Indexed OCR Text
Pages 121-140
الجزء - ١٢١ - التاسع كما تقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء. يريد من كان السخاء عيبه فلا عیب له »(١) . وقوله: «فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وعيد لهم على كفرهم. وجحودهم ، واستهزائهم بشمائر اله . أى: فذوقوا - أيها الضالون - العذاب الشديد بسبب كفركم وعنادكم واستهزائكم بالحق الذى جاءكم به محمد - رَ التّم - من عند الله. ثم حكى -سبحانه - ما كانوا يفعلونه من إنفاق أموالهم لافى الخير ولكن فى الشرور والآثام وقوعدهم على ذلك بسوء المصير فقال - تعالى -: ((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون .... روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآبة روايات منها ماذكره محمد بن إسحاق عن الزهرى وغيره قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلهم . -أى جيشهم المهزوم ـ إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره،مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة أبن أبي جهل ، وصفوان بن أمية، فى رجال من قريش أصيبآباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم فى بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كافت له فى تلك الغير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش أن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه ، أهلنا أن ندرك منه ثأراً من أصيب منا . ففعلوا. قال: ففيهم - كما ذكر عن ابن عباس - أنزل الله - تعالى-((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ... ) الآية (١). وردی این جریر ین سعید ین جبیر قال :نزلت فی أیسفيانبنحرب، استأجر يوم غزوة أحد الفين من الأحابيش من بنى كنافة، فقاقل بهم النبى - صلى الله عليه وسلم - (٢) : (١) تفسير الفخر الرازى = ٥-٠١٦ (٢) تفسير ابن كثير = ٢ - ٠٢٠٧ تفسير سورة - ١٢٢ - الأطفال وروى عن الكلبى والضحاك ومقائل أنها نزلت فى المطعمين يوم بدر. .وكانوا اثنى عشر رجلا من قريش ... كان كل واحد منهم بطعم الناس كل. يوم «شبر جزر (١). قال ابن كثير: وعلى كل تقدير فهى عامة وإن كان سبب نزولطاخاصا. أى : أن الآية الكريمة تتناول بوعيدها كل من يبذل أموالهفى الصدعن سبيل الله، وفى تأييد الباطل ومعارضة الحق. والمعنى:((إن الذين كفروا بالحق لما جاءهم ((ينفقون أموالهم، لا فى وجوه الخير، وإنما ينفقونها ,ليصدوا عن سبيل الله)، أى: ينفقونها لمنعرا الناس .من الدخول فى الذين الذى يوصلهم إلى رضا الله ،وإلى طريقه القويم. واللام فى قوله: ((ليصدوا، لام الصيرورة. ويصح أن تكوناعطيل؛ لأن غرضهم منع الناس عن الدخول فى دين الله الذى جاء به الشبنى - ص -، والذى يرونه ديناً مخالفاً لما كان عليه الآباء والأحداد فیحب محاربته فى زعمهم . وقوله: (( فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ... » بيان لما سيؤول إليه أمرهم فى الدنيا من الخيبة والهزيمة والندامة. أى: فسينفقون هذه الأموال فى الشرور والعدوان ، ثم تكون اقبة ذاك حسرة وندامة عليهم، لأنهم لميصلوا - وأن يصلوا- من وراء إنفاقها إلى ما يبغون ويؤملون. وفضلا عن كل هذا فستكون نها يتهم الجريمة والإذلال فى الدنيا، لأن سنة الله قد اقتهت أن يجعل النصر فى النهاية لأتباع الحق لا لأتباع الباطل. وقوله: (( فسينفقونها، خبر إن فى قوله (( إن الذين كفروا ... )، واقون (١) تفسير ابن جزير ٠ ٩ صـ ٠٢٤٥ (٢) تفسير الآلوسى = ٩ - ٠٢٠٤ التاء - ١٢٣ - البرء تخبر بالفاء لتضمى المبتدأ الموصول مع صلته معنى الشرط، فصار الخبر بمنوا الجراء بحسب المعنى وفى تكرير الإنفاق فى شبه الشرط والجزاء، إشعار بكما! دو« إنفائهم، حيث أنهم لم ينفقوا أموالهم فى خير أو ما يشبه الخير، ومن أنفقوها فى الشرور المحضة .. وجاء العطف بحرف، ثم الدلالة على البوا الشاسع بين ما قصدوه من نفقتهم وبين ما آل ويتول إليه أمرهم ، فهم ة قصدوا بنفقتهم الوقوف فى وجه الحق والانتصار على المؤمنين ... ولكـ هذا القصد ذهب أدراج الرياح، فقد ذهبت أموالهم سدى ((وغليوا المرة به المرة، وعاد المؤمنون إلى مكه فاتحين ظافرين بعد أن خرجوا منهامها جرير .. وقوله: ((والذين كفروا إلى جهنم بحشرون)) بيان لسوء مصيرهما الآخرة ، بعد بيان حرتهم وهزيمتهم فى الدنيا. أى: أن هؤلاء الكافرين ستكون عاقبة إنفاقهم أموالهم الحسم و الهزيمة فى الدنيا، أما فى الآخرة فسيكون مصيرهم الحشر والسوق إ فار عجهنم لا إلى غيرها. وقوله : . ليميز الله الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعض خيركه جميعاً فيجعله فى جنهم .... بيان حكمته - سبحانه - فى هز: الكافرين وحشرهم إلى جهنم ... وقوله: «فيركمه، أى: فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض. يقال: ركم الثى يركمه، إذاجمعه وألق بعده على بعضه. وارتكم الشىء وتراكم أى: اجتمع والمعنى: أنه - سبحانه - فعل ما فعل من خذلان الكافرين وحشرهم! مهم، ومن تأييد المؤمنين وفوزهم برضوانه، ليتميز الفريق الخبيث و. فريق الكافرين، من الفريق الطيب وهو فريق المؤمنين ، فإذا ما تما يروا جـ - سبحانه - الفريق الخبيث منهما بعضه على بعض، فيلقى به فى جم جزاء خبثه وكفره .، سورة - ١٢٤ - الإنفال واللام فى قوله (( ليميز، متعلقة بقوله (، يغلبون، أو بقوله ((يحشرون) ويجوز أن يكون المراد بالخبيث ما أنفقه الكافرون من أموال الصد عن. بيل الله، وبالطيب ما أنفقه المؤمنون من أموال لإعلاء كلمة الله. وعليه تكون اللام فىقوله ((ليميز) متعلقة بقوله: «ثم تكون عليهم حسرة». ،: أنه - سبحانه - يميز هذه الأموال بعضها من بعض، ثم يضم الأموال التبيئة بعضها إلى بعض، فيلقى بها وبأصحابها فى جهنم. والتعبير بقوله - سبحانه - ((فيركمه جميعاً، تعبير مؤثر بليغ، لأنه .ور الفريق الخبيث كأنه اشدة تزاحمه وانضمام بعضه إلى بعض شىء متراكم. مل، يقفف به فى النار بدون اهتمام أو اعتبار. واسم الإشارة فى قوله: ((أوتك هم الخاسرون» يعود إلى هذا بريق الخبيث. أى : أولئك الكافرون الذين أنفقوا أموالهم فى الصدعن. بيل الله هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم . وبعد كل هذا التهديدو الوعيد للكافرين ... يوجه - سبحانه - خطابه. ، نبيه - صلى الله عليه وسلم - يأمره فيه أن يبلغهم حكم الله إذا ما انتهوا عن فرهم، كما يأمر المؤمنين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هى العليا، نول - سبحانه -: ((قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفرطم ما قد سلف، أن يعودوا فقد مضت سنة الأولين. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة بكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير. وإن قولوا علموا أن الله مولا كم نعم المولى ونعم النصير)). أی: ((قل، يا محمد لهؤلاء الذين كفروا بالحق ما چامهم، من أهل مكة غيرهم، قال لهم: ((إن ينتهوا)) عن كفرهم وعداوتهم المؤمنين ((يغفر لهم. قب سلف، من كفرهم ومعاصيهم ((وإن يعودوا، إلى ققائك ويستمررا ضلالهم وكفرهم وطغيانهم، انتقمنا منهم، ونصرنا المؤمنين عليهم، فقد ثمت سنة الأولين، على ذلك. - ١٢٥ - الجزء التاسع أى: فقد مضت سنة الله - تعالى - فى الأولين، وسنته لا تتخلف فى أنه -سبحانه - يعذب المكذبين بعدإنذارهم وتبليغهم دهوته، وينصر عباده المؤمنين وينجيهم ويمكن لهم فى الأرض. وقد رأى هؤلاء المشركون كيف كانت عاقبة أمرهم فى بدر، وكيف أملك - سبحانه - الكافرين من الأمم قبلهم. وجواب الشرط لقوله ((وإن يعودوا، محذوف والتقدير: وإن يعودو -فلتقم منهم . وقوله ((فقد مضت سنة الأولين)) تعليل للجواب المحذوف. قال الألوسى: قوله فقد مضت سنة الأولين، أى عادة الله الجارية فى الذيز تحزبوا على الأنبياء من نصر المؤمنين عليهم وخذلاتهم وتدميرهم. وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة. ونظير ذلك قوله - سبحانه-((سنا من قد أرسلنا)، فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنهاسنته لقوله - سبحانه - ((ولا تجد لسنتنا تبديلا)) باعتبار جريانها على أيديهم. ويدخل فى الأولهو الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر . والآية حث على الإيمان وترغيب فيه .. واستدل بها على أن الإسلام يجب ماقبله، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء مافاته من صلاةأو ز كا أو صوم أو إتلاف مال أو نفس . وأجرى المالكية ذلك كله فى المريد إذاتاب لعموم الآية ... )، (١). وقوله . وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ه ... ، أم من لقه - تعالى - للمؤمنين بقعال الكافرين إذا ما استمروا فى كفرهم وطغيانهم . والمعنى: عليكم -أيها المؤمنون- إذا ما استمر أولئك الكافرون فى كفره. وعدوانهم، أن تقاتلوهم بشدة وغلظة، وأن تستمروا فى قتالهم حتى لزوا (١) تفسير الآلومى ج ١ ص ٢٠٦. تفسير سورة - ١٢٦ - الأنفال سولة الشرك، وحتى تعيشوا أحراراً فىمباشرة تعاليم دينهم ،دون أنحرق. حد على محاولة فتنتكم فى عقيدتكم أو عبادتكم ... وحتى تصير كلمة الذین .. فروا هى السفلى . قال الجمل: وقوله: ((وقاتلوهم ... معطوف على قوله ((قل الذين كفروا». لكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبی وحدهجاء الإفراد . ولما كان الغرض من الثانى تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع خرطبوا جميعاً ، (١). وقوله («فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير، أى: فإن انتهوا عن كفرهم من معادائكم، فكفوا أيديكم عنهم، فإن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وسيجازيهم عليه بما يستحقون من ثواب أو عقاب. وقوله ((وإن قولوا فأعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير. عمارة منه - سبحانه - المؤمنين بالنصر والتأييد. أى: وإن أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا من الكفر والطغيان «فاعلموا ن الله مولاكم، أى: ناصر كم ومعينكم عليهم، فثقوا بولايته ونصرته». هو - سبحانه - (( نعم المولى ونعم القصير)، لأنه لا يضيع من قولا.، .لا يهزم من نصره . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت الباب الكافرين حتى ... فيئوا إلى رشدهم، وينتهوا عن كفرهم، وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك غفر لقه لهم ماسلف من ذنوبهم ، .. أما إذا استمروا فی کفرهم ومعاداتهم الحق ، قد أمر الله عباده المؤمنين بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلهته .. أى أن القتال فى الإسلام شرحه اله - تعالى - من أجل إعلاء كلمته. . من أجل رفع الأذى والفتنة والعدوان ممن يعتنقون دينه وشريعته .. (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٠٢٤٤ الجر. - ١٣٧ - التاسع هذا، وقد ساق ابن كثير عند تفسيره الآيات جملة من الأحاديث التى. تشهد بأن القتال فى الإسلام إنما شرعه الله - تعالى - لإعلاء كلمته، وليس لأجل الغنيمة أو السيطرة على الغير ... وأنه لا يجوز لمسلم أن يقتل إنسانا بعد نطقة بالشهادتين. فقال - رحمه الله -: ((وقوله - تعالى -,وقالوم حتى لا تكون فتنة ... » : روى البخارى عن ابن عمر أن رجلا جاءه - فى فتنة ابن الزبير - فقال له يا أبا عبد الرحمن، ألا تصنع ماذكره الله فى كتابه ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ... ، الآية (١). فما يمنعك من القتال؟ فقال يا ابن أخى لأن أعبر هذه الآية ولا أقاتل، «أحب إلى من أن أمير بالآية التى تقول: «ومن بقتل. مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ... ، الآية (٢) . فقال الرجل: فإن الله يقول: ((وقاالوهم حتى لا تكون فتنة، فقال ابن حمر: ((قد فعلنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذكان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن فى دينه: إما أن يقتلوه، وإما أن يوثقوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة .... وعن سعيد بنجبير قال : خرجإلینا ابن عمر فقال له قائل: کیفترى. فى قتال الفتنة؟ فقال له ابن عمر وهل قدرى ما الفتنة؟ كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك ، . وفى رواية أنه قال: قد قاتلنا حلى لم تكن فتنة وكان الدين كله ته. وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ، ويكون الدين أمهر اقه .. (١) سورة الحجرات : الآية ٩ (٢) سورة النساء: الآية ٩٣. سورة - ١٢٨ - الأنفال ثم قال ابن كثير: وقوله («فإن انتهوا، أى بقتالكم عمافيه من الكفر فكفوا عنه وإن لم تعدوا بواطنهم «فإن الله بما يعملون بصير» .. وفى الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف ، فقال الرجل لا إله إلا الله فضربه فقتله فذ كر ذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال لأسامة: أفتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فكيف تصنع « بلا إله إلا الله) يوم القيامة؟ فقال: يارسول الله إنما قالها توذا، فقال. هلا شققت عن قلبه؟ وجعل يقول ويكرر عليه من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة، قال أسامة: حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ)) (١). وبعد هذا الحديث المننوع عن مكر الكافرين ((وعن دعاوهم الكاذبة، وعن وجوب مقاتلتهم إذا ما استمروا فىطغيانهم وعدواتهم .. بعد كل ذلك بين - سبحانه - للمؤمنين كيفية قسمة الغنائم التى كثيرا ما تترتب على قتال أعدائهم ، فقال - تعالى -: " أَعْلَمُواْأََّ غَنِمْتُ مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ بِلَّهِ مُسَهُ، وَيَِّّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْبَى وَالْمَسْكِيْنِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَا مَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرَقَنِ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلٍ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٤٦) وقوله: « غنمتم، من الغنم بمعنى الفوز والربح يقال: غنم غمار غنيمة إذا ظفر بالشىء قال القرطبى ما ملخصه: الغنيمة فى اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة يسعى ، ومن ذلك قول الشاعر : (١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٢٠٨ - بتصرف وتلخيص -. الجزء - ١٢٩ - التاسع وقد طوفى فى الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب وأعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله - تعالى -: ((غنمتم من في، مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر .. وسفى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال بإسمين: غنيمة وفيتا . فالشىء الذى يناله المسلمون من عدوهم بالسعى وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة. ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفاً . والفيء مأخوذ من فاء يفىء إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إبهاف. كخراج الأرضين، وجزية الجماجم .. (١). والمعنى الإجمالى الآية الكريمة:( واعلموا، - أيها المسلمون أن ماغنمتم من شىء)، أى: ما أخذ تموه من الكفار قهراً (( فإن الله)) الذى منه- سبحانه- النصر المتفرع عليه الغنيمة ((خمسه، أى خمس ما غنمتوه شكرا له على هذه النعمة ((والرسول، الذى هو سبب فى هدايتكم(ولذى القربى، أى: ولأصحاب القرابة من رسول الله - ص - والمراد بهم على الراجح بنو هاشم وبنو المطلب . , واليتامى، وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا. ((والمساكين)) وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. («وابن السبيل، وهو المسافر الذى نفد ماله وهو فى الطريق قبل أن يصل إلى بلده . وقوله «أعلموا، معطوف على قوله قبل ذلك, وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة .. الخ)، و«ما، فى قوله: «أن ماغنمتم، موصولة والعائد محذوف. (١) تفسير القرطبى ٣ ٨ ١٠٥. طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٩٦١م. (م ٩ - سورة الأنفال) الأنفال . . - ١٣٠ - تفهم -ورة وقوله ((من شىء)) بيان للموصول محله النصب على أنه حال من العائد المقدر. أى: أن ما غنمتموه من شىء سواء أكان هذا الشى. قليلا أم كثيراً" ، فأن لله خمسه ،. وقوله ((فإن لله خمسة، خبر مبتدأ محذوف والتقدير: فكمه أن لله خمسه والجار والمجرور خبر ((أن) مقدم، وخمسة اسمها مؤخر. والتقدير: فإن خمسه كائن لله وللرسول ولذى القربى .. إلخ . :٠ وأعبدت اللام فى قوله ((ولذى القربى، دون غيرهم من الأصناف التالية .. دفع توهم اشتراكهم فى سهم النبى - ص - لمزيد اتصالهم به. وقوله ((إن كنتم آمنتم بالله ... شرط جزاؤه محذوف. أى: إن كنتم آمنثم بالله حق الإيمان، وآمنتم « بما نزلنا على عبدنا)). حمد ص (( يوم الفرقان)) أى يوم بدر «يوم التقى الجمعان، أى: جميع المؤمنين وجمع الكافرين ... إن كنتم آمنتم بكل ذلك، فاعملوا .ا علمتم، وارضوا بهذه القسمة عن إذعان وتسليم وحسن قبول. وما أنزله الله على نبيه. ص. يوم بدر. بتناول ما نزل من آيات. آنية، كما يتناول نزول الملائكة لتثبيت المؤمنين، وتبشيرهم بالنصر ايتناول غير ذلك ما أيدهم الله به فى بدر . وسمى يوم بدر بيوم الفرقان، لأنه اليوم الذى فرق اله فيه بين الحق الباطل وقوله ((والله على كل شىء قدير، تيذيل قصد به بيان أن ما أصابه ؤمنون يوم بدر من غنيمة ونصر إنما هو بقدرة الله التى لا يعجزها شىء، مايهم أن يداوموا على طاعته وشكره ايزيدهم من عطائه وفضله . هذا، وقد ذكر العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل الأحكام من أهمها ما يأتى : ١ - أن هذه الآية وضحت أن غنائم الحرب خخمس، فيجعل الخمس الأول نها قه وللرسول واذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. والأربعة الجزء - ١٣١ - التاسع الأخماس الباقية بينت السنة أنها تقسم على الجيش: الراجل -هم، والفارس ثلاثة أسهم أو سهمان . قال ابن كثير: ويؤ يد هذا مارواه البيهقي بإسناد صحيح عن عبدالله بنشقيق عن رجل قال: أتيت الغبى - ◌َّ ـ، وهو بوادى القرى ، وهو معترض فرسا فقلت: يارسول الله، ما تقول فى الغنيمة، فقال: لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش ، قلت : فما أحد أولى به من أحد ، قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم» (١). وقال بعض العلماء: أفادت الآية أن الواجب فى المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله - تعالى-، وقسمة الباقى بين العامين بالعدل، الراجل سهم)، وللفارس ثلاثة أسهم، منهم له وسهمان افرسه. مكذا قسم النبى - ◌ّ - الغنائم عام خيبر. . ومن الفقهاء من يقول: الفارس سهمان. والأول هو الذى دلت عليه النسنة الصحيحة ، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤته نفسه وسائسه، ومنفعة الفارس به أكثر من منفعة رجلين . ويجب قسمتها بينهم بالعدل، فلايحابى أحد، لالرياسته ولا لنسبه ولا لفضه وفى صحيح البخارى أن سعد بن أبى وقاص رأى أن له فضلا على من دونه، فقال النبى - زل - ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائ كم))؟(٢). ذهب جمهور العلماء إلى أن المقصود بالإيتاء بلفظ الجلالة فى قوله (( فأن لله خمسه)): التبرك والتعظيم والحض على إخلاص النية عند القسمة، وعلى الامتثال والطاعة له - سبحانه - . وليس المقصود أن يقسم الخمس على ستة منها الله - تعالى - ، فإنه -سبحانه - له الدنيا والآخرة، وله ما فى السموات وما في الأرض وما بينها. (١) تفسير ابن كثير =٢ - ٠٢١١ (٢) تفسير القانى = ٨ -٢٩٩٧ تفسير سورة - ١٢٢ - الأنفال وعليه يكون خمس الغنيمة مقسها على خمسة أقسام: الرسول، ولاى القربى واليتامى، والمساكين ، وابن السبيل . ويرى أبو العالية والربيع والقاسم أن هذا الخص يقسم إلى ستة أقسام، عملا بظاهر الآية، وأن سهم الله - تعالى - بصرف فى وجوه الخير، أو يؤخذ الكعبة . وقد رجح ابن جرير رأى الجمهور فقال: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب من قال: قوله (( فإن لله خمسه، افتتاح كلام، وذلك لإجماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم. ولو كان له فيه سهم - كما قال أبو العالية - لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل العلم فى قسمه على خمسه فما دونها. فأما على أكثر من ذلك فلا نعلم قائلا قاله غير الذى ذكرنا من الخبر عن أبى العالبه. وفى إجماع من ذكرت الدلالة الواضحة على ما اختزنا، (١). وسهم النبى - - الذى جعله الله - تعالى - له فى قوله، والرسول)) كان مفوضا إليه فى حياته، يتصرف فيه كما شاء ، ويضعه حيث يشاء . روى الإمام أحمد أن أبا الدردا . قال لعبادة بن الصامت: يا عبادة، ما كلمات دول - صَّ اتٍ - فى غزوة كذا وكذا فى شأن الأخماس؟ فقال عبادة: إن رسول الله - صَلّ - صلى بهم فى غروهم إلى بعير من المقسم. فلما سلم قام رسول الله - ص - فتناول وبرة بين أغلتين فقال: إن هذه من غنائمكم، وأنه ليس لى فيها إلا نصيبى معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والخير وأكبر من ذلك وأصفر، ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه فى الدنيا والآخرة، وجاهدوالناس فى اته تبارك وتعالى، القريب والبعيد، ولا قبالوا فى الله لومة لائم، وأقيموا الحدود تفسير ابن جرير ١١٠ ٥ ٤، الجزء - ١٣٣ - التاسع فى الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. ينحى اله به من الغم والهم، قال ابن كثير: هذا حديث حسن عظيم. وروى أبو داود والنسائى عن عمرو بن عبسة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: ولا يحل لى من غنا تمكممثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود عليكم (١) هذا بالنسبة لسهمه - ملح - فى حياته، أما بعد وفاته، فنهم من يرى : أن سهمه - ◌َ﴾ - يكون لمن بلى الأمر من بعده. روى هذا عن أبى بكر وعلى وقتادة وجماعة .. ، ومنهم من يرى أن سهمه - صلى الله عليه وسلم - يصرف فى مصالح المسلمين . روى ابن جرير عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان أبو بكر وعمر مجملان سهم النبى - ص - فى الـكراع والسلاح. ومنهم من يرى صرفه لبقية الأصناف: ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال: والصواب من القول فى ذلك عندنا : أن سهم رسول الله مردود فى الخمس، والخمس مقسوم على أربعة أسهم على ماروى عن ابن عباس: للقرابة سهم، واليتامى سهم، والمساكين سهم، ولا بز السبيل سهم ؛ لأذات -تعالى- أوجب الخمس لأقوامموصوفين. بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين. وقد أجمعوا أن حق الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس أن يستحقه فيرم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم ..... ٤ - المراد بذى القربى - كما سبق أن أشرنا -: بنو هاشم وبنو المطلب على الراجج. وعليه فإن السهم المخصص لذى القربى لا يصرف إلا لهم . (١) تفسير ابن جرير ٠ ١٠ ٥ ٠٨ تفسير سورة - ١٢٤ - الأنفال قال القرطى ما ملخصه: اختلف العلماءفي ذوى القربى على ثلاثة أقوال: أولها: أن المراد بهم قريش كلها: قال بعض السلف، لأن النبى - - لما صعد الصفا جعل يهتف يا بنى فلان يابنى عبد مناف ... أنقذوا أنفسكم من النار . ثانيا: أن المراد بهم بنو هاشم وبنو المطلب. قاله الشافعى وأحمد وأبو ثور ومجاهد ... لأن النبى - 5﴾ - لما قم سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب قال: «إنهم لم يفارقونى فى جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد، وهبك بين أصابعه. أخرجه البخارى والنسائ ... ثالثها: أن المراد بهم بنو هاشم خاصة. قاله مجاهد وعلى بن الحسين. وهو قول مالك والثورى والأوزاعى وغيرهم (١). وقال الآلوسي: وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهدرسول أنه - من - على خمسة أسهم سهم له - صلى الله عليه وسلم -، وسهم المذكورين من ذوى القربى، وثلاثة أسهم للاصناف الثلاثة الباقية. وأما بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فسقط سهمه .. وكذا سقط سهم ذوى القربى، وإنما يعطون بالفقر، ويقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم» ولا حق لأغنيائهم، لأن الخلفاء الأربعة قسموا الخمس كذلك وكفى بهم قدوة . . . ثم قال: ومذهب المالكية أن الخمس لا يلزم تخميسه، وأنه مفوض إلى رأى الإمام . - أى أنهم يرون أن خمس الفقيمة يجعل فى بيت المال فينفق منه على من ذكر وعلى غيرهم بحسب ما يراه الإمام من مصلحة المسلمين، وكانهم يرون (١) تفسير القرطبى ٠١٢٥٨٥ -١٨= الجزء التاسع : أن هذه الأصناف إنما ذكرت على سبيل المثال، وأنها من باب الخاص الذى قصد به العام، بينما يرى غيرم أن هذه الأصناف من باب الخاص الذى قصد به الخاسر ... ثم قال: ومذهب الإمامية أنه ينقسم إلى ستة أسهم كماذهب أبو العالية، إلا أنهم قالوا: إن سهم الله - تعالى -، وسهم رسوله - شَد - وسهم ذوى الغربى المكل للإمام القائم مقام الرسول - صوتيه - أما الأسهم الثلاثة الباقية فهم اليتامى من آل محمد - 25 -، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، لا يشركهم فى ذلك غيرم . رووا ذلك عن زين العابدين، ومحمد بن على الباقر ... ثم قال: والظاهر أن الأسهم الثلاثة الأول التى ذكروها اليوم تخبأ فى ٢ السرداب، إذ القائم مقام الرسول - عن الله - قد غاب عندم فتخبا له . حتى يرجع من غيبته .. )) (١). هذا ، ومن كل ما سبق نرى أن أكثر العلماء يرون أن خمس الغنيمة بقسم إلى خمسة أقسام، ومنهم من يرى أنه يقسم إلى ستة أقسام، ومنهم من يرى أنه لا يلزم تقسيمه إلى خمسة أقسام أو إلى ستة، وإنما هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده ... ومنهم من يرى غير ذلك، ولكل فريق أدلته المبسوطة فی کتب الفروع ، ٥ - ذكر نا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى مطلع السورة, يسألونك عن الأنفال .... أن المراد بالألفال: الغنائم وعليه تكون الآبة التى معنا وهى قوله «واعلوا أنما غنمتم ... ، مفصلة لما أجملته الآية التى فى مطلع السورة . أى أن الآية التى فى مطلع السورة بينت أن الأمر فى قسمة الأنفال مفوض (١) تفسير الآلومى - بتصرف وتلخيص ج ١٩ ص ٢. تفسير سورة .. ٧٠ لى الله ورسوله، ثم جاءت الآية التى معنا ففصلت كيفية قسمة الغنائم حتىس. • يتطلع أحد إلى ما ليس من حقه . وهذا أولى من قول بعضهم: إن الآية التى معنا نسخت الآية التى فى مطلع. سورة ؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند التعارض وهنا لا تعارض. ن الآيتين . ٦ - الآية الكريمة أرشدت المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن. لصوا فى طاعتهم ته - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم-، وأن يجعلوا. تهم من جهادهم إعلاء كلمة الله، لكى يكونوا مؤمنين حقا. ويشعر بهذا الإرشاد تصديره - سبحانه - الآية بقوله: ((واعلموا أنما تم من كل شىء فإن لله خمسه ... ، كما يشعر به قوله - تعالى -((إن كنتم تم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان .. ))، فإن كل ذلك فيه معنى الحض .. ، إخلاص النية لله - تعالى -، والامتثال لحكمه، والمداومة على شكره، ث منحهم - سبحانه - هذه النعم بفضله وإحسانه، وإلى هذا المعنى أشار حب الكشاف بقوله: فإن قلت: بم تعلق قوله (( إن كنتم آمنتم باته))؛ بمحذوف يدل عليه قوله ((واعلموا أنما غنمتم .. ، والمعنى: إن كنتم م بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه عكم واقتنعوا بالأخماس الأربعة. وليس المراد بالعلم المجرد، ولكنه المضمن بالعمل، والطاعة لأمر الله - تعالى -، لأن العلم المجر ديستوى فيه . ن والكافر ، (١). هذه بعض المسائل والأحكام التى استنبطناها من الآية الكريمة ، وهناك . ، وأحكام أخرى تتعلق بها ذكرها بعض المفسرين فأرجع إليها. نت (٢) . ١) تفسير الكفاف ج ٢ ص ٠٢٢٢ ٢) راجع تفسير القرطبى ج ٨ من ص ١ إلى صى ٠٢٠ : التاسع - ١٣٧ - الجزء ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر فضله وحكمه فى غزوة بدر، فبين. الأماكن التى نزل فيها كل فريق، كما بين الحكمة فى لقاء المؤمنين والكافرين على غير ميعاد، والحكمة فى تقليل كل فريق منها فى عين الآخر ... فقال - تعالى -: إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىُّ وَالرّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدَّمْ لَأَ خْتَلَفُمْ فِ اَلْمِعَِدِ . لا وَلَكِنْ لِيَفْضِىَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّئَةٍ وَيَحْيَ مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَّةٍ وَ إِنَّ الَّلَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤) إِذْ يُرِيِكَهُمُ اللهُ فِ مَنَامِكَ قَلِلًّاً وَلَوْأَرَ نَّكُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَعْتُمْ فِ الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَلَّمَ إِنَّهُ عَلِمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ (﴾ وَإِذْ يُرِيُكُمُوهُمْ إِذٍ الْتَقَيْتُمْ فِ أَعْيُكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِى أَعْنِمْ لِيَقْضِىَ الله أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًاٌ وَ إِلَى اللَهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ قوله: ((إذ أنتم بالعدوة الدنيا ... ) بدل منقوله , يوم الفرقان. أو معمول لفعل محذوف ، والتقدير: أذ كروا. والعدوة - مثلثة العين - جانب الوادى وحافته، وهى من العدو بمعنى التجاوز . سميت بذلك لأنها عدت - أى منعت - مافى الوادى مزماء ونحوه. أن يتجاوزها. والدنيا: تأفيه الأدنى بمعنى الأقرب. والقصوى: تأنيث الأقصى بمعنى الأبعد. والركب : اسم جمع لراكب. وهم العشرة فصاعداً من راكبى الإبل ... تفسير سورة - ١٣٨ - الأنفال كال القرطبى: ولا تقول العرب: وكلب إلا للجماعة الرا كبى الإبل .. والمراد بهذا الر كب: أبو سفيان ومن معه من رجال قريش الذینکانراً . قادمين بتجارتهم من بلاد الشام ومتجهين بها إلى مكة، فلما بلغ الشبى. - ص - أمرها، أشار على أصحابه بالخروج لملافاتها، كما سبق أن بيناعند تفسيرنا لقوله - تعالى - ((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ... » والمعنى: اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن خرجتم إلى بدر، فسر ثم إلى أن كنتم (( بالعدوة الدنيا، أى: بجانب الوادى وحافته الأقرب إلى المدينة، وكان أعداؤكم الذين قدموا لنجدة العير (( بالعدوى القصوى ، أی: بالجانب الآخر الأبعد من المدينة، وكان أبو سفيان ومن معه من حراس الغير (( أسفل منكم، أى: فى مكان أسفل من المكان الذى أنتم فيه، بالقرب من ساحل البحر الأحمر ، على بعد ثلاثة أميال منكم . قال الجمل: قوله (( والركب أسفل منكم، الآحسن فى هذه الواو، والواو التى قبلها الداخلة على «هم، أن تكون عاطفة مابعدها على (( أنتم )، لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوم ويجوز أن يكونا واو حال ، وأسفل منصوب على الظرف النائب عن الخبر، وهو فى الحقيقة صفة لظرف مكان محذوف. أى: والركب فى مكان أسفل من مكانكم وكان الركب على ثلاثة أميال من بدر ٢٠٠٠ (١)* وقال الإمام الزعخشرى - رحمه الله - فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت،. وذكر مراكزِ الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم ؟ قلت : الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة العمان للعدو، وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسدين، والتيات أمرهم، وأن فلبتهم فى مثل هذه الحالى ليست إلا صنعاً من اله - سبحانه-، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته. (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ صـ ٠٤٦. الخرة - ١٣٩ - التاسع وذلك أن العدوة القصوى التى أقاخ بها المشركون، كان فيها الملم، وكانت أرضاً لا بأس بها. ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهى خبار - أى أرض ليئة رخوة - أسوخ فيها الأرجل ، ولا يمشى فيها إلا بتطب ومشقة. : وكانت العير وراء ظهور العدو، مع كثرة عددهم، فكانت الحمايةدونها تضاعف حميتهم، وتشحذ فى المقائلة عنها فياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بطعنهم وأموالهم، ليبعنهم الذب عن الحريم على بذل جهدا هم فى القتال ... وفيه تصوير مادير - سبحانه - من أمر غزوة بدر ,ليقضى أمراً كان -مفعولاً، ومن إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ايأخذوا العبر راغبين فى الخروج، وأقلق قريشاً ما بلغهم من تعرض المسلمين لأموالهم ، فنفروا ليمنعوا غيرهم ، وسبب الأساب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الذنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى، ووراءهم الغير بحامون عليها، حتى قامت الحرب على ساق، وكان ما كان)) (١). وقوله: «ولو قواعدتم لا ختلفتم فى الميعاد، ولكن ليقضى الله أمراً كان - مفعولا، بيان لتدبير الله الحكيم، وإرادته النافذة . أى: لوقواعدتم وأهل مكة على موعد تلتقون فيه للفقال، لتخلفتم عن الميعاد المضروب بينكم، لأن كل فريق منكم كان سيتهيب الإقدام على صاحبه ، ولكن الله - تعالى - بتدبيره الخفى شاء أن يجمعكم للقتال على غير ميعاد، ليقضى - سبحانه - أمراً كان مفعولا، أى: ثابتا فى علمه وحكمته، وهو: إعزاز الإسلام وأهله، وخذلان الشرك وحزبه. روی ابن جریر من حدیث کعب بن مالك ۔ رضی اھه عنه - قال:إنما خرج رسول الله - صلى اله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش، تفسير الكفاف -٢ - ٠٢٢٣ الأنفال - ١٤٠ - تفسير سورة حتى جمع اله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. وروى - أيضاً - عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان فى الركب من الشام، وخرج أبو جهل. لمنعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فالتقوا بدر ». ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء برؤلاء، حتى النقى السقاة. قال: ونظر. الناس بعضهم إلى بعض» (١). وقوله «ليهلك من هلك عن بينة ويحمى من حى عن بينة «بدل من قوله ((ليقضى)) بإعادة الحروف، أو هو متعلق بقوله (( مفعولا)). والمراد بالهلاك والحياة هنا ما يشمل الحى والمعنوى منهما. والمراد بالبيئة الحجة الظاهرة الدالة على حقية الإسلام وبطلان الكفر ... قال الآلوسي: أى: نيموت من يموت عن حجة عاينها، ويعيش من بعيش». عن حجة شاهدها ، فلا يبقى محل التعلل بالأعذار ، فإن وقعة بدر من الآيات. الواضحة والحجج الغر المحبة . ويجوز أن يراد بالحياة: الإيمان، وبالموت: الكفر . فى سبيل الاستعارة. أو المجاز المرسل. أن يراد بالبينة: إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة الدافعة . أى: ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح وبينة. وإلى هذا؟ ذهب قتادة وابن إسحاق، والظاهر أن ((عن، هنا بمعنى بعد كقوله - تعالى. عما قليل ليصبحن نادمين ). وقرأ نافع وابن کثیر وأبو بكر ويعقوب ( حى)- على وزن تعب .. فك الإدغام. وقرأ الباقون بإدخام الياء الأولى فى الثانية على وزوشدومد (٢). وقوله ((وإن الله السميع عليم، تذييل قصد به القرغيب فى الإيمان - والترهيب. (١) تفسير ابن جري ج ١٠ ٠١١٥ (٢) تفسير الآلومى = ١٠ ٧٥ - بتصرف وتلخيص -.