا: أعطى بيده، إذا أنقاد وأصحب - أى:
سهل بعد صعوبة - ألا ترى إلى قولهم : نزع يده عن الطاعه، كما يقال :
خلع ربقة الطاعة عن عنقة .
أو المعنى : حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة، لامبعوثا بها على
يد أحد ، ولكن يد المعطى إلى يد الآخذ.
ومعناه على إرادة يد الآخذ: حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية -
.وهى يد المسلمين - أو حتى يعطوها عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية
منهم، وقرك أرواحهم لهم ، نعمة عظيمة عليهم، (١)
وقوله: (( وهم صاغرون)) من الصغار بمعنى الذل والهوان . يقال:
صغر فلان يصغر صغراً صغاراً إذا ذل وهان وخضع لغيره .
والمعنى : قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يدفعوا لكم
الجزية عن طواعية وأنفياد . وهم أذلاء خاضعون او لايتكم عليهم ... فإن
الدين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولايحرمون ماحرمه الله ورسوله.
ولا يتخذون الدين الحق ديناً لهم. يستحقون هذا الهوان فى الدنيا ، أما
فى الآخرة فهذابهم أشد وأبقى هذا .
ومن ألأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ١٢٤

الجزء
- ١٠٨ -
العاشر
١ - إن هذه الآية أصل فى مشروعية الجزية، وأنها لا تؤخذ إلا من
أهل الكتاب عند كثير من الفقهاء - لأن أهل الكتاب هم الذين يخيروز
بين الإسلام أو القتال أو الجزية ، أما غيرهم من مشر كى العرب فلايخيروز
إلا بين الإسلام أو القتال .
قال القرطبى ما ملخصه : وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية
فقال الشافعى : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة، عربا كانوا
أو عجما لهذه الآية: فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم
دون من سواهم، لقوله تعالى. فى شأن المشركين -: «فاقتلوا المشركين
حيث وجدتموهم)، ولم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال فى أهل الكتاب.
وقال الشافعى: وققبل من المجوس لحديث( سنوابهم سنة أهل
الكتاب ، أى: فى أخذ الجزية منهم)).
وبه قال أحمد وأبو ثور. وهو مذهب الثورى وأبى حنيفة وأصحابه
وقال الأوزاعى : تؤخذ الجزية من كل عابدون أو نار أو جاحد أو مكذوب
وكذلك مذهب مالك: فإنه يرى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك.
والجحد، عربيا أو عجميا تغلبيا أو قرشيا؛ كائنا من كار إلا المرةد .. )) (١)
٢ - أن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ما ينالهم ,وكهنا عن قتالهم،
ومساهمة منهم فى رفع شأن الدولة الإسلامية التى أمنتهم وأموالهم وأعراضهم
ومعتقداتهم، ومقدساتهم .. وإقرار منهم بالخضوع لتعاليم هذه الدولة
وأنهم متى التزموا بدفعها وجب علينا حمايتهم ، ورعايتهم ، ومعاملتهم
بالعدل والرفق والرحمة ...
وفى تاريخ الإسلام كثير من الأمثلة التى تؤيد هذا المعنى ، ومن ذلك،
ما جاء فى كتاب الخراج لأنى يوسف أنه قال فى خطابه لهارون الرشيد
((وينبغى يا أمير المؤمنين - أيدك الله - أن تتقدم فى الرفق بأهل ذمة نبيك.
(١) تفسير القرطبى = ٨ ص ١١٠ طبعة دار الكتب المصرية
سنة ١٣٨ هـ ١٩٦١ م

تفسير سورة - ١٠٩ - التوبة
وابن عمك محمد عّ لّه - والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا
فوق طاقتهم ، ولا يؤخذ شىء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم ؛ فقد روى
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من ظلم من أمتى معاهداً
أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه .
وكان فيما تسكلم عمر بن الخطاب عند وفاته : أوصى الخليفة من بعدى بذمة
رسول الله صلى الله عليه وسلم. أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من
ورائهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم)، (١) .
وجاء فى كتاب (( أشهر مشاهير الإسلام، وأن جيوش التتار، لما
أكتحت بلاد الإسلام من حدود الصين إلى العام ، ووقع فى أسرهم
من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون شوكة ، التتار ودان
ملوكهم بالإسلام، خاطب شيخ الإسلام ابن تيميه ، أمير التتار بإطلاق
الأسرى فسمح له بالمسلمين وأبى أن يسمح بأهل الذة، فقال له شيخ الإسلام:
لا بد من إطلاق جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا
ولا فدع أسيرا إلا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فأطلقهم له، (٢).
وجاء فى كتاب «الإسلام والنصرافيه، الأستاذ الإمام محمد عبدهما ملخصه:
.... الإسلام كان يكتفى من الفتح بادخال الأرض المفتوحة تحت
سلطانه، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين. ثم يكلفهم بجزية يدفعونها
لتكون عونا على صياقتهم والمحافظة على أمنهم فى ديارهم، وهم فى عقائدهم
ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرارا ، لا يضايقون فى عمل ، ولا يضامون
فى معاملة .
خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العباد الذين انقطوا عن
. العامة فى الصوامع والأدرة للعبادة، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء
.النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال.
(١) كتاب الخراج لأبى يوسف ص ١٤
(٢) تفسير القاسمى ج ٨ ص ٣١٢

الجزء
- ١١٠ -
العاشر
جاءت السنة بالنهى عن إيذاء أهل الذمة، وبتقرير مالهم من الحقوق على.
المسلمين، ( لهم مالنا وعليهم ما علينا)، و((من آذى ذميا فليس منا)).
واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإسلام. ولست أبالى إذا
انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عندما بدأ الضعف فى أبناء الإسلام
فضيق الصدر من طبع الضعيف .
ثم قال: أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت
سلطانها تراقب أعمال أهله، وتخصوم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها:
الصبر مهما عظم، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم - بعد العجز عن
إخراجهم من دينهم - طردتهم عن ديارهم،وغسلت الديار من آثارهم،كما
حصل ويحصل فى كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا.
ولا يمنع غير المسيحى من تعدى المسيحى إلا كثرة العدد أو شدة.
العضد ، كما شاهد التاريخ ، وكما يشهد كاتبوه .
ثم قال : فأنت ترى الإسلام يكتفى من الأمم والطوائف التى يغلب على
أرضها، بشىء من المال ، أقل ما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم ، وبأن
يعيشوا فى هدوه، لا يعكرون معه صفو الدولة ، ولا يخلون بنظام السلطة
العامة ، ثم يرخى لهم بعد ذلك عنان الاختيار فى شئونهم الخاصة بهم،
لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم (١))).
وقال الشيخ القاسمى ما ملخصة: قال السيوطى: استدل بقوله . تعالى.
(((وهم صاغرون، من قال إنها تؤخذ بإهانة، بأن يجلس الآخذ ويقوم الذمى.
ويطاطى. رأسه ، ويحنى ظهره، ويقبص الآخذ لحيته ... الخ.
وقد رد الإمام ابنالقيم على هذا القائل بقوله: هذا كله مما لا دليل عليه،
ولا هو من مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله - منتج - ولا عن أصحا به.
(١) الإسلام والنصرانية جـ ٧٤

تفسير سورة - ١١١ - التوبة
والصواب فى الآية، أن الصغار: هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم ،
وإعطاء الجزبة، فإن ذلك هو الصغار، وبه قال الشافعى(١))).
والذى نراه أن ما قاله الإمام ابن القيم فى رده هو عين الصواب، وأن ما نقله
السيوطى عن بعضهم ... يتنافى مع سماحة الإسلام وعدله ورحمته بالناس
هذا، وهناك أحكام أخرى تتعلق بالجزية لا مجال لذكرها هنا، فليرجع
إليها من شاء فى بعض كتب الفقه والتفسير (٢).
وبعد أن بين -سبحانه-بعض رذائل أهل الكتاب على سبيل الإجمال،
أقبع ذلك بتفصيل هذه الرذائل ، لفحكى أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم الذميمة،
ونواياهم السيئة فقال - تعالى -:
،وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ
أَبْنُ اللَّهِ وَ قَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللهِذَ لِكَ قَوْلَهُ بِأَقْوَزِّ
يُضَنِعُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْمِنْ قَبْلُ قَدْتَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾
أُّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ
وَمَا أُمِرُواْ إِلَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَّهَا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّ هُوَّ سُبْحَتَهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ (ج) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِعُواْ نُورَ الَهِبِأَقْوَِّهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّ
(أَنْيُّنُورَهُوَلَوْكَةَ الْكَفِرُونَ (بَّهُوَ الَّذِىَ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى
وَدِينِ الْحَقِّ لُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ◌َ
(١) تفسير القاسمى ج ٨ ص ٠٣١٠٨ (٢) راجع على سبيل المثال تفسير
القرطبى ح ١٠٩٥٨. وتفسير المنار حـ٣٣١٥١٠ وتفسير القاسمى -٠٢١٠٥٠٥٨

- ١١٢ -
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: أتى رسول الله - صَ الله-
سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى. وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف فقالوا:
كيف نتبعك ـ يا محمد - وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أنعزیراًابن الله ،
فأنزل الله فى ذلك: (( وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح
ابن الله ... الآية (١)، .
و ((عزير)) كاهن يهودى سكن بابل سنة ٤٥٧ قم تقريبا، ومن أعماله
أنه جمع أسفار التوراة ؛ وأدخل الأحرف الكلدانية عوضا عن العمرانية
القديمة ، وألف أسفار: الأيام، وعزرا، ونحميا .
وقد قدسه اليهود من أجل نشره لكثير من علوم الشريعة، وأطلقوا
عليه لقب ((ابن الله)).
قال البیضاوی : وإنما قالوا ذلك ۔ أی : عزير ابن الله - لأنه لميبقفيهم
بعد وقعة ((بختصر)) - س ٥٨٦ ق م - من يحفظ التوراة. وهو لما أحياء الله
بعد مائة عام أملى عليهم التوراة حفظا فتعجبوا من ذلك وقالوا : ما هذا
إلا لأنه ابن الله (٢)» .
وقال صاحب المنار ما ملخصه: جاء فى دائرة المعارف اليهودية الانكايزية
- طبعة ١٩٠٣ - أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملى لليهودية الذى
تفتحت فيه أزهاره، وعبق شذا ورده . وأنه جدير بأن يكون هو ناشر
الشريعة ... (٣)،.
(١) تفسير ابن جرير ج ١٠ ص ٠١١٠
(٢) تفسير البيضاوى ص ٢٢٣.
(٣) راجع تفسير المنار ص ٣٧٧ وما بعدها فقيه كلام مفيد عن عقيدة
اليهود والنصارى .

تفسير سورة
٠ - ١١٣ -
التوبة
وقد ذكر المفسرون هنا أفوالا متعدد فى الأسباب التى حملت اليهودعلى
أن يقولوا(« عزير ابن الله، وأغلب هذه الأقوال لا يؤيدها عقل أو فقل،
ولذا فقد ضربنا عنها صفحا (١).
وقد نسب . سبحانه. القول إلى جميع اليهود مع أن القائل بعضهم، لأن
الذين لم يقولوا ذلك لم ينكروا على غيرهم قولهم ، فكانوا مشار كين هم فى
الإثم والضلال ، وفيما يترتب على ذلك من عقاب.
وأما قول النصارى (( المسيح ابن الله، فهو شائع مشهور، ومن أسبابه
أن الله . تعالى. قد خلق عيسى بدون أب على خلاف ما جرت به سنته فى
"التوالد والتناسل، فقالوا عنه (( ابن الله)).
وقد حاجهم . سبحانه . فى سورة آل عمران بأن آدم قد خلقه الله
من غير أب أو أم ، فكان أولى بنسبة البنوة إليه، لكنهم لم ينسبوا إليه
ذلك، فينبغى أن يكون عيسى كآدم .
قال. تعالى .: ((إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم
- قال له كن فيكون . الحق من ربك فلا تكن من الممترين)).
وقوله : (( ذلك قولهم بأفواههم، ذم لهم على ما نطقوا به من سوء
يمجه العقل السليم ، والفكر القويم.
أى: ذلك الذى قالوا فى شأن «عزير والمسيح، قول تلوكه ألسنتهم فى
أفواههم بدون تعقل، ولامستند لهم فيما زعموه سوى افترائهم واختلافهم،
.. فهو من الألفاظ الساقطة التى لاوزن لها ولاقيمة، فقد قامت الأدلة السمعية
.. والعقلية على استحالة أن يكون له ولد أو والد أو صاحبة أو شريك.
(١) راجع - على سبيل المثال - تفسير ابن جرير جـ ١٠ ص ٠١١١
و تفسير الآلوسی جـ ١٠ ص ٧٢
(٨ - سورة التوبة)

الجزء
- ١١٤ -
العاشر
قال . تعالى. (( إن كل من فى السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا:
لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا، (١)
ولقد أنذر. سبحانه. الذين نسبوا إليه الولد بالعقاب الشديد فقال :-
(وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً. ما لهم به من علم ولا لآبائهم، كبرت.
كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا(٢).
وأسند. سبحانه - القول إلى الأفواه مع أنه لا يكون إلا بها، لاستحضار
الصورة الحسية الواقعية ، حتى لكأنها مسموعة مرئية ولبيان أن هذا
القول لا وجود له فى عالم الحقيقة والواقع ، وإنما هو قول لغو
ساقط وليد الخيالات والأوهام، ولزيادة التأكيد فى نسبة هذا القول إليهم،
أى : أنه قول صادر منهم وليس محمكيا عنهم .
قال صاحب الكشاف. فإن قلت: كل القول يقال بالفم فما معنى
قوله, ذلك قولهم بأفواههم))؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما - أن مراد أنه قول لا يعضده برهان،فماهو
إلا لفظ يفوهون به ، فارغ من أى معنى تحته ، كالألفاظ المهملة التى هى
أجراس ونغم، لا تدل على معان . وذلك أن القول الدال على معنى، لفظه ..
مقول بالفم ، ومعناه مؤثر فى القلب ، وما لا معنى له مقول بالفم لا غير ...
والثانى - أن يراد بالقول المذاهب، كقولهم ((قول أبىحنيفة»یریدون
مذهبه وما يقول به . كأنه قيل : ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم،
لأنه لاحجة معه ولاشبهة، حتى يؤثر فى القلوب ، وذلك أنهم إذا اعترفوا
أنه لا صاحبة له لم تبق شبهة فى انتفاء الولد)، (٣).
وقوله: ((يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، ذم آخر هم على.
تقليدهم لمن سبقوهم بدون تعقل أو تدبر .
((٢، سورة الكهف الآ يوان٠٦،٥
(((١)) سورة مريم الآيتان ٦٠،٥٩
(٣) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٦٤

تفسير سورة
- ١١٥ -
التوبة
قال الجمل ما ملخصه قرأ العامة (( يضاهون، بضم الهاء بعدها واو -.
. وقرأ عاصم (( يضاهئون)) - بها. مكسورة بعدها همزة مضمومة - فقيل
هما بمعنى واحد وهو المشابهة. وفيه لغتان: ضاهأت وضاهيت ... )، (١).
والمراد بالذين كفروا من قبل. قيل. أهل مكة وأمثالهم من المشركين
السابقين الذين قالوا . الملائكة بنات اللّه وقيل . المراد بهم قدماء أهل
الكتاب. أى. أن اليهود والنصارى المعاصرين للنبى - صيد - يشابه
قولهم فى العزير وعيسى قول آبائهم الأقدمين، - أى المعاصرون للعهد
النبوى - قد ورثوا الکفر کابرا عن كابر .
والأولى من هذين الوجهين أن يكون المراد بالذين كفروا من قبل .
جميع الأمم التى ضلت وانحرفت عن الحق ، وأشركت مع الله فى العبادة
آلهة أخرى .
قال صاحب المنار. وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين فى الشرق والغرب
أن عقيدة الابن لله والحلول والتثليث. كانت معروفة عند البراهمة فى الهند
وفى الصين واليا بان وقدماء المصريين وقدماء الفرس .
وهذه الحقيقة التاريخية - والتى بينها القرآن فى هذه الآية - من معجزاته
لأنه لم يكن يعرفها أحد من العرب ولا من حولهم، بل لم تظهر إلا فى
هذا الزمان )»(٢) .
والمعنى. أن هؤلاء الضالين الذين قال بعضهم عزيزابن الله. وقال البعض
الآخر «المسيح ابن الله، ليس لهم على قولهم الباطل هذا دليل ولا برهان،
ولكنهم يشابهون ويتابعون فيه قول الذين كفروا من قبلهم من الأممدفهم
على آثارهم بهرعون)) (٣) .
(١) حاسية الجمل على الجلالين جـ٠٢٧/٧٥٢
(٢) تفسير المنار - بتصرف وتلخيص جـ١ ص٣٩٩ وراجع تفسير فى ظلال
القرآن جـ ٢٠٠٥١٠ (٣) سورة الصافات. الآية ٧٠.

الجزء
- ١١٦ -
العاشر
وقوله . (( قائلهم الله، تعجيب من شناعة قولهم، ودعاء عليهم بالهلاك-
فان من قائلة اللّه لا بد أن يقتل . ومن غالبة لا بد أن يغلب .
وعن ابن عباس، أن معنى «قاتلهم الله، لعنهم الله وكل شىء فى القرآن
قتل فهو لعن (١) .
وقوله :. أبى يوفكون، تجيب آخر من انصرافهم الشديدعن الحق
الواضح إلى الباطل المظلم المعقد .
و((أنى، بمعنى كيف. و«يؤفكون، من الافك بمعنى الانصراف عن
الشىء والابتعاد عنه. يقال. أفكه عن الشىء يأفكه أفكا. أى. صرفه عنه
وقلبه. ويقال. أفكت الأرض أفكا. أى: صرف عنها المطر.
والمعنى: قاتل الله هؤلاء الذين قالوا«عزير ابن الله)، والذين قالوا(المسيح
ابن الله، لأنهم بقولهم هذا محل مقت العقلاء وعجبهم، إذكيف يصرفون عن
الحق إلى الباطل , بعد وضوح الدليل على استحالة أن يكون له - تعالى -
ولد أو والد أو صاحبة أو شريك ٠٠٠؟ !.
إن ما قالوه ظاهر البطلان وهو محل عجب العقلاء واستنكارهم
و غضبهم.
وقوله . سبحانه .. (( أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله
والمسيح ابن مريم » بيان للون آخر من ألوان انحراف اليهود والنصارى
عن الحق إلى الباطل ، وتقرير لما سبقت حكايته عنهم من أقوال فاسدة،
وأفعال ذميمة .
والضمير فى قوله ((اتخذوا)) يعود إلى الفريقين الذين حكمت الآية
السابقة ما قالوه من باطل وهتان.
والأحبار علماء اليهود جمع حبر. بكسر الحاء وفتحها - وهو الذى
(١) تفسير ابن جرير ج١٠ ص٠١١٣

التوبة
- ١١٧ -
تفسير سورة
يحسن القول وبتقنه، مأخوذ من التحبير بمعنى التحسين والتزيين ، ومنة
ثوب محبر أى جمع الزينة والحسن، والرهبان: علاء النصارى جمع راهب
وهو الزاهد فى متع الدنيا ، المنعزل عن الناس مأخوذ من الرهبة بمعنى
الخشية والخوف من الله - تعالى.
والمراد باتخاذهم لأحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، أخهم أطاعوهم
فيما أحلوه لهم، وفيما حرموه عليهم، ولوكان هذا التحليل والتحريم مخالفاً
لشرع الله .
وهذا التفسير مأثور عن رسول الله - بتلي. فقد روى الإمام أحمد
والترمذى وابن جرير من طرق عن عدى بن حاتم أنه لما بلغته دعوةرسول
الله . ◌َّة. فر إلى الشام: وكان قد تنصر فى الجاهلية. فأسرت أخته
وجماعة من قومها، ثم من رسول الله. برؤللم. على أخته وأعطاها.
فرجعت إلى أخيها، فرغبته فى الاسلام وفى القدوم على رسول الله: وَطالية
فقدم عدى المدينة . وكان رئيساً فى قومه طيء وأبو حاتم الطائى المشهور
بالكرم فنحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول اللّه. وت ◌ٍ. وفى عنق
عدى صليب من فضة، وكان الرسول يقرأ هذه الآية « أتخذوا أحبارهم
ورهبانهم أربابا من دون أنه .... ))
قال عدى: فقلت. إنهم لم يعبدوهم. فقال. بلى. إنهم حر مواعليهم
الحلال ، وأحلوا لهم الحرام، فأتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم.
قال ابن كثير : وهكذا قال حذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهما فى
تفسير هذه الآية : أنهم أتبعوهم فيما حللوا وحرموا.
وقال السدى: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتابالله وراء ظهورهم(١)
. (١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ٠٣٤٨

الجزء
- ١١٨ -
العاشر
وقال الآلوسي: وقيل اتخاذهم أرباباً بالسجود لهم ونحوه ممالا يصلح
إلا لله تعالى.، وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة
الخبر عن رسول الله. وثطلي
والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله وسنة
رسوله، لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر الحق فعلى
المسلم اتباعه وإن أخطأه اجتهاد مقلده. (١).
وقوله: (( والمسيح ابن مريم، معطوف على قوله، أحبارهم)، والمفعول
الثانى بالنسبة إليه محذوف أى : اتخذوه رباً وإلهاً.
قال صاحب المنار ما ملخصه : جمع - سبحانه. بين اليهود والنصارى
فى اتحاذ رجال دينهم أرباباً بأن أعطوهم حق التشريع فيهم :.. وذكر بعد
ذاك ما انفرد به النصارى دون اليهود من اتخاذهم المسيحرباوإلها يعبدونة
واليهود لم يعبدوا عزيراً، ولم يؤثر عمن فال منهم إنهابن الله، أنهم عنو اما يعنيه
النصارى من قولهم فى المسيح: إنه هو الله الخالق المدبر لأمور العباد)،(٢))
وقوله: ((وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو ٠٠٠، جملة
حالية أى : اتخذ هؤلاء المفترون على الله الكذب من اليهودو النصارى
أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، بأن أطاعوهم فيما يحلونه لهم وفيما
يحرمونه عليهم ولو كان ذلك مخالفاً لشرع الله؛ وكذلك أتخذ النصارى
المسيح ابن مريم رباً وإلهاً .
والحال أنهم جميعاً ما أمروا على ألسنة رسلهم إلا بعبادة الله وحده ،
فهو المعبود الذى لا تعنوا الوجوه إلا له، ولا يكون الاعتماد إلا عليه ..
وكل ما سواه فهو مخلوق له .
((١) تفسير الألوسى ج ١ص٠٧٥ (٢) تفسير المنار جـ١٠ص٠٤٢٦٠

التوبة
- ١١٩ -
تفسير سورة
وقوله: ((لا إله إلا هو)) صفة ثانية لقوله « إلها)). أو هو استئناف
-بيانى لتعليل الأم بعبادة الله وحده، وأنه - سبحانه - هو المستحق لذلك
شرعا وعقلا .
وقوله: (( سبحانه عما يشركون، تهزيه له عن الشرك والشركاء إثر
الأمر بإخلاص العبادة له .
أى: تنزه الله - عز وجل - وتقدس عن الشركاء والنظراء والأعوان
. والأضداد والأولاد، فهو رب العالمين، وخالق الخلائق أجمعين ..
قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : ومن النص
القرآنى الواضح الدلالة، ومن تفسير رسول الله - عَّ الله - الآ ية وهو فصل
الخطاب، ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين، تخلص لناحقائق
فى العقيدة والدين ذات أهمية بالغة تشير إليها هنا بغاية الاختصار وهى :
أن العبادة هى الاقباع فى الشرائع بنص القرآن وتفسير الرسول -
-. فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أربابا بمعنى
"الاعتقاد فى ألوهيتهم ، أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم ... ومع هذا فقدحكم
ألله . سبحانه . عليهم بالشرك فى هذه الآية، وبالكفر فى آية قالية فى
السياق لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوه! واتبعوها -فهذا وحده دون
الاعتقاد والشعائر يكفى لاعتبار من يفعله مشركا بالله، الشرك الذى يخرجه
من عداد المؤمنين ، ويدخله فى عداد الكافرين .
أن النص القرآنى يسرى فى الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون
الله، بين اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه، وبين
النصارى الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقاداً وقدموا إليه الشعائر فى العبادة(١)
(١) راجع تفسير ((فى ظلال القرآن، جـ ١٠ ص ٢٠٣ للأستاذ سيد
قطب . طبعة دار إحياء التراث العربى الطبعة الخامسة .

تفسير سورة
- ١٢٠ -
التوبة
. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يهدف إليه أهل الكتاب من وراس.
أقاويلهم الكاذبة، ودعاواهم الباطلة فقال: «يريدون أن يطفئوا نور الله.
بأفواههم ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)).
::
والمراد بنور الله: دين الإسلام الذى ارتضاه. سبحانه. لعبادهديناً،.
وبعث به رسوله. ◌َّ له.، وأعطاه من المعجزات والبراهين الدالة على.
صدقه ، وعلى صحته ما جاء به مما يهدى القلوب ، ويشفى النفوس ،
ويجعلها لا تدين بالعبادة والطاعة إلا لله الواحد القهار.
وقيل المراد بنور الله: حججه الدالة على وحدانيته - سبحانه -.
وقيل المراد به. القرآن. وقيل المراد به: نبوة النبى - مَّ ® -و كلها معان
معقاربة .
والمراد بإطفاء فور الله: محاولة طمسه وإبطاله والقضاء عليه، بكل
وسيلة يستطيعها أعداؤه، كإئاتهم للشبهات من حول تعاليمه، وكتحريضهم
لأتباعهم وأشباعهم على الوقوف فى وجهه ، وعلى محاربته .
والمراد بأفواههم. أقوالهم الباطلة الخارجة عن تلك الأفواه التى قنطق
بما لا وزن له ولا قيمة ..
والمعنى: يريد هؤلاء الكافرون بالحق من أهل الكتاب أن يقضوا على.
دين الإسلام، وأن يطمسوا تعاليمه السامية التى جاء بها نبيه - برتقال -
عن طريق أفاويلهم الباطلة الصادرة عن أفواههم من غير أن يكون لها
مصداق من الواقع تنطبق عليه، أو أصل تستند إليه. وإنما هى أقوال من
قبيل اللغو الساقط المهمل الذى لا وزن له ولا قيمة ....
قال الآلوسى ما ملخصه: فى الكلام استعارة تمثيلية، حيث شبه -سبحانه ..
حال أهل الكتاب فى محاولة أبطال نبوة التى. عنتنظيمٍ عن طريق تكذيبهم ..
له، بحال من يريد أن ينفخ فى نور عظيم مثبت فى الآفاق ليطفئه بنفخة . .ـ