Indexed OCR Text
Pages 201-220
الجزء
- ٢٠١ -
الجاسع
أجيب: بأن سره كون كل عدة بتأييد القليل على الكثير ازيادة التقرير
المفيد لزيادة الاطمئنان، والدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة
لاتتفاوت، فإن العشرين قد لا تغلب المائتين، وتغلب المائة الألف، وأما
الترتيب فى المكرر فعلى ذكر الأقل ثم الأكثر على الترتيب الطبيعى .
وقيل فى سر ذلك: إنه بشارة المسلمين بأن جنود الإسلام س: اوز
عددها العشرات والمئات إلى الألوف .
ثم قال: وقال فى البحر : أنظر إلى فصاحة هذا الكلام، حيث أثبت فى
الشرطية الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت فى الثانية قيد
كفرنهم من الكفرة، وحذفه من الأولى، ولما كان الصبر شديد المطلوبية
أثبت فى جملتى التخفيف وحذف من الثانية الدلالة السابقة عليه، ثم ختمت
بقوله: ((والله مع الصابرين) مبالغة فى شدة المطلوبية، وإشارة إلى تأييدهم
وأنهم منصورون حتما، لأن من كان الله معه لا يغلب ... ))(١).
وبعد هذا الحديث المستفيض عن القتال فى سبيل الله .. عقب -سبحانه.
ذلك بالحديث عن بعض الأحكام التى تتعلق بالأسرى بمناسبة ما فعلا
الرسول - وزيع - مع أسرى غزوة بدر من الكافرين، فقال - تعالى -
مَا كَانَ لِنَبِيٍ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرِى خَّـ
مُحِ فِى الْأَرْضِّ ◌ُرِدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَ وَالهُرِيدُ الْآَخِرَةً وَآللّ
◌َزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ِ نَّوْلاً كِتَنِبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِمَا أَخَذُ
عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فَكُواْ بِّا غَنِعْتُمْ حَلا ◌َيِّبًا وَتَُّواْ اللّهَ إ
٢٠
اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
(١) تفسير القاسمى ج ٨ ص ٠٣٣٩
تفسير سورة
- ٢٠٢ -
الأنفال
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ، ما أخر.
مسلم فى صحيحه عن ابن عباس قال: حدثنى عمر بن الخطاب: أنه لما كـ
يوم بدر نظر رسول الله - بي - إلى المشركين وهم ألف، وأصحا
ثلاثمائة وتسعة عشرة رجلا، فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بر با
اللهم أنجزلي ما وعدتنى .
فقتل المسلمون من المشركين يومئذ سبعين وأسروا سبعين.
قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - {} -
لأبى بكر وعمر: ماترون فى هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يارسول أن
هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار
فعسى أن يهديهم إلى الإسلام .
فقال رسول الله - على - ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت
لا والله يا رسول الله، ما أرى الذى رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنت
فنضرب أعناقهم ، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من
العباس فيضرب عنقه، وتمكننى من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه،
- حتى يعلم الله أن ليس فى قلوبنا هوادة للمشركين، فإن هؤلاء أئمة الكفر
وصناديده. فهوى رسول الله - فلفل - ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت.
فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان، فقلت:
بارسول الله أخرنی من أی شیء تیکی أنت وصاحبك، فإن وجدتبكا.
بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما .
فقال رسول الله - عَلَّ -: أبكى على أصحابك من أخذهم الغداء
أقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجره - لشجرة قريبة منه - بصل -
التاسع
- ٢٠٢ -
الجزء
وأنزل الله - عز وجل -: ((ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن
فى الأرض ... ، إلخ الآيات (١).
وروى الإمام أحمد والترمذى عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان بوم
بدر قال رسول الله - - - « ما تقولون فى هؤلاء الأسارى))؟فقال أبو
بهكر: يارسول الله! قومك وأهلك استبقهم واستقبهم أمل الله أن يتوب عليهم.
وقال عمر: يارسدولى الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم.
وقال عبد الله بن رواحة: يارسول الله، أنت فى واد كثير الطب
مخأضرم الوادى عليهم نارا ثم ألقهم فيه .
قال: فسكت رسول الله - ◌َّ﴾ٍ - فلم يرد شيئاً. ثم قام فدخل فقال ناس:
يأخذ بقول أبى بكر . وقال ناس. بأخذ بقول عمر. وقال ناس بأخذ بقول
ابن رواحة .
ثم خرج عليهم رسول الله فقال: ((إن الله لیلین قلوب رجال فيهحتى
تكون ألين من اللين ؛ ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة
وإن مثلك يا أبى بكر كمثل إبراهيم إذ قال ((فمن تبعنی فأنه منى ومن عصانى
خانك غفور رحيم، (٢). وكمثل عيسى إذ قال: ((إن تعذبهم قانهم عبادك
وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم،(٢).
وإن مثلك يا عمر كمثل فوح إذ قال: «رب لاتذر على الأرض من
الكافرين ديارا،(٤)، وكمثل موسى إذ قال: ربنا اطمس على أموالهم
واشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ،(٥).
ثم قال - ◌َيءٍ : «أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بقداء أو ضربة عنق)).
(١) صحيح مسلم ج٥ ٠٠ ١٥٦ من كتاب الجهاد والسير ط مطصفى الحلبى سنة ١٩٦٠
(٢) سورة إبراهيم الآية ٣٦ (٣) سورة المائدة « ١٢١
(٥) سورة يونس ( ٨٨
(٤) سورة نوج ( ٢٦
سورة
- ٢٠٤ -
الأنفال
قال ابن مسعود: فقلت يا رسول، إلا سهيل بن بيضاء، وإنه يذكر
الإسلام، فسكت رسول الله ثم قال: (( إلا سهيل بن بيضاء)). وأنزل الله.
- عز وجل - ,ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى.
الأرض ... إلى آخر الآية (١).
وقال ابن إسحاق - وهو يحكى أخبار غزوة بدر - : فلما وضع القوم.
أيديهم بأسرون ورسول الله - ص - فى العريش، وسعد بن معاذ
قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله - ص - متوحشاً السيف.
فى نفر من الأنصار يحرسون رسول الله، يخافون عليه الكرة. ورأى
رسول الله - فيما ذكر لى - فى وجه سعد الكراهية لمما يصنع الناس ، فقال.
رسول الله - ص - ، واقه لكأنه با سعد تكره ما يمنع القوم،؟
فقال: أجل والله يا رسول الله (( كانت هذه أول وقعة أوقعها اللّه بأمل
الشرك، فكان الإئخان فى القتل أحب إلى من استيفاء الرجال (٢).
قوله: أسرى»: جمع أسير كقتلى جمع قتيل . وهو مأخوذ من الأسر
بمعنى الشد بالإسار أى: القيد الذى يقد به حتى لا يجرب، ثم صار لفظـ
الأسير يطلق على كل من يؤخذ من فئته فى الحرب ولو لم يشد بالإسار.
وقوله ((يثخن)) من الثخانة وهى فى الأصل الغلظ والصلابة. يقال: أخن
الشىء يشخن أخونة وثخافة وثخناً، أى: غاظ وصلب فهو ثخين، ثم استعمل
فى النكاية والمبالغة فى قتل العدو فقيل: أثخن فلان فى عدوه. أى: بالغ
فى قتله وإنزال الجراحة الشديدة به، لأنه بذلك يمنعه من الحركة فيصير
كالثخين الذى لا يسيل ولا يتحرك .
والمراد بالنبى فى قوله(( ما كان أنبى)»: نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم ..
وإنما جىء باللفظ منكراً قلطفاً به - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يواجه بالعتاب.
(١) تفسير ابن کثیر = ٢ ص ٣٢٥
(٢) الروض الأنف فى شرح السيرة النبوية لابن هشام جـ ٥ ص١٠٦
التاسع
٢٠٥ -
الجزء
والمعنى: ماصح ومااستقام لنبى من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام.
« أن يكون له أسرى، من أعدائه الذين يريدون به وبدعوته شراً ((حتى
يثخن فى الأرض، أى: حتى يبالغ فى قتلهم، وإنزاله الضربات الشديد.
عليهم إذلالا للكفر وإعزاز لدين الله .
وقوله: «قربدون عرض الذنيا والله يريد الآخرة ، استئناف مسوق
طلعتاب .
والعرض: ما لإثبات له ولا دوام من الأشياء ، فكأنها تعرض ثم
تزول، والمراد بعرض الدنيا هنا: الفداء الذى أخذوه من أسرى غزوة
بدر حتى بطلقوا سراحهم.
"أى: تريدون - أيها المؤمنون - بأخذ كم الفداء من أعدائكم الأسرى
عرض الدنيا ومتاعها الزائل، وحطامها الذى لا ثبات له ، والله - تعالى.
يريد لكم ثواب الآخرة.
الكلام فى قوله: «واقه يريد الآخرة، على حذف المضاف وإتام
المضاف إليه مقامه والإرادة هنا بمعنى الرضا أى: والله - تعالى - يرضى
لكم العمل الذى يجعلكم تظفرون بشوابه فى الآخرة، وهو تفضيل إذلال
الشرك على أخذ الفداء من أهله .
وقوله: «والله عزيز حكيم، أى: والله - تعالى - ,عزيز، لا يغالب
جل هو الغالب على أمره (( حكيم)) فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه.
فالآية الكريمة تعقب على المؤمنين ، لأنهم أثروا الفداء على القتل والإئخاء
فى الأرض، وذلك لأن غزوة بدر كانت أول معركة حاسمة بين الشرك
والإيمان ، وكان المسلمون فيها قلة والمشركون كثرة ، فلو أن المسلمين آثرو
المبالغة فى إذلال أعدائهم من طريق القتل لكان ذلك أدعى لكسر شو؟
الشرك وأهله، وأظهر فى إذلال قريش وحلفائها، وأصرح فى بيان أن العمل
الأنفال
- ٢٠٦ -
تفسير سورة
على إعلاء كلمة الله كان عند المؤمنين فوق متع الدنيا وأعراضها، وأنهم لا يوادون.
من حارب الله ورسوله مها بلغت درجة قرابته، وهذا ماعبر عنهعمر - رضى.
الله عنه - بقوله:(( وحتى يعلم الله أن ليس فى قلوبنا هوادة للمشركين)).
والخلاصة أن غزوة بدر - بظروفها وملابساتها التى سبق أن أشرنا
إليها - كان الأولى بالمسلمين فيها أن يبالغوا فى قتل أعدائهم لا أن يقبلوا
منهم فداءحتى يفلوهم ويعجزوم عن معاودة الكرة.
ورضى الله - تعالى - عن :سعد بن معاذ، فقد ظهرت الكراهية على ...
وجهه بسبب أخذ الفداء من الأسرى، وقال - كماسبق أن بينا - :
د .. كانت غزوة بدر - أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإئخان
فى القتل أحب إلى من استيقاء الرجال .
قال الفخر الرازى: قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر ،
لأن المسلمین کانو ا قلیاین، فلما كثروا وقوى سلطاتهم أنزل اله بعد ذلك.
فى الأسارى (حتى إذا أنخفتوهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما نداء.
حتى تضع الحرب أوزارها، (١).
ثم قال الرازى: وأقول: إن هذا الكلام يوهم أن قوله, فإما منا
بعد وإما فداء ، يزيد على حكم الآية التى نحن فى تفسيرها: وليس الأمر كذلك،
لأن الآيتين متوافقتان، فإن كلتيهما تدل على أنه لابد من تقديم الإثخان.
ثم بعده أخذ الفداء » (٢).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر رحمته بالمؤمنين :
(( أولا كتاب من الله سيق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم))،
(١) سورة محمد - عليه السلام - الآية .
(٢) تفسير الفخر الرازى = ١٣ ص ٢٠٢
التاسع
- ٢٠٧ -
الجزء
والمراد بالكتاب هنا: الحكم، وأطلق عليه كتاب لأن هذا الحكم.
مكتوب فى اللوح المحفوظ .
والمفسرين أقوال فى تفسير هذا الحكم السابق فى علم الله - تعالى -:
فمنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذب الخطىء فى اجتهاد ..
وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال. قوله:
((لولا كتاب من الله سبق،. أى: لولا حكم منه سبق إثباته فى اللوح
المحفوظ، وهو أنه - سبحانه - لا يعاقب أحداً بخطأ، وكان هذاخطأً
فى الاجتهاد ,لأنهم نظروا فى أن استيقاهم ربما كان سبباً فى إسلامهم
وقوبتهم وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد فى سبيل الله، وخفى عليهم أن
قتلهم أعز الإسلام وأهيب لمن وراءهم، وأفل لشوكتهم .. ، (١) .
ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذب قوما إلابعدتقديم.
النهى عن الفعل ولم يتقدم نهى عن أخذ الفداء .
ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذبهم ما دام.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم.
أو أنه - سبحانه - لا يعذب أحداً من شهد بدرا.
وقد ساق الإمام الرازى هذه الأقوال وناقشها ثم اختار أن المراد
بالكتاب الذى سبق: هو حكمه - سبحانه - فى الأزل بالعفو عن هذه
الواقعة ، لأنه كتب على نفسه الرحمة ، وسبقت رحمته غضبه.
أما الإمام ابن جرير فهو يرى أن الآية خبر عام محصور على معنى دون
معنى، وأنه لاوجه لأن يخص من ذلك معنى دون معنى .. فقال: يقول
الله - تعالى - لأهل بدر الذين أخذوا من الأسرى الفداء ,لولا كتاب
من الله سبق .. )).
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٢٢٧
تفسير سورة
- ٢٠٨ -
الأطفال
أى : لولا قضاء من اللّه سبق لكم أهل بدر فى اللوح المحفوظ بأن الله
محل لكم الغنيمة، وأن الله قضى أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يتبين
لهم ما يتقون، وأنه لا يعذب أحداً شهد هذا المشهد الذى شهد تموه بدر ..
لولا كل ذلك لنالكم من الله بأخذ كم الفداء عذاب عظيم)، (١) .
ويبدولنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - من أن الآية خبر عام يشمل كل
هذه المعانى - أولى بالقبول، لأنه لم يوجد نص صحيح عن النبى - صلى اللّه
عليه وسلم - يحدد تفسير المراد من هذا الكتاب السابق فى علمه - تعالى -.
ولعل الحكمة فى هذا الإبهام لتذهب الأفهام فيه إلى كل ما يحتمله اللفظ،
ويدل عليه المقام ، ولكى يعرفوا أن أخذهم الفداء كان ذنباً يستحقون
العقوبة عليه لولا أن الله - تعالى - قدر فى الأزل العفو عنهم بسبب وجود
النبى - مع - فيهم، ولأنهم قد أخطأوا فى اجتهادهم، ولأنهم لم يتقدم
لهم فى عن ذلك، ولأنهم قد شهدوا هذه الغزوة التى قال الرسول فى شأن
من حضرها على لسان ربه - عز وجل - : ((اعملواماشئتم فقد غفرت لكم.
فقدروى الشيخان وغير هما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر
فى قصة حاطب بن أبي بلتعة عند ما أخبر المشركين بأن الرسول سيغزوهم
قبل فتح مكة وكان حاطب قد شهد بدراً -: ((وما يدريك لعل الله - تعالى -
اطلع على أهل بدر وقال: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) (٢) .
والمعنى الإجمالى للآية الكريمة: «لولا كتاب من اللّه سبق، أى: لولا
حكم من الله - تعالى - سبق منه فى الأزل ألا يعذب المخطئ. على
اجتهاده أو ألا يعذب قوما قبل تقديم البيان إليهم ... لولا كل ذلك
((لمسكم، أى لأصابكم , فيما أخذتم، أى بسبب ما أخذتم من الفداء قيل
أن تؤمروا به , عذاب عظيم، لا يقادر قدره فى شدته وألمه .
(١) تفسير ابن جرير ج ١٠ ٤٤٠٠ (٢) تفسير الالوسى ٣٥٠٠١٠
الجزء
- ٢٠٩ -
التاسع
قال ابن جرير: قال ابن زيد: لم يكن من المؤمنين أحد من نصر إلا أحب
الغنائم إلا عمر بن الخطاب ، جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه وقال:
يا رسول الله مالنا والغنائم ؟ مزقوم جاهد فى دين الله حتى يعبد ان فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو عذبنا فى هذا الأمر باعر مانجاغيرك.)).
وقال ابن اسحاق: لما نزلت «أولا كتاب من الله سبق ... ) الآية.
قال رسول الله - صلى أنّه عليه وسلم - ((لو نزل عذاب من السماء لم
يتج منه إلا سعد بن معاذ لقوله: يا نبى الله، كان الإثخان فى القتل أحب
إلى من استيفاء الرجال ، (١).
وقال بعض العلماء: قال القاضى، وفى الآية دليل على أن الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام يجتهدون، وأنه قد يكون خطأ، ولكن لا يقرون عليه (٢)
ثم زاد - سبحانه -المؤمنين فضلا ومنة فقال: «فكلوا ما غنمتم حلالا
طيبا، واءة- الله إن الله غفور رحيم)).
قال الانوسى _ ٠ى أنها ت الآية الأولى ((ما كان لنبى أن يكون}
أسرى .. ، ف الصحابة أيديهم عما أخذوا من الغداء فترات هذه الآية.
فالمراد بقوله (مافتتم)، إما الفدية وإما مطلق الغنائم، والمرادبيان حكم
ما اندرج فيها من الفدية، وإلا فحل الغنيمة مما عداها علم سابقا من قوله:
(((واعلموا أنما غنتم)).
وقال المراد بقوله («الغنائم، من غير أندراج الفدية فيها، لأن القوم لما نزلت
الآية الأولى امتنعوا عن الأكل والتصرف فيها تزهداً منهم، لاظناً لحرمتها.
والفاء المطاف على سبب مقدر، أى قد أبحت لكم الغنائم فكلوامها غنتم، (٢)
(١) تفسير ابن جرير = ١٠ ص ٤٨
(٢) تفسير القاسمى = ٨ ص ٣٩٣٩
(٣) تفسير الالوسى = ١٠ ص ٣٦
(م ١٤ - سورة الأنفال)
تفسير سورة
- ٢١٠ -
الإتناله
والمعنى: لقد عفوت عنكم - أيها المؤمنون - فيماوقعتم فيه من تفضيلكم
أخذ الفداء من الأسرى على قتلهم، وأبحت لكم الانتفاع بالغنائم، فكلونها
غنمتم من أعدائكم حلالا طيباً، أى لذيذاً هنيئاً لا شبهة فى أكله ولاضرر
((واتقوا الله) فى كل أحوالكم بأن تخشوه وتراقبوه ((إن الله غفور رحيم)
واذا غفر لكم ما فرط منكم وأباح لام ما أخذ تموه من غداء، فسبحانه من
إله واسع الرحمة والمغفرة؟ لمن اتقاء وتاب إليه قوبة صادقة»
وقوله ((حلالا، حالٍ من ((ماء الموصولة فى قوله: ((ماغنمتم، أو، صفة
لمصدر محذوف، أى : أكلا حلالا .
ووصف هذا المأمور بأكله بأنه حلال طيب، تأكيداً للإباحة حتى
يقبلوا على الأكل منه بدون تخرج أو تردد، فإن معائبتهم على أحد العداء
قبل ذلك جعلتهم يترددون فى الانتفاع به وبما غنموه من أعدلتهم.
ثم أمرت السورة النبى - صلى الله عليه وسلم- أن يخبر الأسرى بأنهى
إذا مافتحوا قلوبهم للحق واستجابوا له، فإنه - سبحانه - سيعوضهم عما
فقدوه خيراً منه، أما إذا استمروافى كفرهم وعنادهم فإن الدائرة - تدور وليوم)
استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور هذا المعنى بأسلوبها البليغ فتقول:
،يَأَيُّهَ النَِّىُّ قُل لِمَنْ فِىَ أَيْدِيكُمْ مِّنَ الْأَمْرَّ
إِن يَعْلَّمِ اللهُفِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْمِكُرْ خَيْرًا بَِّ أَخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ
b
لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وَإِنْ يُرِدُواْ خِيَاتَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّه
مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمَّ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ◌ّ
قال: ابن كثير: عن الزهرى عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - فى فداء أسراهم، فقدى كل قوم أسيرجم بما رضبوا.
وقال العباس: يارسول الله ! قد كنت مسلما ! فقال رسول الله - صلى الـ
- ٢١١ -
الجزء
التاسع
علية وسلم -: ((الله أعلم بإ غلامك، فإن لم يكنّ كمانقول،فإن الله يجزيك.
وأثاظفرك فقد كان علينا، فافند نفسك وابنى أخيك نوفل بن الحارث، وعقيل
ابن أبى طالب، وحليفك عتبة بن عمرو أخى بنى الحارث بن فهر)).
قال العباس: ما ذلك عندى يا رسول الله، فقال له رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -«فأين الملل الذى دفنته أنت وأم الفضل، فقلتلها: إن أصبت
فى سفره هذا فهذل المال الذى دفنته لبنى: الفعل وعبد الله وقثم)»؟
قال: والله يارسول الله إنى لأعلم أنك رسول الله، إن هذا الشىء ما علم)
أحد غيرى وغير أم الفضل، فأحسب لى بارحول اله ما أصبتم منى : -
عشرين أو قية من مال كان معى - .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا، ذاك فى. أعطانا
بالله منك».
فقدى نفسه وأبقى أخويه وحليفه. فأنزل الله - تعالى - فيه . ، !
٠
النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى ... ، الآية .
"قال العباس: فأعطانى اللهمكان العشرين الأوقية فى الإسلام، عثر إن عبداً
كلهم فى يده مال يضرب به. مع ما أرجو من مغفرة الله - تعالى -.
.. وفى صحيح البخاوى عن أنس: أن رجالا من الأنصار قالوا: يارسول الله
مما اثفن لنا فلنترك لا بن أختنا عباس فدا ...
فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لاوالله! لاتذرون منه درهما،.
هذا ، والآية الكريمة وإن كانت قد نزلت فى العباس إلا إنها عامه فى جميع
الإسرى؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن الخطاب فيها
موجه إلى سائری الأسرى لا إلى فرد منهم دون آخر.
والمعنى: «يأيها النبي قل لمن فى أيديكم، أى: قل للذين تحت تصرف
أيديكم ((من الأسرى، أى: من أسرى المشركين فى بذر الذين أخذتم منهم
الفيلة لتطلقوا سراحهم.
الأنفال
- ٢١٢ -
تفسير سورة
قل لهم - أيها التى الكريم -: (( إن يعلم الله في قلوبكم خيراً، أى :-
إيماناً وتصديقاً وعزماً على إتباع الحق ونبذ الكفر والعناد .. إن يعلم الله
- تعالى - منكم ذلك . یؤ تکم خيراً ما أخذ منكم ، من نداء ، بان
يخلفه عليكم فى الدنيا ، ويمنحكم الثواب الجزيل فى الآخرة .
ولقد صدق أقه - تعالى - وعده مع من آمن وعمل صالحاً من هؤلاء.
الأسرى، فأعطاهم الكثير من نعمه كما قال العباس - رضى أنه عنه -
. وقوله: ((ويغفر لكم)) زيادة فى حضهم على الدخول فى الإيمان.
وقوله: ((واقه غفور رحيم، تايل قصد به تأكيد ما قبله من الرعد
بالخير والمغفرة .
أى: واقه - تعالى - وامع المغفرة، والرحمة من استجاب الحق ».
وقدم العمل الصالح .
والتعبير، بقوله: (لمن فى أيديكم، الإشعار بأن هؤلاء الأمريكه.
المشركين قد صاروا فى قبضة المؤمنين وتحت تصرفهم ، حتى لكأن أيديهم.
كابضة عليهم .
وأسند وجود الخير فى قلوبهم إلى علم اله - تعالى - الإشارة إلى.
أن إدعاء الإيمان باللسان فقط لا يكفل لهم الحصول على الخير الذى نقدوم
ولا يوصلهم إلى مغفرة الله - تعالى - فعليهم أن يخلصو الله فى إيمانهم.
يتالوا فضله وثوابه، فهو - سبحانه - عليم بذات الصدور.
أوقوله: ((وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم ..
إنذار لهم بسوء المصير إذا ماجوا فى عنادهم وغدرهم، وبهارة من أقهـ
- تعالى - لرسوله والمؤمنين بأن العاقبة ستكون لهم.
أى: وإن يرد هؤلاء الأسرى فقض عهودهم معك - با محمد -
والاستمرار في محاربتك ومعاداتك .. فلا تهتم بهم، ولا تجرع من خيانتهم.
التاسع
- ٢١٣-
الجزء
فهم قد خانوا الله - تعالى - من قبل هذه الغزوة بكفرهم وجحودهم لنعمه
- خكانت نتيجة ذلك أن أمكنك منهم، وأظفرك بهم، وسينصرك عليهم بعد
ذلك كما نصرك عليهم فى بدر، والله - تعالى - عليم بما يسرونه وما يعلنوه،
حكيم فى تدبيره وصنعه .
ثالآية الكريمة إنذار للأسرى إذا ما استحبوا العمى على الهدى ، وتبشير
الرسول- بٍَّ - بأن خيانتهم سيكون وبالها علهيم.
قال الفخر الرازى: وقوله (فأمكن منهم، قال الأزهرى: يقال أمكننى
١٠ الأمر يمكننى فهو ممكن ومفعول الإمكان محذرف.
والمعنى: فأمكن المؤمنين منهم، أى: أنهم خافوا الله بما أقدموا عليه
- من محاربة الرسول يوم بدر . فأمكن الله منهم قتلا وأسرا ، وذلك نهاية
- الإمكان والظفر . فنبه الله بذلك على أنهم قد ذاقوا وبال ما فعلوه ثم ، فإن
عادرا كان التمكين منهم ثابتاً حاصلا، وفيه بشارة للرسول - زع -
أنه یتمکن من کل من يخونه وپنقض عهده» (١).
هذا، ومن الأحكام والآداب التى تحدثت عن أسرى غزوة بدر ما يأتى:
١ - أن على المؤمنین فی کل زمان ومكان أن يجعلوا جهادهم خالصا
لوجه الله ومن أجل إعلاء كلمته ونصرة دينه، وذلك بأن يبالغوا فى قتال
أعدائه وأعدائهم إذلالا للكفر وإعزازاً للحق، وأن يؤثروا كل ذلك على
أمراض الدنيا ومتعها .
٢ - أن أخذ الفداء من الأسرى لاشىء فيه فى ذاته، وإنما عاتب الله
المؤمنين على أخذه من أسرى بدر، لأن هذه الغزوة كانت المعركة الأولى
بين المؤمنين والمشركين، وكان إذلال المشر كين فيها عن طريق المبالغة فى
- قتلهم أهم من أخذ الفداء منهم، وأظهر فى كسر شوكتهم، وعجزهم عن
معاودة الكرة على المسلمين .
(م - ١٥ الأنفال)
(١) تفسير للفخر الرازى = ١٥ ص٢٠٦
نفسه -ورة
- ٢١٤ -
الانتمال
ال ان کثیر. وقد استمر الحكم فى الأمری عند جهور العلماء ، أن
الإمام مخير فيهم، إن شاء اللّه قتل؛ كما فعل ببنى قريظة، وإن شاء قادى
مال کما فعل بأسری بدر وبمن أسر من المسلین ، کما فعل رسول الله- {}-
فى تلك الجارية وإبنتها اللتين كانتا فى سبى سلمة بن الأكوع، حيث ردفما
وأخذ فى مقابلهما من المسلين الذين كانوا عند المشر كين ، وإن شاء استرق
من أسر .
هذا مذهب الإمام الشافعى وطائفته ، وفى المسألة خلاف آخر بين
الأئمة مقرر فى موضعه، (١).
٣ - أن الذين شهدوا بدراً من المسلمين كانت لهم مكانتهم السامية » ..
ومنزلتهم العالية، عند الله - تعالى -
ومما يدل على ذلك أنه - سبحانه - عنا عن خطتهم فى أخذ الفداء
من الأسرى ثم زادهم فضلا ومنة فجعل غنائم الحرب حلالالهم، بعد أن كانته ..
محرمة على إتباع الرسل السابقين .
ففى البخارى عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول افـ ـ ہہے ـ.
«أعطيت خمسا لم يعطون أحد من الأنبياء قبلى. نصرت بالرعب مسيرة شهر
وجعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتى أدر كته الصلاة فليصل ..
وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبى
يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)» (٢) .
٤ - أن الإسلام لا يستبقى الأسرى لديه الإذلال والقهر والاستغلال» ..
وإنما يستبقهم ليوقظ فى فطرتهم أور الحق الذى بأتباعه بعوضهم أله عما أخذ.
منهم فى الدنيا، ويمنحهم ثوابه ومغفرته فى الآخرة .
أما إذا استمروا فى عداوتهم للحق، فإن الدائرة ستدور عليهم.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٢٧
(٢) صحيح البخارى ((باب التيمم)) ج١ ص ٩١
الجزء
- ٢١٥ -
التاسع
٥ - أن الإيمان لا يكون صحيحا إلا إذا صاحبه التصديق والإذعان .
قال ابن العربى: لما أسر من أسر من المشركين فى بدر، تكلم قوم منهم
بالإسلام، ولم يمضوا فيه عزيمة، ولا اعقدفوا به اعترافا جازما، ويعبه أنهم
أرادوا أن يتقربوا من المسلين ولا يبعدوا عن المشركين فترات الآية :
(( يأيها النبي قل لمن فى أيديكم من الأسرى .. ) الآية.
قال علماؤنا: إن تكلم الكافر بالإيمان فى قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عربمة
لم يكن مؤمنا. وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا إلا ما كان من
الوسوسة التى لا يقدر المرء. على دفعها، فإن الله قد عفا عنها وأسقطها.
وقد بين الله ارسوله - صلى الله عليه وسلم - الحقيقة فقال: ((وإن يريدوا
خيانتك، أى إن كان هذا القول منهم خيانة ومكراً، فقد خانوا الله من
قبل ، بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك فأمكنك منهم. وإن كان هذا القول
منهم خيراً ويعلمه الله فيقبل ذلك منهم، ويعوضهم خيراً ما خرج عنهم،
ويغفرلهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم)، (١).
ثم ختم الله - تعالى- سورة الأنفال بالحديث عن علاقة المسلمين بعضهم
بعض، وعن علاقتهم بغيرهم من الكفار وعن الأحكام المنظمة لهذه العلاقات
(١) أحكام القرآن لا بن العربى ج ٢ ص ٧٨٤ طبعة عيسى الحلبى
الطبعة الأولى سنة ١٩٥٧ م.
- ٢١٦ -
تفسير سورة
الأنفال
أقال - تعالى -:
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
الجُرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَِّهِمْ وَأَنْفُسِمْ فِى سَبِيلِ الهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوأَ
١٠-٠٠١٠ ٤٠١١٠٠٠,
سُرُوَا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَالَّذِينَءَ امَنُوا وَلَمْ يُهَاِرُواْ
◌ٌ مِّنْ وَتِهِم مِّنْ شَىْءٍ حَتَّى يَ ◌ِرُواْ وَإِنِ آَسْتَنِصَرُ وكُمْفِى
بِ فَعَلَيْكُ النَّصْرُ إِلّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مِّنَقُّ وَآلَهِمَا
مُونَ بَصِيرٌ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَةُ بَعْضٍ إلَّا
تُوُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِ الْأَرْضِ وَقَسَادٌ كَبِيرٌ (﴾ وَالَّذِينَءَامَنُواْ
جُرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوَأَ وَنَصْرُواْ أُوْلَنَِكٌ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ وَلَّذِينَ ءَ امَنُواْ مِنْ
١
. وَهَاجُرُواْ وَجَنْهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ
◌ُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَئِ اللهِ إِنَّ الَهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
ج
٧٥
1
هذه الآيات الكريمة التى ختم الله - تعالى - بها سورة الأنفال، وضحت
، المؤمنين فى العهد النبوى أقسام، وذكرت حكم كل قسم منهم .
أما القسم الأول: فهم المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى.
وأما القسم الثانى: فهم الأنصار من أهل المدينة .
والقسم الثالث : المؤمنون الذين لم يها جروا .
والقسم الرابع : المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية.
الجزء
- ٢١٧ -
الناسع
وقد عبر - سبحانه - عن القسمين: الأول والثانى بقوله: « إن
الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين
آووا ونصروا ... ).
أى: ((إن الذين آمنوا، بالله - تعالى - حق الإيمان , وهاجروا، أن
تركوا ديارهم وأوطانهم وكل نفيس من زينة الحياة الدنيا. من أحل الفرار
بد ينهم من فتنة المشر كين، ومن أجل نشر دين الله فى الأرض ((وجاهدوا
بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله، أى: أنهم مع إيمانهم الصادق ، وسبقهم
بالهجرة إرضاء لله - تعالى - ، قد بالغوا فى إتعاد أنفسهم من أجل
نصرة الحق، فقدموا ما يملكون من أموال، وقدموا نفوسهم رخيصة لا فى
سبيل عرض من أعراض الدنيا، وإنما فى سبيل مرضاة الله ونصرة دينه.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا القسم الأول من المؤمنين
وهم الذين سبقوا إلى الهجرة .. بأعظم الصفات وأكرمها.
فقد وصفهم بالإيمان الصادق، وبالمهاجرة فراراً بدينهم من الفتن،
وبالمجاهدة بالمال والتفسر فى سبيل إعلاء كلمة الله.
وقد جاءت هذه الأوصاف الجليلة مرتبة حسب الوقوع، فإن أول
ما حصل منهم هو الإيمان. ثم جاءت من بعده الهجرة، ثم الجهاد .
ولعل تقديم المجاهدة بالأموال هنا على المجاهدة بالأنفس، لأن المجاهدة
بالأموال أكثر وقوعا، وأقم دفعا الحاجة ، حيث لا تتصور المجاهدة
بالنفس بلا مجاهدة بالأموال .
وقوله ((فى سبيل الله، متعلق بقوله (جاهدوا، لإبراز أن جهادهم لم يكن
لأى غرض دنيوى، وإنما كان من أجل نصرة الحق وإعلاء كلمته - سبحانه -
سورة
- ٢١٨ -
الانفال
وقوله: «والذين آووا ونصروا، بيان للقسم الثانى من أقسام المؤمنين
، العهد النبوى، وثم الأنصار من أهل المدينة الذين فتحوا المهاجرين
دبهم، واستقبلوم أحسن إستقبال، حيث أسكنوم منازلهم، وبذلوا لهم
موالهم ، وآثروا هم على أنفسهم، ونصروهم على أعدائهم.
فالآية المكريمة قد وصفت الأنصار بوصفين كريمين.
أولهما : الإيواء الذى يتضمن معنى التأمين من الخوف، إذا المأوى
و الملجأ والأمن ما يخشى منه، ومن ذلك قوله - تعالى - ((إذا أوى
فتية إلى الكهف ... (١)، وقوله - تعالى - ((ولما دخلوا على يوسف
أوى إليه أخاء .. )) (١).
ولقد كانت المدينة مأوى وملجأ للمهاجرين، وكان أهلها مثالا للكرم
الإيثار . ..
ثانيهما: النصرة، لأن أهل المدينة قد نصروا الرسول - بَ -
المهاجرين بكل ما يملكون من وسائل التأييد والمؤازرة، فقد قاتلوا من
اقلهم، وعادوا من عاداهم، ولذا جعل الله - تعالى - حكمهم وحكم
لمها جرين واحداً فقال: «أولئك بعضهم أولياء بعض.».
قاسم الإشارة يعود إلى المهاجرين السابقين، وإلى الأنصار .
وقوله: « أولياء، جمع ول ويطلق على الناصر والمعين والصديق
القريب ...
(١) سورة الكهف الآية ١٠
٠٠٠
التاسع
- ٢١٩ -
الجزء
والمراد بالولاية هنا : الولاية العامة التى تتناول التناصر والتعاون
والتوارث . ..
أى : أولئك المذكورون الموصوفون بهذه الصفات الفاضلة بتولى
بعضهم بعضاً فى النصرة والمعاونة والتوارث ... وغير ذلك ، لأن حقوقهم
-ومصالحهم مشتركة .
قال الألوسى ما ملخصه: «روى عن ابن عباس أن النبى - صَّة -
آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجر يرثه أخوه الأنصارى،
إذا لم يكن ه بالمدينة ولى مهاجرى وبالعكس، واستمر أمرهم على ذلك
إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة ... وعليه فالآية
-منسوخة بقوله - تعالى - بعد ذلك ,وأولوا الأرحام بعضهم أولى
- ببعض فى كتاب اته ... .
وقال الأصم: الآية محكمة، والمراد الولاية بالنصرة والمظاهرة)) (١)
، والذى نراه أن الولاية هنا عامة فهى تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون فيما
: بينهم من تعاون وتناصر وتكافل وتوارت وغير ذلك .
وقوله - تعالى -: ((والذين آمنوا ولم يها جروا مالكم من ولا يتهم
- من شىء حتى يها جروا ... ) بيان لحكم القسم الثالث من أقسام المؤمنين
: فى العهد النبوى .
(١) تغير الآلوسي * ١٠ ص ٠٢٧
- .
سورة
- ٢٢٠ -
الأقال
أى: هذا الذى ذكرته لكم قبل ذلك فى الآية هو حكم المهاجرين السابقين ..
والأنصار الذى ؟ ووهم ونصروهم أماحكم الذين آمنواولم يها جروا، وهم المقيمون
فى أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم .. فإنهم ليس بينهم وبين.
المهاجرين والأنصار ولاية إرث ((حتى يها جروا، إلى المدينة، كما أنكم
- أيها المؤمنون - لا تنتظروا منهم تعاونا أو مناصرة، لأنهم - بسبب إقامتهم ..
فى أرض الشرك وتحت سلطانه - أصبحوا لا يملكون وسائل المناصرة لكم.
ثم قال - تعالى -: «وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر إلا على
قوم بينكم وبينهم ميثاق ، .
أى : وإن طلب منكم هؤلاء المؤمنون الذين لم يها جروا النصرة على.
أعدائكم فى الدين ، فيجب عليكم أن تنصروهم ، لأنهم إخوانكم فى العقيدة» ..
بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء عهد ومهادئة ، فإن كم فى
هذه الحالة يحظر عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم يهاجروا، لأن فيه.
نصرتهم على من بينكم وبينهم عهد نقض لهذا العهد .
أى: أن نصرتكم لهم إنما تكون على الكفار الحريين لا على الكفار.
المعاهدين وهذا يدل على رعاية الإسلام لعهود، واحترامه المشروط والعقود.
قال الجمل: أثبت الله - تعالى - القسمين الأولين النصرة والإرث)).
ونفى عن هذا القسم الإرث وأثبت له النصرة)» (١).
وقوله: ((والله بما تعملون بصير» تذييل قصد به الترغيب فى طاعة الله».
والتحذير من معصيته .
والله - تعالى - مطلع على كل أعمالكم فأطيعوه، ولا تخالفوا أمره،
وقبل أن تذكر السورة القسم الرابع من أقسام المؤمنين، تتحدث عن ولاية
الكفار بعضهم لبعض فتقول: ((والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا
تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٥٩