Indexed OCR Text
Pages 121-140
- ١٢١ - -ما أعظم افتراءنا على الله - تعالى - إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وعدانا إلى صراطه المستقيم ... ، (١) ثم كرر هذا الرفض بأبلغ وجه فقال: « وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما، أى ما يصح لنا ولا يتأتى منا أن نعود فى ملتكم الباطلة فى حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلا فى حال أو فى وقت مشيئة الله المتصرف فى جميع الشئون عودتنا إليها ، فهو وحده القادر على ذلك ولا يقدر عليه غيره لا أقم ولا نحن، لأننا موقنون بأن ملتكم باطلة وملتنا هى الحق والموقن لا يستطيع إزالة يقينه ولا تغييره وإنما ذلك بيد مقلب القلوب ، الذى وسع علمه كل شىء . وهذا اللون من الأدب العالى، حكاه القرآن عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فى مخاطبتهم، فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - مع ثقته المطلقة فى أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة الكفر أبداً، مع ذلك هو يفوض الأمر إلى القه تأدباً معه، فلا يجزم بمشيئته هو، بل يترك الأمرقه، فقد يكون فى علمه سبحانه ما يخفى على البشر ، بما تقتضيه حكمته وإرادته . قال صاحب الاقتصاف: وموقع قوله«وسع ربناكل شىء علماء الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة، والاطلاع على الأمور الغائبة، فإن العود إلى الكفر جائز فى قدرة الله أن يقع من العبد: ولو وقع فبقدرة الله ومشيئته المغيبة عن خلقه. فالحذر قائم، والخوف لازم ، ونظيره قول إبراهيم - عليه السلام - ((ولا أخاف ماتشركون به إلا أن يشاء ربى شيئًا وسع ربى كل شىء علما أفلا تتذكرون، لما رد الأمر إلى المشيئة وهى مغيبة، مجد الله - تعالى - بالانفراد بعلم الغائبات ، (٢). ثم يترك شعيب - عليه السلام - قومه وتهديدهم ووعيدهم، ويتوجه (١) تفسير المنار = ٩ ص ٥. (٢) الانتصاف على الكشاف لابن المغير ج ٢ ص ٠١٣٠ - ١٢٢ - إلى الله بالاعتماد والدعاء فيقول: «على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق. أنت خير الفاتحين ). أى: على الله وحده وكلنا أمرنا، فهو الذى يكفينا أمر تمددكم ووعيدكم (( ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ربنا احكم بيننا وبين قومنا الذين ظلمونا بالحق وأنت خير الحاكمين، لخلو حكمك عن الجور والحيف ، فقوله: ((على الله توكلنا، إظهار للعجز من جانب شعيب، وأنه فى مواجهته لأولئك المستكبرين لا يعتمد إلا على الله وحده، ولا يأوى إلا إلى ركنه المكين ، وحصفه الحصين. والجملة الكريمة تفيد الحصر لتقديم المعمول فيها . وقوله« ربنا افتح بيننا ... )) إعراض عن مجادلتهم ومفاوضتهم بعد أن تبين له عنادهم وسقههم، وإقبال على الله - تعالى - بالتضرع والدعاء. والفتح: أصله إزالة لأغلاق عن الشىء ، واستعمل فى الحكم، لما فيه من إزالة الاشكال فى الأمر. ومنه قيل للحاكم فاتج وفتاح لفتحه أغلاق الحق ، وقيل للحكومة: الفتاحة - بضم الفاء وكسرها .. أخرج البيهقى عن ابن عباس قال : ما كنت أدرى قوله - تعالى - ((ربنا افتح ... )، حتى سمعت ابنة ذى يزن تقول لزوجها وقد جرى بينها وبينه كلام : تعالى أفاتحك ، تريد اقاضيك وأحاكمك،. وقوله. بالحق . بهذا القيد إظهارا للنصفة والعدالة. والخلاصة أنك إذا تأملت فى رد شعيب - عليه السلام - على ما قاله المست كبرون منقومه، تراه يمثل أسمى ألوان الحكمة وحسن البيان ، فهو يرد على وعيدهم وتهد يدهم بالرفض التام لما يبغون، والبغض السافر لما يريدونه منه ، ثم يكل الأمور كلها إلى الله، مظهرا الاعتماد عليه وحده، ثم يتجه إليه . سبحانه - بالدعاء ملتمسا منه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق الذى مضته به سنته فى التنازع بين المرسلين والكافرين، وبين سائر الحقين والمبطلين . - ١٢٣ - وهنا نلمح أن الملأ من قوم شعيب قد بنوا من استمالة شعيب وأتباعه إلى ملتهم ، فأخذا يحذرون الناس من السير فى طريقه، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول: ((وقال الملأ الذين كفروا من قومه، لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون. أى: قال الأشراف الكافرون من قوم شعيب لغيرهم: «لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون، الشرفكم ومجدكم، بإيثار ملته على ملة آبائكم وأجدادكم. وخاسرون لثروتكم وربحكم المادى. لأن اتباعكم له سيحول بينكم وبين التطفيف فى الكيل والميزان وهو مدار غناكم وانساع أموالكم . وقولهم هذا يقصدون به تنفير الناس من دعوة شعيب ، ونشيطهم عن الايمان به، وإغرائهم بالبقاء على عقائدهم الباطلة. وتقاليدهم البالية التى ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ، فهم لميكتفوابضلالهم فى أنفسهم، بل عملوا على إضلال غيرهم. وقولهم هذا معطوف على قوله - تعالى - فيما سبق ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه، . وليس رداً على شعيب ، لأنه لو كان كذلك لجا. مفصولا بدون عطف ، وقد أكدوا قولهم بعدة مؤ كدات منها اللام الموطئة للقسم، والجملة الاسمية المصدرة بإن ... وذلك لكى يخدعوا السامعين بأنهم ما يريدون إلا خيرهم وعدم خسر انهم . وحذف متعلق الخسران ليعم كل أنواعه الدينية والدنيوية . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: أين جواب القسم الذى وطأته اللام فى قوله: «لئن اتبعتم ... وجواب الشرط؟ قلت: قوله، إنكم إذاً لخاسرون)) ساد مسد الجوابين ،(١) . وبعد هذه المحاورات والمجادلات التى دارت بين شعيب وقومه، جاءت. (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ١٣١. - ١٢٤ - الخاتمة التى حكاها القرآن فى قوله: «فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارم جائمين؟. أى: فاخذتهم الزلزلة الشديدة فأصبحوا فى دارهم هامدين صرعى لاحراك بهم . قال ابن كثير ماملخصه: أخبر - سبحانه - هنا بأنهم أخذتهم الرجفة، كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم فى سورة هود بأنهم أخذتهم الصيحة، والمناسبة هناك- والله أعلم- أنهم لما تهكموا به فى قولهم ((ياشعيب أصلاتك تأمرك ... ، فجاءت الصيحة فأسكتتهم . وقال فى سورة الشعراء ((فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة، وماذاك إلا لأنهم قالوا له فى سياق القصة ، فأسقط علينا كفاً من السماء .. ، فأخبر - سبحانه - أنهم أصابهم عذاب يوم الظله ، وقد اجتمع عليهم ذلك كله ، أصابهم عذاب يوم الظلمة . وهى سحابة أظلتهم فيها شررمن فار ولهب ، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم ، فزهقت الأرواح ، وفاضت النفوس ، وخمدت الأجسام ، (١). ثم يعقب القرآن على مصرعهم بالرد على قولتهم: إن من يتبع شعيبا خاسر، فيقرر على سبيل التهكم أن الخسران لم يمكن من نصيب من أقبع شعيبا، وإنما الخسران كان من نصيب الذين خالفوه وكذبوه ، فيقول: (( الذين كذبوا شعيبا كأن لم يختوا فيها، الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين)). أى: الذين كذبوا شعيبا وتطاولوا عليه وهددوه وأتباعه بالاخراج من قريتهم، كأنهم عندما حاقت بهم العقوبة لم يقيموا فى ديارهم ناعمى البال ، يظلهم العيش الرغيد ، والغنى الظاهر . يقال : غنى بالمكان يغنى ، أقام به وعاش فيه فى نعمة ورغد . والجملة الكريمة استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم: «لنخر جنك ياشعيب (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢ - ١٢٥ - والذين آمنوامعك من قريتنا، فكأن سائلا، قال: فكيف كان مصير هم؟ فكان الجواب: الذين هددوا شعيباومن معه وأنذروهم بالاخراج كانت عاقبتهم أن هلكوا وحرموا من قريتهم حتى لكأنهم لم يقيموا بها ، ولم يعيشوا فيها مطلقا، لأنه متى انقضى الشىء صار كأنه لم يكن . والأسم الموصول (( الذين)) مبتدأ، وخبره جملة (( كأن لم يغنوا فيها)). ثم أعاد القرآن الموصول وصلته لزيادة التقرير، والإيذان بأن ماذكر فى حيز الصلة هو الذى استوجب العقوبتين فقال : الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين ، . أى : الذين كذبواشعبيا وكفروابدعوته كانوهم الخاسرين دينياودفيويا، وليس الذين اتبعوه كمازعم أولئك المهلكون . وبهذا القدر أكتفى القرآن عن التصريح بإنجائه هنا، وقد صرح بإنجائه فى سورة هود فقال: ((ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه .. ،)). قال صاحب للكشاف : وفى هذا الاستئناف والابتداء، وهذا التكرير، مبالغة فى رد مقالة الملا لأشياءهم، وتسفيه رأيهم ، واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم)). وأخيراً تطوى السورة الكريمة صفحتهم مشيعة إياهم بالتبكيت والاهمال من رسولهم وأخيهم فى النسب فتقول: فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافوين)). الأسى: الحزن . وحقيقته اتباع الفائت بالغم . يقال: أسيت عليه - أساً ، أى: حزفت عليه . والمعنى فأعرض عنهم شعيب بعد أن أصابهم ما أصابهم من النقمة والعذاب وقال مقرعا إياهم ياقوم: (( لقد أبلغتكمرسالات ربى ، التى أرسلنىبها إليكم من العقائد والأحكام والمواعظ ، ونصحت لكم، بما فيه من إصلاحكم - ١٢٦ - وهدايتكم (( فكيف أحزن على قوم كافرين)) بذلت جهدى فى سبيل هدايتكم ونجاتهم، ولكنهم كرهوا النصح، واستحبد العمى على الهدى . لا، لن آ سى عليهم. وان أحزن من أجل هلاكهم، لأنهم لا يستحقون ذلك . وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن جانب من قصص وح وهود، وصالح، لوط ، وشعيب مع أقوامهم. بعد أن بدأت بقصة آدم وإبليس وستراها بعد قليل تحدثنا حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل . ويلاحظ أن سورة الأعراف قد اتبعت فى حديثها عن هؤلاء الرسل الكرام التسلسل التاريخي ، وذلك لأهداف من أهمها . ١ - إبراز وحدة العقيدة فى دعوة الأنبياء جميعا، فأنت رأيت أن كل رسول أتى قومه ليقول لهم: « ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، يقولها ثم يسوق لهم بأسلوبه الخاص أنصع الدلائل ، وأقوى الحجج، وخير البراهين ومختلف وجوه الارشاد، لمكى يقنعهم بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه . ٢ - تصوير وحدة طبيعة الإيمان ووحدة طبيعه الكفر فى نفوس الناس على مدار التاريخ ، فالمؤمنون يلتفون حول رسولهم يصدقون قوله ، ويتاسون به فى كل أحواله ويدافعون عن عقيدتهم بقوة وشجاعة ، والكافرون يستكبرون أن يرسل الله رسولامن البشر، ويأيون: دافع الحقد والعناد والتطاول الاستجابة لرجل منهم ، ويلقون التهم جزافا لكى يصرفوا الناس عنه . وهكذا نرى أن نفوس المؤمنين نتشابه فى إخلاصها ونقائها وصفائها وحسن تقبلها للخير. بينما نفوس الكافرين تتشابه -أيضا - فى ظلامه او قسوتها وفجورها وسوء تقبلها للهداية . ٣ - بيان العاقبة الطيبة التى انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصبرهم - ١٢٧ - وعملهم الطيب، والعاقبة السيئة التى حاقت بالكافرين المستكبرين، بسبب إعراضهم عن الحق، واستهزائهم أصحابه، ،فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة ((ومنهم من خفناء الأرض ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. وبعد هذا الحديث الزاخر بالعظات والعبر عن بعض الأنبياء مع أقوامهم تمضى السورة الكريمة فى سرد هداياتها فتسوق للناس ألوانا من سنن اله التى لاتتغير ولا تتبدل، لعل قلوبهم ترق، ونفوسهم تتذكر ، وعقولهم تعى . وكأن السورة الكريمة تقول للناس: لقد مقت لكم الكثير من أخبار الماضين. وقصصت عليكم ما فيه الذكر أمكل قلب سليم من أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم، وأريتكم كيف كانت عاقبة الأخيار ، وكيف كانت عاقبة الأشرار ، فاجتهدوا فى طاعة الله ، وسيروافى طريق الأخيار لتسعدرا كما سعدوا. واجتنبوا سبيل الأشرار حتى لا يصيبكم ما أصابهم، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه يمهل ولا يهمل، وأن يبتلى الناس بالسراء والضراء لعلهم يضرعون، وأن يفتح أبواب خيرانه وبر كاته لمن آمن به واتقاه، وأبواب عقو باته لمن کفر به وعصاه . واستمع إلى السورة الكريمة وهى تصور هذه المعانى وغيرها بأسلوبها الحكيم فتقول . (( وما أَرْسْاً فى قريةٍ مِنْ فِىّ إلَّ أخذْنَا أَهْلَها بالباساء والضَّرّاء لعلَّهُم يَضْرُّعُونَ (٩٤) ثمَّ بَدَّلنَاَ مَكَانَ السَّيْئَةِ الْحَسَنَةَ حتى عَفَوا وقالوا قَدْ مَسَّ آبَاءِنَ الضرَّاء والسرَّاءِ فَأَخَذْ تَمُ بَفْتَةً وَمُ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) ولو أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَانْقَوْا لَفَتَحْنَ عَليهِمْ بركاتٍ مِنَ السَّماء والأرضِ ولكنْ كذبوا فأَخَذْنَمُ بما كانوا يُكسبُونَ (٩٦) أَفَأْمِنِ ٠ - ١٢٨ - أَهْلُ القُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِأَسُنَاَ بَيَةً وَمِ نَأْمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ. القُرَى أنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَ ضُحِّى ومَ يَلْعَبونَ (٩٨) أَفَأَمَنُوا مِكْرَ اللهِ. فلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلَّ القومُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) أَوَ لم يَهْدِ لَّذِينَ يرِنُونَ الأرضَ مِنْ بَعَدٍ أَهْلِها أَذْ لُو نَشَاءِ أَصَبْنَهُ بِذُنُوبِهِم وَتَطْبَعَ عَلَى قَلِهِمْ. فَهُمْ لا يَسْتَعُونَ (١٠٠) تلكَ القُرَى نَقُصُّ عليكَ مِنْ أَنْبَتِهَاَ، ولَقَدْ جاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبِنْآَتٍ، فما كانوا لِيُؤْمِنُوا بما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ، كَذلكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قلوبِ الكَافِرِينَ (١٠١) وما وَجَدْنَاَ لْأَ كْثَرَم مِنْ عَهْدٍ ، وَإِنْ وَجَدْنَا أَ كْثَرَمْ لَفَسِقِينَ (١٠٢))). هذه هى الآيات التى جاءت فى السورة الكريمة بعد حديثها المتنوع عن بعض الأنبياء مع أقوامهم (وقبل حديثها المستفيض - الذى سنراه بعد قليل عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل . وقد بدئت بقوله - تعالى - ((وما أرسلنا فى قرية من فى إلا أخذنا أهلها بالباساء والضراء لعلهم يضرعون، البأساء: العمدة والمشقة كالحرب. والجدب وشدة الفقر. والضراء: ما يضر الانسان فى بدنه أو معيشته كالمرض. والمصائب . والمعنى: ذلك الذى قصصناه عليك يامحمد شأن الرسل السابقين مع أقوامهم الهالكين وقد جرت سنتنا أننا ما أرسلنا فى قرية من فى كذبه أملها. إلا أخذناهم وأنزلنا بهم قبل إهلا كنا لهم ألوانا من الشدائد والمصائب لعلهم. ينقادون لأمر اته، ويثوبون إلى رشدهم، ويكثرون من التضرع إليه والاستجابة لهديه . فالآية الكريمة إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم، أثر بيان. أحوال الأمم التى سبق الحديث عنها وهى أمة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - عليهم السلام -. - ١٢٩ - والمقصود منها التحذير والتخويف لكفار قريش وغيرهم ، لينزجروا عن الضلال والعناد ، ويستجيبوا لله ولرسوله. وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين بعث إليهم ، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة لأنها مجتمع الأقوام. وقوله « من بنى» فيه حذف وإضمار والتقدير : من فى كذبه قومه أو أهل القرية لأن قوله ، إلا أخذنا أهلها، لا يترتب على الارسال، وإنما يترقب على التكذيب والعصيان. و((من)) لتأكيد النفى. والاستثناء فىقوله « إلا أخذنا أهلها، مفرغ من أعم الأحوال، و((أخذنا)» فى موضع نصب على الحال من فاعل ، أرسلنا، أى: وما أرسلنا فى قرية من القرى المملكة بسبب ذنوبها نبيا من الأنبياء فى حال من الأحوال إلا حاله كوننا آخذين أهلها بالبأساء والضراء. قبل إنزال العقوبة المستأصلة لهم. وجملة« لعلهم يضرعون, تعليلية. أى: فعلنا ما فعلنا لكى يتضرعوا ويتذللوا ويتوبوا من ذنوبهم . ذا يأخذ الله به الغافلين من الشدائد والمحن ليس من أجل التسلية والقشفى - تعالى الله عن ذلك - وإنما من أجل أن ترق القلوب الجامدة، وقتعظ المشاعر الخامدة ، ويتجه البشر الضعاف إلى خالقهم ، يتضرعون إليه ويستغفرونه ، عما فرط منهم من خطايا. ثم بین - سبحانه - لونا آخر من ألوان ابتلائه للناس فقال: «ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ، المراد بالسيئة مايسوء ويحزن كالشدائد والأمراض. وبالحسنة السمة والصحة وأنواع الخيرات . أى : ثم بعد أن ابتلينا هؤلاء الغافلين بالبأساء والضراء رفعنا ذلك عنهم، وابتليناهم بضده , بأن أعطيناهم بدل المصائب فعما، فإذا الرخاء ينزل بم مكان ( ٩ - سورة الأعراف) ٠٠ الشدة ، واليسر مكان الخرج ، والعافية بدل الضر ، والذرية بدل العقم . والكثرة بدل القلة ، والأمن محل الخوف . قال الآلوسي: وقوله (( ثم بدلنا، معطوف على (( أخذنا ، داخل فىحكمه ، وهو - أى بدلنا - متضم معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف والحسنة أى: أعطيناهم الحسنة فى مكان السيئة ومعنى كونها فى مكانها أنها بدل منها . ويرى بعض العلماء أن لفظ ((مكان) مفعول به لبدلنا وليس ظرفا، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة ، فالحسنة هى المأخوذة الحاصلة فى مكان السيئة المتروكة(١). وقوله (( حتى عفوا، أى: كثروا وفموا فى أنفسهم وأموالهم. يقال: عقا النبات، وعفا الشحم إذا كثر وتكانف . وأعفيته. أى: تركته يعفو ويكثر ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -- ((وأعفوا الحى، أى: وفروها وكثروها . فاذا كان موقفهم من ابتلاء الله إياهم بالشدائد تارة وبالنعم أخرى؟ لقد كان موقفهم يدل على فساد فطرتهم، وانحطاط نفوسهم، وعدم اتعاظهم بما تجرى به الأقدار، وبما بين أيديهم من سراء وضراء تحمل كل عاقل على التفكير والاعتبار. استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم فيقول: «وقالواة- مس آباءنا الضراء والسراء ». أی : أنهم حينما رأوا ألوان الخيرات بين أيديهم بعد أن كانوا فى بأسا. وضراء، لم يعتبروا ولم يشكروا الله على نعمه ، بل قالوا بغباء وجهل . قد مس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر، وتناوبهم ما ينفع وما يضر، ونحن مثلهم (١) تفسير الآلوسي ج ٨ ص ٩ - ١٣١ - بينا ما أصابهم ، وقد أخذنا دورنا من الضراء كما أخذوا ، وجاء دورنا فى رأه فلتغتمها فى إرواء شهواتنا . وإشباع متعنا، فتلك عادة الزمان فى أبنائه " داعى لأن ننظر إلى السراء والضراء على أنهما نوع من الابتلاء والاختبار. وهذا شأن الغافلين الجاهلين فى كل زمان ومكان ، إنهم لا يعتبرون بأى ن من ألوان العبر، ولا يستشعرون فى أنفسهم تخرجا من شىء يعملونه . وإن قولهم هذا ليوحى بحالة نفسية خاصة «حالة عدم المبالاة والاستهتار ـى حالة أكثر ما تكون مشاهدة فى أهل الرخاء والجاه . فهم بسرفون بذرون بدون تحرج ، ويرتكبون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان بدون تراث «وتغشاهم العبر من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم)) ـع كل ذلك لا يعتبرون ولا يتعظون . هذا شأنهم ، أما المؤمنون فإنهم ليسوا كذلك ، وإنما هم كماوصفهم رسول ٠- صلى الله عليه وسلم - فى قوله: ((عجبا لأمر المؤمن: إن أمره كله بر، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته - راء شكر فكان خيراله. ن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)). ولم يترك القدر أولئك الغافلين بدون قصاص، وإنما فاجأهم بالعقوبة التى سبهم، قال - تعالى -- ((فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون)) أى: فكان أية بطرهم وأشرهم وغفلتهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة ، من غير شعور منهم لك، ولا خطور شىء من المكاره ببالهم، لأنهم كانوا - لغبائهم - نون أنهم سيعيشون حياتهم فى نعم الحياة ورغدها بدون محاسبة لهم على الهم القبيحة ، وأقوالهم الذميمة . فالجملة الكريمة تشير إلى أن أخذهم بالعقوبة كان ألماشديدا، لأنهمفوجئوا مفاجأة بدون مقدمات. وجملة ((وهم لا يشعرون ، حال من المفعول به فى خذفاهم ، مؤكدة لمعنى البغتة . - ١٣٢ - ثم بين - سبحانه - أن سفته قد جرت بفتح أبواب خيراته للمحسنين, وبإنزال نقمه على المكذبين الضالين فقال: «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)). البركات : جمع بركة : وهى ثبوت الخير الإلهى فى الشىء ، وسمى بذلك. لثبوت الحیر فیه كما يثبت الماء فى البر كه . قال الراغب: ((ولما كان الخير الإلهى يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجه لا يحمى ولا يحصر ، قيل ليكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفیه بر کا ،(١). والمعنى: ولو أن أهل تلك القرى المهلكة آمنوا بما جاء به الرسل . واتقوا ما حرمه الله عليهم، لأتيناهم بالخير من كل وجه. ولوسعنا عليهم الرزق سعه عظيمة ، ولعاشوا حياتهم عيشة رغدة لا يشوبها كدر ، ولا يخالطها خوف. وفى قوله: (( فتحنا، استعارة تبعيه، لأنه شبه تيسير البركات وقو سعتها. عليهم بفتح الأبواب فى سهولة التناول . وقيل المراد بالبركات السماوية المضر، وبالبركات الأرضية النبات والثمار وجميع ما فيها من خيرات . وقوله ((ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوايكسبون) بيان لموقفهم الجحودى. أى: ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا بل كذبوا الرسل الذين جاءوا لهدايتهم فكانت نتيجة تكذيبهم وتماديهم فى الضلال أن عاقبنام بالعقوبة التى تناسب جرمهم واكتسابهم للمعاصى ، فتلك هى سنتنا التى لا تتخلف، نفتح للمؤمنين المتقين أبواب الخيرات ، ونفتقم من المكذبين الضالين بفنون العقوبات. وقد يقال : إننا ننظر فترى كثيرا من الكافرين والعصاة مفتوحا عليهم فى الرزق والقوة والنفوذ وألوان الخير ، ونرى كثيرا من المؤمنين مضيفاً (١) المفردات فى غريب القرآن ص ٤٤ للراغب الأصفهانى. - ١٢٣ - اليهم فى الرزق وفى غيره من وجوه النعم ، فأين هذا من سنة اله التى حكتها لأية الكريمة ؟ والجواب على ذلك أن الكافرين والعصاة قد يبسط لهم فى الأرزاق وفى وان الخيرات بطا كثيراً، ولكن هذا على سبيل الاستدراج كما فى قوله - تعالى - ,فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء حتى إذا رحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون». ومما لاشك فيه أن الابتلاء بالنعمة الذى مر ذكره فى الآية السابقة ، ثم دلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ... ، لا يقل خطراً عن الابتلاء بالشدة. قد أجلى الله كثيراً من الماس بألوان النعم فأشروا وبطروا ولم يشكروه عليها أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر . وشتان بين نعم تساق لإنسان على سبيل الاستدراج فى الشرور والآثام نكون فقمة على صاحبها لأنه يعاقب عقابا شديداً بسبب سوء استعمالها، وبين نعم التى وعد الله بها من يؤمنون ويتقون. إنها نعم مصونة عن المحق والسلب الخوف، لأن أصحابها شكروا الله عليها. واستعملوهافيما خلقت له، فكانت نتيجة أن زادهم الله غنى على غنام، وأن منحهم الأمان والاطمئنان وذلك ضل الله يؤ تيه من يشاء . ثم يتجه القرآن إلى الغافلين ، ليوقظ فيهم مشاعر الخوف من بأس امه عقابه فيقول: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون)). البيات: قصد العدو ليلا. يقال: بيت القوم العدو بيانا، إذا أوقعوا به بلا، وهو حال بمعنى بائتين . والاستفهام للافكار والتعجيب من أمر ليس من شأنه أن يقع من العاقل. المراد بأهل القرى: أهل مكة وغيرهم من القرى التى بعث إليها الرسول صلى الله عليه وسلم - . وقيل المراد يهم الأمة المحمدية من عصر النور الأعظم إلى يوم القيامة - ١٣٤ - لتعتهر بها نزل بغيرها كما يرشد إليه قوله - تعالى - بعد ذلك, أو لميهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها .. ، وقيل المراد بهم من ذكر حالهم فيما تقدم من القرى المهلكة بسبب ذنوبهاء قال الجمل: والفاء للعطف على «أخذناهم بغتة، وما بينهما وهو قوله. (( ولو أن أهل القرى .. إلى هناء اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه جىء به المسارعة إلى بيان أن الأخذ المذكور إنما هو بما كسبت أيديبهم. والمعنى: أبعد ذلك الأخذ أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (١) ؟ فالآية الكريمة تحذر الناس من الغفلة عن طاعة الله، وتحثهم على التيقظ والاعتبار: وقوله (( أو أمن أهل القرى) إنكار بعد إنكار للمبالغة فى التوبيخ والقشديد (أن يأتبهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أى: أن يأتيهم عقا بنافى ضحوة النهار وانبساط الشمس ، وهم لاهون لاعبون من فرط الغفلة. فقد خوفهم - سبحانه - بنزول العذاب بهم فى الوقت الذى يكونون فيه فى غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل، وحال الضحى بالنهار لأنه الوقت الذى يغلب على المرء التشاغل فيه بالذات . وقوله: « أفا منوا مكر الله، تكرير مجموع الإنكارين السابقين. جمعا بين التفريق قصدا إلى زيادة التحذير والإنذار . والمكر فى الأصل الخداع، ويطلق على الستر يقال: مكر الليل أى: ستر بظلمته ماهو فيه، وإذا نسب إليه - سبحانه - فالمراد به استدراجه للعبد العاصی حتی یهلكه فى غفلته تشبيها لذلك بالخداع . قال صاحب السكشاف: فإن قلت: فلم رجع فعطف بالفاء قوله « أفأمنو مکر اقه »؟ قلت: هو ((تكرير لقوله ((أفأمن أهل القرى)) ومكر الله: استعارة لأخذ (١) حاشية الجمل على الجلالين - ٢ ص ١٦٨ - ١٢٥ - عبد من حيث لايشعر ولاستدراجه ، فعلى العاقل أن يكون فى خوفه من كر الله كالمحارب الذى يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة. وعن الربيع بن خثعم أن ابنته قالت له : مالى أراك لاتنام والناس ينامون ؟ فقال: ا بفتاه إن أباك يخاف البيات. أراد قوله: (( أن يأتيهم بأسنا بياتا(١))). والمعنى: أفأمنوا مكر الله وتدبيره الحفى الذى لا يعلمه البشر فغفلوا عن عن قدرتنا على إنزال العذاب بهم بياناً أو ضحوة؟ لئن كانوا كذلك فهم بلا ريب عن الصراط لناكبون، وعن سنن الله فى خلقه غافلون، فإنه ((لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، أى: إلا القوم الذين خسروا أنفسهم وعقولهم، ولم يستفيدوا شيئا من أنواع العبر والعظات التى بثها الله فى أنحاءهذا الكون. هذا، ويرى الإمام الشافعى وأتباعه أن الأمن من مكر الله كبيرة من الكبائر، لأنه استرسال فى المعاصى اتكالا على عفو الله. وقال الحنفية إن الأمن من مكر الله كفر كاليأس ، لقوله - تعالى - ((إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وقوله: ((فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون )). ثم بين - سبحانه - أن من الواجب على الأحياء الذين يرثون الأرض من بعد أهلها الذاهبين المملکین، الذین أملکهم ذنوبهم ، و جنت علیهم غفلتهم، وعوقبوا على استهتارهم وغرورهم ... من الواحب على هؤلاء الأحياء أن يعتبروا ويتعظوا ويحسنوا القول والعمل حتى ينجو من العقوبات. قال - تعالى -، أو لم يهد الذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أُصبناهم بذنوبهم » . الاستفهام للافكار والتوبيخ . وبهد: أى يقبين، يقال: هداه السبيل أو الشىء وهداه إليه، إذا دله عليه وبينه له. ٠١) نفسه الكشاف جـ ٢ ص ٠١٢٤ - ١٣٩ - أى: أو لم يتبين لهؤلاء الذين يعيشون على تلك الأرض التى ورثوها بعد أهلها المهلكين، أننا فى قدرتنا أن ننزل بهم العذاب بسبب ذنوبهم كما أنزلناه بأولئك المهلكين . والمراد بالذين يرثون الأرض من بعد أهلها ، أهل مكة ومن حولها الذين أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم- هدايتهم. وقيل المراد بهم الأحياء فى كل زمان ومكان الذين يخلفون من سبقهم من الأمم . قال الجمل: وفاعل «يهد، فيه وجوه أظهرها: أنه المصدر المؤول من أن وما فى حيزها والمفعول محذوف. والتقدير: أو لميهد أى يبين ويوضح الوارثين مآ لهم وعاقبة أمرهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لوشئنا ذلك ... (١). وقوله: ((ونطبع على قلوبهم "فهم لا يسمعون)) جملة مستأنفة لإثبات حصول الطبع على قلوبهم . أى: ونحن فطبع على قلوبهم وتختم عليها، بسبب اختيارهم الكفر على الإيمان، فهم لذلك لا يسمعون الحكم والنصائح سماع تفقه وتدبر واقعاط . والذى يتأمل فى الآيات السابقة يراها تحذر الناس بأساليب متنوعة حكيمة من الغفلة عن العظات والعبر ، وتحضهم على التخلص من الأمن الكاذب، والشهوات المردية . والمتع الزائلة . وما يريد القرآن بهذا أن يعيش الناس قلقين ، يرتجفون من الهلاك والدمار أن بأخذهم فى لحظة من ليل أو نهار . كلا، مايريد منهم ذلك لأن القلق الدائم من المستقبل ، يشل طاقة البشر، وقد ينتهى بهم إلى اليأس من العمل والإنتاج وتنمية الحياة . وإنما الذى يريده القرآن منهم أن يتعظوا بآيات الله فى كونه، وأن يكونوا دائماً على صلة طيبة به، وأن يبتغوا فيما آتاهم الله من فضله الدار الآخرةدون (١) حاشية على الجلالين جـ ٢ ص ٠١٦٩ - ١٢٧ - أن ينسوا نصيبهم من الدنيا، وألا ينتروا بطراوة العيش، ورخاء الحياة، وقوة الجماء، كى لا يقودهم ذلك إلى الفساد والطغيان، والاستهتار والانحلال. وإذا كان القرآن فى هذه الآية قدحذرو أنذر، فلأنه يعالج كل أمة وجماعة بالطب الذى يناسبها ويلائمها، فهو يعطيها جرعات من الأمن والثقة والطمأنينة حين يرسخ الإيمان فى قلوب أبنائها ، وحين يراقبون خالقهم فى سرهم وعلنهم، ويشكرونه على نعمه، وهو يعطيها جرعات من التحذير والتخويف ، حين تستولى الشهوات على النفوس ، وحين تصبح الدنيا بمتعها ولذائنها المطلب الأكبر عند الناس . هذا وبعد أن انتهت السورة الكريمة من الحديث عما جرى لبعض الأنبياء مع أقوامهم، ومن بيان سنن الله فى خلقه، وبعد أن حذرت وأفذرت، اتجهت بالخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتطلعه على النتيجة الأخيرة لا بتلاء تلك القرى ، وما تكشف عنه من حقائق تتعلق بطبيعة الكفر وطبيعة الايمان فقالت: ((تلك القرى نقص عليك من أنبائها). أى : تلك القرى التى طال الأمد على تاريخها ، وجهل قرمك أيها الرسول الكريم أحوالها . وهى قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم شعيب، نقص عليك مافيه العظات والعبر من أخبارها. ليكون فى ذلك تسليه لك وتثبيتاً لفؤادك، وتأييداً اصدقك فى دعوتك . قال الزمخشرى: قوله - تعالى -: «تلك القرى نقص عليك من أنبائها، كقوله: « هذا بعلى شيخاً، فى أنه مبتدأ وخبر وحال. وبجوز أن يكون القرى صفة لتلك ونقص خبراً، وأن يكون (( القرى نقص، خبراً بعدخبر. فإن قلت: ما معنى ((تلك القرى)) حتى يكون كلاماً مفيداً؟ قلت : هو مفيد ولكن بشرط التقييد بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة فى قولك : هو الرجل الكريم. فإن قلت: ما معنى الاخبار عن القرى بنقص عليك من - ١٣٨ - أنبائها ؟ قلت : معناه أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أخبارها ولها أنباء أخرى لم نقصها عليك)،(١). وإنما قص الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنباء أهل هذه القرى، لأنهم اغتروا بطول الأمهال مع كثرة النعم ، فتوهموا أنهم على الحق، فذكرها الله لمن أرسل إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليحترسوا عن مثل تلك الأعمال ، وليعتبروا بما أصاب الغافلين الطاغين من قبلهم . ثم بين - سبحانه - أنه قد أعذر إليهم بأن وضح لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل فقال: (( ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) أى: ولقد جاء إلى أهل تلك القرى رسلهم بالدلائل الدالة على صدقهم ، فما كانوا ليؤمنوابعدرؤية المعجزات من رسلهم بما كانوا قد كنبوا به قبل رؤيتها منهم، لأنهم لجحودهم وعنادهم تحجرت قلوبهم ، واستوت عندهم الحالتان : حالة مجىء الرسل بالمعجزات وحالة عدم مجيئهم بها . وقيل إن المعنی : ما کانوا لو أحییناهم بعد إهلا کهم ورددناهم إلى دار التكليف ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم، ونظيره قوله - تعالى - (( ولو ردوا لهاذوا لمانهوا عنه). وقوله: ((كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين)) أى: ( مثل ذلك الطبع الشديد المحكم الذى طبع الله به على قلوب أهل تلك القرى المهلكة، يطبع الله على قلوب أولئك الكافرين الذين جاءوا من بعدهم بسبب إيثارهم الضلالة على الهداية . ثم كشف القرآن عن طبيعتهم فقال: «وما وجدنا لأ كثرهم من عمـد وإن وجدنا أكثرهم الفاسقين». أى: ماوجدنا لأ كثر الناس من وفاء بعهودهم فى الايمان والتقوى ، (١) تفسير الكشاف = ٢ ض ٠١٣٥ - ١٣٩ - بل الحال والشأن أننا علمنا أن أكثرهم فاسقين ، أى خارجين عن طاعتنا ، تار كين لأوامرنا، منتمكين لحرماتنا . وبعضهم يجعل الضمير فى (( أكثرهم، لأهل القرى المهلكة، وأنهم كانوا إذا عاهدوا الله بعهد نقضوه ولم يوفوا به . والأول أرجع. والمراد بالعهد ما عاهدهم الله عليه من الإيمان والتقوى والعمل الصالح. ومن فى قوله (( من عهد، مزيدة للاستغراق وتأكيد النفى . وإنما حكم على الأكثرين منهم بنقض العهود، لأن الأقلية منهم قدآمنوا ووفوا بما عاهدوا الله عليه من الإيمان والعمل الصالح. وهذا لون من الاحتراس الذى امتاز به القرآن فى عرضه للحقائق ، فهو لا يلقى التهم جزافاً، وإنما يعطى كل ذى حق حقه، فإن كان الأكثرون قد استحقوا الذم لكفرهم ونقضهم لعهودهم، فإن هناك قلة آمنت فاستحقت المدح والثناء. قال الآلوسي: و((إن، مخففة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف، ولاعمل لها فيه لأنها ملغاة على المشهور، وذهب الكرفيون إلى أن ((إن)) هنا نافية واللام فى ((لفاسقين) بمعنى إلا، أى: ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين))(١). وإلى هنا تكون الآيات الكريمة التى جاءت فى أعقاب الحديث عن أهل القرى المهلكة ، قد بينت لنا السنن الإلهية فى سعادة الأمم وشقائها، وكشفت لنا عن حكمته - سبحانه - فى ابتلائه لعباده بالسراء قارة وبالضراء أخرى، وحضت الناس على المراقبة لله وشكره على نعمائه، وحذرتهم من الغفلة والأمان من مكره - سبحانه - فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. ثم اتجهت فى النهاية بالخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فأطلعته على الطبائع الغالبة فى البشر حتى لا يضيق ذرعاً بأحوال من أرسل إليهم . (١) تفسير الألوسى - ٩ ص ٠١٧ - ١٤٠ - ثم عادت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن قصة أخرى من قصص الأنبياء مع أقوامهم ، حدثتنا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل بعد حديثها قبل ذلك عن شعيب الذى كان معاصراً لموسى - عليهما السلام -. فأنت ترى أن السورة الكريمة قد التزمت الترتيب التاريخى فى حديثها عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. ولقد قلنا من قبل إن الأسلوب البارز فى هذه السورة الكريمة وهى تدعو الناس إلى وحدانية الله يتجلى فى تذكيرهم بنعم الله التى لا تحصى ، وتخو بفهم عن طريق سرد أحوال الأمم المهلكة، بسبب مخالفتها لرسلها، وعتوها عن: أمر ربها ، ولعل هذا هو السر فى أنها ساقت لنا قصص نوح وهود : صالح ولوط وشعيب مع أعهم الذين أهلكوا بسبب كفرهم ولم تذكر لنا . مثلا - قصة إبراهيم مع قومه مع أن لوطا - عليه السلام - كان معاصراً له، وذلك لأن قوم إبراهيم لم يهلكوا، ولم يلتمس هو من ربه ذلك، بل اعتزلهم وما يعبدون من دون أنه . فالسورة الكريمة قد التزمت فى مجموعها الحديث عن مصارع المكذبين ليكونوا عبرة لكل عاقل ، وذكرى لكل عبد منيب . ومن هنا فهى لا تحدثنا عن قصة موسى من أولها كما جاء فى سورة القصص مثلا وإنما هى تبدأ حديثها عنها بالغرض الذى جاءت من أجله وهو التخويف من عواقب التكذيب فتقول: ((ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) . وهكذا تصرح السورة الكريمة فى أول آية من قصة موسى بالهدف الذى سيقت من أجله وهو النظر والتدبر فى عاقبة المفسدين . ثم بعد ذلك تحدثنا حديثاً مستفيضاً زاخراً بالعبر والعظات عما دار بين موسى وفرعون من محاورات ومجادلات انتهت غرق فرعون وقومه ثم