Indexed OCR Text
Pages 101-120
- ١٠١ - والمراد بالأرض : أرض الحجر التى كانوا يسكنونها وهى بين الحجاز والشام، تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا)). السهول: الأراضى السهلة المنبسطة. والجبال: الأماكن المتحجرة المرتفعة. أى أنزلكم فى أرض الحجر ، ويسر لكم أن تتخذوا من سهولها قصورا جميلة، ودورا عالية، ومن جبالها بيوتا تسكنونها بعد نحتكم إياها . يقال : نحته ينحته - كيضربه وينصره ويعلمه - أى: براء وسواء. قيل إنهم كانوا يسكنون الجبال فى الشتاء لما فى البيوت المنحوتة من القوة التى لا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ولما فيها من الدفء. أما فى غير الشتاء فكانوا يسكنون السهول لأجل الزراعة والعمل ومن التعبير القرآنى نلمح أثر النعمة والتمكين فى الأرض لقوم صالح، وندرك طبيعة الموقع الذى كانوا يعيشون فيه ، فهو سهل وجبل ، يتخذون فى السهل القصور ، وينحقون فى الجبال البيوت، فهم فى حضارة عمرانية واضحة المعالم، ولذا نجد صالح - عليه السلام - يكرر عليهم التذكير بشكر النعم فيقول: ((فاذكروا آلاء أنه ولا تعثوا فى الأرض مفسدين)). أى: فاذكروا بتدبر واتعاظ نعم الله عليكم ، واشكروه على هذه النعم الجزيلة ، وخصوه وحده بالعبادة ، ولا تتمادوا فى الفساد حال إفسادكم فى الارض . والمقصود النهى عما كانوا عليه من التمادى فى الفساد. مأخوذ من العبث وهو أشد الفساد. يقال: عى - كرضى - عثوا إذ أفسد أشد الإفساد. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد ذكرت لنا جانبا من النصائح التى وجها صالح لقومه فماذا كان موقفهم منه . لقد كان موقفهم لا يقل فى القبح والتطاول والعناد عن موقف قوم نوح وقوم هود، وماك ما حكاه القرآن عنهم: - ١٢ - ((قال الملاء الذين استكبروا من قومه الذين استضعفوا لمن آمن منه أتعدون أن صالحا مرسل من ربه ،؟ أى : قال المقرفون المتكبرون من قوم صالح المؤمنين المستضعف الذين هداهم الله إلى الحق: أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه إليكم لعباد وحده لا شريك له ؟ وهو سؤال قصد المترفون منه تهديد المؤمنين والاستهزاء بهم ، لأنه يعلمون أن المؤمنين يعرفون أن صالحا مرسل من ربه . ولذا وجدنا المؤمنين لا يردون عليهم بما يقتضيه ظاهر السؤال بأن يقول لهم: نعم أنه مرسل من ربه، وإنما ردوا عليهم بقولهم: (( إذا بما أرسل مؤمنون ، مسارعة منهم إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإظهاراً الإيمـ الذى استقر فى قلوبهم، وتنبيها على أن أمر إرسال صالح - عليه السلام -، الظهور والوضوح بحيث لا ينبغى لعاقل أن يسأل عنه، وإنما الشىء الجد بالسؤال عنه هو الإيمان بماجاء به هذا الرسول الكريم، والامتثال لما يقتط العقل السليم . وهو رد من المؤمنين المستضعفين يدل على شجاعتهم فى الج بالحق وعلى قوة إيمانهم ، وسلامة يقينهم. وقوله: ((لمن آمن منهم، بدل من (الذين استضعفوا، بإعادة الجار به كل من كل ، والضمير فى ((منهم) يعود على قوم صالح. وهنا يعلن المستكبرون عن موقفهم فى عناد، وصلف وجحود، واست إلى القرآن وهو يحكى ذلك فيقول: ((قال الذين استكبروا إنا بالذى آهـ به کافرون ». أى: قال المستكهرون ردا على المؤمنين الفقراء: إذا بما آمنتم به كافرو ولم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون، إظهارا لمخالفتهم إياهم، وردا على مقا! ((إنا بما أرسل به مؤمنون)). - ١٠٢ - قال صاحب الإنتصاف: ولو طابقوا بين الكلامين لكان مقتضى المطابقة أن يقولوا ، بما أرسل به كافرون ولكنهم أبو ذلك حذرا بما فى ظاهره من إثباتهم لرسالته، وهم يجحدونها ، وقد يصدر مثل ذلك على سبيل التهكم، كما قال فرعون: إن رسولكم الذى أرسل إليكم بجنون، فأثبت إرساله تهكما ، وليس المقام هنا مقام التهكم ، فإن الغرض إخبار كل واحد من الفريقين المؤمنين والمكذبين عن حاله، فرد كل فريق على الآخر بما يناسبه ، (١) ثم أقبع المستكبرون قولهم القبيح بفعل أقبح يتجلى فى قوله - تعالى - عنهم: ( فعقروا الناقة، أى: نحروها وأصل العقر: قطع عرقوب البعير، ثم استعمل فى النحر، لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره. أى: عقروا الناقة التى جعلها الله حجة لنبيه صالح - عليه السلام - والتى قال لهم صالح فى شأنها (( لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم)). وأسند العقر إلى جميعهم لأنه كان برضاه، وإن لم يباشره إلا بعضهم ويقال للقبيله الكبيرة أنتم فعلتم كذا مع أن الفاعل واحد منهم، لكونه بين أظهرم . وقوله: ((وعتوا عن أمر ربهم)) أى: استكبروا عن امتثال أوامره واجتناب نواهيه. من العتو وهو النبو، أى: الارتفاع عن الطاعة والتكبر عن الحق والغلو فى الباطل . يقال: عتا يعتو عتيا ، إذا تجاوز الحد فى الاستكبار . فهو عات وعتى . وقد إختار القرآن كلمة ((عنوا، لإبراز ما كانوا عليه من تجبر وتبجح وغرور خلال إقترافهم المعاصى والجرائم التى من أبرزها عقر الناقة ، فهم قد فعلوا ما فعلوا عن تعمد وإصرار على إرتكاب المنكر . (١) الانتصاف على الكشاف - ٨ ص ١٢٣ لابن المنبر. - ١٠٤ - ثم لم يكتفوا بكل هذا، بل قالوا لنبيهم فى سفاهة وتطاول: «باصالح أتتنا ، بما تعدنا إن كنت من المرسلين». نادوه باسمة تهوينا لشأنه، وتعريضا بما يظنون من عجزه؛ وقالوا له على سبيل تعجل العذاب الذى توعدهم به إذا استمروا فى طغيانهم ائتنا بما توعدتنا به إن كنت صادقا فى رسالتك . ولقد كان رد القدر على تبجحهم وعقوم واستكبارهم سريعا، قال- تعالى- «فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جائمين »: الرجفة: الزلزلة الشديدة. يقال: رجفت الأرض ترجف رجفا، إذا إضطربت وزلزت ؛ ومنه الرجفان للاضطراب الشديد . وجائمين : من الجثوم وهو للناس والطير بمنزلة البروك للابل، يقال جثم الطائر يحثم جنما وجثوما فهو جائم إذا وقع على صدره أو لزم مكانه فلم ير حه . والمعنى: فأخذت أولئك المستكبرين الرجفة ، أى : الزلزلة الشديدة فأهلكتهم ، فأصبحوا فى بلادهم أو مساكنهم باركين على الركب ، ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون . وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . ويتركهم القرآن على هينهم جانمين، ليتحدث عن نبيهم صالح الذى كذبوه فيقول: ((فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين)). أى: فأعرض عنهم نبيهم صالح، ونفض يديه منهم، وتركهم للمصير الذى جلبوه على أنفسهم ((وأخذ يقول متحسراً على ما فاتهم من الايمان: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة دبى كاملة غير منقوصة، ونصحت لمكم بالترغيب - ١٠٥ - تارة وبالترهيب أخرى، ولكن كان شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداو تهم . هذا وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدمر على ديار ثمود المعروفة الآن بمدائن صالح وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع من الهجرة، فأمر أصحابه أن يدخلوها خاشعين وجلين كراهة أن يصيبهم ما أصاب أهلها ، وتهاهم عن أن يشربو من مائها . روى الامام أحمد عن ابن عمر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم- بالناس عام تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت نمود فاستسقى الناس من الآبار التى كانت تشرب منها ثمود فعحقوا منها ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الابل (( ثم ار تحل بهم على البئر التى كانت تشرب منها الفاقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال : إن أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم (١) وروى الشيخان عن ابن عمر قال : لما مر رسول الله صلى الله عليه: وسلم بالحجر قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوزوا الوادى (٢). وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين ، وحلت العقوبة بمن كانوا يتعجلونها ويستهزءون بها . ثم حكت لنا السورة بعد ذلك جانبا مما دار بين لوط وقومه فقالت : (١) مسند الامام أحمد حـ ٢ ص ١٢٧ طبعة الحلبى. (٢) أخرجه البخارى فى كتاب المغازى: باب نزول النبى - ص - الحجر الحديث رقم ٣٨٤ محمد فؤاد عبد الباقى: وأخرجه مسلم فى كتاب الزهد والرقائق حدیث ٣٨ - ١٠٦ - ((وَلُوطاً إِذْ قَالْ لِقَوْمِهِ أَ أُتُونَ الفاحشةَ ما سَبَقُكُمْ بها مِنْ أَحَدٍ مِنّ العالمينَ (٨٠) إنكُمْ لِتَأْتُونَ الرجالَ شَهوةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُ قومٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وما كانَ جوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَلوا أَخْرِ جُومٍ مِنْ قَرْيَتَكُمْ إِنْهُمْ أُنَسٌ يَتَطَهِّرُ ونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ إلَ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ (٨٣) وأَمْظَرْنَاً عليهم مَطراً فانْظُرْ كَيْفَ كَنَ عاقبةُ المُجْرِمِينَ (٨٤))). قال ابن كثير : لوط هو ابن هاران بن آزر وهو ابن أخى إبراهيم ، وكان قد آمن مع إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثة اللّه إلى أهل سدوم وما حولها من القرى يدعوهم إلى الله - تعالى - ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التى اخترعوها لم يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم، وهو إقيان الذكور دون الاناث، وهذا شىء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر ببالهم ((حتى صفع ذلك أهل مدوم - وهى قرية بوادى الأردن - عليهم لعائن الله (١)). وقوله - تعالى ـ((ولوطًا)) منصوب بفعل مضمر معطوف على ما سبق أى: وأرسلنا لوطا و((إذا قال لقومه، ظرف لأرسلنا، وجوز أن يكون ((لوطا، منصوبا بإذكر محذوفا فيكون من عطف القصة على القصة، و((إذا)) بدل من لوط بدل اشتمال بناء على أنها لا تلزم الظرفية . وقوله: «قانون الفاحشة ماسبقكم بها من أحد من العالمين .. أى: أتفعلون تلك الفعلة التى بلغت نهايتها القبح والفحش، والتى مافعلها أحد قبلکم فى زمن من الأزمان فأنتم أول من ابتدعها فعلیکم وزرها ووزر (١) تفسير ابن كثير <٢ ص ١٣٠ - ١٠٧ -٠ من عملها إلى يوم القيامة والاستفهام، الافكار والتوبيخ قال عمر بن دينار: ((ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط.)). وقال الوليد بن عبد الملك : (( لولا أن الله قص علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكراً يعلو ذكرا، والباء فى ( بها، كما قال الزمخشرى - للتعدية، من قولك سبقته بالكرة إذا. ضربتها قبله ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - ((سبقك بها عكاشة،، و((من)) فى قوله ((من أحد، لتأكيد النفى دعمومه المستغرق لكل البشر . والجمله - كما قال أبو السعود - مستأنفة مسوقة لتأكيد الشكير وتشديد التوبيخ والتقريع، فإن مباشرة القبح قبيح واختراعه أقبح ، فأنكر عليهم أولا إتيان الفاحشة ، ثم وبخه بأنهم أول من عملها)) . ثم أضاف لوط الى افكاره على قومه إفكارا آخر وتوبيخا أشنع فقال : ((إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء)). أى: إنكم أيها القوم الممسوخون فى طبائعكم حيث تأتون الرجال الذين خلقهم الله ليأتوا النساء ، ولا حامل لكم على ذلك إلا مجرد الشهوة. الخبيثة القذرة . والاتيان: كناية عن الاستمتاع والجماع. من أتى المرأة إذا غشيها. وفى إيراد لفظ ((الرجال، دون الغلمان والمردان ونحوهما، مبالغه فى التوبيخ والتقريع . قال صاحب الكشاف: و((شهوة، مفعول له، أى للاشتها. ولا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر. ولاذم أعظم منه، لأنه وصف لهم بالبهيمية، وأنه لاداعى لهم من جهة العقل ألبتة كطلب النسل ونحوه . أو حال ، بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين إلى السماحة)،(!) (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ١٢٥ - ١٠٨ - وقرله (( من دون النساء، حال من الرجال أو من الواو فى تأتون، أى: قأتون الرجال حالة كونكم تاركين النساء اللائى من موضع الاشتهاء عند ذوى الطبائع السليمة ، والأخلاق المستقيمة . قال الجمل: وإنما ذمهم وعيرهم وربخهم بهذا الفعل الخبيث، لأن الله - تعالى - خلق الإنسان وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمر ان الدنيا ، وجعل النساء محلا للشهوة وموضعا للنسل. فإذا تركين الانسان وعدل عنهن إلى غير من من الرجال فقد أسرف وجاوز واعتدى، لأنه وضع الشىء فى غير محله وموضعه الذى خلق له ، لأن أدبار الرجال ليست محلا للولادة التى هى مقصود بتلك الشهوة للانسان » (١) وقوله ((بل أنتم قوم مسرفون، إضراب عن الانكار إلى الاخبار عن الأسباب التى جعلتهم يرتكبون هذه القبائح، وهى أنهم قوم عادتهم الاسراف و تجاوز الحدود فى كل شىء . أى: أنتم أيها القوم لستم من يأتى الفاحشة مرة ثم يهجر ها ويتوب إلى الله بل أنتم قوم مسرفون فيها وفى سائر أعمالكم ، لا تقفون عند حد الاعتدال فى عمل من الأعمال . وقد حكى القرآن أن لوطا - عليه السلام - قال لهم فى سورة العنكبوت: ((إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل، وتأتون فى ناديكم المنكر)). وقال لهم فى سورة الشعراء: ((بل أنتم قوم عادون، أى: متجاوزين لحدود الفطرة وحدود الشريعة . وقال لهم فى سورة النمل: دبل أقتم قوم تجهلون)) وهو يشمل الجهل الذى هو ضد العلم، والجهل الذى هو بمعنى السفه والطيش. (١) حاشية الجمل على الجلالين حـ٢ ص ٠١٦٢ - ١٠٩ - ومجموع الأيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل ، وانحطاط الخلق، وإيثار الغى والعدوان على الرشاد والتدبر. ولقد حكى القرآن جوابهم القبيح على نصائح نبيهم لهم، فقال:(( وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم،. أى: وما كان جواب الطغاة المستكبرين على نصائح فيهم لوط - عليه. السلام - إلا أن قال بعضهم لبعض أخرجوالوطا ومن معه من المؤمنين من قريتكم سدوم التى استوطنتموها وعمقتم بها. وقوله: (( إلا أن قالوا .. ، استثناء مفرغ من أعم الأشياء، أى: ما كان جوابهم شيئاً من الأشياء سوى قول بعضهم لبعض أخرجوهم ... لماذا هذا الإخراج؟ بين القرآن أسبابه كما تفوهت به ألسنتهم الخبيثة، واتفقت عليه قلوبهم المنكوسة فقال: ((إنهم إناس يتطهرون)، بهذه الجملة التعليلية . أى: إن لوطا وأتباعه أناس يتنزهون عن إتيان الرجال، وعن كل عمل من أعمالنا لايرونه مناسبا لهم. يقال: تطهر الرجل، أى: تنزه عن الآام والقبائح . وما أعجب العقول عندما تنتكس ، والأخلاق عندما ترتكس ، إنها. تستنكف أن يبقى معها الطهور المتعفف عن الفحش ، وتعمل على إخراجه، ليبقى لها الملوثون الممسوخون . وإنه لمنطق يتفق مع المنحر فين الذين انحطت طباعهم ، وانقلبت موازينهم ، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: وقولهم ((إنهم إناس بتطهرون) سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخار بما كانوا فيه من القذارة ، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عناهذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد »(١). (١) تفسير الكثاف جـ ٢ ص ٠١٢٧ - ١١٠ - ثم حكمت السورة عاقبة القريقين فقالت: ((فأنجيناه وأهله، أى: أنجينا لوطا ومن يختص به من ذوبه أو من المؤمنین ، قالوا: ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط ، كما قال - تعالى - ((فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين)). وقوله (( إلا أمرأته، استثناء من أهله، أى: فأنجيناه وأهله إلا امرأته فإذا لم تنجها لخبتها وعدم إيمانها. قال ابن كثير : إنها لم تؤمن به ، بل كانت على دين قومها ، تمالتهم عليه وتخبرهم بمن يقدم عليه من ضيفافه بإشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط - عليه السلام - ليسرى بأهله أمر أن لا يعلمها ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول بل اتبعتهم ، فلما جاء المذاب التفتت هى فأصابها ما أصابهم، والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم، ولهذا قال هاهنا:« إلا أمراقة انت من الغابرين، أى: «الباقين فى المذاب، (١) والغابر: الباقى. يقال: غير الشىء يغبر غبورا، أى: بقى. وقد يستعمل فيما مضى - أيضا - فيكون من الأضداد، ومنه قول الأعشى: فى الزمن الغابر . أى : الماضى . وقوله: (( وأمطرنا عليهم مطراً، أى: وأرسلنا على قوم لوط نوعا من المطر عجيبا أمره، وقد بينه الله فى آية أخرى بقوله ((فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ، (٢). أى : جازيناهم بالعقوبة التى تناسب شناعة جرمهم فإنهم لما قلبوا الأوضاع فأتوا الرجال دون النساء ، أهلكناهم بالعقوبة التى قلست عليهم قريتهم جعلت أعلاها أسفلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل أى من طين متجمد. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٣١. (٢) سورة الحجر الآية ٧٤. - ١١١ - ثم ختمت القصة بالدعوة إلى التعقل والتدبر والاعتبار فقال - تعالى - : « فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ): أى: فانظر أيها العاقل نظرة تدير واتعاظ فى مآل أولئك المكافرين المقترفين لأشفع الفواحش، واحذر أن تعمل أعمالهم حتى لا يصيبك ما أصابهم وسر فى الطريق المستقيم لتنال السعادة فى الدنيا والآخرة . هذا . وقد وردت أحاديث تصرح بقتل من يعمل عمل قوم لوط فقددرى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذى والحاكم والبيهقى عن ابن عباس. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط . فاقتلوا الفاعل والمفعول به،. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أر اللائط يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط . . وذهب بعض العلماء إلى أنه يرجم، سواء أ كان محصنا أو غير محصن(١). ثم قصت علينا سورة الأعراف بعد ذلك قصة شعيب مع قومه ، فقالت: ((، إِلَى مَذِينَ أَخَمْ شُعَيْاَ قَالَ يَاقومِ اعْبُدُوا الهَ مَا لَكُم مِنْ إلٍّ غَيْرَهُ قَدْ جَاءَتَكُمْ بَيّةٌ مِنْ رَبْكُمْ، فَأَوْفُوا الَكَيْلَ والميزَانَ ولا تبخّسُوا النَّاسَ أَشياءهم ولا تُفْسِدُوا فِى الْأرْضِ بَعْد إصْلاَحِها، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِذْ كَثْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) ولاَ تَقْعَدُوا بكلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُ ونَ وَقَصُدُّونَ مَنْ سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وتبغُونَهاَ عِوجاً ، واذْ كُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثُرَكُمْ وانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَقْبَةُ (١) راجع تفسير القاسمى - ٧ ص ٢٨٠٧ وما بعدها. وتفسير الآلوسى حـ ٧ ص ١٧٢ وما بعدها . - ١١٢ - المُفْسِدِينَ (٨٦) وإنْ كانَ طائفَةٌ مِنْكُم آمنُوا بِالَّذِى أُرْسِلِتُ به وطَائِفَةٌ لم يُؤمِنُوا فَاصْبِرُ واحتى يحُكُم الهُ بِيْنَا وَهُو خيْرُ الحاكمين (٨٧)). وقوله: « وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره)) أى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. ومدين أسم للقبيلة التى تنسب إلى مدين بن إبراهيم - عليه السلام- وكانوا يسكنون فى المنطقة التى تسمى معان بين حدود الحجاز والشام، وهم أصحاب الأيكة - والأيكة: منطقة مليئة بالشجر كانت مجاورة لقريه معان ، وكان يسكنها بعض الناس فأرسل الله شعيبا إليهم جميعا . وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدن بن إبراهيم فهو أخوهم فى النسب وكان النبى - صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيب قال:( ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته أقومه، وقوة حجته . وكان قومه أهل كفر وبخس المكيال والميزان فدعاهم إلى توحيد الله - تعالى - ونهاهم عن الخيانة وسوء الأخلاق . وعن السدى وعكرمة : أن شعيبا أرسل إلى أمتين : أهل مدين الذين أهلكوا بالصيحة، وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلمه ، وأنه لم يبعث نبى مرتين إلا شعيب - عليه السلام -. ولكن المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة، فأهل مدين هم. أصحاب الأيكة أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة - أى السحابة - ، وأن كل عذاب كان كالمقدمة للآخر . وبعد أن دعاء إلى وحدانية الله شأن جميع الرسل فى بدء دعوتهم قال لهم «قد جاءتكم بيئة من ربكم) أى. قد جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبونى توجب عليكم الإيمان بى والأخذ بما آمركم به والانتهاء عما أنها كم عنه . - ١١٣- قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما كانت معجزته ؟ قلت : قد وقع العلم بأنه كانت له معجزة لقوله: (( قد جاءتكم بينة من ربكم))، ولأنه لابد لمدعى النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه وإلا لم تصح دعواه, وكان متفيئا لانبياً، غير أن معجزته لم تذكر فى القرآن كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم - فيه(١) ثم أخذ فى نهيهم عن أبرز المفكرات التى كانت متفشية فيهم فقال - كما حكى القرآن عنه - : «فأوفوا الكيل والميزان، الكيل والميزان مصدران أريد بهما ما يكال ومايوزن به، كالعيش بمعنى ما يعاش به . أو المكيل والموزون . أى: فأنموا الكيل والميزان للناس بحيث يعطى صاحب الحق حقه من غير نقصان ، ويأخذ صاحب الحق حقه من غير طلب الزيادة . ((ولا تبخسوا الناس أشياءهم، أى: ولا تنقصوم حقوقهم بتطفيه الكيل ونقص الوزن فيما يجرى بينكم وبينهم من معاملات. يقال: بخه حقه يخه إذا نقصه إياه. وظلمه فيه ((وقبخوا)) تعدى إلى مفعولين أولهما الناس والثانى أشياءهم . وفائدة التصريح بالنهى عن النقص بعد الأمر بالإيفاء. تأكيد ذلك الأمر وبیان قبح عنده . قال الآلوسى: وقد يراد بالأشياء الحقوق مطلقا فإنهم كانوا مكاسين لايدعون شيئا إلا مكروه. وقد جاء عن ابن عباس أنهم كانوا قوما حفاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم ... قيل ويدخل فى ذلك بين الرجل حقه من حسن المعاملة والتوقير اللائق به وبيان فضله على ماهو (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠١٢٧ (٨ - سورة الأعراف) - ١١٤ - عليه المسائل عنه. وكثير ممن ينتسب إلى أهل العلم اليوم مبتلون بهذا البخس، وليتهم قنعوا به بل جمعواء حشفا وسوء كيلة، فإنا لله وإنا إليه راجعون(١) ثم نهاهم عن الامساد بوجه عام فقال: ((ولا تفدوا فى الأرض بعد إصلاحها، أى: لاتفدوا فى الأرض بما ترتكبون فيها من ظلم وبغى ، وكفر وعصيان، بعد أن أصلح أمرها وأمر أهلها الأنبياء وأتباعهم الصالحون الذين يعدلون فى معاملاته، ويلتزمون الحق فى كل تصرفاتهم. ثم ختمت الآية بتلك الجملة الكريمة التى استجاش بها شعيب مشاعر الإيمان فى نفوس قومه حيث قال لهم: ((ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين). أى: ذلكم الذى آمركم به وأنها كم عنه خير لكم فى الحال والمآل فبادروا إلى الاستجابة لى إن كنتم مصدقين قولى، ومنتفعين بالهدايات التى جئت بها إليكم من ربكم. فاسم الإشارة , ذلكم، يعود إلى ماذكر من الأمر بالوفاء فى الكيل والميزان والنهى عن بخس الناس أشياءهم وعن الافساد فى الأرض. ثم انتقل شعيب إلى نهيهم عن رذائل أخرى كانوا متلبسين بها فقال : (( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون)، أوعدون: من التوعد بمعنى التخويف والتهديد. أى. ولا تقعدوا بكل طريق من الطرق المسلوكة تهددون من آمن بى بالقتل، وتخيفونه بأنواع الأذى، وتلصقون بى وأنا نبيكم التهم الى أنا برىء منها، بأن تقولوا لمن يريد الايمان برسالتى: إن شعيبا كذاب وإنه يريد أن يمتنكم عن دينكم. وقوله: ((وتصدون عن سبيل الله من آمن به، وتبغونها عوجا، أى: وقصرفون عن دين أته وطاعته من آمن به، وتطلبون لطريقه العوج بإلقاء الشبه أو بوصفها بما ينقصها ، مع أنها هى الطريق المستقيم الذى هو أبعدما يكون عن شائبه الاعوجاج . (١) تفسير الآلومى = ٨ ص ٠١٧٧ - ١١٥ - قال صاحب الكشاف : فإن قلت: صراط الحق واحد «وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، فكيف قيل: بكل صراط؟ قلت : صراط الحق واحد ، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة ، فكانوا إذا رأوا أحداً يشرع فى شىء منها أو عدوه وصدوه فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى (آمن به)؟ قلت: إلى كل صراط. والتقدير: توعدون من آمن به وتصدون عنه . فوضع الظاهر الذى هو سببل الله موضع الضمير زيادة فى تقبيح أمرهم ، ودلالة على عظم ما يصدون عنه (١). وقوله : توعدون. وتصدون، وتبغون هذه الجمل أحوال، أى: لا تقعدوا موعدين وصادين، وباغين، ولم يذكر الموعد به لتذهب النفس فيه كل مذهب ثم ذكرهم شعيب بنعم الله عليهم فقال)) (( واذكروا إذا كنتم قليلا فكثركم، أى: اذكروا ذلك الزمن الذى كنتم فيه قليلى العدد فكثر كم الله بأن جعلكم موفورى العدد، وكنتم فى قلة من الأموال فأهاضها الله بين أيديكم، فمن الواجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم، وأن تفردوه بالعبادة والطاعة ثم اتبع هذا التذكير بالنعم بالتخويف من عواقب الافساد فقال: (( وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين)، أى : انظروا فظر تأمل واعتبار كيف كانت عاقبة المفسدين من الأمم الخالية، والقرون الماضية، كقوم لوط وقوم صالح ، فسترون أنهم قد دمروا تدميراً بسبب إفسادهم فى الأرض، وتكذيبهم الرسلهم ,(فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين، لأن سيركم على طريقهم سیؤدی بكم إلى الدمار . ثم نصحهم أن يأخذوا أنفسهم بشىء من العدل وسعة الصدر، وأن يتركوا أتباعه أحراراً فى عقيدتهم حتى يحكم الله بين الفريقين، فقال: «وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا، فاصبروا حنى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)). (١) تفسير الكشاف حـ٢ ص ٠١٢٨ - ١١٦ - أى: إن كان بعضكم فد آمن بما أرسلنى الله به إليكم من التوحيد وحسن الأخلاق , وبعضكم لم يؤمن بم) أرسلت به بل أصر على شركه وعناده، فتربصوا وانتظروا حتى يحكم اله بيننا وبينكم بحكمه العادل ، الذى يتجلى فى نصرة المؤمنين ، وإهلاك الظالمين، وهو - سبحانه - خير الحاكمين. قال صاحب الكشاف: وهذا وعيد للكافرين بانتقام الله منهم ، كقوله: ((فتربصوا إنا معكم متربصون، أو موعظة للمؤمنين وحث على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم. ويجوز أن يكون خطابا للفريقين . أى: ليصبر المؤمنون على أذى الكفار ، وليصبر الكفار على ما يسوهم من إيمان من آمن منهم حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب(١)» . وإلى هذا تكون السورة الكريمة قد حكت لنا جانيا من الحجج الناصمة ، والنصائح الحكيمة ، والتوجيهات الرشيدة التى وجهها شعيب - خطيب الأنبياء - إلى قومه . وارجع البصر - أيها القارئ الكريم - فى هذه النصائح ترى شعيبا - عليه السلام - يأمر قومه بوحدانية الله لأنها أساس العقيدة ور كن الدين الأعظم، ثم يتبع ذلك بمعالجة الجرائم التى كانت متفشية فيهم ، فيأمرهم. بإيفائهم الكيل والميزان ، وينهاهم عن بخس الناس أشياءهم وعن الإفسادفى الأرض، وعن القعود فى الطرقات لتخويف الناس وتهددهم، وعن محاولة صرفهم عن طريق الحق، بإلقاء الشبهات، وإشاعة الأباطيل ... مستعملا فى وعظه التذكير بنعم الله قارة . وبنقمه من المكذبين تارة أخرى. (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠١٢٨ - ١١٧ - ولقد كان من المنتظر أن يتقبل قوم شعيب هذه المواعظ تقبلا حسنا ، وأن يصدقوه فيما يبلغه عن ربه، ولكن المستكبرين منهم عموا وصموا عن الحق، واستمع إلى القرآن وهو يحكى موقفهم فيقول: (( قَالَ المَلأُ الذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قومِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شعيبُ والذين آمنُوا مَعَكَ مِنْ قريتِنَا أَوْ لتَعودُنَّ فِى مِلَِّنَاَ، قَالَ أَوَ لَوْ كَنَّا كارهين (٨٨) قَدْ افترَيْنَاَ عَلَى اللهِ كَذِبًا إنْ عُدْنَاً فى مِلْتِكُمْ بَعْدَ إِذ ◌ُجَانَ اللهُ مِنْهَاَ وما يُكُونُ لنا أنْ تُعُودُ فيها إلاّ أنْ يشَاءَ اللهُ ربّاً، وسِعَ ربُّاَ كلَّ شىءٍ عِلْماً، عَلَى اللهِ توكلناَ، ربَّنَ افْتَحِ بِيْنَا وَبَيْنَ فَومِنَاَ بالحقِّ وأنتَ خيرُ الفاتحِينَ (٨٩) وقالَ الملأ الذينَ كفرُوا من قَوْمِه لَعْنَ اثْبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُم إذاً لخاسِرُونَ (٩٠) فأخَذتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصبَحُوا فى دَارِمِ جَائِمِينَ (٩١) الذينَ كذّبُوا شُعيباً كَأَنْ لم يَغْنَوْا فيها ، الذين كَذَّبُوا شُعيباً كانوا مُ الخَاسِرِينَ (٩٢) فتولى عنْهُم وقالَ يا قَومٍ لقدْ أَبلنتكم رسالاتٍ ربِى ونَصحتُ لكُم، فكيف آسَى على قومٍ كافرِ ينَ (٩٣)». أى: قال الأشراف المستكبرون من قوم شعيب له رداً على مواعظه لهم: والله انخرجنك يا شعيب أنت والذين آمنوامعك من قريتنا بغضا لكم. ودفعا لفتنتكم المترتبة على مسا كنقنا ومجاورتنا، أو لتعودن وترجعن إلى ملتنا وما نؤمن به من تقاليد ورثناها عن آبائنا ومن المستحيل علينا تركها . خليك ياشعيب أنت ومن معك أن تختاروا لأنفسكم أحد أمرين : الإخراج من فريقنا أو العودة إلى ملتنا . *- كذا قال المترفون المغرورون لشعيب وأتباعه باستعلاء وغلظة وغضب، - ١١٨ - وجملة ((قال الملأ .. إلخ، مستأنفه استئنافا بيانيا، كأنه قيل : فماذا كان رد قوم شعيب على نصائحه لهم ؟ فكان الجواب: قال الملأ ... إلخ . وقد أكدوا قولهم بالجملة القسمية للمبالغة فى إفهامه أنهم مصممون على تنفيذ مايريدو نه مته ومن أتباعه . ونسبوا الاخراج إليه أولا وإلى أتباعه ثانيا، للتنبيه على أصالته فى ذلك، وأن الذين معه إنما هم تبع له ، فإذا ماخرج هو كان خروج غيره أسهل . وجملة:( أو لتعودن فى ملتنا، معطوفة على جملة (( لنخر جنك ... )، وهى - أى جملة ((أو لتعودن فى ملتنا)) المقصود الأعظم عندهم، فهؤلاء المستكبرون يهمهم فى المقام الأول أن يعود من فارق ملتهم وديانتهم إليها ثانية . والتعبير بقولهم , أو لتحودن فى ملتنا، يقتضى أن شعيبا ومن معه كانوا على ملتهم ثم خرجوا منها ، وهذا محال بالنسبة لشعيب - عليه السلام - فإن الأنبياء معصومون - حتى قبل النبوة - عن ارتكاب الكبار فضلا عن الشرك . وقد أجيب عن ذلك بأن المستكبرين قد قالوا ماقالوا من باب التغليب ، لأنهم لما رأوا أن أتباعه كانوا من قبل ذلك على ملتهم ثم فارقوهم واقبعوا شعيبا، قالوا لهم: إما أن تخرجوا مع نبيكم الذى اتبعتموه وإما أن تعودوا إلى ملتنا التى سبق أن كنتم فيها ، فأدر جوا شعيبا معهم فى الأمر بالعودة إلى ملتهم من ياب تغلييهم عليه هنا ، هذا هو الجواب الدى ارتضاه كثير من العلماء وعلى رأسهم صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت : كيف خاطبوا شعيبا. عليه السلام - بالعود فى الكفر فى قولهم: (( أو لتعودن فى ملتنا، وكيف أجابهم بقوله: (( إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها ، والأنبياء - عليه السلام - لايجوز عليهم من الصغائر إلا ماليس فيه تتغير، فضلا عن الكبائر، فضلا عن الكفر؟ قلت: قالوا: ((لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، فعطفوا على ضميره الذين دخلوا - ١١٩ - ، الايمان منهم بعد كفرهم قالوا: لتعودن فغلب الجماعة على الواحد ، جعلوهم ائدين جميعا، إجراء للكلام على حكم التغليب . وعلى ذلك أجرى شعيب - عليه السلام - جوابه فقال: ((إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها)، هو يريد عودة قومه، إلا أنه نظم نفسه فى جملتهم وإن كان بريئا من ذلك جراء لكلامه على حكم التغليب) (١). هذا هو الجواب الذى اختاره الزمخشرى وقبعه فيه بعض العلماء، وهناك جوبة أخرى ذكرها المفسرون ومنها: ١ - أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان فى ملتهم، لسكوته قبل البعثة من الافكار عليهم . ٢ - أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس وإيها ما لهم بأنه كان على بنهم وما صدر عن شعيب - عليه السلام - كان على طريق المشاكلة . ٣ - أن قولهم (( أو لتعودون فى ملتنا، بمعنى: أو لتصيرن، إذ كثيراً ايرد «عاد، بمعنى, صار، فبعمل عمل كان. ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال سابقة إلى حال مؤتنفة، كأنهم قالوا , لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفاراً مثلنا ، . قال الامام الرازى : تقول العرب: قد عاد إلى فلان مكروه ، يريدون : - صار إلى منه المكروه ابتداء . وقال صاحب الانتصاف: إنه يسلم استعمال ((العود)) بمعنى الرجوع إلى مر سابق)، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله - تعالى - «اله ولى الذين منوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت فرجونهم من النور إلى الظلمات،. والاخراج يستدعى دخولا سابقا فيما قع الاخراج منه. ونحن نعلم أن المؤمن الناشىء فى الايمان لم يدخل قط فى ظلمة (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ١٢٩ - ١٢٠ ~ الكفر، ولا كان فيها. وكذلك الكافر الأصلى، لم يدخل قط فى نور الايمان ولا كان فيه، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختياريه التى خلق الله العبد متيسراً لكل واحدمنهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله إلى الايمان، إخباراً بالاخراج من الظلمات إلى الفور توفيقا من الله له، ولطفا به، وبالعكس فى حق الكافر وفائدة اختياره فى هذه المواضع، تحقيق المكن والاختيار؛ لاقامة حجة الله على عباده)،(١) هذه بعض الأجوبة التى أجاب بها العلماء عنى قول قوم شعيب ((أولتعودن فى ملتنا، ولعل أرجحها هو الرأى الذى اختاره صاحب الكشاف ((لبعدوعن التكلف ، واتساقه مع رد شعيب عليهم . فقد قال لهم : ((أولو كنا كارهين)). أى: أتجبروفنا على العودة إلى ملتكم حتى ولو كنا كارهين لها ، لاعتقادنا أنها باطلة وقبيحة ومنافية العقول السليمة والأخلاق المستقيمة. لا. لن نعود إليها بأى حال من الأحوال . فالهمزة لافكار الوقوع ونفيه، والتعجيب من أحوالهم الغريبة حيث جهلوا أن الدخول فى العقائد اختيارى محض ولا ينفع فيه الاجبار أو الاكراه . ثم صارحهم برفضه التام لما يتوهمونه من العودة إلى ملتهم فقال: ((قد افترينا على الله كذبا إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها)). أى: قد اختلفنا على الله - تعالى - أشنع أنواع الكتب إن عدنا فى ملتكم الباطلة بعد إذ نجانا الله بهدايتنا إلى الدين الحق وتنزيهنا عن الاشراك به - سبحانه -. قال صاحب المنار : وهذا كلام مستأنف لبيان أهم الأمرين بالرفض والكراهية، وهو إنشاء فى صورة الخبر، فإما أن يكون تأكيداً قسميا لرفض دعوة الملاء إياهم إلى العودة فى ملتهم، كما يقول القائل: برقت من الذمة إن فعلت كذا، فيكون مقابلة لقسمهم بقسم أعرق منه فى التوكيد وإما أن يكون تعجبا خرج لاعلى مقتضى الظاهر ، وأكد بقد وبالفعل الماضى ، والمعنى (١) الاقتصاف على التكاف حـ ٢ ص ٠١٢٩