Indexed OCR Text

Pages 21-40

تفسير سورة - ٢١- التوبة
حيث نصرهم . سبحانه : على أعدائهم فى مواطن كثيرة، وحيث أيدهم
بعونه بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
قال تعالى : لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة. وتوم حنين إذ أعبتكم
كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم
مديرين : ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنوداً لم
قروها، وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين .
ثم وجهت اليهم نداء ثانياً انهتهم فيه عن تمكين المشركين من قربان
المسجد الحرام، وبشرتهم بأن الله تعالى . سيغنيهم من فضله متى تابوا
اليه وأطاعوه .
قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما المشر كون نجس فلا يقربوا
المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله
إن شاء إن الله عليم حكيم ( الآية ٢٨).
وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد حددت تحديداً حاسماً المنهاج الذى
يجب أن يسلكه المؤمنون فى علاقاتهم مع المشركين، وأبرزت بصورة
واضحة ومقنعة الأسباب المتنوعة التى أوجبت سلوك هذا المنهاج .
وتلك عادة القرآن الكريم فى تشريعاتة . لا تكاد تجد تشريعاً من
تشريعاته إلا وقد صاحبته الحكمة التى كان لأجلها هذا التشريع. والتى
من شأنها أن تدفع الناس إلى المسارعة فى التنفيذ والامتثال .
ثم بدأت السورة بعد ذلك فى تحديد المنهاج الذى يجب أن يسلكه المؤمنون
فى علاقتهم مع المنحرفين من أهل الكتاب ، وأبرزت. أيضاً : الأسباب

- ٢٢ -
عليه من صفات سيئة تحمل المؤمنين على تأديبهم ، وأرشدت إلى ما كان عليه
رؤساؤهم من أكل لأموال الناس بالباطل ، ومن صد عن سبيل الله.
استمع إلى الآيات الكريمة وهى تحكى كل ذلك فتقول:
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم
الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا
الجزية عن يدوهم صاغرون : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت
النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين
كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون.
يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان لياً كلون أموال
الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، والذين يكنزون الذهب والفضة
ولا ينفقوم فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم.
ثم وجهت السورة ندا. رابعاً إلى المؤمنين ، فعت فيه على المتثاقلين الذين
دعوا إلى الجهاد فتكاسلوا عنه .. وحذرتهم من سوء عاقبة هذا التكامل
وذكرتهم بما كان من نصر الله - تعالى لنبيه وقت أن أحاط به المشر كون
وهو فى الغار. وأمرتهمبالخروج للجهاد فى حالتى اليسر والعسرو المنشط
والمكره.
قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم أنفروافى سبيل الله
إثا قلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ، فما متاع الحياة
الدنيا فى الآخرة إلا قليل : إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليما ويستبدل قوماً
غيركم ولا تضروه شيئاً، والله على كل شىء قدير.
وبعد هذه الدعوة الحارة للمؤمنين إلى الجهاد فى سبيل الله بالنفس والأموالى

تفسير سورة ٠ -٢٣ - النوبة
: بدأت السورة الكريمة فى الحديث عن المنافقين، فاست عن أصنافهم
. وأوصافهم، ورسمت أحوالهم النفسية والعملية، وفضحت مواقفهم فى غزوة
تبوك وما كان منهم قبلها وبعدها وأثناءها، وأظهرت حقيقةفواباهم وحيلهم
ومعاذيرهم عن القتال، وأزاحت الستار عن أساليب نفاقهم وألوان فتنهم
وتخذيلهم للمؤمنين، وحكت ما كانوا ينطقون به من سوء فى حق النبي زجاجو
وفى حق أصحابه .
وقد استغرق الحديث عن المنافقين زهاء نصف سورة التوبة ، - أى
- من أواخر الربع الثالث منها إلى نهاية الربع السابع".
وقد تركتهم السورة الكريمة - بعد هذا الكشف السافر لأحوالهم :
عراه من الخير أمام المؤمنين ، منبوذين من جماعة المسلمين، مميزين بصفاتهم
القبيحة التى فصلها القرآن تفصيلا يجعل العقلاء يعرفونهم ويحذروهم.
فمن صفاتهم الذميمة ومسالكهم الخبيئة التى تحدثت السوره عنها:
(أ) الفرار من مواطن الجدوالجهاد، والتعلل بالأعذار الكاذبة،
والتستر والإيمان الفاجرة، وقد حكت السورة عنهم ذلك فى مواضع كثيرة
- منها،
قال تعالى: لو كان عرضاً غريباً وفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت
عليهم الشقه، وسيحلفون باللّه لو استطعنا لخرجنا معكم هلكون أنفسهم
والله يعلم أنهم الكاذبون :
وقوله تعالى: ومنهم من يقول اتذن لى ولا تفتنى ألافى الفتنة سقطوا
. وإن جهنم المحيطة بالكافرين.
وقوله تعالى : فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ، وكرهوا أن
يشاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل اله، وقالوا لا تنفروا فى الحر، قل

الجزء -٢٤- العاشر .
وقوله تعالى: وإذا ما أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا معر
رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا مع القاعدين . رضوا بأن
يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون .
(ب) إشاعة الفتنة فى صفوف الجيش الإسلامى متى وجدوا فيه. أى أن
خلو الجيش منهم خير وبركة ووجودهم فيه شر وفتنة .
قال تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولا وضعواخلالكم
يبغوفكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين.
(جـ) كراهتهم الخير للرسول - عَّةٍ - ولأصحابه، ومحبتهم.
السوء لهم.
قال تعالى: إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا.
قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون:
(د) تكاسلهم عن أداء الشعائر الدينية بسبب فسوقهم وكفرهم:
قال تعالى : قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً أن يتقبل منكم إنكم كنتم.
قوماً فاسقين. وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله.
وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهمكارهون
(هـ) تظاهرهم بالاسلام تقية وجبنهم عن التصريح بماهم عليه من كفر.
قال تعالى: ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم.
يفر قون لو يجدون ملجأ أو مغارات أومدخلا قولوا إليه وهم يجمعون:

- ٢٥
(و) طعنهم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى قسمة الأموال وفى
توزيع الصدقات بقصد إشاعة التهم الباطلة حوله .
قال تعالى: ومنهم مَن يلمزُك فى الصدقاتِ، فإن أعْطُوا منها رضوا.
وإنْ لم يُعُطوا منها إذا هم يسخطون.
(ز) وصفهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه أذن - أى يصدق كل
ما يقال له بدون تثبت ...
قال تعالى: ومنهم الذين يؤذون النبيَّ ويقولون هو أذُن قل أذنُ
خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم،
الذين يؤ ذونَ رسولَ اللّهِ لهم عذاب أليم .
(ح) استهزاؤهم بتعاليم الإسلام فيما بينهم، واعتذارهم عن ذلك بأنهم
لم يكونواجادين فيما ينطقون به من سوء، وتكذيب الته لهم فيما اعتذرواعنه ..
قال تعالى: يحذّرّ المنافقونّ أن تنزل عليهم سورة تنبئُهم بما فى.
قلوبهم، قل استهزءُوا إِنَّ اللّهَ مخرج ما تحذّرون. ولئن سألتهم ليقولن
إنما كنا نخوضُ وقلعبُ ، قل أ بالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون.
لا تعتذرُوا قد كفر تم بعد إيمانكم إن نعفُ عن طائفة منكم نعذب.
طائفة بأنهم كانوا مجرمين .
(ط) تعاطفهم فيما بينهم وتعاونهم على الإثم والعدوان لا على البر
والتقوى .
قال تعالى: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرُونّ بالمنكر
وينهوْ نَ عن المعروف، وَيقبضون أيديهمُ نسوا الله فنسيم إن المنافقين.
هم الفاسقون .

٦ - ٢٦ -
إى) سخر بهم من فقراء المؤمنين، لأنهم يتصدقون بالقليل الذى
لا يملكون سواه.
قال تعالى : الذين يدزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات والذين
لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم.
(ك ) نقضهم للعهود، وبخلهم بما آتاهم الله من فضله.
قال تعالى: ومنهم من عاهد أنه لئن آنانا من فضله لنصدقن ولتكو فن
. من الصالحين . فلما آقاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون .
(ل) اتخاذهم مسجدً لهم لا من أجل العبادة، وإنما من أجل المضارة
وإيذاء المؤمنين ومحاولة تفريق كلمتهم ، وتشتيت وحدتهم.
قال تعالى: والذين اتخذوا مسجداً ضرراً وكفراً وتفريقاً بين
المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا
إلا الحسنى ، والله يشهد إنهم لكاذبون.
وهكذا نرى السورة الكريمة قد تتبعت المنافقين، فكشفت عن
أصنافهم وأوصافهم وأحوالهم .. بصورة تجعل المؤمنين الصادقين يعرفونهم
ويحذروهم .
بعد ذلك اتجهت السورة: فى أواخرها بالحديث إلى المؤمنين الصادقين.
(١) فذكرتهم بالعماقد الذى بينهم وبين خالقهم: عز وجل . وبشرتهم
برضوانه ومحبته متى وفوا بعهودهم فقال - تعالى:
أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة

- ٢٧ -
يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقاً فى التوراة والانجيل
-والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا يبيعكم الذى بايعتم به، وذلك
هو الفوز العظيم
(ب) وأعلمتهم بأن إيمانهم يحتم عليهم عدم الاستغفار لمن خالفهم فى
الدين مهما بلغت درجة قرابته
ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشر كين ولو كانوا أولى
قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم .
(جـ) وأمرتهم بأن يصحبوا رسولهم: بَّةٍ: فى جهاده للأعداء،
وأن يكابدوا معه الشدائد والأهوال برغبة ونشاط :. لأن كل تعب يلحقهم
معه مكتوب لهم فى سجل حسناتهم .
ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول
أنتله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظماً ولا نصب
.ولا محمصة فى سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من
عدو فيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين.
. (د) وأرشدتهم إلى أنه فى حاله عدم خروج النبى بتشييده معهم للجهاد،
عليهم أن يقسموا أنفسهم إلى قسمين: قسم يخرج للجهاد وقسم آخر يبقى
مع النبى بَّ ليتعلم منه العلم ويحفظ عنه ما تجدد من أحكام.

- ٢٨ -
وما كان المؤمنون لينفروا كافة ، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائقة
ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون:
(٥) ثم ختم . سبحانه. هذه السورة الكريمة بهاتين الآيتين الدالتین
على سابغ رحمته بعباده، حيث أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم حريصاً
على منفعتهم رحيما بهم ، فقال تعالى :
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزير عليه ما عنتم حريص عليكم.
بالمؤمنين رءوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو عليه
توكلت وهو رب العرش العظيم .
أما بعد: فهذا عرض إجمالى لما اشتملت عليه سورة التوبة من.
موضوعات ومن هذا العرض يتبين لنا أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور
معينة من أهمها ما يأتى .
١ - رسم المنهاج النهائى الذى يجب أن يسير عليه المسلمون فى علاقاتهم.
مع مشركى العرب، ومع أهل الكتاب، ومع المنافقين ، مع بيان الأسباب
التى تدعو المسلمين إلى التزام هذا المنهاج.
٢ - كشف الغطاء عن المنافقين وأصنافهم وأوصافهم ، وعما انطوت
عليه قلوبهم من أحقاد، وعما سلكوه من مسالك خبيثة لمحاربة الدعوة.
الإسلامية ، ومناوأة أتباعها الصادفين .
وقد أفاضت السورة فى الحديث عن ذلك إفاضة لا توجد فى غيرها ..
من سور القرآن الكريم.
٣ - حددت السورة الكريمة معالم المجتمع الإسلامى بعدان تم فتحمكة،
وبعد أن دخل الناس فى دين الله أفواجا .
فأثنت على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم.
بإحسان ووعدتهم بالفوز العظيم.

- ٢٩ -
قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين
اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجرى
تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم.
وحكمت على كل فريق من المتخلفين عن غزوة تبوك من أهل المدينة
وما حولها بالحكم الذى يناسبه .
قال تعالى : ومن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة
مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون
إلى عذاب عظيم .
قال تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً
عسى الله أن يتوب عليهم.
وقال تعالى: وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم.
وهكذا نرى السورة الكريمة قد وضحت الطوائف المتنوعة التى كان
المجتمع الإسلامى يتكون منها عند نزولها، أى: بعد أن تم فتح مكة.
٤ - يؤخذ من الحديث المستفيض الذى ساقته السورة عن المنافقين
وصفاتهم وأحوالهم ... أنهم بعد فتح مكة بدأت دو لتهم تعود إلى الظهور فى
المجتمع الإسلامى بينما كانت قبيل الفتح قد أو شكت على التلاشى والاندثار.
ولعل السبب فى ذلك : أن كثيراً من الناس قد دخل فى الإسلام بعد
أن فتحت مكة. لأسباب دفيوية متنوعة. دون أن يستقر الإيمان ته فى قلوبهم،
-وإنما بقيت آثار الجاهلية لها وزنها فى تحريك طباعهم واتجاهاتهم وأفكارهم
، قال بعض العلماء: سياق السورة يرسم صورة كاملة للمجتمع المسلم فى

- ٣٠ .-
فترة بعد الفتح، ويصف تكوينه العضوى. ومن هذه الصورة يتجلى فوع.
: من الخلخلة وقلة التناسق بين مستوياته الإيمانية ، كما تتكثف ظواهر
وأعراض من الشح بالنفس والمال، ومن النفاق أو الضعف، والتردد فى
الواجبات والتكاليف ، والخلط وعدم الوضوح فى قصور العلاقات بين
المعسكر الاسلامى والمعسكرات الأخرى، وعدم المفاصلة الكاملة على أساس
العقيدة . وإن كان هذا كله لا يتعارض مع وجود القاعدة الصلبة الأمينة
الخاصة من المهاجرين والأنصار. ما استدعى حملات مفصلة ومنوعة
للكشف والوعية والبيان والتقرير تفى بحاجة المجتمع إليها.
وإن سبب هذه الحالة هو دخول جماعات كثيرة متنوعة من الناس فى ..
الاسلام بعد الفتح، لم تتم تربيتها، ولم تتطبع بعد بالطابع الاسلامى
الأصيل (١).
٥ - عرضت السورة لبيان كثير من الأحكام والارشادات التى تحتاج
إليها الدولة الناشئة ، كحديثها عن مصارف الزكاة، وعن الجهادوموجباته،
وعن العهود وأحكامها ، وعن الأشهر الحرم .. إلى غير ذلك من الأحكام:
هذا، ولعلنا ، بعد هذا التمهيد الذى سقناه بين يدى تفسير سورة التوبة.
تكون قد أعطينا القارىء الكريم فكرة واضحة عن أسماء هذه السورة،
وعن زمان ومكان وفزولها ، وعن السبب فى عدم ذكر البسملة فى أولها،
وعن مقاصدها وموضوعاتها الاجمالية .
والله نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجنبنا الزال والانحراف
عن طريقه القويم :
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
(١) راجع تفسير ((فى ظلال القرآن) الأستاذسيد قطب ص٩٠ وما بعدها.
طبعة دار إحياء التراث العربى ببيروت . الطبعة الخامسة سنة ١٣٨٦ هسنة ١٩٦٨ م:

التفسير
قال تعالى :
بَرَآءَةٌ مِّنَ الَهِ وَرَسُولِةٍ إِلَى الَّذِينَ عَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (2)
فَسِيحُواْ فِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى أَنَّهِ
وَأَنَّ الَّه ◌ُخْرِى الْكَِّفِرِ ينَ ﴾ وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِةٍ إِلَى النَّاسِ
يَوْمَ الْحَجَ الْأَكْبرِ أَنَّ اللَّهَ برِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينُ وَرَسُولُهُ، فَإِنِ
قـے
يُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْأَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ
وَيَقِ الَّذِينَ كَفَرُواْبِعَذَابٍ أَلِم ◌َّ إِلَّا الَّذِيْنَ عَهَ ثُ مِنَ الْمُشْرِكِنَ
ثُمَّلَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِّواْ إِلَيْهِمْ
◌َهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِمْ إِنَّ الَّ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾
قال الإمام ابن كثير: أول هذه السورة نزل على رسول الله- صَط - لما
رجع من غزوة («تبوك)، وهم بالحج. ثم ذكر أن المشركين يحضرون
عامهم هذا الموسم على عادتهم فى ذلك ، وأنهم يطوفون بالبيت عراة،
ذكره مخالطته. وبعث أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - أميرا على الحج
تلك السنة، ليقيم للناس مناسكهم ، ويعلم المشركون أن لا يحجوا بعد عامهم
هذا، وأن ينادى بالناس ((براءة من الله ورسوله ... ))، فلما قفل أتبعه بعلى
أبن أبى طالب، ليكون مبلغا عنه - فترية - لكونه عصبة له (١).
وقال محمد بن إسحاق: لما نزلت «براءة، على رسول الله - صَ الله-
وقد كان بعث أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - ليقيم للناس.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٣١ طبعة عيسى الحلبى.

الجزء = ٣٢ - العاشر
الحج. قيل له: يا رسول الله، لو بعثت بها إلى أبى بكر ؟ فقال: لا يؤدى
عنى إلا رجل من أهل بيتى .
ثم دعا على بن أبى طالب فقال له: اخرج بهذه القصة من صدربراءة،
وأذن فى الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى : أنه لا يدخل الجنة كافر ،
ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . ومن كان له عند
رسول الله - عين - عهد فهو له إلى مدته .
فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول الله - عَ ل ـ«العضباء))
حتى أدرك أبا بكر بالطريق . فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟
فقال: بل مأمور . ثم مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك
فى تلك السنة على منازلهم من الحج التى كانوا عليها فى الجاهلية .
حتى إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن فى الناس بالذى
أمره به رسول اللّه. بٍَّ، فقال: أيها الناس، إنه لا يدخل
الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان . ومن
كان له عهد عند رسول الله. عَله. فهو إلى مدته، وأجل الناس أربعة
◌ُشهر من یوم أذن فهم ، لیرجع کل قوم إلى مامتهم وبلادهم ، ثم لا عهد
أشرك ولاذمة، إلا أحد كان له عند رسول اللّه. عَ ل. عهد إلى مدة،
فهو له إلى مدته . فلم يحج بعد العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عربان. ثم
قدما على رسول اللّه. صَلَ﴾ (١).
وقال الفخر الرازى: روى أن النبى. بَلّه. لما خرج إلى غزوة
تبوك وتخلف المنافقون وأرجفوا الأراجيف ، جعل المشركون ينقضون
العهد، فنبذ رسول اللّه. سلم. العهد إليهم (٢).
(١) السيرة النبوة لابن هشام جـ ٤ ص ١٩٥ طبعة مصطفى الحلبى
سنة ١٣٥٥ هـ سنة ١٩٣٦ م تحقيق مصطفى السقاء.
(٢) تفسير الفر الرازى = ١٥ ص ٢١٧ طبعة عبد الرحمن محمد.

- ٣٣٠ -
تفسير سورة التوبة
هذه بعض الآثار التى ذكرها المفسرون فى هذا المقام .
وقوله - تعالى -: ((براءة، مصدر برىء ((كتعب))، وأصل البراءة:
التباعد عن الشىء والتخلص منه. تقول: برئت من هذا الشىء أبر أ براءة فأنا
منه يرى.، إذا أزلته عن نفسك ، وقطعت الصلة بينك وبينه . ومنهقولهم:
برئت من الدين أى تخلصت منه .
ولفظ ((براءة)) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتنوين فيه
التفخيم و((من) لابتداء الغاية. والعهد: العقد الموثق باليمين. والخطاب
فى قوله , عاهد تم)، للمسلمين.
والمعنى: هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين
بسبب نقضهم لعهودهم ، وإصرارهم على باطلهم ...
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم علقت البراءة بالله ورسوله
والمعاهدة بالمسلمين ؟
قلت : قد أذن الله فى معاهدة المشركين أولا ، فاتفق المسلمون مع
رسول الله - بلّ - وعاهدوهم، فلما نقضوا العهد أو جب الله - تعالى -
التبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما تجدد من ذلك فقيل لهم: اعلموا أن
الله ورسوله قد برئامما عاهد تم به المشركين .
وروى أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب، فنکثوا
إلا فاسا منهم، فنبذ العهد إلى الثاكثين، وأمروا أن يسيحوا فى الأرض
أربعة أشهر آمنين ... (١).
وقال بعض العلماء: والمعنى أن الله قطع مابينه وبين المشر کین من صلات
خلا عهد ولا تساهد ولا سلمولا أمان ، وتركهم تعمل فيهم سيوف المؤمين حتى
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٤٢ طبعة دار الكتاب العربى ببيروت
(٣ - سورة التوبة)

- ٣٤ -
الجزء العاشر
يقوموهم أو يبيدوهم. ولا يدخل فى هذا التبرى قمع رحمته العامة عنهم التى
كتبها على نفسه من جهة أنه الخالق وأنهم المخلوقون ... فهو مع هذا التبرى
لا يزال من هذه الجهة يرحمهم بمنح الحياة وموارد الرزق، والتمكين من العمل
حسب تقديره العام وسنته الشاملة فى خلقه. ولو أن التبرى كان على إطلاقه
لما عاش كافر طرفة عين، ولما استطاع كافر أن يقف فى وجه مسلم .
فالآية تقرر حكما تكليفيا للمسلمين فى شأن معاملة المشركين ..
واعتبار أن الآية تقرر حكماشرعيا والمشرع هو الله أضيف صدور
البراءة إليه - سبحانه - وعطف عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى هذا
المقام، لأنه هو المبلغ عنه ، والمنفذ لما يبلغه ..
ولما كان النعاهد بين المؤمنين وغيرهم تنفيذا لأمر الله به، وأصله حقه
لجماعتهم، وإنما يقوم الإمام به نائبا عن الجماعه، أضيف - أى التعاهد - إلى
جماعة المسلمين، فقيل: ((عاهدتم)). وكثيراً ما ينسب القرآن الأحكام
العامة لجماعة المؤمنين ...
ويؤخذ من تقرير البراءة من المشركين فى هذه الآية جواز فيذالعهود لمن
كان بيننا وبينه عهد متى رأى الإمام مصلحة الأمة فى ذلك ، كأن خيف منهم
خيانة ، أو نقضوا شيئا من شروط المعاهدة، أو وضعت المعاهدة على غير
شرط احترامها الشرعى، وذلك كله أخذا من هذا المقام، ومن قوله -تعالى-
فى سورة الأنفال: ((وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء)) ...
كما يؤخذ أن عقد المعاهدات إنما هو حق للجماعة ، يوافق عليه أصحاب
الرأى والاختصاص فى موضوع المعاهدة ، وما هو فى مصلحة الجماعة ، ثم
يباشرها الإمام بعد ذلك نيابة عن الجماعة (١).
(١): تفسير القرآن الكريم ص ٦١٢ لفضيلة الإمام الأكبر محمود شلتوت.

- ٣٥ -
تفسير سورة التوبة
وقوله - تعالى -: ((فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر٠٠.)) بيان للمهلة
التى منحها - سبحانه - للمشركين ليدبروا فيها أمرهم .
والسياحة فى الأصل: جريان الماء وانبساطه على موجب طبيعته ، ثم
استعملت فى الضرب فى الأرض والاتساع فى السير والتجوال. يقال: ساح
فلان الأرض -وحا وسياحة وسيوحا إذا تنقل بين أرجائها كما يشاء.
والخطاب للمؤمنين على تقدير القول . أى : فقولوا أيها المؤمنون
للمشركين سيحوا فى الأرض أربعة أشهر .
ويجوز أن يكون الخطاب للمشركين أنفسهم على طريقة الالتفات من
الغيبة إلى الحضور ، لقصد تهيئة خطابهم بالوعيد المذكور بعد ذلك فى قوله
- سبحانه -: ((واعلموا أنكم غير معجزى الله)).
والمقصود بالأمر فى قوله:« فسيحوا، الإباحه والإعلام بحصول الأمان
لهم فى تلك المدة من أن يقتلوا أو يقاتلوا أو يعتدى عليهم ...
والمعنى: قولوا أيها المسلمون للمشركين - بعدهذه البراءة منهب، سيحوا
فى الأرض ، أى : سيروا فيها مقبلين ومدبرين حيث شئتم وأنتم آمنون
فى هذه المدة .
وفى التعبير بقوله (( فسيحوا، من الدلالة على كمال التوسعة، ما ليس فى
قوله. سيرواء أو ما يشبه، لأن لفظ السياحة يدل على الاتساع فى السير
والبعد عن المدن ، وعن موضع العمارة .
والحكمة فى إعطائهم هذه المدة تمكينهم من النظر والتدبر فى أمر أنفسهم
حتى يختاروا ما فيه مصلحتهم، ويعلموا أنهم ليس أمامهم بعد هذه المدة إلا
الإسلام أو السيف، ولكى لا ينسب إلى المسلمين الغدر وفبذ العهد دون
إعلام أو إنذار .

- ٣٦ -
الجزء العاشر
وهذا من سمو تعاليم الإسلام. تلك التعاليم التى لم تبح لأتباعها أن يأخذوا
أعدى أعدائهم على غرة، بل منحت هؤلاء الأعداء مهلة كافية يدبرون فيها
أمر أنفسهم وهم آمنون من أن يتعرض لهم أحد من المسلمين بأذى .
ومتى كان ذلك ؟ كان ذلك فى الوقت الذى نقض فيه المشركون عهودهم
عند أول بادرة لا حت لهم، وفى الوقت الذى أرجف فيه المرجفون أن المسلمين
لن يعودوا من قبوك سالمين، بل إن الروم سبأخذونهم أسرى، وفى الوقت
الذى كانت المجتمعات فيه يغزو بعضها بعضا بدون إنذار أو إعلام ...
فإن قيل: وما الحكمة فى تقدير هذه المهلة بأربعة أشهر ؟
فالجواب - كما يقول الجمل - اقتصر على الأربعة - هنا - لقوة المسلمين
إذ ذاك ، بخلاف صلح الحديبية فإنه كان لمدة عشر سنين لضعف المسلمين إذ
ذاك. والحاصل أن ألمقرر فى الفروع أنه إذا كان بالمسلمين ضعف جاز عقد
الهدنة عشر سنين فأقل ، وإذا لم يكن بهم ضعف لم تجز الزياة على أربعة
أشهر )» (١).
وقال بعض العلماء: ولعل الحكمة فى تقدير تلك المدة بأربعة أشهر، أنها
هى المدة التى كانت تكفى - إذ ذاك بحسب ما يألفون - لتحقيق ما أبيح لهم
من السباحه فى الأرض، والتقلب فى شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من
التشاور والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه فى تكوين الرأى
الأخير . وفيه فوق ذلك مسايرة للوضع الإلهى فى جعل الأشهر الحرم من
شهور السنة أربعة .
على أنا نجد فى القرآن جعل الأربعة الأشهر أمدا فى غير هذا فمدة إيلاء
الرجل من زوجه أربعة أشهر - وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر.
ولعل ذلك - وراء ما يعلم الله - أنها المدة التى تكفى بحسب طبيعة
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٦٣ . طبعة عيسى الحلى.

- ٣٧ -
تفسير سورة التوبة
الإنسان لتقليب وجوه النظر فيما يحتاج إلى النظر، وتبدل الأحوال على
وجه تستقر فيه إلى ما يقصد فيه .
ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء فى هذا المقام تقرر مبدأ الهدنة والصلح
فى الإسلام، طلبها العدو أم تقدم بها المسلمون. وأصل ذلك مع هدفة
المشركين هذه قوله - تعالى - فى سورة الأنفال.((وإن جنحوا للإفاجنح
لها وتوكل على الله، وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإمام وأرباب
الشورى المقررة فى قوله - تعالى - ((وشاورهم فى الآمر))(١).
وقد اختلف المفسرون فى ابتداء هذه الأشهر الأربعة فقال مجاهد
والسدى وغيرهما : كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم الحج الأكبر من
السنة التاسعة ونهايتها فى العاشر من شهر ربيع الآخر من السنة العاشرة ،
وذلك لأن المشركين قد أعلوا بهذه المهلة يوم النحر من السنة التاسعة على
لسان على بن أبى طالب - كما سبق أن بينا -.
وقيل كان ابتداء هذه الأشهر الأربعة يوم النحر لعشر من ذى القعدة
من السنة التاسعة ونهايتها فى اليوم العاشر من شهر ربيع الأول من السنة
العاشرة ، وذلك لأن الحج فى تلك السنة كان فى ذلك الوقت بسبب النى.
الذى ابتدعه المشر كون .
والرأى الأول أرجح وعليه الأكثرون، لأن معظم الآثار تؤيده.
وكذلك اختلف المفسرون اختلافا كبيراً فيمن تنطبق عليهم هذه المهلة ، فقال
مجاهد : هذا تأجيل للمشركين مطلقاً، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر
رفع إليها ، ومن كانت أكثر حط إليها ، ومن كان عهده بغير أجل حد بها.
(١) تفسير القرآن الكريم جـ ٦٦ لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ
محمود شلتوت. طبعة دار القلم . الطبعة الرابعة سنة ١٩٦٦

- ٣٨ -
الجزء العاشر
ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله، يقتل حيث أدرك. ويؤسر، إلا أن
یتوب ويؤ من(١) .
وقال آخرون : كانت هذه الأربعة الأشهر مهلة لمن له عهد دون الأربعة
الأشهر ، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كانت هذه المدة
لقوله - تعالى - بعد ذلك: ((فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم)).
وهذا القول قد اختاره ابن جرير وغيره ، فقد قال ابن جرير - بعد أن
ذكر عدة أقوال فى ذلك :
(( وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال: الأجل الذى جعله
اللّه إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله - صَّ له ـ ونقضوا
عهدهم قبل انقضاء مدته، فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ، ولم يظاهروا عليه،
فإن الله - تعالى - أمر نيه - عَدّة - بإتمام العهد بينه وبينهم إلى
مدته بقوله: (( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئاً ولم
يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين» ..
ثم قال: وبعد ففى الأخبار المتظاهرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
أنه حين بعث عليا ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم أمره فيما أمره أن ينادى
به فيهم (ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، أوضح
دليل على صحة ما قلنا .
وذلك أن الله لم يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بنقض عهد قومكان
عاهدهم إلى أجر، فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه، وأنه إنما أجل أربعة
أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل، أو كان له عبد إلى أجل غير
محدود ، فأما من كان أجل عهده محدودا ، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا،
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٦٣

- ٢٩ -
فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان بإتمام عبده إلى غاية أجله مأمورا،
وبذلك بعث مناديه فى أهل الموسم من العرب ... ، (١).
والذى يبدو لنابعد مراجعة الأقوال المتعددة فى شأن من تنطبق عليهم هذه
المهلة من المشركين - أن ما أختاره ابن جرير هو خير الأقوال وأفواها،
لأن النصوص من الكتاب والسنة تؤيده ومن أراد معرفة هذه الأقوال
: بالتفصيل فليراجع ما كتبه المفسرون فى ذلك .
ثم بين - سبحانه - أن هذا الأمهال للمشركين لن ينجيهم من إنزال
العقوبة بهم متى استمروا على كفرهم فقال - تعالى - :« واعلموا أنكم
تغير معجزى الله، وأن الله مخزى الكافرين)).
أى: واعلموا - أيها المشركون - أنكم بسياحتكم فى الأرض خلال
تلك المهلة لن تعجزوا الله- تعالى- فى طلبكم، فأنتم حيثما كنتم تحت سلطانه
.وقدرته ، وأعدوا كذلك أنه - سبحانه مذل للكافرين، فى الدنيا بالقتل
.والأسر، وفى الآخرة بالعذاب المهين .
فالآ ية الكريمة قد ذيلت بما يزلزل قلوب المشركين بالحقيقة الواقعة، وهى أن
ذلك الإمهال لهم، وتلك السياحة فى الأرض منهم ، كل هذا أن يجعلهم فى
.مأمن من عقاب الله، ومن إنزال الهزيمة بهم، لأنهم فى قبضته.
ومها أعدوا خلال تلك المهلة من عدد وعدد لقتال المؤمنين ، فإن
،ذلك لن ينفعهم، لأن سنته - سبحانه - قد اقتضت أن يجعل النصر والفوز
المؤمنين والخزى والسوء على الكافرين.
قال الفخر الرازى ما ملخصه، وقوله: ((واعلموا أنكم غير معجزى الله.»
المقصود منه: أنى أمهاتكم - أيها المشر كون - وأطلقت لكم السياحة
(١) راجع تفسير ابن جرير ج ١٠ص ٦٢ طبعة مصطفى الحلبى الطبعة
الثانية سنة ١٣٧٣

- ٤٠ -
فى الأرض .- فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات ،
فإنكم لا تعجزون اللّه بل الله هو الذى يعجز كم، لأنكم حيث كنتم فأتى.
فى ملكه وتحت سلطانه .. (١) .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الموعد الذى تعلن فيه هذه البراءة من
المشركين ، حتى لا يكون لهم عذر بعد هذا الإعلان فقال - تعالى -:
((وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برىء من
المشركين ورسوله ... ».
الأذان: الإعلان تقول: آذنته بالشى. إذا أعلمته به.ومنهالأ ذان للصلاة.
أى الإعلام بحلول وقتها. وهو بمعنى الإيذان كما أن العطاء بمعنى الإعطاء.
قال الجمل: وهو مرفوع بالابتداء . و((من المه ، إما صفته أو متعلق.
به، و((إلى الناس، الخبر ويجوز أن يكون خبر المتبدأ محذوف. أى: وهذه.
أى: الآيات الآتى ذكرها إعلام من الله ورسوله ... (٢)
والمعنى : وهذه الآيات إيذان وإعلان من الله ورسوله إلى الناس عامة
يوم الحج الأكبر بأن اللّه ورسوله قد برئا من عهود المشركين، وأن هذه
العهود قد نبذت إليهم، بسبب إصرارهم على شركهم ونقضهم لمواثيقهم.
وأسند - سبحانه - الأذان إلى الله ورسوله، كما أسندت البراءة إليهما،
إعلاء لشأنه وتأكيدا لأمره :
- قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أى فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية؟
قلت : تلك إخبار بثبوت البراءة. وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت ..
فإن قلت: لم علقت البراءة بالدين عوهدوا من المشركين وعلق الأذان
بالناس؟ قلت: لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم وأما الأذان.
. (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٥ ص ٢٢٠
(٢) حاشية الجمل على الـ لا لين جـ ٢ ص ٢٦٥