Indexed OCR Text

Pages 141-160

التاسع
- ١٤١ -
-الجر.
من الكفر. أى: وإن الله السميع لأقوال أهل الإيمان والكفر، عليم بما
ينطوى عليه قلوبهم وضمائرهم، وسيجازى - سبحانه - كل إنسان بما يستحقه
من ثواب أو عقاب على حسب ما يعلم وما يسمع منه.
ثم يبين - سبحانه - بعض وجوه نعمه على المؤمنين، وتدبيره الخفى
لنصرهم وفوزهم فيقول: « إذ يريكهم الله فى منامك قليلا، ولو أرا كهم كثيراً
الفشلتم ولتنازعتم فى الأمر، ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور).
أى : اذكر يا محمد فضل الله عليك وعلى أصحابك ، حيث أراك فى
- منامك الكافرين قليلا عددهم ، ضئيلا وزنهم، فأخبر ت بذلك أتباعك فازدادوا
ثباتها واطمئنانا وجرأة على عدوهم ,ولو أراكهم كثيراً، أى: ولو أراك
الأعداء عددا كثيراً ((لفشلتم، أى: لتهيتم الإقدام عليهم، لكثرة عددهم
"-من الفعل وهو ضعف مع جبن «ولتنازعتم فى الأمر، أى: فى أمر
الإقدام عليهم والإحجام عنهم. فمنكم من يرى هذا ومنكم من يرى ذلك.
وقوله ,ولكن الله سلم، بيان محل النعمة. أى. ولكن الله - تعالى-
بفضله وإحسانه أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع وتفرق الآراء فى
شأن القتال: حيث ربط على قلوبكم، ورزقكم الجرأة على أعدائكم وعدم
المبالاة بهم بسبب رؤيا نبيكم .
وقوله: (( إنه عليم بذات الصدور)، تذبيل يدل على شمول عامه - سبحانه.
أى: إنه - سبحانه - عليم بكل ما يحصل فى القلوب وما يخطر بها من
شجاعة وجبن ، ومن صبر وجزع ولذلك دبر ما دبر .
قال الفخر الرازى، قال مجاهد: أرى الله النبى - صلى الله عليه وسلم -
كفار قريش فى مقامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه فقالوا: رؤيا النبى حق".
القوم قابل. فصار ذلك سببا لجرأتهم وقوة قلوبهم.
فإن قيل: رؤية الكثير قليلا غلط، فكيف بجوز من الله - تعالى - أن
يفعل ذلك؟

تفسير سورة
٠ ١٤٢ -
الأنفال
قلنا:م ذهبنا أنه - تعالى- يفعل ما يشاء ويحكم مايريد، وأيض العلم-سبحانه
أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون»(١)
ونستطيع أن نضيف إلى ما أجاب به الفخر الرازى أنه يجوزأن يكون
المراد بالقلة: الضعف وهو ان الشأن ..
أى: أن المشركين وإن كانوا فى حقيقتهم بقاربون الألف -أى أكثر من
ثلاثة أمثال المؤمنين - إلا أنهم لاقوة لحم ولا وزن، فهم كثير عددهم ولكن
قليل غناؤهم ، قليل وزنهم فى المعركة. لأنهم ينقصم الإيمان الصحيح الذى
يقوى القلوب، ويدفع النفوس إلى الإقدام لنصرة الحق لكىتفوز برضاات
وحسن مثوبته .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب المنار بقوله: وقد تقدم أن النبى - ص-
قدر عدد المشركين بألف وأخبر أصحابه بذلك ، ولكنه أخبرهم مع
هذا أنه رآهم فى منامه قليلا، لا أنهم قليل الواقع ، فالظاهر أنهم أولوا.
الرؤيا بأن :لا.هم يكون قليلا، وأن كيدهم يكون ضعيفاً، فتجر وا
وقوبت قلوبهم )).
هذا، ونسب إلى الحسن أنه ذكر أن هذه الآراء كانت فى اليقظة ، وأن
المراد من المنام العين التى هى موضع النوم. قال الزمخشرى: وهذا تفسير فيه
تصف . وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن .
وقال الآلوسی: وعن الحسن أنه فسر المنام بالعین ، لأنها مكان القوم،»
يقال للقطيفه المنامة لأنها ينام فيها، فلمة كن عنده هناك رؤيا أصلا بل كانت
رؤية، وإليه ذهب البلخى. ولا يخفى ما فيه لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر
ميمى .. ففى الحمل على خلاف ذلك تعقيدولا نكتة فيه ... على أن الروايات
الجمة برؤيته - صلى الله عليه وسلم - إياهم مناما، وقص ذلك على أصحابه.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١٦٩٠٠١٥ (٢) تفسير المنار = ١٠ -٢٢٠°.

الجزء
- ١٤٢-
التاسع
مشهورة، لا يعارضها كون العين مكان النوم نظرا إلى الظاهر .. ولعل الرواية.
عن الحسن غير صحيحة، فإنه الفصيح العالم بكلام العرب (١)».
وقوله - تعالى -: «وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلا ويقللكم فى
أعينهم .... )) معطوف على ما قبله وهو قوله ((إذ يريكهم الله فى منامك
قليلا .. ، وذلك لتأكيد الرؤيا المنامية بالرؤية فى اليقظة .
والمعنى: واذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن التقيتم مع أعدائكم
وجها لوجه فى بدر، فكان من فضل الله عليكم قبل أن تلتحموا معهم أن جعل
عددهم قليلا فى أعينكم «وجعل عددكم قليلا فى أعينهم، وذلك لإغرائهم على
خوض المعركة .
أما أنتم فتخوضونها بدون مبالاة بهم لقلتهم فى أعينكم، ولثقتكم
بنصر الله إياكم ...
وأماهم فيخوضونها معتمدين على غرورهم وبطرهم وقلتكم فى أعينهم،
فيترتب على ذلك أن يتركوا الاستعداد اللازم لقتالكم ، فتكون الدائرة
جليهم، ..
قال ابن مسعود - وهو من حضر بدرا -: اقد قللوافىاعينهاحتى قلت
لرجل إلى جنبى: أقراهم سبعين ؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلامنهم
فقلنا له : كم كنتم ؟ .
قال : ألفاً(٢).
وقال أبو جهل - فى ذلك اليوم وقبل الالتحام -: إن محمداً وأصحابه
أكلة جرور - أى هم قليل يشبعهم لحم نافة واحدة - خذوهم أخذاً وأربطوهم
بالحبال ... (٣)
(١) تفسير الألونى = ١٠ ص ٨ (٢) تفسير ابن جرير جـ ١٩ ص١٣
(٣) تفسير القرطبى ج ٨ ص ٢٣

تفسير سورة
- ١٤٤ -
الأنفال
وقدأجاد صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية حيث يقول: قولة
((وإذ يركوم، الضميران مفعولان، يعنى: وإذ يبصركم إيام. و«قليلا)
حال . وإنما فلهم فى أعينهم تصديقاً لرؤيا رسول إنه - * -،
وليعا ينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم وجدوا وبثبقوا ..
فإن قلت: الغرض من تقليل الكفار فى أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض
من تقليل المؤمنين فى أعينهم؟
قلت: قد قللهم فى أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده، ايجترئوا
عليهم، فلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيهتوا ويهابوا، وتقل شر كتهم،
حين يرون ما لم يكن فى حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله ((قد كان لكم
آية فى فئتين النقنا، فثة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم
رأى العين ٠٠ (١) ولثلا يستعيدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح
الآية البيئة من قلتهم أولا ، وكثرتهم آخرا .
ثم قال: فإن قلت : بأى طريق يبصرون الكثير قليلا؟
قلت: بأن يستر الله عنهم بعضه بسائر، أو يحدث فى عيونهم ما يستقلون به
الكثير، كما أحدث فى أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين .
قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين - وكان بين يديه ديك
واحد - فقال: ما لى لا أرى هذين الديكين أربعة ، (٢).
وقوله - سبحانه - ((ليقضى الله أمراً كان مفعولا وإلى الله ترجع
الأمور ، بيان لحكمه تدبيره، ونفاذ قدرته ، وشمول إرادته .
أى: فعل - سبحانه - ما فعل من تقليل كل فريق فى عين الآخر:
ليقضى أمرا كان مفعولا، أى: ثابتا فى علمه وحكمته، وهو نشوب القتال
(١) سورة آل عمرار الآية ١٣
(٢) تفسير الكثاف = ٢ ص ٢٢٥

- ١٤٥ -
التاسع
المفض إلى انتصار المؤمنين، واندحار الكافرين. وإلى الله وحده ترجع الأمور
لا إلى إحد سواء، فإن كل شىء عنده بمقدار. ولا ينفذشىء فى هذا الكون
إلا بقضائه وقدره، وما من شىء إلا مصيره ومرده إليه.
قال بعض العلماء: ولا يقال إن قوله - تعالى -: ((ليقضى اله أمراً
كان مفعولا، مكرر مع ماسبق، لأنا نقول: إن المقصود من ذكره أولا.
فى قوله: إذاتم بالعدوة الدنيا ... - هو اجتماعهم بلا ميعاد، ليحصلى
استيلاء المؤمنين على الكافرين، على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبى
- ص - والمقصود منه هنا بيان عارق آخر، وهو تقليلهم فى أعين
المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة ، (١).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حكمت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر
بأسلوب تصويرى بديع فى استحضاره لمشاهدها ومواقفها، وكشفت لناعن
جوانب من مظاهر قدرة الله، ومن تدبيره المحكم الذى كان فوق تد بير البشر،
ومن تهيئة الأسباب الظاهرة والخفية التى أدت إلى نصر المؤمنين وخذلان
الكافرين .
٠
وبعد هذا التفكير النافع، والتصوير المؤثر لأحداث غزوة بدر ، وجه
- سبحانة - فى هذه السورة إلى المؤمنين النداء السادس والأخير، حيث
أمرهم بالثبات فى وجه أعدائهم، وبالمداومة على ذكره وطاعته ... ، ونهاهم
يَأيُّهَا الّذينَ ءَامنوا
١٤/
من المتنازع والاختلاف فقال - تعالى -:
﴿إِذَا لَقِيتُمْفِئَةً فَاثْبُتُواْ وَأَذْ كُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا فَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (2).
وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَلَ تَزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَذْهَبَ رِيحُكُمْ
ج
وَأَصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ ◌ّ
(١) تفسير القاسمى = ٨ ٠٣٠١٠٥
(٢ ١٠ - سورة الأنفال)

تفسير سورة
- ١٤٦ -
الأنفال : .
وقوله: (( لقيتم)) من اللقاء بمعنى المقابلة والمواجهة، ويغلب استعماله.
فى لقاء القتال وهو المراد هنا.
وقوله: ((فتة)، أى: جماعة. مشتقة من الفيء بمعنى الرجوع، لأن
بعضهم يرجع إلى بعض .
والمراد بها هنا: جماعة المقاتلين من الكافرين وأشباههم.
والمتتبع لاستعمال القرآن لهذه الكلمة، براه يستعملها - فى الأعم الأغلب.
- فى الجماعة المقائلة أو الناصرة أو ما يشبه ذلك .
قال - تعالى - «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ... )) (١).
وقال - تعالى -: «قد كان لكم آية في فئتين الاقتا فئة تقائل فى سبيل
الله وأخرى كافرة ... » (٢).
وقال - تعالى -: ((ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان
منتصراً)، (٣).
والمعنى: يأيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان،, إذا لقيتم فئة، أى: حاربتم ..
جماعة من أعدائكم، فائبتوا، لقتالهم ، وأغلظوا عليهم فى النزال ، ولا
تولوهم الأدبار، ((واذكروا الله كتيرا، لاسيما فى مواطن الحرب، فإن
ذكر الله عن طريق القلب واللسان من أعظم وسائل النصر: لأن المؤمن منى.
استحضر عظمة الله فى قلبه لا تهوله قوة عدوه، ولا تخيفه كثرته .. .
وقوله ((لعلكم تفلحون) أى: لعلكم تظفرون بمرادكم من النصر.
وحسن الثواب ، متى فعلتم ذلك عن إخلاص .
(١) سورة البقرة الآية ٢٤٩.
(٢) سورة آل عمران الآية ١٣.
(٢) سورة الكهف الآية ٤٣.

- ١٤٧ -
الجزء
التاسع
وقوله((وأطيعوا الله ورسوله)) معطوف على ما قبله، أى: اثبتوا عند
لقاء الأعداء، وأكثروا من ذكر الله، وأطيعوا الله ورسوله فى كل أقوالكم
وأعمالكم، وفى سرکم و چیر کم ، وفى كل ما تأنون وما تذرون .
وقوله (( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم )، نهى الهم من الاختلاف
المؤدى إلى الفشل وضياع القوة بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكرانه
وطاعته ،
وقوله «تنازعوا) من الفرع بمعنى الجذب وأخذ الشىء ... والتنازع
والمنازعة الجاذبة كان كل واحد من المتنازعين يريد أن ينزع ما عند الآخر
واق به .
والمراد بالتنازع هنا: الخصام والجدال والاختلاف المفضى إلى الفشل.
أى : الضعف .
قال الألوسى: وقوله: ((وتذهب ريحكم،، قال الأخفش: الربح مستعارة
الدولة . أشبهها بها فى نفوذ أمرها وتمشيه، ومن كلامهم هبت رياح فلان إذا
دالت له الدولة و جری أمره علی ما یرید . ور کدت ریاحه إذا وات عنه
وأدبر أمره. قال الشاعر :
فإن لكل خافقة سكون
إذا هبت رياحك فاغتنمها
فما تدري السكون متى يكون (١)
ولا نغفل عن الإحسان فيها
والمعنى: كونوا - أيها المؤمنون -ثابتين ومستمرين على ذكر الله وطاعته
عند لقاء الأعداء، ولا تنازعوا وتختصموا وتختلفوا، فإن ذلك يؤدى بكم
إلى الفشل أى الضعف، وإلى ذهاب دولتكم، وهوان كلمتكم، وظهور
عدوكم عليكم .
((واصبروا، على شدائد الحرب، وعلى مخالفة أهوائكم التى تحملكم
على التنازع، ((إن الله مع الصابرين)) بتأييده ومعونته ونصره،
(١) تفسير الآلوسي = ١٠ ص ٠١٤

الفسير سورة
- ١٤٨ -
الأنفال
هذا والمتأمل فى هافين الآيتين برامما قد رسما للمؤمنين مع كل زمان
ومكان الطريق التى توصلهم إلى الفلاح والظفر .
لهما بأمران بالثبات. والثبات من أعظم وسائل النجاح، لأنه يعنى ترك
اليأس والتراجع وأقرب الفريقين إلى النصر أكثرهما ثباتا .
وبأمران بمداومة ذكر الله، لأن ذكر الله هو الصلة التى تربط الإنسان
بخالقه الذى بيده كل شىء، ومتى حسنت صلة الإنسان مخالقه * صغرت فى
عينه قوة أعدائه مهما كثرت .
ويأمر ان بطاعة الله ورسوله ، حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب فقية،
وبنفوس صافية ... لا مكان فيها التنازع والاختلاف المؤدى إلى الفشل،
وذهاب القوه .. وبأمران بالصبر، أى بتوطين النفس على ما يرضى الله،
واحتمال المكاره والمشاق فى جلد. وهذه الصفة لابد منها لمن يريد أن يصل
إلى آماله وغاياته .
ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لما ين الآ يتين الكريمتين:
« هذا تعليم من الله - تعالى - لعباده المؤمنين آداب اللفاء، وطريق الشجاعة.
عند مواجهة الأعداء ..
وقد ثبت فى الصحيحين عن عبد الله بن أبى أو فى أن رسول الله - صلى اله
عليه وسلم - انتظر فى بعض أيامه التى اقى فيها العدو حتى إذا مالت الشمر قام
فيهم فقال: يأيها الناس لا تتمفوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم
فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قام وقال : اللهم منزل
الكتاب، ومجرى السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم).
وفى الحديث الآخر المرفوع يقول الله - تعالى -. (( إن عبدى كل عبدى
الذى يذكرنى وهو مناجز قرنه، أى : لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى
ودعانى واستعالى.

التاسع
- ١٤٩
الجزء
وعن قتادة فى هذه الآية: ((افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون.
عند الضرب بالسيوف ».
ثم قال: («وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - فى باب الشجاعة والاعتمار
بما أمرهم الله ورسوله، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم
والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد من بعدهم، فإنهم ببركة الرسول - صلى الله
عليه وسلم - وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم، شرقاً وغربا، فى
المدة اليسيرة (( مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم
والفرس ... قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه علىسائر الأديان،
وامتدت الممالك الإسلامية فىمشارق الأرض ومغار بها فى أقل من ثلاثين سنة
فرضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنافى زمرتهم أنه كريم وهاب (١) ..
وبعد هذه التوجيهات السامية التى رسمت للمؤمنين طريق النصر ، نها هم
-سبحانه -عن التشبه بالكافرين صدهم الشيطان عن السبيل الحق، فقال تعالى:
وَلَتَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِّنْ
دِ هِم بَطَرًاً وَرِجَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاله ◌ِمَا
◌َيَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ وَإِذْ زَيِّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَلِبَ
◌َلَكُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِلَّىِ جَارْتَّكُمْ فَلَّا نَآءَتِ اَلْفِئَتَانِ
نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِلَى بَرِىٌّ مِنْكُ إِنَّ أَرَى مَا لَا تَزَوْنَ
إِّ أَخَافُ اللهِ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
عے
﴿وَلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَِّ ضَّ غَرْ هَنَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ
◌َنَّ اللَّهُعَي ◌ُحْكِيمٌ﴾﴾.
(١) تفسير ابن كثير ج ص ٣٦.

سورة
- ١٥٠ -
الأعمال
قال الفخر الرازى عندى تفسيره لقوله - تعالى - ,ولا تكونوا كالذين
خرجوا ... ، المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير . خرجوا
بالقيان والمغنيات والمعازف، فلما وردوا الجحفة ، بعث خفاف الكتار
- وكان صديقا لأبى جهل - بهدايا إليه مع ابن له، فإذا أناه قال: إن أبى
ينعمك صباحا ويقول لك: إن شئت أن أمدك بالرجال أعددتك، وإن
شئت أن أزحف إليك بمن معى من قرابتى فعلت .
فقال أبو جهل: قل لأ بيك جزاك الله والرحم خيرا. إن كنا نقائل الله
كما يزعم محمد فواقه ما لنا بالله طاقة. وإن كنا إنما نقائل الناس، فراقه
أن بنا على الناس لقوة .
واقه ما نرجع عنقال محمد حتى ترد بدرا فتشرب فيها الجمهور، وتعزف
فيها القبان، فإن بدرا موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم.
وحتى تسمع العرب - بمخرجنا فتها بنا آخر الأبد . .
قال المفسرون : فوردوا بدرا، وشربو اكتوس المنايا مكان الخمر،
وفاحت عليهم النوائح مكان القيان، (١).
وقوله ((بطرأ، مصدر بطر - كفرح. ومعناه-كما يقول الراغب -: دهش
يعترى الإنسان من سوء احتمال النعمة، وفئة القيام بحقها، وصرفها إلى
غير وجهها ، (٢).
أى أن البطر ضرب من الكبر والغرور واتخاذ فعم الله - تعالى - وسيلة
إلى مالا يرضيه وهو مفعول لأجله ، أو حال أى حال كونهم بطرين.
وقوله ((رثاء)) مصدر راءى ومعناه: القول أو الفعل الذى لا يقصد معه.
الإخلاص، وإنما يقصد به التظاهر وحب الثناء.
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٥ ص ٠١٧٢
(٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٥٠.

التاسع
- ١٥١ -
الجزء
والمعنى: كونوا أيها المؤمنون - ثابتين عند لقاء الأعداء، ومكثرين
-من ذكر الله وطاعته، وصابرين فى كل المواطن .. واحذروا أن تتشبهوا
بأولئك المشركين الذين خرجوا من مكة «بطرا ورتاء الناس، أى خرجوا
غرورا وفخرا وتظاهرا بالشجاعة والحمية ... حتى بنالوا الثناء منهم ..
وقوله: (( ويصدون عن سبيل الله، معطوف على « بطرا». والسبيل:
الطريق الذى فيه سهولة . والمراد بسبيل اللّه: دينه. لأنه يوصل الناس
إلى الخير والفلاح.
أى: خرجوا بطرين بما أنوا من نعم ومرائين بها الناس، وصادين
إياهم من دين الإسلام الذى بإنباته يصلون إلى السعادة والنجاح.
وعبر عن بطرهم وريائهم بصيغة الاسم الدال على التمكن والثبوت ،
وعن صدهم بصيغة الفعل الدال على النجدد والحدوث، للإشعار بأنهم كانوا
مجبولين على البطر والمفاخرة والرياء، وأن هذه الصفات دأبهم وديد نهم،
أما الصد عن سبيل الله فلم يحصل منهم إلا بعد أن دعا الرسول - ص -
الناس إلى الإسلام.
وقوله: ((والله بما يعملون محيط، تذييل قصد به التحذير من الاتصاف
بهذه الصفات الذميمة، لأنه- سبحانه - محيط بكل صغيرة وكبيرة، وسيجازى
الذين أساؤا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فعلى المؤمنين أن
يخلصوا ه - تعالى - أعمالهم.
وقوله: «وإذ زين لههم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس
وإنى جار لكم .. )) تذكير للمؤمنين بما خدع به الشيطان الكافرين من وعود
كاذبة، وأمانى باطلة .
والمراد بهذا التذكير: حضهم على المداومة على طاعة الله وشكره، حيث
إنه - سبحانه - لم يجعلهم كأولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان.

- ١٥٢ -
الأنفال
تفسير سورة
والمعنى: احذروا - أبها المؤمنون - أن تتشبهوا بأولئك الذين خرجواً"
من ديارهم بطرا ومفاخرة .. واذكروا وقت أن ((زين لهم الشيطان
أعمالهم ، فى معادانكم ، بأن وسوس لهم بأنهم على الحق وأنتم على الباطل،
وحسن لهم ما جبلوا عليه من غرور ومراءاة ، وأوهمهم بأن النصر سيكون
لهم عند لقائكم، بأن قال لهم «لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى ..
جارلكم، أى: لن يغلبكم أحد من الناس، لا محمد - ص - وأصحابه،
ولا غيرهم من قبائل العرب، وإنى مجير ومعين وناصر لكم، إذ المراد.
بالجار هنا: الذى يجير غيره. أى: يؤمنه بما يخاف ويخشى.
قال الألوسى: أى: ألقى فى روعهم وخيل لهم أنهم لا يغلبون ا-كثرة عددهم
وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات - تجعله مجم ألهم،
وحافظا إباهم عن السوء حتى قالوا: اللهم انصر أحدى الفئتين، وأفضل الدينين ..
فالقول مجاز عن الوسوسة . والإسناد فى قوله (( وإنى جار لكم، من
قبيل الإسناد إلى السبب الداعى. و((لكم)) خبر(( لا، أو صفة «غالب»
والخير محذوف، أى: لاغالب كاننا لكم موجود. و((اليوم، معمول
الخير، و((من الناس، حال من ضمير الخير .. )) (١).
وقوله: ((فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برئه منسكم
إنى أرى مالا ترون، إنى أخاف الله، والله شديد العقاب، بيان لمنا فعله
الشيطان وقاله بعد أن رأى ما رأى من قوة لاطافة له بها ...
وقوله («قراءت الفتنان)) أى: تقاربتا بحيث صارت كل فئة قرى الأخرى.
رؤية واضحة ومنهم من جعل ((قراءت)) بمعنى التقت وقوله ((نكص على
عقيبه)، أى: ولى هاربا ورجعا القهقرى. وأبطل كيده وذهب ما مناهم
به من النصرة والعون يقال: نكص عن الأمر نكوما ونكما أى :
أراجع عنه وأحجم . والعقب: مؤخر القدم.
(١) تفسير الآلوسى = ١٠ ص ٠١٥

الجزء
التاسع
- ١٥٣ -
والمعنى : لقد حرض الشيطان جنوده من الكافرين على حربكم
- أيها المؤمنون -، ومناهم بالنصر عليكم ... ولكنه حينماتراءت الفئتان:
فتتكم وفتته، ورأى ما أمدكم الله به الملائكة ، ولى مدرا وقال الكافرين:
« إن بری۔ منكم ، أی: من عهدکم وجوارکم و نصر تکم، «إنی اری »
من الملائكة النازلة لهأييد المؤمنين مالا قرونه أنتم.إلى أخاف الله)،أن يعذبنى
قبل يوم القيامة ، أو إنى أخاف الله أن يصيبنى بمكروه من قبل ملائكته.
وقوله ((واقه شديد العقاب، يحتمل أنه من كلام إبليس الذى حكام
انه - تعالى - عنه، ويحتمل أنه جملة مستأنفة من كلامه، عز وجل.
أى: والله شديد العقاب لمن عصاء وخالف أمره.
هذا ، وهناك قولان فى كيفية تربين الشيطان المشركين :
أحدهما : أن هذا التربين لم يكر حسيا، وإنما كان معنوياً عن طريق
الوسوسة دون أن يتحول الشيطان إلى صورة إنسان.
وعليه يكون قوله ((لا غالب لكم اليوم ... ، مجازا عن الوسوسة.
قوله , فكس على عقبيه، استعارة لبطلان كيده، شبه يطلان كيده بعد
وسوسته بمن رجع القهقرى عما يخافه .
وثانيهما : أن هذا التزيين كان حسيا بمعنى أن الشيطان تمثل لهم فى
صورة إنسان، وقال لهم ما قال ما حكاه الله - تعالى - عنه.
وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين فى تفسير الآية فقال:
وأذكر ((إذزين لهم الشيطان أعمالهم)» التى عملوها فى معاداة رسول الله
- صَ له ــ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع
خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم ، فلما تلافى الفريقان نكص الشيطان
وتبرأ منهم، أى : بطل كيده حين نزلت جنود الله .
وكدا عن الحسن - رحمه الله - قال: كان ذلك على سبيل الوسوسة.
ولم يتمثل لهم.

سورة
- ١٥٤ -
الأنفال
وقيل : لما اجتمعت قريش على السير - لحرب المسلمين فى بدر - ذكرت
الذى بينها وبين كنافة من الحرب، فكاد ذلك يثنيهم عن حرب المسلمين،
فتمثل لهم إبليس فى صورة سراقة بن مالك بن جمعم الشاعر الكنانى
- وكان من أشرافهم - فى جند من الشياطين معه رايه وقال: لاغالب لكم
اليوم وإنى مجير كم من بنى كنانة. فلما رأى الملائكة تنزل ، نكس.
وقيل : كانت يده فى يد الحارث بن هشام، فلما تكم قال له الحارث:
إلى أين؟ أتخذلنا فى هذه الحال؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، ودفع صدر
الحارث وانطلق وانهزموا.
فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال: والله
ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى مريمتكم. فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
وفى الحديث - الذى أخرجه مالك فى الموطأ -: ((وما رى إبليس
يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه فى يوم عرفة، لما يرى من نزول
الرحمة ، إلا مارئی یوم بدر )،(١).
وقد ذكر ابن جرير وابن كثير روايات أخرى تتفق فى جملتها مع
ما ذكره صاحب الكشاف، وإن كانت تختلف عنها فى التفصيل ، ومن
ذلك قول ابن جرير :
((وكان تزيينه ذلك لهم كما حدثنى المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح،
قال: حدثنى معاوية عرعلى بن أبى طلحة عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم
بدر فى جند من الشياطين معه رايته فى صورة رجل من بقى مد لج ، فى صورة.
(١) تفسير الكشاف ج٢ ص٢٢٧ وقوله: ((ولا أدحر، الدحور: الطرد
والإبعاد قال ابن حجر: والحديث أخرجه مالك في الموطأ من رواية طلحة
ابن عبد الله ابن كريز مر سلا، ومن طريق مالك أخرجه عبد الرازق والعابرى
والبيهقى فى الشعب، وانفراد ابو النضر بن إسماعيل بن إبراهيم العجلى من مالك
فقال: عن طلحة عن ابيه: قال ابن عبد البر: الصواب مرسل، حامية
الكفاف ج ٢ ص ٠٢٢٨

الجزء!
- ١٥٥ -
الامع
سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان المشركين : لا غالب لكم اليوم
-مع الناس وإفى جار لكم، فما اصطف الناس، أخذرسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قبضة من التراب، فرمى بها فى وجوه المشركين، فولوا الأدبار.
وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه - وكانت يده فى يد رجل من
المشركين - انتوع إبليس يده فولى مدبراً هو وشيعته .
فقال الرجل: ياسراقة تزعم أنك لنا جار؟ قال: ((إنى أُرى مالا قرون»
- إنى أخاف الله، والله شديد العقاب,وذلك حين رأى الملائكة.
ثم قال: وحدثنا أحمد بن الفرج، قال : حدثنا عبد الملك بن العزيز
: الماجشون، قال: حدثنا مالك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبد
ابن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مارنى
إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحر من يوم عرفة وذلك
مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا رأى يوم بدر. قالوا :
يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال: أما إنه رأى جبريل بزع الملائكة
أى: يرقبهم ويسويهم ويصفيهم للحرب، (١).
وقد سار - ابن جرير وابن كثير - فى تفسيرهما للآية على أن
التربين من الشيطان كان حسيا.
فابن جرير يقول . بعد أن ذكر بضع روايات فى تفسير الآية : فتأويل
وإن الله اسميع عليم فى هذه الأحوال، وحين زين لهم الشيطان خروجهم
إليكم. أيها المؤمنون لحربكم وقتالكم، وحسن ذلك لهم، وحثهم عليكم
اليوم» من بنى آدم، فاطمئنوا وأبشروا وإنى جار لكم من كنافة إن تأتيكم
من ورائكم ... واجعلوا جدهم وبأسكم على محمد وأصحابه ,فلما ترات
(١) تفسير ابن جرير = ١٠ - ١٨، وتفسير ابن كثير حـ ٢ - ٣١٧

تفسير سورة
- ١٥٦ -
الأنفال
الفئتان، يقول: فلما تزاحفت جنوداته من المؤمنين، وجنود الشيطان من.
الكافرين، ونظر بعضهم إلى بعض ((فكص على عقبيه)) أى: رجع القمقريه
على قفاه هارباً ... وقال للمشر كين ((إنى أرى مالا قرون)) يعنى أنه يرى
الملائكة الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين، والمشر كون لابرونهم ... (١).
وابن كثير يقول: وقوله - تعالى - ((وإذزين لهم الشيطان.
أعمالهم ... ، الآية .
أى: حسن لهم - أمنه الله - ماجاء واله، وما هموابه .. وذلك أنه تبدى لهم.
فى صورة سراقة بن مالك بن جمشم سيد بنى مدلج ... ثم قال: فلما رأتنى
إبليس الملائكة ((نكص على عقبيه)) وقال إنى برى. منكم إنى أدى ما لاترون».
وهو فى صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحض أصحا به ويقول لهم: لا بهولنكم
خذلان سراقة إيا كم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه .. .» (٢).
ومن هذا يتضح أن هذين الإمامين الجليلين يسيران فى تفسير هما للآية
الكريمة، على أن التزيين كان حسياً، ويهملان القول بغير ذلك وممن تابعهما
فـ هذا الإمام القرطبى، فقد ذكر بعض الروايات التى وردت فى معنى الآية،
والتى صرحت بأن الشيطان قد تمثل للمشر كين فى صورة إنسان ، وبنى.
تفسيره الآية على ذلك .. (٣).
وقد خالف صاحب المنار هؤلاء الأئمة، فرجح القول الأول و هوأن
التزيين لم يكن حسياً، أى أن ما قاله الشيطان لهم من قبيل الوسوسة ،
وأنه لم يتمثل لهم فى صورة إنسان .
فقد قال - رحمه الله -: قوله: «وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقالم
(١) تفسير ابن جرير = ١٠ ص ٢٠ .
(٢) ((((كثير = ٢ ص ٣١٧، ص ٣١٨
(٢) راجع تفسير القرطبى = ٨ ص ٢٦

التاسع
- ١٥٧ -
الجزء
لا غالب لكم اليوم من الناس ... ، أى: واذكر أيها الرسول للمؤمنين
« إذا زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته، وقال لهم بما ألقاه
فى هواجسهم لا غالب لكم اليوم من الناس.
((فلما تراءت الفئتان فكص على عقبيه)، أى: فلما، قرب كل من الفريقين
من الآخره .. نكس، أى: رجع القهقرى ... والمرادأنه كف عن تزيينه
لهم، وتغريره إياهم، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بماذكر
محال المقبل على الشىء ، وتر کها بحال من بنكس عنه وبوليه دبره. ثم زاد
علی هذا ما يدل براءته منهم ، وتركه إياهم وشأنهم، وهو «وقال إنى برى.
منكم إنى أرى مالا قرون إنى أخاف الله)) أى: تبرأ منهم وخاف عليهم،
وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة .
ثم قال - بعد أن ضعف الروايات التى أوردها ابن جرير وابن كثير -
والمختار عندنا فى تفسير الآية أن الشيطان ألقى فى قلوب المشركين أن أحدا
لن يغلبهم .. (١).
والخلاصة : أننا بمراجعتنا لأقوال المفسرين فى كيفية تزيين الشيطان
المشركين، فراهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :
(أ) قسم منهم ذكر القولين السابقين كيفية التزيين دون أن يرجع
أحدهما على الآخر، وممن فعل ذلك. الزمخشرى، والفخر الرازى والآلومى.
(ب) وقسم منهم سارفى تفسيره على أن التزيين كان حسباً ، بمعنى أن
الشيطان تمثل للمشر كين فى صورة إنسان وقال لهم ما قال وأهمل القول بأن
التربين لم يكن حياً، ومن فعل ذلك ابن جرير، وابن كثير ، والقرطبى
(جـ) وقسم منهم رجمح أن التزيين لم يكنى حسياً ، بل كان عن طريق
(١) واَع تفسير المنار = ١٠ ص ٢١ الشيخ رشيد رضا.

سورة
- ١٥٨ -
الأنفال
الوسوسة، وأن الشيطان ما تمثل للمشر كين فى صورة إنسان، وقد سارفه.
هذا الاتجاه صاحب المنار مشككا فى صحة ما سواه .
والذى تراه بعد هذا العرض لأقوال المفسرين: أن الآية الكريمة صريحة.
فى أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم، وأنه قد قال لهم - ما حكاه القرآن.
عنه -: (( لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم، وأنه حين ترامى
الجمعان أذب فعله قوله، فقد «نكم على عقبيه، وقال المشر كين الذين.
وعدهم ومناهم بالنصر ((إنى برىء منكم إنى أرى مالا قرون إنى أخاف.
الله والله شديد العقاب » .
ومن العسير علينا بعد ذلك أن نحدد تحديداً قاطعاً كيفية هذا التزيين.
والقول والنكوص: أهو حسى أم غير حمى؛ لأن التحديد القاطع لابد
أن يستند إلى نص صريح فى دلالته على المعنى المراد ، وصحيح فى نسبته
إلى رسول الله - { الم} -.
وهذا النص غير موجود، لأن الحديث الذى أخرجه الإمام مالك فى
موطنه - والذى سبق أن ذكرناه - قال عنه ابن كثير وابن حجر إنه حديثه.
مرسل ، وزيادة على ذلك ففى بعض رجاله من هو ضعيف الحدیث کابن.
الماجشون، ولأن الروايات التي رويت فى تمثيل الشيطان بصورة لسراقة
قد جاء معظمها عن ابن عباس، وابن عباس - كما يقول صاحب المنار -
كان سنه يوم بدر خمس سنين. فروايته لأخبارها منقطعة.
إذا فنحن نؤمن بما أثبته القرآن من أن الشيطان قد زين المشركين.
أعمالهم ، وأنه قد قال لهم ما قاله - ما حكاه القرآن عنه - ، وأنه قد
فكص على عقبيه .. إلا أننا نستطيح أن تحدد كيفية ذلك.
ويعجبنى فى هذا المقام قول بعض الكاتبين عندتفسيره لهذه الآية: « وفي.
هذا الحادث نص قرآني بأست منه أن الشيطان زين المشركين أعمالهم، وشجعهم.

التاسع
- ١٥٩ -
الجزء
على الخروج ... وأنه بعد ذلك ((نكص على عقبيه ... )) فخذلهم.
وتركهم بلاقون مصيرهم وحدهم .
ولكننا لا نعلم الكيفية التى زين لهم بها أعمالهم والتى قال لهم بها:
فلا غالب لكم اليوم من الناس ... والتى نكص بها كذلك.
الكيفية فقط هى التى لا تجزم بها . ذلك أن أمر الشيطان كله غيب .
ولا سبيل لنا إلى الجزم بشىء من أمره إلا بنص قرآنى أو حديث نبوى
صحيح، والنص هنا لا يذكر الكيفية إنما يثبت الحادث.
فإلى هنا ينتهى اجتهادنا، ولا يميل إلى المنهج الذى تتخذه مدرسة الشيخ
محمد عبده فى التغير من محاولة تأويل كل أمر غيبى من هذا القبيل تأويلا
معيناً يتفى الحركة الحسية عن هذه العوالم ، وذلك كقول الشيخ رشيد رضا
فى تفسير الآية .
(( وإذ زين" لهم الشيطان أعمالهم ... ، أى واذكر أيها الرسول
المؤمنين إذ زين الشيطان الهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته ، وقال لهم.
ما ألقاه فى هواجسهم: لا غالب لكم اليوم من الناس ... الخ ماذكره
الشيخ رشيد فى تفسير الآية (١).
هذا، وقوله - تعالى - بعد ذلك: ((إذ يقول المنافقون والذين فى
قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم .. ، بيان لصنفين آخرين من أعداء المسلمين
بعد بيان العدو الرئيسى وهم المشركون الذين خرجوا بطرا ورثاء الناس
لمحاربة الإسلام وقد شجعه الشيطان على ذلك .
قال الفخر الرازى: أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج -
كانوا يظهرون الإسلام ويخفون الكفر ولم يخرج منهم أحد إلى بدو سوى
(١) راجع تفسير ((فى ظلال القرآن)) -١٠ ص ٣٠ - الاستاذ سيد
قطب - وقد نقلنا قبل ذلك جانبا من كلام صاحب المنار .

سورة
- ١٦٠ -
الأنفال
عبد الله بن أبى - وأما الذين فى قلوبهم مرض فهم قوم من قريش الأسلمو
ولم يها جروا.
%
ثم إن قريشا لما خرجوا لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ا!
أولئك: نخرج مع قومنا فإن كان محمد فی کثرة خرجنا إليه ، وان كان ز
قلة أقنا فى قومنا ..
وعامل الاعراب فى (( إذ، فيه رجهان: الأول: التقدير، وافقه شديد
العقاب إذ يقول المنافقون ...
والثانى: أذكروا إذ يقول المنافقون .. (١).
وقوله: ((غر، أى: خدع، من الغرور وهو كل ما يغر الإنسان من
مال وجاه وشهوة وشيطان .
أى: اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن قال المنافقون والذين فى
قلوبهم مرض : غر هؤلاء المؤمنين دينهم أى: خدعهم، لأنكم أقدمتم على
قتال قوم يفرقونكم عدة وعددا ، وهذا القتال - فى زعمهم- لون من إلقاء
النفس إلى التهلكة، لأنهم قوم لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب
الهزيمة، فهم لخراب بواطنهم من العقيدة السليمة، لا يعرفون أثرها فى الإقدام
من أجل نصرة الحق ولا يقدرون ما عليه أممابها من سلة طيبة بالله -
عز وجل - الذى يبدء النصر والهزيمة ...
وما داءوا قد فقدوا تلك المعرفة، وهذا التقدير، فلا تستبعدوا منهم
- أيها المؤمنون - أن يقولوا هذا القول عنكم، فذلك مبلغهم من العلم، وتلك
موازينهم فى قياس الأمور ...
والحق، إن الإنسان عندما يتدبر ما قاله المنافقون والدين فى قلوبهم مرض
(١) تفسير الفخر الرازى = ٢٥ ص ٠١٧٦