Indexed OCR Text

Pages 281-300

- ٢٨١ -
والمعنى: لا يكشف الحجاب عن خفائها ، ولا يظهرها للناس فى الوقت
الذى يختاره إلا الله وحده .
قال بعضهم : والسبب فى إخفاء الساعة عن العباد لكى يكونوا داتما على
حذر، فيكون ذلك أدعى للطاعة وأزجر عن المعصية , فإنه متى علها
المكلف ربما تقاصر عن التوبة وأخرها .
ثم عظم - سبحانه - أمر الساعة فقال ((ثقلت فى السموات والأرض، أى:
كبرت أو شقت على أهلهما لخوفهم من شدائدها وأهوالها وما فيها من محاسبة
ومجازاة ، وعن السدى: أن من خفى عليه علم شىء كان ثقيلا عليه.
أو المعنى: ثقلت عند الوقوع على نفس السموات حتى إنشقت وانتثرت
نجومها وكورت شمسها ، وعلى نفس الأرض حتى سيرت جبالها، وسجرت
بحارها، وقوله: « لاتأتيكم إلا بغتة، أى: لا تأتيكم إلا فجأة وعلى حين غفلة
من غير توقع ولا إنتظار .
وقد وردت أحاديث متعدده تؤيد وقوع الساعة فجأة ، ومنها ما رواه
الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:(( لتقومن
الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن
الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته - أى ناقته ذات اللبن -- فلا يطعمه
ولتقومن الساعة وهو بليط حوضه - أى يطلبه باخص أو الطين - فلا يسقى
فيه . ولتقو من الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فه فلا يطعمها)).
ثم قال - تعالى - :يسألونك كأنك حتى عنها قل إنما علمها عند الله ولمكن
أكثر الناس لا يعلمون ).
أى: يسألونك يا محمد هذا السؤال كأنك حقى عنها أى : كأنك عالم بها.
من حفى عن الشىء اذا بحث عن تعرف حاله بتقبع واستقصاء رمن بحث عن
شىء وسأل عنه استحكم علمه به ، وعدى ((حفى، بعن اعتباراً لأصل معناه،
وهو السؤال والبحث .

- ٢٨٢ -
قال صاحب الكشاف: ( كانك حفى عنها عالم بها. وحقيقته كأنك
بليغ فى السؤال عنها، لأن من بالغ فى المسألة عن الشىء والتفقير عنه .
استحكم علمه فيه ورصن - أى ثبت وممكن -، وهذا التركيب معناه المبالغة
ومنه اخفاء الشارب، واحتفاء البقل، استئصاله، وأحفى فى المسألة اذا ألحف
- اى الح وتشدد - وحفى بقلان وتحقربه: بالغ فى البريه .. وقيل: أن قريشا
قالت له أن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة؟ فقيل: يسألونك عنها كأنك
حفى تتحفى بهم فتختصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة وتزوى علمها عن غيرهم ،
ولو أخبرت بوقتها لمصلحة عرفها الله فى اخبارك به ، لمكنت مبلغه القريب
والبعيد من غير تخصيص ، كسائر ما أوحى اليك .
ثم قال: فإن قلت: لم كرر يسألونك وإنما علمها عند الله ؟ قلت: للتأكيد
ولما جاء به من زيادة قوله «كأنك حفي عنها، وعلى هذا تكرير العلماء
والحذاق ،( ١) .
وقال صاحب الانتصاف : وفى هذا النوع من التكرير فكنة لا تلقى الا
فى الكتاب العزيز، وهو أجل من أن يشارك فيها. وذلك أن المعهود فى أمثال
هذا التكرار أن المكلام اذا بنى على مقصد واعترض فى أثنائه عارض فأريد
الرجوع لتتميم المقصد الأول وقد بعد عهده، طرى بذكر المقصد الأول لتتصل
نهايته ببدايته، وقد تقدم لذلك فى الكتاب العزيز أمثال ، وسيأتى، وهذا منها
فإنه لما ابتدأ الكلام. بقوله «يسألونك عن الساعة أيان مرساها، ثم
اعترض ذكر الجواب المضمن فى قوله (( قل إنما علمها عند ربى، الى قوله
((بغتة، أن يد تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن
فى قوله ((كأنك حفى عنها)) وهو شديد التعليق بالسؤال وقد بعد عهده،
فطرى ذكره تطرية عامة، ولا تراء أبداً يطرى إلا بنوع من الإجمال
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ١٨٥

- ٢٨٣ -٠
كالتذكرة للأول مستغنى عن تفصيله بما تقدم . فمن ثم قيل
((يسألونك، ولم يذكر المسئول عنه وهو« الساعة، اكتفاء بما تقدم ، فلما
كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا فقال: «قل إنما علمها
عند الله، ويلاحظ هذا فى تلخيص الكلام بعد بسطه. (١)،
هذا ، وإذا كان على الساعة مرده إلى الله وحده، فإن هناك نصوصاً من
الكتاب والسنة تحدثت عن أماراتها وعلاماتها، ومن ذلك قوله - تعالى -:
« فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها. فأنى
لهم إذا جاءتهم ذكراهم،.
والأشراط : جمع شرط - بفتح الشين والزاء - وهى العلامات الدالة على
قربها ، وأعظم هذه العلامات بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ بها كمل الدين
وما بعد الكمال إلا الزوال .
وقد ثبت فى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:
(((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ويفرج بين أصبحيه الوسطى والسبابة.
وفى حديث جبريل المشهور أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن
الساعة، فقال له ما المثول عنها بأعلم مر السائل ، وسأخبرك عن أشراطها :
(( إذا ولدت الأمة ربها .. أى سيدها -، وإذا تطاول رعاه الإبل
فى البنيان ،.
ومن علامات الساعة - كما صرحت بذلك الأحاديث - قبض العلم، ففى
الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
((إن الله لا يقبض العلم إنتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض
(١) الانتصاف على الكشاف - ٢ ص ١٨٤ لابن المنير .

- ٢٨٤ -
علماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهلاء فسئلوا فأفتو بغير علم
ضلوا وأضلوا)، ومنها - أى من علامات الساعة - كثرة الزلازل ، وتقارب
زمان - أى فلة البركة فى الوقت بحيث يمر الشهر كأنه أسبوع -، وظهور الفتن
.كثرة الهرج - أى القتل إلى غير ذلك من العلامات التى وردت فى الأحاديث
نبوية، وقد ساق بعض المفسرين وعلى رأسهم ابن كثير جملة منها(١).
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم - أن يبين للناس أن كل
لأمور بيد الله - تعالى -، وأن علم "غيب كله مر حعه إليه - سبحانه - فقال:
(( قل لا أملك لنفسى نفعا ولاضراً، أى: لا أملك لأجل نفسى جلب نفع
ا ولا دفع ضرر ما.
وقوله ( لنفسى، متعلق بأملك. أو بمحذوف وقع حالا من ((نفعا))
المراد : لا أملك ذلك فى وقت من الأوقات .
وقوله ((إلا ما شاء الله)) إستثناء متصل. أى لا أملك لنفسى نفعا
لا ضراً فى وقت من الأوقات إلا فى وقت مشيئة الله بأن يمكننى من ذلك،
نى حينئد أملكه بمشيئته .
وقيل الاستثناء منقطع، أى لكن ماشاء الله من ذلك كائن.
وقوله (( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء))
،: لمكانت حالى - كما قال الزمخشرى - على خلاف ما هى عليه من استكثار
تغير ، واستغزار المنافع واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسنى شىء منها
أكن غالبا مرة ومغلوبا أخرى فى الحروب ، ورابحا وخاسرا فى التجارات
ـصيا ومخطًا فى التدابير » (٢).
قال الجمل: فإن قلت: قد أخبر - صلى الله عليه وسلم - عن المغيبات وقدجاءت أحاديث
(١) راجع تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ٢٧١.
(٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ١٨٥

- ٢٨٥ -
فى الصحيح بذلك وهو من أعظم معجزاته فكيف بينه وبين قوله - تعالى -
((ولو كنت أعلم الغيب :.. الخ)؟ قلت: يحتمل أنه قاله على سبيل التواض
والأدب ، والمعنى: لا أعلم الغيب إلا أن يطلعنى الله عليه ويقدره لى .
ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله على علم الغيب. فلما أطلعا
الله أخبر به كما قال «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى مز
رسول)، أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم، ثم بعد
ذلك أظهره - سبحانه - على أشياء من المغيبات فأخبر عنها ليكون ذلك
معجزة له ودلالة على صحة نبوته(١).
ثم بين القرآن وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى قوله « إن
أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون)، أى: ما أنا إلا عبد أرسلنى الله نذير
وبشيراً ، وليس من مهمتى أو وظيفتى معرفة علم الغيب.
وقوله ((لقوم يؤمنون، يجوز أن يتعلق بقوله (( نذير وبشير، جميعا لأز
المؤمنين هم الذين ينتفعون بالإنذار والتبشير ، ويجوز أن يتعلق بقوله «بشير:
وحده، وعليه يكون متعلق النذير محذوف أى: للكافرين. وحذف للعلم به:
وبهذا الإعلان من جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم -- للناس عز
وظيفته، تتم لعقيدة التوحيد الإسلامية كل خصائص التجريدالمطلق من الشرك
فى أية صورة من صوره، وتنفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها فيها بشر
ولو كان هذا البشر محمداً - صلى الله عليه وسلم - فعند عتبة الغيب تقف الطاقة
البشرية، ويقف العلم البشرى، وتقف القدرة البشرية، إذ علم الغيب إنماهو
قه الذى لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء.
ثم تحدثت السورة بعدذلك عن مظاهر قدرة الله وأدلة وحدانيته، فذكرت
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢١٨

- ٢٨٦ -
س بمبدأنشأتهم، وكيف أن بعضهم قد انحرف عن طريق التوحيد إلى طريق
رك، وساقت ذلك فى صورة القصة لضرب المثل من واقع الحياة فقالت:
((هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَ زَوْجَهاَ
سْكُنَ إليهاَ، فَمَّا تَتَشَّاهَا حَلَتْ حْلاً خَفِيهَا فَمَرَّتْ بِهِ،
◌َ أَثْقَلَتْ دَعَوْا اللهَ رَبَّهُمَاَ لَثْنْ آبَبْتَ مَلِعًا لِنَكُونَنَّ مِنَ
نَّاكِرِينَ (١٨٩) فلمَّا آتَامُوا صَلِحًا جَمَلاً لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُما
مَآَلَى اللهُ عَّ يُشْرِ كُونَ (١٩٠))) .
قوله - تعالى - ,هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منهازوجها
بكر إليها، إستئناف مسوق لبيان ما يقتضى التوحيد الذى هو المقصد الأعظم.
أى. إن الذى يستحق العبادة والخضوع، والذى عنده مفاتح الغيب هو
. الذى خلقكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم ، وجعل من نوع هذه
غ وجنها زوجها حواء، ثم انتشر الناس منهما بعد ذلك كما قال
تعالى - ((بأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق
بأ زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء،.
وفوله (( ليسكن إليها، أى: ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر، لأن الجفس
، الجنس أميل وبه آنس. وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة أبلغ ،
يسكن الإنسان إلى ولده وبحبه محية نفسه لكونه بضعة منه .
فالأصل فى الحياة الزوجية هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار
هذه نظرة الاسلام إلى تلك الحياة قال - تعالى -. ((ومن آياته أن خلق
كم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة».
والضمير المستكن فى (( يسكن)) يعود إلى النفس، وكان الظاهر تأنيث لأن
غمس من المؤنثات الجماعية ولذا أنقت صفتها وهى قوله (( واحدة)) إلا أنه

- ٢٨٧ -
جاء مذ كرا هنا باعتبار أن المراد من النفس هنا - آدم عليه السلام -((ولو أنث
على حسب الظاهر لتوهم نسبة المكون إلى الأنثى، فكان التذكير كما يقول
الزمخشرى - أحسن طياقا للمعنى .
وقوله (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فرت به.
الغشاء: غطاء الشىء الذى يستره من فوقه، والغاشية؛ الظلة التى تظل
الإنسان من سحابة أو غيرها. والتغشى كناية عن الجماع. أى فلما تغشى
الزوج الذى هو الذكر الزوجة التى هى الأفى وتدثرها لقضاء شهوة ما . حملت
حملا خفيفا. أى: حملت منه محمولا خفيفا وهو الجميز فى أول حمله لا تجد المرأة
له ثقلا لأنه يكون نطفة ثم مضغة، ولا ثقل له يذكر فى تلك الأحوال فرت
به، أى: فمضت به إلى وقت ميلاده من غير نقصان ولا إسقاط. أو المعنى
فاستمرت به كما كانت من قبل حيث قامت وقعدت وأخذت وتركت من غير
مشقة وتلك هى المرحلة الأولى من مراحل الحمل .
وتأمل معى - أيها القارى الكريم - مرة أخرى قوله - تعالى: « فلم
تغشاها حملت حملا خفيفا ... ، لنرى سمو القرآن فى تغييره , وأدبه فى
عرض الحدائق . إن أسلوبه يلطف ويدق عند تصوير العلاقة بين الزوجين
فهو يسوقها عن طريق كتابه بديعة تتناسب مع جو السكن والمودة بين
الروجين وتنسق مع جو الستر الذى تدعو إليه الشريعة الإسلامية عند المباشرة
بين الرجل والمرأة، ولا محد كلمة تؤدى هذه المعانى أفضل من كلـ
, تغشاها ..
ثم تأتى المرحلة الثانية من مراحل الحمل فيعبر عنها القرآن بقوله: ((فل
أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين).
أى: فين صارت ذات ثقل بسبت نمو الحمل فى بطها ، فالهمزة للمصيرور.
كقولهم: أنمر فلان وألبن أى: صار ذا تمر ولبن .
أی و حین صارت الآم کذلك و تبینالحمل،و تعلق ب+ قلبالزوجين، أو جم

- ٢٨٨ -
لى ربهما يدعوانه بضراعه وطمع بقولها: «لئن آتيناه الحا)، أى لئن أعطيتنا.
ملا سويا تام الحلقة، يصلح للأعمال الإنسانية النافعة لنكونن من الشاكرين»
ك على نعمائك التى من أجلها هذه النعمة واستجاب الله المزوجين دعاءهما،
_زقهما الولد الصالح فماذا كانت النتيجة؟.
لقد كانت النتيجة عدم الوفاء لله فيما عادداه عليه، ويحكى القرآن ذلك
قول: فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما، أى: فمين أعطاهما.
سبحانه - الولد الصالح الذى كانا يتمنيانه، جعلا لله - تعالى - شركاء
, هذا العطاء، وأخلا بالشكر فى مقابلة هذه النعمة أسوأ إخلال، حيث
مبوا هذا العطاء إلى الأصنام والأوثان، أو إلى الطبيعة كما يزعم الطبيعيون
. إلى غير ذلك مما يقنافى مع إفراد الله - تعالى - بالعبادة والشكر.
وقوله (( فتعالى الله عما يشركون، تنزيه فيه معنى التعجب من أحوالهم.
،: تنزه - سبحانه - وتقدس عن شرك هؤلاء الأغبياء الجاحدين الذين
!بلون نعم الله بالإشراك والكفران .
والضمير فى (( يشركون، يعود على أولئك الآباء الذين جعلوا لله شركاء
.١، والمحققون من العلماء يرون أن هاتين الآيتين قد سيقتا توبيخا للمشركين
بث أن الله - تعالى - أنعم عليهم بخلقهم من نفس واحدة، وجعل أزواجهم.
، أنفسهم ليأنسوا بهن، وأعطاهم الذرية ,وأخذ عليهم الجهود بشكره على
● النعم، ولكنهم جحدوا قعمه وأشركوا معه فى العبادة والشكر آلهة.
رى (( فتعالى الله عما يشر كون)).
ويرى بعض المفسرين أن المراد بهذا السياق آدم وحواء، واستدلوا على
ك بما رواه الإمام أحمد - بسنده - عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ( لم).
ف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها سميه عبد الحارث فإنه يعيش
مته عبد الحارث فعاش ، وكان ذلك من وحى الشيطان وأمره ..

- ٢٨٩ -
وقد أثبت ابن كثير فى تفسيره ضعف هذا الحديث من عدة وجوه ،
ثم قال: قال الحسن: عنى الله - تعالى - بهذه الآية ذرية آدم ومن أشرك منهم
بعده ، وقال قتادة : كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولاداً
فهو دوا ونصروا. قال ابن كثير: وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت
عليه الآية ، ونحن على مذهب الحسن البصرى فى هذا ، وأنه ليس المراد من
هذا السياق آدم وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال
((فتعالى الله عما يشركون (١))).
وقال صاحب الانتصاف: والأسلم والأقرب أن يكون المراد - والله أعلى.
جنسى الذكر والأنى لا يقصد فيه إلى معين. وكان المعنى خلقكم جنسا واحداً،
وجعل أزواجكم منكم أيضاً لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذى
هو الذكر ، الجنس الآخر الذى هو الأفى جرى من هذين الجنسين كيت
وكيت . وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون على حد
قولهم ((بنو فلان قتلوا قتيلا)، يعنى من نسبة البعض إلى الكل(١).
والذى نراه أن الآيتين واردتان فى توبيخ المشركين على شركهم ونقضهم
لعهودهم مع الله - تعالى - لأن الأحاديث والآثار التى وردت فى أنهما وردنا
فى شأن آدم وحواء لتسميتهما ابنهما بعبد الحارث اتباعاً لوسوسة الشيطان
لهما ليست صحيحه، كما أثبت ذلك علماء الحديث .
ثم أخذت السورة بعد ذلك فى توبيخ المشركين ، وفى إيطال شركهم
بأسلوب منطقى حكيم فقالت :
((أَيْشْرِ كُونَ مَالاَ يُخْلقُ شَيْئًا وَمُ يُخْلَقُونَ (١٩١) ولا يَسْتَطِيعُونَ
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٢٧٤
(٢) الانتصاف على الكشاف ج ٢ ص ١٨٦ لابن المنبر - بتصرف يسير-
١٩١ - سورة الأعراف

- ٢٩٠ -
لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنْفُسَهم يَتْصُرُونَ (١٩٢) وإنْ تَدْعُومُ إلى الهُدَىِ
لاَ يَتِْولَمْ سَوَاءٍ عَلَيْكُمْ أَدَعَوتُومُ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْتَالكَمُ فَادْعُومُ قَالْيَسْتَجِبُو
لِكُم إِذْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلْهُمْ أَرْجُلٌ مْشُونَ بها، أَمْ لُ
أَيْدٍ يبطشُوذَ بها ، أَمْ لَهُمْ أَغْيُنٌ يُبْعِرُونَ بها، أَمْ لِهِمْ آذَانْ
يَسْمَعُونَ بها، قُلْ ادْعُوا شُرَ كَاَءَ كُمْ ثُمَّ كِيدُونَ فلا تُنْظِرُ ونَ (١٩٥
إِنَّ وَلِيَ اللهُ الَّذِى نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّالِحِينَ (١٩٦
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكْ وَلا أَنْفُسَهُ
يَنْصُرُونَ (١٩٧) وإنْ تَدْعُوهُ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَثَرَاهُ يَنْظُرُو
إِلَيْكَ وَمُ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨))).
قوله - تعالى - ((أيشر كون مالا يخلق شيئاً وهم يخلفون، أى
أيشر كون به - تعالى - وهو الخالق لهم ولكل شىء، مالا يخلق شيئاً.
الأشياء مهما يكن حقيراً، بل إن هذه الأصنام التى تعبد من دون الله مخلو
ومصنوعة، فكيف يليق بسليم العقل أن يجعل المخلوق العاجز شر.
للخالق القادر .
والاستفهام الإنكار والتجهيل. والمراد بما فى قوله(( مالا يخلق شيئاً
أصنامهم، ورجع الضمير إليها مفرداً لرعاية لفظها، كما أن إرجاع ضمير الجهـ
إليها فى قوله ((وهم يخلقون)) لرعاية معناها.
وجاء بضمير العقلاء فى ((يخلقون)) مسايرة لهم فى اعتقادهم أنها تضر وتنف
ثم قال - تعالى .: « ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصروز
أى: أن هذه الأصنام فضلا عن كونها مخلوقة، فإنها لا تستطيع أن تجا

- ٢٩١-
العابديها نصراً على أعدائهم، بل إنها لا تستطيع أن تدفع عن نفسها شراء
ومن هذه صفته كيف يعبد من دون الله؟ قال - تعالى - ((إن الذين تدعون من
من دون الله لن يخلق واذبابا ولواجتمعواله، وإن يسلبهم الذباب شينالا يستنقذوه
منه ضعف الطالب والمطلوب .
ثم بين - سبحانه - عجز الأصنام عما هو أدنى من النصر المنفى عنهم وأيسر
وهو مجرد الدلالة على المطلوب من غير تحصيله لطالب فقال :. وإن ندعوهم
إلى الهدى لا يتبعوكم، أى: وإن تدعو أيها المشر كون هذه الأصنام إلى الهدى
والرشاد لا يقبعوكم، أى أنهم لا ينفعوكم بشىء ولا ينتفعون منكم بشىء.
وقوله , سواء عليكم أدعو تموهم أم أتم صامتون، استئناف مقرر
لمضمون ما قبله .
أى: مستو عندكم دعاؤكم إباهم وبقاؤكم على صمتكم ، فإنه لا يتغير حالكم
فى الحالية ، كما لا يتغير حالهم بحكم أنهم جماد.
ثم مضى القرآن فى دعوته إياهم إلى التدبر والتعقل فقال: « إن الذين
قدعون من دون الله عباد أمثالكم،.
أى: أن هذه الأصناف التى تعبدونها من دون الله، أو تنادون الدفع العضمر
أو جلب التفع ((عباد أمثالكم، أى: مائلة لكم فى كونها مملوكة الله مسخرة
مذللة لقدرته كما أنكم أنتم كذلك فكيف تعبدونها أو تنادونها ؟
وأطلق عليها لفظ (( عباد)) مع أنها جماد وفق اعتقادهم فيها تبكيتا لهم
وتوبيخا .
وقوله , فادعوم فليستجيبوا لكم، تحقيق لمضمون ما قبله بتعجيزم
وتبكيتهم أى: فادعوهم فى رفع ما يصيبكم من ضر، أو فى جلب ما أفتم فى
حاجة إليه من نفع ((إن كنتم صادقين)) فى زعمكم أن هذه الأصنام قادرة
على ذلك .

- ٢٩٢ -
ثم تابع القرآن تقريمه لهذه الأصنام وعابديها فقال: «ألهم أوجل يمشون
بها، أم لهم أبد يبطشون بها ، أم لهم أعين يبصرون بها، أم لهم آذان
يسمعون بها)) .
الاستفهام للإنكار، والمعنى: أن هذه الأصنام التى تزعمون انها تقربكم
إلى الله زلفى هى أقل منكم مستوى لفقدها الحواس التى هى مناط الكسب
إنها ليس لها أرجل تسعى بها إلى دفع ضر أو جلب نفع؛ وليس لها أيد تبطش
بها أى تأخذ بها ما نريد أخذه، وليس لها أعين تبصر بها شئونكم وأحوالكم
وليس لها آذان تسمع بها أقوالكم، وتعرف بواسطتها مطالبكم ، فأتم
أيها الناس تفضلون هذه الأصنام بما منحكم الله - تعالى - من حواس
السمع والبصر وغيرها فكيف يعبد الفاضل المفضول , وكيف ينقاد الأقوى
للأضعف؟
ثم أمر الله - تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يناسبهم الحاجة وأن
يكرر عليهم التوبيخ فقال: ((قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون،
أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين هبطوا بعقولهم إلى أحط المستويات
قادوا شركاءكم الذين زعمتموهم أولياء ثم تعاونوا أنتم وهم على كيدى وإلحاق
الضربى من غير انتظار أو إمهال، فإنى أنا معتز بالله، وملتجىء إلى حماهومن
كان كذلك فلن يخش شيئا من المخلوقين جميعاً .
وهذا نهاية التحدى من جانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم والخط
من شأنهم وشأن آلهتهم .
ثم بين لهم الأسباب التى دعته إلى تحديهم وتبكيتهم فقال « إن ولي الله
الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ».
أى : قل يا محمد لهؤلاء الضالين إنى ما تحديتكم وطلبت كيدكم وكيد
أصنامكم - إن كنتم أنتم وهم تقدرون على ذلك على سبيل الفرض - إلا

- ٢٩٣ -
لأنى معتز بالله وحده، فهو ناصرى ومتولى أمرى، وهو الذى نزل هذا القرآن
لأخرجكم به من الظلمات إلى النور، وقد جرت سنته - سبحانه - أن يتولى
الصالحين وأن يجعل العاقية لهم .
قال الحسن البصرى: إن المشركين كانوا يخوفون الرسول - صلى الله
عليه وسلم - بآلهتهم فقال - تعالى - ((قل ادعوا شركاءكم ... ، الآية - ليظهر
لكم أنه لا قدرة لها على إيصال المضار إلى بوجه من الوجوه. وهذا كما قال
هود - عليه السلام - لقومه رداً على قولهم. « إن نقول إلا اعتراك بعض
آلهتنا بسوء - قال: إنى أشهد الله وأشهدوا أنى برىء مما تشر كون. من
دونه فكيدون جميعاً ثم لا تنظرون ... )).
ثم قال - تعالى -((والذين قدعون من دون الله لا يستطيعون نصركم
ولا أنفسهم ينصرون)، أى: والذين تعبدونهم من دون الله أو تنادونهم لدفع
الضر أو جلب النفع لا يستطيعون نصركم فى أى أمر من الأمور ، وفضلا
عن ذلك فهم لا يستطيعون رفع الأذى عن أنفسهم إذا مااعتدى عليهم ممتد.
ثم قال - تعالى - (( وإن تدعوهم إلى الهدى)، أى : إلى أن يرشدوكم
إلى ما تحصلون به مقاصدكم من النصر على الأعداء أو غير ذلك , لا يسمعوا.
أى: لا يسمعوا شيئاً مما تطلبونه منهم، ولو سمعوا - على سبيل الفرض-
ما استجابوا لكم لعجزهم عن فعل أى شى ..
وقوله ((وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) بيان لعجزهم عن الإبصار
بعد بيان عجزهم عن السمع ، أى: وترى هذه الأصنام كأنها تنظر إليك
بواسطة تلك العيون الصناعية التى ركبت فيها ولكنها فى الواقع لانبصر
لخلوّهاً من الحياة.
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت المشركين وآلهتهم أعظم
توبيح، وأثبتت بالأدلة المنطقية الحكيمة، وبوسائل الحس والمشاهدة أن هده

- ٢٩٤ -
الأصنام لإنملك لنفسها نفعاً ولاضراً، وأن الذين قالوا فى شأنها«مانعبدهم
إلا ليقربونا إلى الله زلفى، هم قوم غافلون جاهلون، قد هبطوا بعقولهم إلى
أحط الدركات ، لأنهم بتقربون إلى الله زافى عن طريق مالا يسمع ولا يبصر
ولا يغنى عنهم شيئا ، بل لا يستطيع أن يدفع الأذى عن نفسه .
وفى الوقت نفسه فالآيات دعوة قوية لمكل عاقل إلى أن يجعل عبادته.
وخضوعه لله الواحد القهار .
ثم تتجه السورة الكريمة بعد ذلك إلى شخص الرسول - صلى الله عليه
وسلم - فترسم له ولمكل عاقل طريق معاملته للخلق على وجه بقيه شر الحرج.
والضيق فتقول .
((خُذْ العَفْو وَأُمُرْ بِالْمُرْفٍ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩))).
العفو : يطلق فى اللغة على خالص الشىء وجيده، وعلى الفضل الزائدفيه ،
وعلى السهل الذى لا كلفة فيه .
أى: خذ ماعفا وسهل وتيسر (من أخلاق الناس، وأرض منهم بما تيسر
من أعمالهم وتسهل من غير كلفة . ولا نطلب منهم ما يشق عليهم ويرهقهم
حتى لا ينفروا ، وكن لينا رفيقاً فى معاملة أتباعك، فإنك «لو كنت فظاً.
غليظ القلب لانفضوا من حولك)، ((وأمر بالعرف، أى: من غيرك
بالمعروف المستحسن من الأفعال، وهو كل ماعرف حسته فى الشرح، فإن
ذلك أجدر بالقبول من غير نكير ، فإن النفوس حين تتعود الخير الواضح
الذى لا يحتاج إلى مناقشة وجدال ، يسلس قيادها، ويسهل توجيها.
(( وأعرض عن الجاهلين، الذين لايدر كون قيم الأشياء والأشخاص.
والمكلمات فيما يبدر منهم من أنواع السفاهة والإيذاء لأن الرد على أمثال.
هؤلاء ومناقشتهم لا تؤدى إلى خير ، ولا تنتهى إلى نتيجة. والسكوت عنهم:
احترام النفس ، واحترام للقول ، وقد يؤدى الإعراض عنهم إلى تذليل
نفوسهم وترويضها.

- ٢٩٥ -
وهذه الآية على قصرها تشتمل - كما قال العلماء - على مكارم الأخلاق
فيما يتعلق بمعاملة الإنسان لأخيه الإنسان، وهى طريق قويم لكل ما تطلبه
الإنسانية الفاضلة لأبنائها الأبرار، وقد جاءت فى أعقاب حديث طويل عن
أدلة وحدانية الله - تعالى - وإبطال الشرك والشر كاء، لكن تبين للناس فى كل
زمان ومكان أن التحلى بمكارم الأخلاق إنما هو نتيجة لإخلاص العبادة لله
الواحد الأحد ، الفرد العمد.
قال القرطى: هذه الآية من ثلاث كلمات ، تضمنت قواعد الشريعة
فى المأمورات والمنهيات .
فقوله : خذ العفو، دخل فيه صلة القاطعين والعفو عن المذنبين ، والرفق
بالمؤمنين ، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل فى قوله ((وأمر بالعرف»
صلة الأرحام، وتقوى الله فى الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد
دار القرار .
وفى قوله (( وأعرض عن الجاهلين، الحض على التعلق بالعلم، والإعراض
عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء ، وغير
ذلك من الأخلاق المجيدة والأفعال الرشيدة ،(١).
ثم يرشد القرآن المسلمين فى شخص الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم-
إلى مايهدىء غضبهم ويطفى ثورتهم فيقول:
((وَإِمَّا يَنْزَفَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ تَزَغٌ فَاسْتَمِذْ بِلّهِ إِنّهَ سَمِعٌ
عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُم ◌َائِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ
◌َّذَ كْرُوا فَإِذَا مُ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وإخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُم فى الفَىِّ ثُمّ
لا يُقْصِرُونَ (٢٠٣) )).
النزغ والنخس والغرز بمعنى واحد ، وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا
ونحوها فى الجلد .
(١) تفسير القرطبي - ٧ ص ٢٤٤

- ٢١٦ --
أى: وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك، وتحملك على
خلاف ما أمرت به من أخذالعفوو الأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين،
فالتجىء إلى الله، واستعد بحماه، فإنه - سبحانه - سميع لدعائك، عليم بكل
أحوالك. وهو وحده الكفيل بصرف وسوسة الشياطين عنك ، وصيانتك
من همز اتهم ونزغاتهم .
ثم بين - سبحانه - حالة المتقين فقال (( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف
من الشيطان تذ کروا ،.
حائف من الطواف والطواف بالشىء أى: الاستدارة به أو حوله.
يقال: طاف بالشىء إذا دار حوله. والمراد به هنا وسوسة الشيطان: همزاته.
أى: إن الذين اتقوا لقه - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل ما يغضبه إذا
صهم شىء من وسوسة الشيطان ونزغاته التى تلهيهم عن طاعة الله ومراقبته
( تذكروا «أى: تذكروا أن المس إنما هو من عدوهم الشيطان فعادوا
سريعا إلى طاعة الله، وإلى خوف مقامه ونهى أنفسهم عن اتباع همزات
الشياطين .
والجملة الكريمة مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر ببيان أن الاستعاذة
سنة مسلوكة للمتقين، وأن الإخلال بها من طبيعة الضالين .
وفى قوله (( إذا مسهم طائف، إشعار بعلو منزلتهم، وقوة إيمانهم ،
وسلامة يقينهم لأنهم بمجرد أن تطوف بهم وساس الشيطان أو بمجرد أن
أن يمسهم شىء منه فإنهم ينذ كرون عداوته ، فيرجعون سريعا إلى حمى ربهم
پمستجيرون به ويتوبون إليه .
وفى التعبير عن الوسوسة بالطائف إشعار بأنها وإن مست هؤلاء المتقين
فإنها لا تؤثر فيهم ، لأنها كأنها طافت حولهم دون أن تصل إليهم .
وقوله , فإذا هم مبصرون، أى: فإذا هم مبصرون مواقع الخطأ،
وخطوات الشيطان ، فينتمون عنها .

- ٢٩٧ -
وفى هذه الآية الكريمة ما يهدى العقول، ويطب النفوس، إذ هى تبين
لنا أن مس الشيطان قد يغلق بصيرة الإنسان عن كل خير ، ولكن التقوى
هى التى تفتح هذه البصيرة ، وهى التى تجعل الإنسان دائماً يقظاً متذكراً لما أمره
الله به أو نهاه عنه، فينتصر بذلك على وساوس الشيطان وهمزاته , وتبقى لهم
بصيرتهم على أحسن ماتكون صفاء ونقاء وكشفاً .
أما الذين لم يتقوا الله، ولم يلجأوا إلى حماه، ولم يخالفوا الشيطان فقد
عبر عنهم القرآن بقوله: ((وإخوانهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون)).
بمدونهم من المد، وهو الزيادة يقال: مده يمده أى: زاده. والغى:
الضلال ، مصدر غوى يغوى غيا وغواية .
أى: وإخوان الشياطين من المشركين والغافلين تزيدهم الشياطين من
الضلال عن طريق الوسوسة والإغراء بإرتكاب المعاصى والموبقات، ثم
لا يقصرون)) أى: ثم لا يكف هؤلاء الشياطين عن إمداد أو ليائهم من الإنس
بألوان الشرور والآثام حفى يهلكوهم . ويجوز أن يعود الضمير لإخوانهم:
أى ثم لا يكف هؤلاء الناس عن الغى والضلال مهما وعظم الواعظون
وأرشدم المرشدون .
و ((يقصرون، من أقصر عن الشىء إذا كف عنه ونزع مع القدرة عليه،
ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان غوايتهم وضلالهم فقال:
((وَإِذَا لَمَّ تَأْتِهِمْ بآيةٍ قَالُوا لَوْلاَ اجْتَيْتَهَا، قُلْ إِنَّا أَتْبِعُ
ما يوحَى إِلَّ مِنْ رَبِى، هذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُم وهُدَى وَرَْمَةً لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ (٢٠٣))).
الاجتباء: افتعال من الجباية بمعنى الجمع، يقال: جيت الماء فى الحوض
أى جمعته، ومنه قيل للحوض جابية .١١:

- ٢٩٨ -
والمعنى: وإذا لم تأت أيها الرسول هؤلاء المشركين بآية من القرآن وتراخى
الوحى بنزولها، أو بآية بما اقتر حوه عليك من الآيات الكونية، إذا لم نفعل
ذلك قالوا لك بجهالة وسفاهة ، لولا اجتبيتها، أى: هلا جمعتها من عند نفسك
واخترعتها اختراعا بعقلك، أو هلا ألححت فى الطلب على ربك ليعطيك إياها
ويجمعها لك .
قل لهم يا محمد على سبيل التبكيت رداً على تهكمهم بك, إنما أقبع ما يوحى
إلى من ربى)) أى إنما أنا متبع لامبتدع فما يو حيه الله إلى من الآيات أنا أبلغه
إليكم بدون تغيير أو تبديل .
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين
الدلالات وأصدق الحجج والبينات فقال : . هذا بصائر من ربكم وهدى
ورحمة لقوم يؤمنون ).
أى: هذا القرآن بمنزلة البصائر القلوب، به تبصر الحق . وقدرك الصواب
وهو هداية لسكم من الضلالة، ورحمة من العذاب لقوم يؤمنون به، ويعملون
بإرشاداته ووصاياه .
وكما افتتحت السورة بالثناء على القرآن , كتاب أنزل إليك فلا يكن فى
صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ، فقد اتجهت فى أواخرها إلى
أمر الناس بحسن الاستماع إلى هذا القرآن، وإلى تدبره والعمل به فقالت :
(وإذَا قُرِىء القرآنُ فلسْتَسِمُوا لَهُ وأُنصِتُوا لعلكُمْ تُرمون (٢٠٤)».
أى وإذا قرىء القرآن الذى ذكرت خصائصه ومزاياه عليكم فاستمعوا
له بتدبر وخشوع، وأصغوا إليه بأسماعكم وكل جوارحكم لتفهموا معانيه ،
وتفقهوا توجيهاته، وأنصتوا لقراءته حتى تنقضى تعظيما له، وإ كبارا لهأنه،
لكى تفوزوا برحمة الله ورضاه.

- ٢٥٩ -
وبعض العلماء يحمل القراءة فى الآية على القراءة خلف الإمام فى الصلاة،
أى أن على المؤتم أن يستمع إلى قراءة الإمام بتدبر وخشوع، واستدلوا على
ذلك بأحاديث فى هذا المعنى . وبعضهم يجعل الآية عامة فى وجوب الاستماع
إلى قراءة القرآن بتدبر وإنصات وخشوع فى الصلاة وفى غير الصلاة وحملوا
الأحاديث التى أوردها أصحاب الرأى الأول على العموم أيضاً.
والذى نراه أن الآية تأمر بوجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن
فى الصلاة وفى غير الصلاة، لأن تعاليم الإسلام وآدابه تقتضى منا أن نستمع
إلى القرآن بتدير وإنصات وخشوع، ليؤثر تأثيره الشافى فى قلوب. وايقودها
إلى الطاعة والتقوى ، فتنال المغفرة والرحمة .
ثم اختتمت السورة الكريمة بالحديث عن ذكر الله الذى هو طب القلوب
ودواؤها وعافية الأبدان وشفاؤها فقالت :
((وَاذْ كُرْرَبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَفَرُّعاً وخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ القَوْلِ
بالغُدُوِّ والآَصَلِ ولاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِنَ (٢٠٥) إنّ الذِينَ عِنْهَ رَبِّكَ
لا يَسْتَكَبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) » .
أى: استحضر عظمة ربك - جل جلاله - فى قلبك. واذكره بما يقربك
إليه عن طريق قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتحميد والتهليل وغير ذلك .
وقوله (( تضرعا وخيفة، فى موضع الحال بتأويل اسم الفاعل أى. أذكره
متضرعا منذللا له وخائفا منه - سبحانه -:
وقوله (( ودون الجهر من القول، معطوف على قوله, فى نفسك، أى:
اذكر ربك ذكراً فى نفسك، وذكرا بلسانك دون الجهر .
والمراد بالجهر : رفع الصوت بإفراط ، وبما دونه مماهو أقل منه ، وهو
الوسط بين الجهر والمخافتة، قال ابن عباس: هو أن يسمع نفسه.

- ٢٠٠ -
وقوله ((بالغدو والآصال، متعلق باذكر، والغدو جمع غدوة وهو مابين.
طلوع الفجر وطلوع الشمس .
والآصال جمع أصيل وهو من العصر إلى الغروب .
أى: اذكر ربك مستحضرا عظمته، فى كل وقت ، وراقبه فى كل حال ،
لا سيما فى هذين الوقتين لأنهما طرفا النهارومن افتتح نهارهقبذكر الله واختتمه.
به كان جديرا برعاية ربه.
قيل: وخص هذان الوقتان بالذكر لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد
واجتهاد، وما بينهما من أوقات الغالب فيها الانقطاع لأمر المعاس.
ثم نهى - سبحانه - عن الغفلة عن ذكره فقال: ((ولا تكن من الغافلين))
الذين شغلتهم الدنيا عن ذكر الله .
وفيه إشعار بطلب دوام ذكره - تعالى - واستحضار عظمته وجلاله.
وكبريائه بقدر الطاقة البشرية .
قال بعض العلماء: ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الذكر آدا با من
أهمها :
١ - أن يكون فى التفر لإن الإخفاء أدخل فى الإخلاص، وأقرب إلى
الإجابة ، وأبعد من الرياء.
٢ - أن يكون على سبيل التضرع وهو التذلل والخضوع والاعتراف
بالتقصير .
٢ - أن يكون على وجه الخيفة أى الخوف والخشية من سلطان الربوبية.
وعظمة الألوهية من المؤاخذة على التقصير فى العمل لتخشع النفس ويخضع.
القلب .
٤ - أن يكون دون الجهر لأنه أقرب إلى حسن التفكر , وفى الصحيحين
عن أبى موسى الأشعرى قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء فى بعض الأسفار،.