Indexed OCR Text
Pages 81-100
- ٨١ - ثانيها: أنه - تعالى - يحكى فى هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المفكرين كان إلى اللعن فى الدنيا، والخسارة فى الآخرة، وعاقبة أمر الحقين إلى الدولة فى الدنيا، والسعادة فى الآخرة ، وذلك يقوى قلوب المحقين ، ويكسر قلوب المبطلين . وثالثها: التنبيه على أنه - تعالى - وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين، ولكنه لا يهملهم، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه. ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان أمياً. وما طالع كتاباً ولا تتلمذ على أستاذ. فإذا ذكر هذه القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولاخطأً دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحى من الله - تعالى - ،(١). والآن فلنستمع بتدبر واعتبار إلى السورة الكريمة وهى تحدثنا عن قصة نوح مع قومه فتقول : ((لَقَدْ أَرْسَلنَاَ نوحاً إلى قومِهِ فَقالَ يا قَوْمَ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكَ مِنْ إِلهِ غَيْرُهُ، إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُم عذابَ يَوْمٍ عظيمٍ (٥٩) قالَ المَلَأَّ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّالنركَ فى ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ بَا قَوْمٍ لَيْسَ بِ ضَلالَةً ولكنِى رسولٌ مِنْ ربِّ العَالَمِنَ (٦١) أُبَلَّغْكُمْ رِسَالَتِ رَبّى وَأَنْصَحُ لكُم وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مالاَ تَلِمُونَ (٦٢) أَوَ ءَهِثُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا واعَلَّكُمْ أُرْتُونَ (٦٣) فَكَذَّبوهُ فَأْنَجِينَهُ وَالّذِينَ مَمَهُ فِى الْقُلْكِ وَأَغْرَثْنَ الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَاَ إِنْهُمْ كَانوا قَوْمًا عَمِنَ (٦٤))). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٢٤٥ طبعة المطبعة الشرعية سنه ١٢٢٤هـ (٠٦ ٠ سورة الأعراف) - ٨٢ - تلك هى قصة نوح مع قومه كما وردت فى هذه السورة ، وقد وردت بصورة أكثر تفصيلا فى سورة هود، والمؤمنون، رفوح وغيرها . وقوله: « لقد أرسلنا نوحا إلى قومه)) جواب قسم محذوف، أى: واقه لقد أرسلنا نوحا إلى قومه والدليل على هذا القسم وجود لامه فى بدء الجملة . قال الألوسى: (( وأطرد استعمال هذه اللام مع قد فى الماضى - على ما قال الزمخشرى - وقل الاكتفاء بها وحدها. والسر فى ذلك أن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التى هى جوابها ، فكانت مظنة لتوقع المخاطب حصول المقسم عليه، لأن القسم دل على الاهتمام فناسب ذلك إدخال قد ، (١). وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاث وأربعين موضعا . وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جد واحد . وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا المجاورة. وكان قوم نوح يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهمنوحا ليدهم على طريق الرشاد . قال ابن كثير : قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: كان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين مانوا، فبنى قومهم عليهم مساجد ، وصوروا صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيقشبهوابهم. فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور ، فلما تمادى الزمان عبدواتلك الأصنام وسموها بأسما. أولئك الصالحين: وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم الأمر بعث الله - تعالى - رسوله فوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لاشريك له،(٢) . (١) تفسير الآلومى ج ٨ ص ١٤٨. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٢٣٢ ٠ ٨٣ - وقوله، فقال يا قوم اعبدوا اله ما لمكم من إله غيره، حكاية لما وجهه فوح لقومه من إرشادات « أى: قال لهم بلطف وأدبك الكلمة التى وجهها كل رسول لمن أرسل إليهم: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فإنه هو المستحق للعبادة، أما سواه فلا يملك لنفسه نفعا أو ضرا. وكلمة ((غيره)) قرئت بالحركات الثلاث، بالرفع على أنها صفة لإنه باعتبار محله الذى هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية. وقرأ الكائى بالجر باعتبار اللفظ، وقرىء بالنصب على الاستثناء بمعنى، مالكم من إله إلا إياه. ثم حكى القرآن أن نوحا قد حذر قومه من سوء عاقبة التكذيب ، وأظهر لهم شفقته بهم وخوفه عليهم فقال: (( إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، أى : إنى أخاف عليكم إذا ما مرتم فى طريق الكفر والضلال وتر كتم عبادة الله وحده عذاب يوم عظيم . ووصف اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه ولتكميل الإنذار . قال صاحب المكشاف: فإن قلت ما موقع الجملتين بعد قوله ((اعبدوا الله، قلت: الأولى - وهى مالكم من إله غيره - بيان لوجه اختصاصه بالعبادة، والثانية وهى - إنى أخاف ... الخ - بيان الداعى إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون اله. واليوم العظيم: يوم القيامة، أو يوم نزول العذاب بهم وهو الطوفان،(١)، بهذا الأسلوب اقنع المهذب دعا نوح قومه إلى وحدانية آه.فکیفکان ردم عليه ؟ لقد ردوا علیه ردا سليما حكا القرآن فى قوله: , قال الملأ من قومه إنا انراك فى ضلال مبين). الملأ : الأشراف والسادة من القوم . سموا بذلك لأنهم يملأون العيون (١) تغير الكشاف - ٣ ص ٢٧١ - ٨٤ - مهابة . وقيل: هم الرجال ليس فيهم نساء. والملأ: امم جمع لا واحد له من لفظه : كرهط . والجملة الكريمة مستأنفة، كأنه قيل فاذات الواله؟ فقيل: قال الملأ ... الخ والرؤية هنا قلبية ومفعولاها هما الضمير والظرف ، وقيل: بصرية فيكون الظرف فى موضع الحال. أن: قال الأشراف من قوم نوح لة عندما دعام إلى وحدانية الله: إنا لنراك باركلنا بعبادة الله وحده وترك آلهتنا فى انحراف بين عن طريق الحق والرشاد . يقال : ضل الطريق يضل وضل عنه ضلالا وضلالة، أى زل عنه فلم يهند إليه، وجعلوا الضلال ظرفا له , فى ضلال مبين، مبالغة فى وصفهم له بذلك وزادوا فى المبالغة بأن أكدوا ذلك بالجملة المصدرة بإن ولام التأكيد . ورحم الله أبن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية. وهكذاحال الفجار، إنما يرون الأبرار فى ضلالة، كقوله - تعالى - ((وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون(١). « وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه، وإذالم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (٢))) إلى غير ذلك من الآيات(٣). ويرد نوح على قومه بأسلوب عف مهذب ، فينفى عن نفسه الضلالة، ويكشف لهم عن حقيقة دعوته ومصدرها فيقول - كما حكى القرآن عنه -: : ((قال يا قوم ليس بى ضلالة، أى: قال فوح لقومه مستميلا لقلوبهم: يا قوم ليس بى أدفى شىء مما يسمى بالضلال فضلا عن الضلال المبين الذى رميتمو نى به ، فقد فى الضلال عن نفسه الكريمة على أبلغ وجه، لأن التاء (١) سورة المطففين الآية ٢٢. (٢) سورة الأحقاف الآية ١ ٠١ (٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٢٢٢ - ٨٥ - فى - ضلالة - المرة الواحدة منه، وففى الأدنى أبلغ من نفى الأعلى، والمقام يقتضى ذلك، لأنهم لما بالغوا فى رميه بالضلال المبين ، رد عليهم بما يبر ته من أى لون من ألوانه. وفى تقديم الفارف (بى) تعريض بأنهم هم فى خلال واضح . ثم قفى على نفى الضلالة عنه بإثبات مقابلها لنفسه وهى الهداية والتبليغ عن الله - تعالى - فقال : ( ولكني رسول من رب العالمين . أبغلكم رسالات ربى، وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون). فأنت ترى أن نوحاً - عليه السلام - بعد أن نفى عن نفسه أى لون من ألوان الضلالة وصف نفسه بأربع صفات كريمة : أولها : قوله : (ولكنى رسول من رب العالمين ) أى: لست بمنجاة من الضلال الذى أنتم فيه فحسب ، ولكنى فضلا عن ذلك رسول من رب العالمين إليكم لهدايتكم وإنقاذكم ما أنتم فيه من شرك وكفر . قال الجمل: ( وقد جاءت لكن هنا أحسن مجى. لأنها بين نقيضين، لأن الإنسان لايخلو من أحد شيئين : ضلال أو هدى ، والرسالة لاتجامع الضلال و (من رب العالمين) صفة الرسول ومن لابتداء الغاية)(1). وثانيها: قوله: أبغلكم رسالات ربى) أى: أبلغكم ما أوحاه اللّه إلى من الأوامر والنواهى، والمواعظ والزواجر، والبشائر والنذائر ، والعبادات والمعاملات، قال الألوسى: وجمع الرسالات مع أن رسالة كل نبى واحدة، رعاية لاختلاف أوقاتها أو تنوع معانى ما أرسل- عليه السلام - به من العبادات والمعاملات -، أو أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممنقبله من الأنبياء كإدريس (١) حاشية الجمل = ٢ ص١٥٤ - ٨٦ - - عليه السلام -)(١) والجملة الكريمة مستأفقة لتقرير رسالته وتقرير أحكامها . وثالثها: قوله: (وأنصح لكم) أى: أبلغكم جميع تكاليف اله وأمحرى مافيه صلاحكم وخير كم فأرشدكم إليه وآخذكم نحوه . وأنصح: مأخوذ من النصح - وهو كما قال القرطبى - إخلاص النية من شوائب الفساد، يقال: نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة - أى أرادته إلى ما فيه صلاحه - ويقال: رجل فاضح الجيب ، أى: نقى القلب. والناصح الخالص من العسل وغيره، مثل الناصع. وكل شىء خلص فقد نصح (٢) .. ). والفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصح، هو أن تبليغ الرسالة معناه أن يعرفهم جميع أوامر الله ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التى كلفهم الله بها، وأما النصح فمعناه أن يرغيهم فى قبول تلك الأوامر والنواهى والعبادات ويحذرم. من عذاب الله إن عصوه . وأما الصفة الرابعة فهى قوله ( وأعلم من الله ما لا تعلمون) أى : أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم عن إخلاص ,وأعلم فى الوقت نفسه من الأمور الغيبية التى لا تعلم إلا عن طريق الوحى أشياء لاعلى لكم بها، لأن أنه قد خصنى بها . أو المعنى: وأعلم من قدرة الله الباهرة، وشدة بطشه على أعدائه، ما لا تعلمونه فأنا أحذركم عن علم، وأنذركم عن بيئة ( فاتقوا الله وأطيعون). قال ابن كثير : وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا نصيحاً ناصحاً عالمياً باقه لا يدركه أحد من خلق الله فى هذه الصفات كما جاء فى صحيح مسلم أن (١) تفسير الآلوسى = ٨ ص ١٥٢ (٢) تفسير القرطبى - ٧ ص ٢٣٤ - ٨٧ - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفرما كانوا وأكثر جمعاً: أيها الناس، إنكم مسؤولون عنى، فما أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت . جعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ، ويقول: الهم اشهد، الهم اشهد(!)) . وبعد أن وصف نوح نفسه بتلك الصفات الأربع، وبين لهم وظيفته أكمل بيان أخذ ينكر عليهم استبعادهم أن يخصه الله بالنبوة فقال : ( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم، ولنتقوا، ولعلكم ترحمون ) الهمزة فى أول الجملة للاستفهام الإنكارى ، والواو بعدها للعطف على محذوف مقدر بعد الهمزة . والمعنى: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر أى موعطة من ربكم وخالفكم على لسان رجل من جنسكم ، تعوفون مولده ونشأته . ولقد حكى القرآن عن قوم نوح أنهم عجبوا من أن يختار الله رسولا منهم ، قال - تعالى - : ( فقال الملأ الذين استكبروا من قومه ماهذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ، ولوشاء الله لانزل ملائكة ماسمعنا بهذا فى آبائنا الأولين)(٢) . وقوله ( اينذركم) علة للمجىء، أى: وليحذركم العذاب والعقاب على الكفر والمعاصى . وقوله ( ولتتقوا) علة نافية مرتبة على العلمة التى قبلها ، أى : ولتوجد منكم التقوى، وهى الخشية من الله بسبب الإنذار . (١) تفسیر ان کثیر ہ٢ ص ٢٢٣ (٢) سورة المؤمنون: الآية ٢٤ - ٨٨ - وقوله ((ولعلكم ترحمون)، علة ثالثة مترتبة على التى قبلها. أى: ولترحموا بسبب التقوى إن وجدت منكم. قال بعض العلماء: وهذا: الترتيب فى غاية الحسن ، لأن المقصود من الإرسال الإدار ، ومن الإنذار التقوى . ومن التقوى الفوز بالرحمة. وفائدة حرف الترجى ,ولعلكم، التنبيه على عزة المطلب، وأن التقوى غير موجبة للرحمة، بل هى منوطة بفضل الله ، وأن المتقى ينبغى ألا يعتمد على تقواه ولا يأمن عذاب الله)،(١). وإلى هنا تكون قد عرفنا أسلوب نوح فى دعوته كما جاء فى هذه السورة الكريمة ، فاذا كان موقف قومه ؟ لقد صرحت السورة الكريمة بأن موقفهم كان قبيحا ، ولذا عوقبوا بما يناسب جرمهم قال - تعالى - ((فكذبوه)) أى : فكذب قوم نوح نبيهم ومرشدهم فوحا، وأصروا على التكذيب مع أنه دعاهم إلى المدى ليلا ونهاراً، وسراً وجهاراً، ومع أنه مكث فيهم, ألف سنة لا خمسين عاما، فكانت نتيجة ذلك - كماحكى القرآن : (« فأنجيناه والذين معه فى الفلك، أى: فأنجيناه من الغرق هو والذين آمنوا معه بأن حملناهم فى السفينة التى صنعها. والفاء فى (فأنجيناه، للمسببية. قيل كان عدد الذين آمنوا معه أربعين رجلا وأربعين أمرأة . وقيل غير ذلك، والقرآن قد صرح بأن المؤمنين به كانوا قلة، فقال: «وما آمن معه إلا قليل » . (( وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين، عمين: جمع عم صفة مشبهة ، يقال : هو عم - كفرح ــ لأعمى البصيرة. (١) حاشية الجمل ــ ٢ ص ٠١٥٥ - ٨٩ - أى : وأغرقنا بالطوفان أولئك الذين كذبوا بآياتنا من قوم نوح لأنهم كانوا قوماً عمى البصائر عن الحق والإيمان. لا تتفع فيهم المواعظ ولم يجد معهم التذكير . وهذه سنة الله فى خلقه أن جعل حسن العاقبة للمؤمنين ، وسوء العذاب الجاحدين . ثم تحكى لنا السورة بعد ذلك قصة هود - عليه السلام - مع قومه، فيقول : ((وَإِلَى عادٍ أَخَمُ هُوداً، قال يا قومِ اعْبُدُوا اللهَ ما لكُ مِنْ إلهِ غيْرُهُ، أفلا تَنَّقُونَ (٦٥) قالَ الملأُ الذينَ كَفَرُوا مِنْ قَومِهِ، إِنَّا لنراك فى سفاهةٍ وإنْا لِنَظُنُّكَ مِنْ الكَاذِبِنَ (٦٦) قالَ يا قومٍ لَيْسٍَ، سفَهَةٌ ولكِنِّى رسولٌ مِنْ رَبِّ العَلَمِينَ (٦٧) أبلغُكُم رِسَالَتَّ رَبِى وَأَنَا لِكُمْ نَصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَ عَعِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رِبِكُم على رَجُلٍ مِنْكَمْ لِيُخْذِرَ لْ، واذكُرُوا إِذْ جَعَلكم خُلفاءِ مِنْ بَعْدِ فَوْمِ نُوحٍ وزَادَ كُمْ فِى الْخَلْقِ بَسْطَةً، فاذكرُوا آلاَءِ الهِ مَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنَاَ لِنَعْبُدَ اللهَ وحدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُهُ آباؤنا فَأْتِنَا بِما تَعِدُنَ إِنْ كُنَّتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عليكُمْ مِنْ رَبْكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَنُجَادِ لُونِى فى أَسماءِ تَيْتُوهَا أَنْتُمْ وَآبَؤُ لُ مَاَ نَزَّلَ اللهُ بها مِنْ سَلْطَزٍ، فَانْتَظِرُوا إِنَى مَعُكُمْ مِنَ الُنْتَظِرِ ينِ (٧١) فأنْجَنَهُ والَّذِينَ مِعَهُ بِرْمَةٍ مِنَّا، وَقَطَمْنَ دَابِرَ الذِينَ كذّبُوا بآياتنا وما كانوا مُؤْ مِنِينَ (٧٢))). - ٩٠ - تلك هى قصة هود - عليه السلام - مع قومه كما حكتها سورة الأعراف. وقد وردت - أيضاً - فى سور أخرى، منها : سورة هود ، والشعراء ، والأجقاف ... الخ. وينتهى نسب هود إلى نوح - عليهما للسلام كما قال بعض المؤرخين .. فهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن بن عاد بن عوص بن إرم ن سام ابن نوح(١). وقومه هم قبيلة عاد - نسبة إلى أبيهم الذى كان يسمى بهذا الاسم - وكانت مساكنهم بالاحقاق باليمن - والأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل . وكانوا يعبدون الأصنام من دون الله، فأرسل الله إليهم هوداً لهدايتهم. ويقال بأن هوداً - عليه السلام - قد أرسله الله إلى عاد الأولى، أما عاد الثانية فهم قوم صالح ، وبينهما مائة سنة . وقوله ، وإلى عاد أخاهم جهوداً قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، الخ معطوف على قوله - تعالى - ((لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه)، والمعنى: وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم هوداً فقال لهم ما قاله كل فى لقومه: يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره . ووصفه بأنه أخاهم لأنه من قبيلتهم نسباً، أو لأنه أخوهم فى الإنسانية . ثم حكى القرآن أن هوداً أنكر على قومه عبادتهم لغير الله، وحضهم على إفراده بالعبادة فقال: « أفلا تتقون) أى: أفلا تخافون عذاب الله فبتعدوا عن طريق الشرك والضلال لتنجوا من عقابه. قال أبو حيان: وفى قوله (( أفلا تتقون)) استعطاف وتحضيض على تحصيل (١) قصص الأنبياء ص ٥٠ للشيخ عبد الوهاب النجار. - ٩١ - التقوى. ولما كان ماحل بقوم نوح من أمر الطوفان واقعة لم يظهر فى العالم مثلها قال لهم: ((إن أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، وواقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح وعمد الناس قريب بها فاكتفى هود بقوله لهم . أفلا تتقون)،. والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله وعبدوا غيره حل بهم ذلك العذاب الذى اشتهر خبره فى الدنيا، فقوله , أفلا تتقون ، إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المشهورة (١)،. وكأنما عظم على هؤلاء الطغاة أن يستنكر عليهم هود - عليه السلام- عبادتهم لغير الله، فردوا عليه ردا قبيحا حكاه القرآن فى قوله: ( قال الملأ الذين كفروا من قومه، إنا لنراك فى سفاهة، أى: قال الأغنيا. الذين كفروا من قوم هود له: إنا لنراك متمكنا فى خفة العقل ، راسخا فيها، حيث هجرت دين قومك إلى دين آخر . وجعلت السفاهة ظرفاً على طريق المجاز ، فقد أرادوا أنه متمكن فيها ، غير منفك عنها . وأصل السفه : الخفة والرقة والتحرك والاضطراب . يقال: ثوب -فيه إذا كان ردىء النسج خفيفة ، أو كان باليا رقيقاً: تسفهت الربح الشجر: مالت به. وزمام سفيه : كثير الاضطراب لمنازعة الناقة إياه . وشاع السفه فى خفة العقل وضعف الرأى . ولم يكتفوا بوصفه بالسفه بل أضافوا إلى ذلك قولهم: ((وإنا لنظنك من الكاذبين ، أى: وإنا لنظنك من الكاذبين فى دعوى التبليغ عن الله تعالى . وأكدواظنهم الآثم كما أكدوا اتهامهم له بالسفه مبالغة منهم فى الإساءة إليه. ويرجح بعض العلماء أن الظن هنا على حقيقته ، لأنهم لوقالوا وإنا لنعتقد أفك من الكاذبين ، لكانوا كاذبين على أنفسهم فى ذلك ، لأنهم يعلمون منه الصدق وحسن السيرة . (١) تفسير البحر المحيط - ٤ ص ١٢٣ لأبي حيان . - ٩٢ - ومن بلاغة القرآن وإنصافه فى أحكامه أنه قيد القائلين لهود هذا القول الباطل بأنهم (( الملأ الذين كفروا من قومه)، ليخرج منهم الملأ - أى الأشراف الذين آمنوا من قومه . وبعد هذا الرد القبيح منهم ، أخذ هود يدافع عن نفسه ويبين لهم وظيفته بأسلوب حكيم فقال : (( يا قوم ليس بى سفاهة)، أى: ليس بى أى نوع من أنواع السفاهة كما تزعمون « ولكني رسول من رب العالمين: أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين » . فأنت ترى أن هودا فى هذا الرد الحكيم على قومه ، قد ففى عن نفسه تهمة السفاهة كمانفى أخوه نوح من قبله عن نفسه تهمة الضلالة ، ثم بين لهم بعد ذلك وظيفته وطبيعة رسالته ، ثم أخبرهم بعد ذلك بأنه بمقتضى أخوته لهم ليس معقولا أن يكذب عليهم أو يخدعهم - فإن الرائد لا يكذب أهله -، وإنما هو ناصح أمين يهديهم إلى ما يصلحهم ويبعدهم عما يوهم: قال صاحب الكشاف: وفى إجابة الأنبياء - عليهم السلام - على من نسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابواهم به من الكلام الصادر عن الحلم والاغضاء، وترك المقابلة بما قالوا لهم، مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفهم - فى إجابتهم هذه أدب حسن، وخلق عظيم، وحكايه الله - عز وجل - ذلك، تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء، وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم،(!). وفلمس من خلال التعبير القرآ نى أن قوم هود قد تعجبوا من اختصاص هودبالرساله كما تعجب قوم نوح من قبلهم من ذلك ، فأخذهود - عليه السلام - فى إزالة هذا العجب من نفوسهم ، فقال : (١) تفسير الكشاف جـ ١١٦٥٢ - ٩٣ - ((أو عجتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ليندكم)) أى: أكدبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم تعرفون صدقه ونسبه وحسبه ، إن ما عجيتم له ليس موقع عجب ، بل هو عين الحكمة فقد إقتضت رحمة الله أن يرسل لعباده من بينهم من يرشدهم إلى الطريق القويم و ((الله أعلم حيث يحمل رسالته)). ثم أخذ فى تذكيرهم بواقعهم الذى يعيشون فيه !كى يحملهم على شكر الله فتمال : ((واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح)) أى: اذكروا بتأدل واعتبار فضل الله عليكم ونعمه حيث جعلكم مستخلفين فى الأرض من بعد قوم نوح الذين أغرقوا بالطوفان لكفرهم ومجحودهم. قال الآلومى ما ملخصه: و((إِذ منصوب على المفعولية لقوله (( اذكروا)) أى: 'ذكروا هذا الوقت المشتعل على النعم الجسام. وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه مع أنه المقصود بالذات المبالغة فى إيجاب ذكره، ولأنه إذا استحضر الوقت كان هو حاضر ابتفاصيله. وهو معطوف على مقدر كأنه قيل: لا تعجبوا وقدبروا فى أمركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح))(١) ثم ذكرهم بنعمة ثانية فقال: (( وزادكم فى الخلق بسطة، أى: زاكم فى المخلوقات بسطه وسعة فى الملك والحضارة : أو زادكم بسصة فى قوة أبدافكم وضخامة أجسامكم، ومن حق هذا الإستخلاف وتلك القوة، أن تقابلا بالشكر لله رب العالمين. وقد ذكر بعض المفسر يزروا ات تتعلق بضخامة أجسام قوم هودوقوتهم وهى روايات ضعيفة لا يعتدبها، ولذا أصربنا عنها، ويكفينا أن القرآن الكريم : (١) تفسير الآلوسى = ٨ ص ١٥٦ - ٩٤ - قد أشار إلى قوتهم وجبروتهم بدون تفصيل لذلك كما فى قوله - تعالى - : ((وإذا بطشتم جبارين)) وكما فى قوله: ((كأنهم أعجاز نخل خاوية)). ثم كرر هود - عليه السلام -- تذكيرهم بنعم الله فقال: ((فاذكروا آلاء الله لعلكم تفاجون)). أى: فاذكروا نعم الله واشكروها له لعلكم تفوزون بما أعده للشاكرين من إداءتها عليهم وزيادتها لهم، ولن تكونوا كذلك إلا بعبادتكم له وحده - عز وجل - وآلاء اللّه: نعمه الكثيرة. والآلاء جمع إلى كحمل وأحمال. أو إلى، كففل وأففال . أو الى ، كمعى وأمعاء والى هنا يكون هود- عليه السلام - قد رد على قومه رداً مقنعا حكميما، كان المتوقع من ورائه أن يستجيبوا له ، وأن يقبلوا على دعوته ، ولكنهم لو. تفكيرهم وانطماس بصيرنهم، أخذتهم العزة بالإثم فقالوا لنبيهم ومرشدهم . ((أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا أن كنت من الصادقين ، أى: قالوا له على سبيل الإنكار والإستهزاء أجئتنا يا هود لأجل أن نعبد الله وحده، ونترك ما كان يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام إن هذا لن يكون منا أبداً فأتنا بما تعدنا به من العذاب ان كنت من الصادقين فيما تخبر به . وننظر فى هذا الرد من قوم هود فراء طافحا باتهور والتحدى والاستهزاء واستعجال العذاب . حتى لكأن هودا - عليه السلام - يدعوهم إلى منكر لا يطيقون سماعه ولا يصبرون على الجدل فيه ! ! أليس هو يدعوهم إلى وحدانية الله وإفراده بالعباده وترك ما كان يعبد آباؤهم ، وهذا فى زعمهم أمر منكر لا يطيقون الصبر عليه . ٦ - ٩٫ - وه كذا يستحوذ الشيطان على قلوب بعض الناس وتفكيرهم فيصور لهم الحسنات فى صورة سيئات والسيئات ، فى صورة حسنات . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى المجىء فى قوله (( أجئتنا،، قلت فيه أوجه . أن يكون لهود - عليه السلام - مكان معتزل عن قومه يتحنث فيه كما كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحراء قبل البعث، فلما أوحى إليه جاء قومه يدعوهم. وأن يريدوا به الاستهزاء، لأنهم كانوا يعتقدون أن الله - تعالى - لا يرسل إلا الملائكة، فكلهم قلوا: أجئتنا من السماء كما يحمى الملك. وأنهم لايريدون حقيقة المجىء. ولكن التعرض بذلك والقصد كما يقال: ذهب يستمنى ولا يراد حقيقة الذهاب، كأنهم قالوا أقصدتنا لنعبد الله وحده وتعرضت لنا بتكليف ذلك.(١). وقولهم ، فأنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)) يدل على أنه كان يتوعدم بالعذاب من الله. إذا استمروا على شركهم، ويدل - أيضا - على تصميمهم على الكفر ، واحتقارهم لأمر مود - عليه السلام - واستعجالهم إياه بالعقوبة على سبيل التحدى ، لأنهم كانوا يتوهمون أن العقوبة لن تقع عليهم أبداً . وإزاء هذا التحدى السافر من قوم هودله ولدعوته ولو عيد الله لهم،ما كان من هود - عليه السلام - إلا أن جابههم بالرد الحاسم الذى تتجلى فيه الشجاعة التامة ، والثقة الكاملة بأن الله سينصره عليهم وينتقم له منهم: (( قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وعضب، أى : قال هود لقومه بعد أن لجوا فى طغيانهم: أ. حق ووجب عليكم من قبل ربكم عذاب وسخط بسبب إصراركم على الكفر والعناد . والرجس والرجز بمعنى، وأصل معناه الاضطراب يقال: رجست السماء (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٠١١٧ - ٩٦ - أى: رعدت رعداً شديداً، وهم فى مرجوسة من أمرهم أى: فى اختلاط والقباس . ثم شاع فى العذاب لاضطراب من حل به. وعبر عن العذاب المتوقع وقوعه بأنه«قد وقع، مبالغة فى تحقيق الوقوع، وأنه أمر لامفر لهم منه . وعطف الغضب على الرجس ، للإشارة إلى أن ماسينزل بهم من عذاب. هو انتقام لايم كن دفعه ، لأنه صادر من الله الدى غضب عليهم بسبب كفرهم، وبعد أن أنذرهم عددهم بوقوع العذاب عليهم، ووبخهم على مجادلتهم إياه بدون علم فقال: ((أتجادلونى فى أسماء سميتموها أنتم وآ باؤكم؟ أى: أتجادلوننى وتخاصموننى فى شأن أشياء ماهى إلا أسماء ليس تحتها مسمبات ، لأنكم تسمونها آلهة مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده. إذ المستحق للعبادة إنما هو الله الذى خلق كل شىء، أما هذه الأصنام التى زعمتم أنها آلهة فهى لا نملك لنفسها نفعا ولاضرا. فأنت ترى أن هوداً - عليه السلام - قد حول آلهتهم إلى مجرد أسماء لا تبلغ أن تكون شيئا وراء الاسم الذى يطلق عليها، وهذا أعمق فى الإفكار عليهم ، والاستهزاء بعقولهم . وقوله , ما أنزل الله بها من سلطان)) أى: ما أنزل الله بها من حجة أو دليل يؤيد زعمكم فى ألوهيتها أو فى كونها شفعاء لكم عند الله، وإنما هى أصغام. باطلة قلد تم آباءكم فى عبادتها بدون علم أو تفكير. ثم هدد بالعاقبة المقررة المحتومة فقال:«فانتظروا إنى معكم من المنتظرين أى: فانتظروا نزول العذاب الذى استعجلتموه وطلبتموه حين قلم ،فأتنا بما تعدنا، فإنى معكم من المنتظرين لما سيحل بكم بسبب شرككم وتكديكم . ولم يطل انتظار هود عليهم ، فقد حل بهم العقاب الذى توعدهم به سريعا ولذا قال - تعالى -, فأنجيناه والذين معه برحمة مناء الفاء فصيحة. أى: - ٩٧ - فوقع ماوقع فأجينا هودا والذين اتبعوه فى عقيدته برحمه عظيمة منا لا يقدر عليها غير نـا . (« وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا، أى: استأصلتهم عن آخرهم بالريح المقيم التى (( ماتذر من شىء أنت عليه إلا جعلته كالرميم)). فقطع الداير كناية عن الاستئصال والاهلاك للجميع يقال قطع الله دابره أى : أذهب أمله . وقوله ( وما كانوا مؤمنين، عطف على ((كذيوا، داخل معه حكم الصلة أى : أصروا على الكفر والتكذيب ولم يرجعوا عن ذلك أصلا. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة ففى الايمان عنهم فى قوله .. (( وما كانوا مؤمنين)) مع إثبات التكذيب بآيات الله ؟ قلت: هو تعريض من آمن منهم - كمرند بن سعد - ومن نجامع هود - عليه السلام - كأنه قال: وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم، ولم يكونوا مثل من آمن منهم ليؤذن أن الهلاك للمكذبين ونجى الله المؤمنين))(١) . وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين ، وتحقق النذير فى قوم هود کما تحقق قبل ذلك فى قوم نوح. ثم قصت علينا السورة بعد ذلك قصة صالح - عليه السلام - مع قومه فقالت : ((وإِلَى ثَمُودَ أَخَهُ صالحاً قَالَ يا قومٍ اعْبُدُوا الهَ مَا لَكُمْ مُّنْ إليهِ غَيْرُه، فدْ جَاءَ تْكُم بَيْنَةٌ مُنْ رَبّكم، هذهِ نَةُ اللهِ لَكَمْ آيَةٌ فَذَرُوهَاَ تَأْكُلْ فى أَرْضِ القُهِ ولا تمسُوهَاَ بِسُوه فَيَأْخُذَ كَم عذابُ (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ١١٩ (٦ - سورة الأعراف) - ٩٨ - يومٍ أَليمٍ (٧٣) واذكروا إذْ جَعَلكم خُلَفَاءِ مِنْ بَعْدٍ عادٍ وبَوَ أَ زُ فى الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَلَ يُيُوتًا فَاذْ كُرُوا آلَاءَ اللهِ وَلا تَعْتَوا فى الأرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ المَلأُّ الذينَ اسْتُكْبَرُوا مِنْ قومِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِقُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ، أَتَعَلّونَ أَنَّ صالحامُرْسلّ مِنْ ربَِّ؟ قَالُوا إِنَّ بما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِذَّ بِالَّذِى آمَنْتُمْ به كافِرُونَ (٧٦) فمقَرُوا النَّافَةَ وَفَتَوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ، وَقَالُوا بَ صَالحُ اثْتِاَ بِما تَمِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسِلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِمْ جَامِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُم وقالَ يا قَوْمٍ لِقَدْ أَبْلَنْكُم رِسّالةَ رَبْ وَتَصَحْتُ لَّكُم، ولكنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩))). هذه قصة صالح مع قومه كما حكتها سورة الأعراف، وقد وردت هذه القصة فى سور أخر كور هود و الشعراء والنمل والقمر وغيرها . وصالح - كما قال الحافظ البغوى - هو ابن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد إن حاذر بن نمود: وينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام -. ونمود اسم القبيلة التى منها صالح سميت باسم جدها ثمود، وقيل سميت بذلك لقلة مائها لأن الثمد هو الماء القليل. وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم -، والحجر مكان يقع بين الحجاز والشام إلى وادى القرى ، وموقعه الآن - تقريباً - المنطقة التى بين الحجاز وشرق الأردن، ومازال المكان الذى كانوا يسكنونه يسمى بمدائن صالح إلى اليوم، وقد مر النبى - صلى الله عليه وسلم - على ديارهم وهو ذاهب إلى غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة - ٩٩ - وقبيلة صالح من قبائل العرب، وكانوا خلفاء القوم هود - عليه السلام - بعد أن هلكوا فورثوا أرضهم، وآتاهم الله نعما وفيرة، و كانوا يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم نبيهم صالحا مبشرا ونذيرا. قال - تعالى -((وإلى نمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم)). أى: وأرسلنا إلى نمود أخاهم فى النسب والموطن صالحا - عليه السلام - فقال لهم الكلمة التى ديما بها كل فى قومه : يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله سواه، قد جاءتكم دهجزة ظاهرة الدلائل، شاهدة بنيوتى وصدقى فيما أبلغه عن ربى . وقوله ((من ربكم )) متعلق بمحذوف صفة لبينة، أى هذه البيئة كائنة من ربكم وليست من صنعى فعليكم أن تصدقونى لأنى مبلغ عن الله - تعالى - . ثم كشف لهم عن معجزته وحجته فقال: « هذه ناقة اللّه لكم آية، أى: هذه التى ترونها وأشير إليها ناقة القله، والتى جعلها - سبحانه - علامة لكم على صدقى . وأضاف الناقة إلى اللّه للتفضيل والتخصيص والتعظيم لشأنها. وقيل لأنه -- سبحانه - خلقها على خلاف سنته فى خلق الإبل وصفاتها ، وقيل لأنها لم يكن لها مالك. وقد ذكر المفسرون عنها قصصاً لا تخلو من ضعف ، لذا اكتفينا بما ورد فى شأنها فى القرآن الكريم . ثم أرشدهم إلى ما يجب عليهم نحوها فقال: ((فذروهاتأكل فى أرض الله ولا يمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم)). أى اتركوا الناقة حرة طليقة تأكل فى أرض الله الى لا يملكها أحد -وا. - ١٠٠ - ولا تعتدوا عليها بأى لون من ألوان الاعتداء ، لأنكم لوفعلتم ذلك أصابكـ عذاب أليم . والفاء فى قوله ((فذروها، للتفريع على كونها آية من آيات الله، فيجب إكرامها وعدم التعرض لها بسوء. و«تأكل، مجزوم فى جواب الأمر. وأضيفت الأرض إلى الله - أيضا - قطعا لعذرهم فى التعرض لها فكأنه يقول لهم، الأرض أرض الله والناقة ناقته، فذروها تأكل فى أرض لأنها ليست لكم، وليس مافيها من عشب ونبات من صنعكم، فأى عذرلك فى التعرض لها ؟ وفى فهيهم عن أن يمسوها بسوء تنبيه بالأدنى على الأعلى ، لأنه إذا كان قد نهاهم عن مسها بسوء إكرامالها فنهيهم عن نحرها أو عقرها أو منعها من الكلا والماء من باب أولى. فالجملة الكريمة وعيد شديد لمن يمسها بسوء. وقوله , فيأخذكم عذاب عظيم ، الفعل المضارع منصوب فى جواب النهى. وبعد أن بين لهم صالح - عليه السلام - وظيفته، وكشف لهم عن معجزته، وأنذرهم بسوء العاقبة إذا ما خالفوا أمره ، أخذ فى تذكيرهم بنعم الله عليهم . وبمصائر الماضين قبلهم. فقال - كما حكى القرآن عنه -: «واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ، . أى: واذكروابتدبر وأتعاظ نعم الله عليكم حيث جعلكم خلفاء لقبيلة حاد فى الحضارة والعمران والقوة والبأس، بعد أن أهلكهم الله بسبب رفيانهم وشر كهم . وقوله ((وبوأكم فى الأرض، أى: أنزلكم فيها وجعلها مباءة ومساكن لكم . يقال : بوأه منزلا ، أى: أنزله وهياه له ومکن له فيه .