Indexed OCR Text
Pages 61-80
- ٦١ -
تفسير سورة التوبة
.. وتقييد الإرضاء بالأفواه، للإشعار بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون
بها من غير أن يكون لها مصداق فى قلوبهم .
وقوله: ((وأكثرهم فاسقون)) أى : خارجون عن حدود الحق ،
منفصلون عن كل فضيلة ومكرمة، إذ الفسق هو الخروج والانفصال .
يقال: فقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها . وفق فلان إذا خرج عن
حدود الشرع .
وإنما وصف أكثرهم بالفسوق، لأن هؤلاء الأكثرين منهم، هم
الناقضون لعهودهم، الخارجون على حدود ربهم ، أما الأقلون منهم فهم
الذين وفوا بعهودهم ، ولم ينقصوا المؤمنين شيئاً ، ولم يظاهروا
عليهم أحدا .
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وصفت هؤلاء المشركين وصفا فى
نهاية الذم والقبح ، لأنهم إن كانوا أقوياء جروا وأسرفوا فى الإيذاء،
نابذين كل عهد وقرابة وعرف ... أما إذا شعروا بالضعف فإنهم يقدمون
للمؤمنين الكلام اللين الذى تنطق به ألسنتهم ، وتأباه قلوبهم الحاقدة
الغادرة ...
أى أن الغدر ملازم لهم فى حالتى قوتهم وضعفهم ، لأنهم فى حالة قوتهم
((لا يرقبون فى مؤمن إلا ولاذمة)). وفى حالة ضعفهم يخادعون ويداهنون
حتى تحين لهم الفرصة للانقضاض على المؤمنين .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك السبب الأصيل الذى جعل الغدر ديدنهم،
والحقد على المؤمنين دأبهم فقال: ((اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا قصدوا
عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون)).
والمراد بالاشتراء هنا. الاستبدال والاستيعاض.
- ٦٢ -
الجزء العاشر
والمراد بآيات الله: كل ما جاء به النبي - صَّ - من آيات.
قرآنية، ومن تعاليم سامية تهدى إلى الخير والفلاح.
والمعنى: إن السبب الأصيل الذى حمل هؤلاء المشركين على الغدر ،
وعلى الفجور والطغيان عند القوة وعلى المداهنة والمخادعة عند الضعف ..
هو أنهم استبدلوا بآيات الله المتضمنة لكل خير وفلاح ... ثمناً قليلا.
أى : عرضاً حقيراً من أعراض الدنيا وزخارفها.
وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات . بل
هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات، لأن كل ثمن يؤخذـ
فى مقابل آيات الله فهو قليل وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا وزينتها.
وقوله : (( فصدوا عن سبيله)) بيان لما ترتب على استبدالهم بآيات الله.
ثمناً قليلا.
والصد: المفع والحيلولة بين الشىء وغيره ((ويستعمل لازماً فيقال: ضد
فلان عن الشىء صدوداً بمعنى أعرض عنه. ويستعمل متعدياً فيقال: صده.
عنه إذا صرفه عن الشىء . .
وهنا تصح إرادة المعنيين فيكون التقدير : أن هؤلاء المشركين قد
اشتروا بآيات الله ثمناً قليلا، يترتب على ذلك أن أعرضوا عن طريق الله
الواضحة المستقيمة التى جاء بها نبيه محمد - صتي - ، ولم يكتفوا بهذا.
بل صرفوا غيرهم عنها ، ومنعوه من الدخول فيها .
وقوله: ((إنهم ساء ما كانوا يعملون)) تذليل قصد به بيان سوء عاقبتهم.
وقبح أعمالهم .
أى: إنهم ساء وقبح عملهم الذى كانوا يعملونه من اشترائهم بآيات الله
ثمناً قليلا، ومن صدودهم عن الحق وصدهم لغيرهم عنه ... وسيجازيهم الله.
على ذلك بما يستحقونه عن عقاب شديد .
ثم بين - سبحانه - أن عداوة هؤلاء المشركين ليست خاصة بالمؤمنين.
-٦٣ -
تفسير سورة التوبة
الذين يقيمون معهم، وإنما هى عداوة عامة شاملة لكل مؤمن مهما تباعد
عنهم فقال-تعالى -: (( لا يرقبون فى مؤمن إلا ولاذمة وأولئك هم المعتدون)).
أى: أن هؤلاء المشركين لا يراعون فى أمر مؤمن يقدرون على الفتك به
عهدا يحرم الغدر ، ولا قرابة تقتضى الود، ولا ذمة توجب الوفاء خشية
الذم ... وإنما يدعون الحقد والغدر والأذى لكل مؤمن، من غير أن
يقيموا العهود أو للفضائل وزناً .
وهذه الآية الكريمة أعم من قوله - تعالى - قبل ذلك: «كيف وإن
يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ، لأن هذه بينت أن عدوانهم
على المؤمنين مقيد بظهورهم عليهم ، أما التى معنا فقد بينت أن عدوانهم
ليس مقيداً بشىء، فهم متى وجدوا الفرعة احتلوها فى الاعتداء على المؤمنين
ولأن التى معنا بينت أن عدوانهم قد شملت كل مؤمن مهما كان موضعه .
أما الآية السابقة فهى تخاطب المؤمنين الذين كان بينهم وبين المشركين
الكثير من الحروب والدماء .
وقوله: ((وأولئك هم المعتدون)) تذييل قصد به ذمهم والتحقير من
شأنهم.
أى : وأولئك المشركون الموصوفون بتلك الصفات السيئة هم
المتجاوزون لحدود الله ، الخارجون على كل فضيلة ومكرمة.
وبعد أن وضحت السورة الكريمة طبيعة هؤلاء المشركين بالنسبة لكل
مؤمن، وبينت الأسباب التى جعلتهم بمعزل عن الحق والخير ... شرعت فى
بيان ما يجب أن يفعله المؤمنون معهم فى حالتى إيمانهم وكفرهم فقال تعالى -:
((فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم فى الدين، وففصل
الآيات لقوم يعلمون.وإنن كثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم
فقاتلوا، أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون)).
أى: («فان تابوا، عن شركهم وما يتبعه من رذائل ومنكرات «وأقاموا،
=٦٤=
الجزء العاشر
الصلاة وآتوا الزكاة، على الوجه الذى أمر الله به. فهم فى هذه الحالة« إخوانكم
فى الدين, لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وهذه الأخوة تجب ماقبلها من عداوات.
وقوله: ((وففصل الآيات لقوم يعلمون )) جملة معترضة، جیء بها
للحث والتحريض على ما فصله - سبحانه - من أحكام المشركين، وعلى
الالتزام بها.
هذا ما يجب على المؤمنين تحو هؤلاء المشركين إن تابوا وأقاموا
الصلاة وآتوا الزكاة .. أما إن كانت الأخرى، أى إذا لم يتوبوا وأصروا
على عدوانهم ، فقد بين سبحانه . بما يجب على المؤمنين نحوهم فى هذه
الحالة فقال: ((وإن نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم ..
أى: وإن نقضوا عهودهم من بعد أن تعاقدوا معكم على الوفاءبها .
وقوله: (( نكثوا)) من النكث بمعنى النقض والحل. يقال نكث فلان
الحبل إذا فقض فتله وحل خيوطه ومنه قوله. تعالى. , ولا تكونواكالتى
نقضت غزلها من بعد قوة أنكائناً .. )، (١).
وقوله: ((وطعنوا فى دينكم)) معطوف على ما قبله. أى: وعابوه
وانتقضوه.
وقوله: (( فقاتلوا أئمة الكفر (( أى: فقاتلوهم فهم أئمة الكفر، وحملة
لوائه . فوضع. سبحانه - الاسم الظاهر المبين لشر صفاتهم موضع الضمير
على سبيل الذم لهم.
وقبل: المراد بأئمة الكفر رؤساؤهم وصناديدهم الذين كانوايحر ضونهم
على عداوة المؤمنين، ويقودونهم لقتال التى عَّ له - وأصحابه.
وعطف. سبحانه. قوله ((وطعنوا فى دينكم)) على ما قبله مع أن نقض
العهد كاف فى إباحة قتالهم ، لزيادة تحريض المؤمنين على مجاهدتهم والاغلاظ
عليهم ...
وقوله: )، إنهم لا أيمان لهم، تعليل للأمر بقتالهم. أى قاتلواهؤلاء
(١) سورة النحل الآية ٠٩٢
- ٦٥ -
تفسير سورة التوبة
المشركين بعزيمة صادقة، وقلوب ثابتة ... لأنهم قوم لا أيمان ولا عهودهم
على الحقيقة، لأنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان.
وقرأ ابن عامر (« إنهم لا إيمان لهم)) - بكسر الهمزة. على أنها مصدر آمنة
إيماناً بمعنى إعطاء الأمان. أى إنهم لا أمان لهم فاحذروا الإغتراربهم. أو
المراد الإيمان الشرعى . أى إنهم لا تصديق ولا دين لهم ، ومن كان كذلك
فلا وفاء له .
وقوله: ((لعلهم يشتهون، متعلق بقوله ((فقالوا أئمة الكفر))
أى: ليكن مقصدكم من مقاتلتهم - بعد أن وجد منهم ما وجد من
إيذائكم الرجاء فى هدايتهم، والانتهاء عن كفرهم وخيانتهم ... واحذروا
أن يكون مقصدكم من ذلك العدوان وإتباع الهوى.
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات سوى
ما سبق - ما يأتى:
١ - أن ما ذكرته الآيات من كون المشركين، لا يرقبون فى مؤمن
إلا ولا ذمة، يقرر حقيقة واقعة، ومن الأدلة على ذلك ما فعله التتار
بالمسلمين - وخاصة مسلمى بغداد . سنة ٦٥٦. وما فعله الوثنيون الهنود
مع مسلى باكستانى، وما فعله الشيوعيون. فى روسيا والصين وغير ها-
مع المسلمين الذين كانوا يعيشون معهم (١)
٢ - أن هؤلاء المشر كين متى تابوا عن كفرهم، وأفعلواعن شركهم،
واندمجوا فى جماعة المؤمنين .. صاروا إخوة لنا فى الدين .
وهذه الأخوة الدينية - كما يقول صاحب المنار - مما يحدناجميع أهل
الملل، فهى لا تزال أقوى فينا منها فيهم براوتعاوناً. وعاصمة لنا من
(١) لمعرفة ذلك بالتفصيل راجع تفسير ((فى ظلال القرآن)، ج١٠
حن جـ ١ ١٤ إلى ص٠١٤٥
(م - ٥ سورة التوبة )
- ٦٦ ٦
الجزء العاشر .
فوضى الشيوعية، وأثرة المادية وغيرها، على مامنيت به شعوبنا من الضمفه ب
وإختلال النظام، وإختلاف الجنسيات والأحكام .. (١)
٣ - قال القرطى: استدل بعض العلماء بهذه الآية, وإن نكثوا أيمانهم.
من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم .. . على وجوب قتل كل من طعن فى الدين،
إذ هو كافر. والطعن أن ينسب إليه مالا يليق به، أو يعترض بالاستخفاق ..
على ماهو من الدين، لما ثبت من الدليل القطعى على صحة أصول واستقامة فروعه . .
وقال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النى بنّ له عليه
القتل . وممن قال بذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق والشافعى (٢).
٤ - أخذ بعضهم من قوله - تعالى - ((إنهم لا أيمان لهم، أن الكافر
لا يمين له على الحقيقة .
قال الفخر الرازى: وبه تمسك أبو حنيفة. رحمه الله. فى أن يمين الكافر
لا يكون يميناً. وعند الشافعى. رحمه الله - يمينهم يمين. ومعنى الآية
عنده: أنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان. والدليل على أن
أيمانهم أيمان أنه - سبحانه - وصفها بالنكت فى قوله ((وإن نكثوا
أيمانهم .. )، ولو لم يكن منعقداً لما صح وصفها بالنكث(٣).
٥ - دل قول. تعالى. ((لعلهم ينتهون)) على أن قنال المؤمنين للمشركين.
لا يراد به سلب أموالهم ولا هتك أعراضهم ... وإنما المراد به الرجاء فى
هدايتهم ، والأمل فى انتهائهم عن الكفر وسوء الأخلاق .
قال صاحب الكشاف: قوله ((املهم ينتهون، متعلق بقوله ((فقاتلوا:
أئمة الكفر ».
(١) تفسير المنار ج ١٠ ص ٢٢٨
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٨٢
(٣) تفسير الفخر الرازى جـ ١٥ ص ٢٣٤
- ٦٧ -
أى°: ليكن غرضكم فى مقاتلتهم - بعد ما وجد منهم ما وجد من العظائم -
أن تكون المقالة سببا فى إنتهائهم عماهم عليه . وهذا من غاية كرمه وفضله
وعوده على المسىء بالرحمة كلما داد ، (١).
وبعد أن بينت السورة الكريمة الأسباب الموجبة لقتال المشركين :
شرعت فى تحريض المؤمنين على مهاجمتهم ومقاقلتهم بأسلوب بشير الحمية فى
النفوس، ويحمل على الأقدام وعدم المبالاة بهم ... فقال تعالى.
أَلَا تُقَتِلُونَ قَوْمًا نَّكَنُواْ أَيْمَّهُمْ وَهَمُّواْ ◌ِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم
بَةُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَنَخْشَوْنَهُمُ قَالَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوَهُ إِن كُم
مُؤْمِنِينَ لَيْ قَنِتِلُوهُمْ يُعَّبْهُمُ الله ◌ِأَيْدِيُمْ وَيُخْرِهِمْ وَيَنْصُرْ كُمْ عَلَيْهِمْ
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنَّ(﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ
اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (@
قال الآلوسي: قوله تعالى ((ألا تقاتلون قوما ... )) تحريض على القتال
بأبلغ وجه -، لأن الاستفهام فيه للإفكار ، والاستفهام الإنكارى فى
معنى النفى ، وقد دخل هنا على نفى، ففى النفى إثبات . وحيث كان الترك
منكرا أفاد بطريق برهانى أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه، فيفيد الحث
والتحريض غليه .. بأقوى الأدلة، وأهى الأساليب)، (٢)
وقد ذكر - سبحانه - هذا ثلاثة أسباب كل واحد منها يحمل المؤمنين
على قتال المشرك بخلظة وشجاعة .
أما السبب الأول فهو قوله تعالى: ((فكثوا أيمانهم)، أى: نقضوا
عهودهم وحنثوا فى أيمانهم التى حلفوها لتأكيد هذه العهود.
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٥١
(٢) تفسير الآلوسى = ١٠ ص ٦٤ - بتصرف يسير.
- ٦٨ -
الجزء العاشر
ومن مظاهر ذلك أن هؤلاء المشركين الذين تعاهدوا معكم فى صلح
الحديبية على ترك القتال عشر سنين . قد نقضوا عهودهم بمساعدة حلفائهم
بنى بكر على قتال حلفاتكم بنى خزاعه عند أول فرصة سنحت لهم .
والسبب الثانى قوله. سبحانه. « وهموا بإخراج الرسول، والهم:
المقاربة من الفعل من غير دخول فيه.
أى: وهموا بإخراج الرسول - عّ لّه ـ من مكة التى ولد فيها وعاش
بها زمنا طويلا ... لكنهم لم يستطيعوا ذلك، بل خرج باختيار . وبإذن
الله له فى الهجرة ...
وقد فضل سبحانه . ماهموا به فى قوله ((وإذ يمكر بك الذين كفروا
ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرحوك، ويمكرون وبمكر الله والله خير الماكرين، (١)
وإنما اقتصر. سبحانه. فى الآية التى معنا على همهم بإخراجه. صلى الله
عليه وسلم. من مكة ، مع أن آية الأنفال قد بينت أهم قد هموا بأحد
أمور ثلاثة ، لأن الإخراج هو الذى وقع أثره فى الخارج بحسب الظاهر،
أما القتل والحبس فلم يكن لهما أثر فى الخارج .
وقيل: إنه. سبحانه. قد اقتصر على الأدنى وهو الهم بالإخراج، ليعلم
غير بالطريق الأولى، إذ الإخراج أهون من القتل والحبس .
وأما السبب الثالث فهو قوله. سبحانه .(«وهم بد.وكم أول مرة، أى: وهم
الذین کانوا بادئین بقتالکم فى أول لقاء بينكم وبينهم وهو يوم بدر ، كما
كانوا بادئين بالعدوان عليكم فى كل قتال بعد ذلك، كما حدث منهم فى أحد
والخندق وكما حدث منهم مع حلفائكم من بنى خزاعة .
قال صاحب الكشاف: قوله :« وهم بدءوكم أول مرة)) أى:وهم الذين
كانت منهم البداءة بالمقاتلة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم. جاءهم أولا
(١) سورة الأنفال الآية ٣٠
- ٦٩ -
تفسير سورة التوبة
بالكتاب المثير ، وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال.
فهم البادنون بالقتال والبادى أظلم، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله، وأن
تصدموهم بالشركا صدموكم ؟(١)
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد ذكرت ثلاثة أمور كل واحد
منها كفيل بحمل المؤمنين على قتال المشركين .. فكيف وقد توفرت هذه
الأمور الثلاثة فى هؤلاء المشركين ؟
ولم تكتف الآية الكريمة بهذا التهييج والتخصيص للمؤمنين على القتال،
بل أمرتهم بأن تكون خشيتهم من الله وحده، فقال سبحانه ,أتخشونهم
فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين)).
أى: أقتركون - أيها المؤمنون- قتال هؤلا المشركين الذين «نكثوا
أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة )) خشية منهم .. ؟ لا،
إن هذا لا يليق بكم ، وإنما الذى يليق بكم . إن كنتم مؤمنين حقا. أرتكون
خشیتکم من الله وحده .
قال الإمام الرازى : وهذا الكلام يقوى داعية القتال من وجوه:
الأول : أن تعديل الموجبات القوية وتفصيلها ما يقوى هذه الداعية.
الثانى : أنك إذا قلت للرجل : أنخشى خصمك كان ذلك تحريكا منه
لأن يستنك أن ينسب إلى كونه خائفا من خصمه .
الثالث: أن قوله: ((فالله أحق أن تخشوه)) يفيد ذلك كأنه قيل: إن
كنت تخشى أحدا فالله أحق أن تخشاه ، لكونه فى غاية القدرة والكبرياء
والجلالة .. .
الرابع: أن قوله: ( إن كنتم مؤمنين، معناه: إن كنتم مؤمنين إيمانا
حقا، وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة ومعناه: أنكم إنلم تقدموا
(١) الكشاف ج ٢ ص ٢٥٣
- ٧٠ -
الجزء العاشر
لا تكونوا كذلك. فثبت أن هذا الكلام المشتمل على سبعة أنواع من
الأمور التى تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد (١).
ثُم أمرهم - سبحانة - أمراً صريحاً قاطعاً بمقالة المشركين. ورأب
" على هذه المقاتلة خمسة أنواع من الفوائد فقال:, قاتلرهم يعذبهم الله بأيديكم)
أى: أقدموا على قتالهم وبشروه بشجاعة وإخلاص كما أمركم ربكم ،
فإنكم متى فعلتم ذلك (( يعذبهم الله بأيديكم)) بسبب ما تنزلونه بهم من قتل
وأسر وجراحات بليغة، واغتنام للأموال ...
وأسند - سبحانه - التعذيب إليه، لأنه أمر زائد على أسبابه من الطعن
والضرب وما يفضيان إليه من القتل والجرح. والأسر ... }
تلك هى الفائدة الأولى من قتالهم، أما الفائدتان الثانية والثالثة فتتجليان
فى قوله . تعالى. « ويخزهم؛ وينصركم عليهم).
أى: ويخزهم بسبب ما ينزل بهم من هزيمة وهوان وهم يتفاخرون
بقوتهم وبأسهم، وينصر كم عليهم بأن يجعل كلمتكم هى العليا وكامتهم
هى السفلى .
قال الإمام الرازى : فان قالوا : لما كان حصول ذلك الخزى مستازما
لحصول هذا النصر، كان إفراده بالذكر عبثاً؟
فتقول: ليس الأمر كذلك، لأنه من المحتمل أن يحصل الخزى لهم من
جهة المؤمنين، إلا أن المؤمنين قد تحصل لهم آفة لسبب آخر ، فلما قال :
(( وينصر كم عليهم)) دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر)،(٢))
والفائدة الرابعة بينها - سبحانه - فى قوله . ((ويشف صدورقوم
مؤمنين ) :.
(١, تفسير الفخر الرازى ١٥ ص ٢٣٥ - بتصرف يسير.
(((٢) تفسير الفخر الرازى ١٦ ص٢ طبعة عبد الرحمن محمد سنة ١٩٣٨
٧١٠٠٠
تفسير سورة التوبة
أى : أنكم بقتالكم لهم وانتصار كم عليكم، تشفون قلوب جماعة من
المؤمنين من غيظها المكظوم، لأن هذه الجماعة قد لقيت ما لقيت من أذى
المشركين وظلمهم وغدرهم ... فكان انتصار كم عليهم شفا لصدورهم.
قالوا: والمراد بهؤلاء القوم بنو خزاعة الذين غدر بهم بنو بكر
بمساعدة قريش .
والأولى أن تكون الجملة الكريمة عامة فى كل من آذاهم المشركون:
أما الفائدة الخامسة فقد بينها - سبحانه. فى قوله «ويذهب غيظ قلوبهم»:
أى : ويذهب غيظ قلوب هؤلاء القوم أ،ؤمنين ويزيل كربها وغمها،
لأن الشخص الذى طال أذى خصمه له. ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه
فان هذا الشخص فى هذه الحالة يعظم سروره ، ويفرح قلبه، ويتحول غيظه
السابق إلى غبطة وارتياح نفسى ..
قال الآلوسي: ((وظاهر العطف أن إذهاب الغيظ غير شفاء الصدور.
ووجه بأن الشفاء يكون بقتل الأعداء وخزهم، وإذهاب الغيظ يكون
بالنصر عليهم ... وقيل: إذهاب الغيظ كالتأكيد لشفاء الصدر، وقائدته
المبالغة فى جعلهم مسرورين بما يمن الله به عليهم من تعذيبه لأعدائهم،
ونصرته لهم عليهم . ولعل إذهاب الغيظ من القلب أبلغ مما عطف عليه،
فيكون ذكره من باب الترقى ٤٤٠٠٠ ١).
وقوله: تعالى - «ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ، كلام
- مستأنف لبيان شمول قدرة الله - تعالى -، وواسع رحمته، وبالغ حكمته ..
أى: ويتوب الله على من يشاء أن يتوب عليه من عباده فيوفقه للايمان،
ويشرح صدره للإسلام، واللّه - تعالى عليم بسائر شئون خلقه ، حكيم
فى كل أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته، فامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه،
:التنالوا السعادة فى دنيا كم وآخر قـكم .
((١) تفسير الآلوسى = ١٠ ص٥٥ - بتصرف وتلخيص.
- ٧٢ -
قال الإمام الرازى ما ملخصه : وهذه الآية تدل على كون الصحابة
مؤمنين فى علم الله - تعالى - إيمانا حقيقيا؛ لأنها تدل على أن قلوبهم كانت
مملوءة بالغضب وبالحمية من أجل الدين ، ومن أجل الرغبة الشديدة فى
على دين الإسلام، وهذه الأحوال لا تحصل إلا فى قلوب المؤمنين الصادقين
كما تدل على أنها من المعجزات ، لأنه - تعالى - أخبر عن حصول
هذه الأحوال ، وقد وقعت كما أخبر فقد انتصر المؤمنون، وأسلم من.
المشركين أناس كثيرون - فيكون ذلك إخبارا عن الغيب ، والإخبار عن
الغيب معجزة )) (١).
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة التى حرضت المؤمنين على القتال
أعظم تحريض ، ببيان بعض الحكم التى من أجلها شرع الجهاد فى سبيل الله،
فقال - تعالى -:
أَمْ حَسِبُمْ أَنْ تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُرْ وَمْ.
◌ْخِذُوا مِن دُونِ الَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِبَةً وَالله ◌َِيرٌ.
بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
و((أم) هنا للاستفهام الانكارى. وحسب - كما يقول الراغب -مصدره
الحسبان وهو أن يحكم الشخص لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخريباله،
فيحسبه ويعقد عليه الأصابع، ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك . ويقارب
ذلك الظن، لكن الظن يخطر النقيضين بباله فيغلب أحدهما على الآخر (٢).
والواو فى قوله: ((ولما يعلم الله ... ، حاليه. و«لما)، للنفى مع توقع
الحصول .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٦ ص ٠٤
(٢) المفردات فى غريب القرآن ص ١١٧ للراغب الأصفهانى.
- ٧٣ -
وففى العلم هنا مجاز عن فى التبيين والاظهار والتمييز.
وقوله: ((وليجة)، أى، بطانة ومداخلة. من الولوج فى الشىء أى.
الدخول فيه .
يقال: واج يلج ولوجا إذا دخل . وكل شىء أدخلته فى شىء ولم يكن
منه فهو وليجة .
والمراد بالوليجة هنا: البطانة من المشركين الذين يطلعون على أسرار
المؤمنين ويداخلونهم فى أمورهم .
قال ابن جرير: قوله: ((وليجة)) هو الشىء يدخل فى آخر غيره، يقال
منه: ولج فلان فى كذا يلجه فهو وليجة. وإنما عنى بها فى هذا الموضع:
البطانة من المشركين . نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوهم من المشركين
أولياء يفشون إليهم أسرارهم (١).
والمعنى: أحسبتم - أيها المؤمنون - أن تتركوا دون أن تؤمروا
بقتال المشركين، والحال إن الله - تعالى - لم يظهر الذين جاهدوا منكم
بإخلاص ولم يتخذوا بطانة من أعدائكم ... ممن جاهدوا منكم بدون
إخلاص؟
لا أيها المؤمنون، إن كنتم حسبتم ذلك فهو حسبان باطل، لأن سنة الله
قد اقتضت أن يميز المخلص فى جهاده من غيره ، وأن يجعل من حكم مشروعية
الجهاد الأمتحان والتمحيص.
قال ابن كثير: والحاصل أنه - تعالى - لما شرع الجهاد لعباده، بين أن له
فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه، وهو - تعالى - العالم
بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فيعلم الشىء قبل كونه
(١) تفسير أبر جرير جـ١٠ ص ٠٩٢
- ٧٤ -
ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو ولا رب سواه، ولا راد لماقدره
وأمضاه)» (١) .
وقوله تعالى . ((والله خبير بما تعملون)) بيان لشمول علمه - سبحانه
لجميع شئون خلقه .
أى: والله - تعالى - خبير بجميع أعمالكم، مطلع على نياتكم،
فأخلصوا له العمل والطاعة ، لتنالوا ثوابه ورضاء وعونه .
وبذلك نرى السورة الكريمة من أولها إلى هنا قد أعلنت براة الله
ورسوله من عهود المشركين ، وأعطتهم مهلة يتدبرون خلالها أمرهم، وأمرت
المؤمنين بعد هذه المهلة - أن يقتلوا المشركين حيث وجدوهم ... ثم ساقت
الأسباب التى تدعو إلى مجاهدتهم، والفوائد التى تترتب على هذه المجاهدة ،
والحكم التى من أجلها شرعت هذه المجاهدة .
ثم أخذت السورة بعد ذلك فى إعلان حكم آخر يتعلق بتعمير مساجد
الله ، فبينت أنه يحرم على المشركين أن يعمروا مساجد الله ، وأن المستحقين
لذلك هم المؤمنون الصادقون ، فقال - تعالى -:
مَا كَانَ
1
لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَتِجِدَ اللَّهِ شَهِدِ ينَ عَلَ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ
أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِى النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (٥﴾ إِنَّا يَعْمُ
مَسَتِجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ آلْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَانَّى
الَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللّه فَعَسَى أَوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْمِنَ الْمُهْتَدِينَ(®
قال الجمل : وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من رؤساء قريش أسروا
يوم بدر، منهم العباس بن عبد المطلب ، فأقبل عليهم نفر من أصحابرسول
(١) تفسير ابن كثير ج٢ ص ٣٤٠.
. سيد ٧٥ -
اللّهِ عَّة يعيرنهم بالشرك. وجعل على بن بن أبى طالب يوبخ العباس
بسبب قتال رسول الله - بَ له وقطيعة الرحم.
فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟فقيل له:
وهل لكم محاسن؟ قال: نعم ، ونحن أفضل منكم . إنا لنعمر المسجد
الحرام . ونحجب الكعبة - أى تخدمها -، ونسقى الحجيج، وقفك العانى -
أى الأسير فنزلت هذه الآية (١).
وقال صاحب المنار : والمراد أن هذه الآية تتضمن الردعلى ذلك القول
الذى كان يقوله ويفخر به العباس وغيره من كبراء المشركين، لا أنها نزلت
عندما قال ذلك القول لأجل الرد عليه فى أيام بدر من السنة الثانية من
الهجرة، بل نزلت فى ضمن السورة بعد الرجوع من غزوة تبوك كما تقدم(٢).
وقوله: ((يعمروا، من العمارة التى هى نقيض الخراب. يقال: عمر فلان
أرضه يعمرها عمارة إذا تعهدها بالخدمة والاصلاح والزراعة .
والمراد بعمارة المساجد، هنا: ما يشمل إقامة العبادة فيها، وإصلاح
بنائها وخدمتها ، ونظافتها، واحترامها ، وصيانتها عن كل مالا يتناسب مع
الغرض الذى بنيت من أجله .
وقوله : (( مساجد الله، قرأ أبو عمرو وابن كثير) مسجد الله)) بالإفراد،
فيكون المراد به المسجد الحرام: لأنه أشرف المساجد فى الأرض، ولأنه
قبلة المساجد كلها ... فلا يجوز للشر كين دخوله أو الخدمة فيه .
وقرأ الجمهور ((مساجد الله، بالجمع، فيكون المراد من المساجد جميعها
لأنها جمع مضاف فى سياق النفى فيعم سائر المساجد ، ويدخل فيها المسجد
الجرام دخولا أولياً، لأن تعميره مناط افتخارهم، وأهم مقاصدهم ...
.(١) حاشية الجمل على الجلالين ج٢ ص١٧٠ (٢) تفسير المنار جـ٢٤٩١٠.
- ٧٦ -
وهذه القراءة آكدفى الثفى، لأن نفى الجمع يدل على النفى عن كل قرد،
فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكتابة، كما لو قلت: قلت: فلان لا يقرأ
كتب الله، فإن قولك هذا أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك.
وقوله: ((شاهدين على أنفسهم بالكفر، حال من الواوفى قوله ((يعمروا).
وفائدة المجىء بهذه الجملة: الاشعار بأن كفرهم كفر صريح، وأنهم
يعترفون به اعترافاً لا يملكون إنكاره، ولا يسعهم إلا قراره.
والمعنى : لا ينبغى ولا يصح المشركين أن يعمروا مساجد الله التى
بنيت لعبادته وحده - سبحانه. وذلك لأن هؤلاء المشركين قد شهدوا
على أنفسهم بالكفر شهادة نطقت بها ألسنتهم ، وأيدتها أعمالهم.
فهم لا ينطقون بكلمة التوحيد ، وإنما ينطقون بالكفر والاشراك .
وهم لا يعملون أعمال المؤمنين، وإنما يعملون الأعمال القبيحة التى قدل
على إصرارهم على باطلهم كـجودهم للأصنام عقب التطواف بالكعبة .
قال الفخر الرازى: وذكروا فى تفسير هذ، الشهادة وجوها: الأول.
وهو الأصح: أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان ، وتكذيب القرآن ،
وإنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام: وكل ذلك كفر؛ فمن يشهد على
نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر فى نفس الأمر .
وليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كفرة. الثانى . قال السدى:
شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن يقول عابد الوثن أنا عابد الوثن ...
الثالث : أنهم كانوا يطوفون عراة ؛ وكاما طافوا شوطاً سجدوا الاصنام.
وكانوا يقولون : لبيك لا شريك لك إلاشريك هو الك تملكه وما ملك (١)
ثم بين. سبحانه: فى ختام الآية -و. عاقبتهم فقال (أولئك حبطت
أعمالهم وفى النار هم خالدون ، :
أى: أولئك المشركون الشاهدون على أنفسهم بالكفر قد فسدت
أعمالهم التى كانوا يفتخرون هامثل العمارة والحجابة والسقاية لأنها مع الكفر
(١) تفسير الفخر الرازى =١٦ ص ٨.
- ٧٧ -
لا قيمة لها، ((وفى النار هم خالدون، يوم القيامة بسبب كفرهم وإصرارهم
على باطلهم .
ثم بين . سبحان .. أن المؤمنين الصادقين هم الجديرون بعمارة مساجد الله ،
فقال: ((إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى
(الزكاة ولم يخش إلا الله ).
أى: ليس المشركون أهلا لعمارة مساجد الله، وإنما الذين هم أهل لذلك
المؤمنون الصادقون الذين آمنواباته إيماناً حقاً، وآمنوا باليوم الآخرومافيه
- من ثواب وعقاب، وآمنوا بما فرضه الله عليهم من فرائض فأدوها بالكيفية
التى أرشدهم إليها ندهم - منتطلق - فهم فى صلاتهم خاشعون ; والمزكاة
معطون بسخاء وإخلاص .
وهم بجانب ذلك لا يخشون أحداً إلا الله فى تبليغ ما كلفوا بتبليغه
من أمور الدين ؛ ولا يقصرون فى العمل بموجب أوامر الله ونواهيه.
قال صاحب الكشاف: فان قلت: هلا ذكر الإيمان برسول الله مت له
قلت: لما علم وشهر أن الإيمان بالله قرينته الإيمان بالرسول - عليه الصلاة
والسلام. لاشتمال كلمة الشهادة والأذان والإقامة وغيرها عليهما مقتر نين
كأنهما شىء واحد .. انطوى تحت ذكر الإيمان بالله. تعالى. الإيمان
بالرسول {القلم، فإن قلت: كيف قال: ((ولم يخش إلا الله)) والمؤمن
يخشى المحاذير ولا يتمالك أن لا يخشاها .
قلت : هى الخشية والتقوى فى أبواب الدين ، وأن لا يختار على رضا
الله رصا غيره لتوقع مخوف: وإذا اعترض أمران: أحدهما حق اللهو الآخر
حق نفسه، آثر حق الله على حق نفسه(١) .
وقوله - تعالى - ((فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين، تذليل قصد به
حسَ عاقبة المؤمنين الصادقين .
أى: فعسى أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة من الإيمان بالله واليوم
(١) تفسير الكشاف ج٢ ص ٢٥٥ - بتصريف يسير.
- ٧٨ عد
الآخر ... أن يكونوا من المهتدين إلى الجنة وما أعد فيها من خير عميم .
ورزق كبير .
قال الآلوسى: وإيران اهتدائهم لذلك - مع مابهم من تلك الصفات الجليله.
فى معرض التوقيع، لحسم أطماع الكافرين عن الوصول إلى مواقف الاهتداء
لأن هؤلاء المؤمنين. وهم من هم. إذا كان أمرهم دائراً بين لعل وعسى
فكيف يقطع المشركون . وهم بيت المخازى والقبائح. أنهم مهتدون؟!
وفيه قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم، وإرشادهم إلى ترجيح جانب.
الخوف على جانب الرجاء (١) .
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى:
١ - أن أعمال البر الصادرة عن المشركين . كإطعام الطعام، وإكرام
الضيف .. إلخ. لا وزن لها عند الله، لاقترانها بالكفر والإشراك به
- سبحانه --
قال تعالى .: «وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (٢).
٢ - أن عمارة مساجد الله من حق المؤمنين وحدهم ، أما المشركون
فإنهم لا يصح منهم ذلك بسبب كفرهم ونجاستهم .
قال الجمل . لا يصح للمشركين أن يعمروأ مساجد الله بدخولها والقعود
فيها. فإذا دخل الكافر المسجد بغير إذن من مسلم عُزَّر، وإن دخل بإذنه لم.
يعزر لكن لا بد من حاجة . فيشترك للجواز الإذن والحاجة. ويدل على
جواز دخول الكافر المسجد بالإذن أن التى صَرِّ - شد ثمامة بن أثال
إلى سارية من سواري المسجد وهو كافر(٣).
٣ - القنوبه بشأن بناء المساجد، والتعبد فيها، وإصلاحها، وخدمتها،»
(١) تفسير الألوسى ج١٠ ٥٩٠٥ - بتصريف وتلخيص.
(٢) سورة الفرقان الآية (٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ صـ٣٧٠
=v =
..
١ وتنظيفها، والسعى إليها، واحترامها، وصيانتها عن كل ما يتنافى مع الغرض.
الذى بنيت من أجله ، وقد وردت أحاديث كثيرة فى هذا المعنى، ومنذلك:
ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عثمان بن عفان . رضى الله عنه. قال :
سمعت رسول اللّه. بَلٍ. يقول: (( من بنى الله مسجداً يبتغى به وجه الله
بنى الله له بيتاً في الجنة».
وروى الشيخان. أيضاً. عن أبى هريرة. رضى الله عنه. قال قال
رسول اللّه. وَّة. من غدا إلى المسجد أو راح، أى سار قبل الزوال
أو بعده لعبادة الله فى المسجد. أعد الله له نزلا . أى مكاناً طيبا فى الجنة .
كلما غدا أو راح.
وروى الترمذى عن أبى سعيد الخدرى عن النبى، عَّ الله. قال :
((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، قال الله- تعالى -:
(((إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ... الآية)).
وروى أبو داود والترمذى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
رسول اللّه عَّ له. أنهى عن الشراء والبيع فى المسجد، وأن تنشد فيه ضالة،
أو ينشد فيه شعر)). وروى مسلم فى صحيحه عن أفس أن رسول الله عزّز اله
قال : إن هذه المساجد لا تصلح لشىء من هذا البول ولا القذر، إنما هى
الذكر الله. تعالى. وقراءة القرآن (١).
إلى غير ذلك من الأحاديث التى وردت بشأن المساجد .
ثم بين . سبحانه. بعد ذلك أنه لا يصلح أن يسوى بين هؤلاء المشركين
- لمجرد سقايتهم الحجاج وعمارتهم المسجد الحرام . وبين المؤمنين
الصادقين المجاهدين فى سبيل الله لإعلاء كلمته ,فقال . سبحانه:
(١) من كتاب ((رياض الصالحين، للامام النووى صـ ٤١٨، ص ٤١٩)
*٦٠٥٠٦١٤ طبعة عيسى الحلى.
- ٨٠ -
أَجَعَلْتُمْ سِقَابَةَ الْحَاجِّ وَعَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَّنْ ءَ امَنَ بِاللّهِ
وَآلْيَوْمِ آَخِ وَجْلَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِندَ الهِ وَاللهُ
لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِينَ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجُواْ وَجَهَدُوا
فِي سَبِيلِ اللَّهِأَمْوَالِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَبِكٌ
١٤٠٠٠١٠/١
هُمُ الْفَآِرُونَ ( يُبَشِرُهُمْ رَبّهُمْ بِرََّْةٍ مِنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّنْتٍ
لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمُ ﴾ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًاْ إِنَّ اللّهَ عِندَهٍُ
٠٩٫2
أَجٌ عَظِيمٌ (®
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها : ما رواه
مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر عن النعمان بن بشير قال: كنت
عند معبر النبى. عَ ل. فى نفر من أصحابه فقال رجل: ما أبالى أن
لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج . وقال آخر : بل عمارة
المسجد الحرام وقال آخر بل الجهاد فى سبيل الله خير مما قلتم , فزجرهم
عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منير النبى. فَةٍ. وذلك يوم الجمعة
ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله. منتجيه. فاستفتيته فيما
اختلفتم فيه. فأنزل الله. تعالى .: «أجملتم سقابة الحاج ... الآية (١)).
وأخرج ابن جرير عن عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول
فى قوله: ((أجعلتم سقاية الحاج ... ) : أقبل المدون على العباس
وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك. فقال العباس: أما والله
لقد كنا نعمر المسجد الحرام. وتفك العانى، وتحجب البيت ، ونسقى لحاج
فأنزل الله. تعالى .: « أجعلتم سقاية الحاج ... (٢)» .
(١) تفسير الألوسى ج١٠ ص٠٦٠ (٢) تفسير ابن جرير جـ ٠١٠ـ٩٦.