Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة الأنعام
فأولها: قوله , وتلك حجتنا أنيناها إبراهيم، والمراد إنا نحن آتيناه
تلك الحجة وحديناء إليها ، وأوقفنا عقله على حقيقتها.
وثانيها: أنه - تعالى - خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات المالية
وهى قوله (( نرفع درجات من نشاء)).
وثالثها ، أنهجعله عزیزا فىالدنيا وذلك لأنه-تعالى-جعل أشرف الناس
وهم الأنبياء والرسل من نسله وذريته وأبقى هذه الكرامة فى نسله إلى يوم
القيامة لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء
والملوك .... (١) .
والإشارة فى قوله - تعالى - ((ونلك حجتناء إلى جميع ما تكلم به
إبراهيم فى مجادلة فومه فى شأن وحدانية الله وبطلان الهرك.
وأضاف - سبحانه - الحجة إليه مع ذكر اللفظ الدال على العظمة وهو
وفاء تنويها بشأنها وتفخي لأمرها. والمراد بالحجة جنسها لافرد من أفرادها
أى: وتلك الحجة التى لا يمكن نقضها أو مغاليتها فى إثبات الحق وتزييف
الباطل أعطيناها إبراهيم ليكون مستعلياً بها على قومه، قاطعاً لألسنتهم عن
المجادلة والمخاصمة.
وجملة (آتيناها)) فى محل نصب على الحال والعامل فيها معنى الإشارة.
وقوله ((على قومه، متعلق ((بحجتنا، إن جعل خيرا لتلاك، وبمحذوف أن
جعل بدله . أى: آفيناحجة ودليلا على قومه الكثيربن لنكون الغلبة عليهم .
وقوله ((رفع درجات من نشاء، أى ترفع من شئنا من عبادنا درجات
حالية من العلم والحكمة .
والدرجات فى الأصل تطلق على مراقى السلم. والمراد يا حنا المراقب
المعنوية فى الخير على سبيل التمثيل ، فقد شبهت حالة المفضل على غيره بحال
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٨٢: (١١ - سورة الأعمام)

الجزء السابع
المرتقى فى سلم إذا ارتفع من درجة إلى درجة .
٠٠
والجملة مستأنفة على سبيل التقرير لما قبلها، وقيل هى حال من فاعل
·آتينا ، أى حال كوننا رافعين.
ومفعول المشيئة محذوف. أى : من تشاء رقمه على حسب ما تقتضيه
حكمتنا. وقد دل قوله ((من تشاء، على أن هذا التكريم لا يكون لكل أحد.
لأنه لو كان حاصلا لكل الناس لم يحصل الرفع ولا التفضيل.
وقوله - تعالى - ((إن ربك حكيم عليم، تذييل مقرر لمضمون ما قبله أى ..
إن ربك الذى خلقك فسواك فعدلك ((حكم)» فى كل ما يفعل من رفع هذا
وخفض ذاك ، «عليم) كل العلم بحال خلقه وسياسة عباده.
قال الإمام الرازى: واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن كمال.
السعادة فى الصفات الروحانية لا فى الصفات الجسمانية، والدليل على ذلك أن
أنه - تعالى - قال ((وتلك حجتنا آقيباها إبراهيم على قومه، ثم قال بعده
• ترفع درجات من نشاء)) وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه الرفعة
هو أبناء تلك الحجة وهذا يقتضى أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة
وإطلاعها على إشراقها اقتضى ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسمانى إلى
أعالى العالم الروحانى ، وذلك يدل على أنه لا رفعه ولا سعادة إلا فى
الروحانيات (١))).
وقوله: ((ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا، أى: ووهبنالإبراهيم.
فضلامنا وکرما وعوضاً عن قومه لما اعتزهم ؛ إسماق وهو ولده منزوجه
سارة، ويعقوب وهو ابن إسحاق لتقر عينه ببقاء عقبه إذ فى رؤية أبناء
الأبناء سرور النفس، وراحة للفؤاد .
وقوله ((كلا مدينا)، أى: كلا من إسحاق ويعقوب هديناء الهداية
الكبرى بلحوقهما بدرجة أبيهما فى النبوة .
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٠٨٣
٠٠

١٦٣
سورة الأنعام
ولفظ، كلا، مفعول لما بعده وقدم لإفادة اختصاص كل منهما بالهداية
على سبيل الاستقلال والتنويه بشأنهما.
وقوله: ((ونوحاً هدينا من قبل، أى: وهدينا نوحاً من قبل إبراهيم
إلى مثل ما هدينا إليه إبراهيم وذريته من النبوة والحكمة.
وهذا لون آخر من تشريف إبراهيم حيث أنه من نسل فوح الذى
وصفه الله بالهداية، ولا شك أن شرف الآباء يسرى على الأبناء .
وقال ابن كثير ، «وكل منهما له خصوصية عظيمة. أما نوح فإن الله لما
أغرق أهل الأرض إلا من آمن به وهم الذين محبوه فى السفينة ، جعل الله
ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم فلم يبعث الله
بعده نبيا إلا من ذريته كما قال - تعالى - ((ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم.
وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتاب)، (١).
ثم قال - تعالى - , ومن ذريته داود وسلمان وأيوب ويوسف وموسى
وهارون وكذلك نجزى المحسنين، وزكريا ويحى وعيسى وإلياس كل من.
الصالحين، وإسماعيل واليسع ويوفس ولوطا وكلا فضلمنا على العالمين ..
الضمير فى قوله - تعالى - ((ومن ذريته)) يرى ابن جرير وغيرهأنه
يعود إلى نوح لآنه أقرب مذ كور .
ويرى جمهور المفسرين أنه يعود على إبراهيم لأن الكلام فى شأنه وفى
شأن النعم التى منحها اله إياه .
وقد ذكر الله فى هذه الآيات أربعة عشر نيا وم :
١ - داود بن يسى من سبط يهو ذا من بنى إسرائيل وكانت ولادته فى
بيت لحم سنة ١٠٨٥ ق م تقريبا وهو الذى قتل جالوت كما جاء فى القرآن
الكريم ، وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه ما يشاء)»
وكانت وفاته سنة ١٠٠٠ ق م تقريبا .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٠٤.

١٦٤
الجزء الساع
٢ - سلمان بن داود - عليهما السلام - ولد بأورشليم حوالى سنة
١٠٤٣ ق م و توفی سنة ٩٧٥ ق م و قد حا. ذ کر داود وسلمان فی کثیر من
آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى - ((ولقد آتينا داود وسليمان
علما وقالا الحمد قد الذى فضلنا على كثير من عباده المؤمنين)).
٣ - أيوب قال ابن جرير: هو ابن موسى بن روم بن صيص إن
إسحاق، وروى الطبرانى أن مدة عه كانت ثلاثا وتسعين سنة.
٤ - يوسف وهو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليه السلام-
وكانت ولادته قبل ميلاد عيسى - عليه السلام - بألفى سنة تقريبا.
٥ - موسی وهو ابن عمران بن يصهر بن ماهیث بن لاوى بن يعقوب
وكانت ولادته حوالى القرن الرابع عشر ق م .
٦ - هارون وهو آخر موسی لأمه وقیل لأبيه وأمه ، وقبلمات قبيل
موسى بزمن يسير .
٧ - زكريا وهو ابن أذن بن بركيا ويتصل نسبه بسليمان -عليه السلام.
وكان قريب العهد بعيسى حيث أولى كفالة أمه مريم كما جاء فى القرآن الكريم
, وكفلها زكريا ،.
٨ - حي وهو ابن ز کریا.
٩ - علىی وهو ابن مريم . قال ابن كثير . وفى ذكر عيى فى ذرية
إبراهيم أو نوح دلالة على دخول ولد البنات فى ذرية الرجل، لأن انتساب
عيسى ليس إلا من جهة أمه مريم .
١٠ - الياس وهو بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخى موسى وهو
المعروف فى كتب الإسرائيليين باسم «إيليا، وقد أرسله الله إلى بنى إسرائيل
حين عبدوا الأوثان قال - تعالى - ,وإن الياس لمن المرسلين. إذ قال
لقومه ألا تتقون. أقدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين ... )).

١٦٥
سورة الأنعام
ويقال إنه كان موجوداً فى زمن الملك « آخاب ، ملك بنى إسرائيل فى
حوالى سنة ٩١٨ ق م.
١١ - إسماعيل وهو الإبن الأكبر لإبراهيم - عليهما السلام.
١٢ - اليسع وهو ابن شافاط وكانت وفانه حوالى سنة ٨٤٠ قمودفن.
بالسامرة .
١٣ - يونس وهو ابن متى أرسله الله إلى أهل فتوى من بلاد آشور
فى حوالى القرن الثامن ق م.
١٤ - لوط وهو ابن هاران بن تارح فهو ابن أخى إبراهيم وكانت
رسالته إلى أهل سدوم من شرق الأردن .
وقوله (( وكلا فضلنا على العالمين)) أى: وكل واحد من هؤلاء الأنبياء
المذكورين لا بعضهم دون مضر فضلناء بالنبوة على العالمين من أهل عصره.
قال الجمل: اعلم أن الله - تعالى - ذكر هنا ثمانية عشر نبياً من غير ترتيب
لا محسب الزمان ولا بحسب الفضل لأن الواو لا تقتضى الترتيب، ولكن
هنا لطيفة فى هذا الترتيب وهى أن الله - تعالى - خص كل طائفة من الأنبياء
بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولا نوحاً وإبراهيم وإسحاق ويعقوب
لأنهم أصول الأنبياء وإليهم يرجع حسبهم جميعاً. ثم من المراتب المعتبرة بعد
النبوة الملك والقدرة والسلطان وقد أعطى الله من ذلك داود وسليمان حظاً
وأفراً، ومن المراتب الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد وقد خص الله
بهذه أيوب . ثم عطف على هاتين المرتبتين من جمع بينهما وهو يوسف فإنه
صبر على البلاء والددة إلى أن آتاه الله ملك مصر مع النبوة ثم من المراقب
المعتبرة فى تفضيل الأنبياء كثرة المعجزات وقوة البراهين وقد خص اله موسى
وهارون من ذلك بالحظ الوافر ، ومن المراقب المعتبرة الزهد فى الدنيا وقد
خص الله بذلك زكرياوبحبى وعيسى وإلياس، ثم ذكر أنه بعد هؤلاء الأنيا.
من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط فإذا اعتبرنا

١٦٦
الجزء السابع .
هذه القطيفة كان هذا الترتيب حسناً والله أعلم بمراده وأسرار كتابه (١)».
ومن المعروف أن الأنبياء الذين يجب الإيمان بهم على التفصيل خمسة
وعشرون نبياً. وهم هؤلاء الثمانى عشرة الذين ذكروا فى هذه الآيات،
يضاف إليهم سبعة نظمهم الناظم فى قوله :
بأنبياء على التفصيل قد علموا
حتم على كل ذى التكليف معرفة
من بعد عشر ويبقى سبعة وهم
فى تلك حجتنا منهم ثمانية
إدريس، هود، شعيب، صالح، وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا
ثم ذكر - سبحانه - فضائل من يتصل بهؤلاء الأنبياء الكرام فقال:
(( ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، أى: ومن آباء هؤلاء الأنبياء
وذرباتهم وإخوانهم من حديناء إلى الطريق المستقيم فمن هنا للتبعيض.
والجملة معطوفة على (( كلا)، أى: كلا من هؤلاء الأنبياء فضلنا، وفضلنا
بعض آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وهديناء.
وجملة ((واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم)، معطوفة على «فضلنا))
أى: فضلنا هؤلاء الأنبياء واخترناهم وهديناهم إلى الطريق الواضح . قال
الراغب: ((((الا جتباء الجمع على طريق الاصطفاء قال-تعالى- فاجتباه ربه))
واجتباء العبد تخصيصه إياه بفيض الهى يتحصل له منه أنواع من النعم بلاسعى من
العبد وذلك للأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء .... (٢).
وقوله: « ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده، أى: ذلك الهدى.
إلى صراط مستقيم الذى اهتدى إليه أولئك الأخيار هو هدى الله الذى
يهدى به من يشاء هدايته من عباده وهم المستعدون لذلك.
وفى قوله« من يشاء من عباده، من الإبهام ما يبعث النفوس على تطلب
هدى الله - تعالى - والتعرض لنفجاته .
(١) حاشية الجمل على الجلاابن = ٢ ص ٠٥٩
(٢) مفردات القرآن + ٨٧ الراغب الأصفهانى.

١٣
سورة الأنعام
وقوله (( ولو أشركوا لحبط ونهم ما كانوا يعملون) أى، ولوفرض أن
أشرك بالله أولئك المهديون المختارون لبطل وسقط عنهم ثواب ما كافرا
يعملونه من أعمال صالحة فكيف بغيرهم .
قال ابن كثير: فى هذه الآية تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه، وتسليم
لملابسته، كقوله - تعالى - ,ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن
أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، والشرط لا يقتضى جواز
الوقوع، فهو كقوله، ((قل إن كان الرحمن ولدفأنا أول العابدين)، وكقوله:
((لو أردنا أن نتخذ لهوالاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين)) (١).
وقوله ((أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة)) اسم الإشارة
فيه يعود إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشرة والمعطوفين عليهم باعتبار
أقصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلة.
وقصر بعضهم عودته على الأنبياء فحسب وإليه ذهب ابن جرير والرازى
أى : أولئك المصطفون الأخيار هم الذين آتيناهم الكتاب أى جنسه المتحقق
فى ضمن أى فرد كان من أفراد الكتب السماوية .
والمراد بإيتائه: التفهيم العام لما اشتمل عليه من حقائق وأحكام، وذلك
أعم من أن يكون بالإنزال إبتداء أو بالإيراث بقاء، فإن المذكورين لم ينزل
على كل واحد منهم كتاب معين .
والحكم أى: الحكمة وهى علم الكتاب ومعرفة ما فيه من الأحكام.
أو الإصابة فى القول والعمل. أو القضاء بين الناس بالحق.
و«النبوة، أى: الرسالة.
وقوله ((فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين، أى
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١٥٥

٠١٩٨
الجزء السابع
فإن يكفر بهذه الثلاث التى اجتمعت فيك يامحمد هؤلاء المشركون من أهل
مكة ، فلن يضرك كفرهم لأنا قد وفقنا الإيمان بها قوما كراما ليسوا بها.
بكافرين فى وقت من الأوقات وإنما هم مستمرون على الإيمان بك والتصديق.
برسالتك وفى ذلك ما فيه من التسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -عن ..
إجراء بعض قومه عن دهوته .
والمراد بالقوم الذين وكلوا بالقيام بحق هذه الرسالة ووفقوا الإبمازيها.
أصحاب النبى - رالخ ـ من المهاجرين والأنصار مطلقاً، لأنهم هم
الذين دافعوا عن دعوة الإسلام وبذلوا فى سبيل إعلانها نفوسهم وأموالهم
ويدخل معهم كل من سار على نهجهم فى كل زمان ومكان .
وقيل المراد بهم أهل المدينة من الأنصار. وقيل المراد بهم الأنبياء.
المذكورون وأتباعهم، وقيل غير ذلك .
والذى راء أن الرأى الأول أرجح لأن أصحاب الفى - صلى الله عليه ..
وسلم - هم المقابلون لكفار قريش الذين كفروا بها.
وفى التكنية عن توفيقهم الإيمان بها بالتوكيل الذى أصله الحفظ للشىء.
ومراعات، إيذان بفخامة وعلو قدرها.
قال الإمام الرازى: «دلت هذه الآية على أن الله - تعالى - سينصر.
تبه، ويقوى دينه ، ويجعله مستعليا على كل من عاداه، قاهرا لكل من ..
فازئه، وقد وقع هذا الذى أخبر الله عنه فى هذا الموضع، فكان جاريا مجرى.
الأخبار عن الغيب فيكون معجزاً)، (١).
ثم قال - تعالى - ,أولئك الذين هدى الله فيه داهم اقتده، أى: أو اتك ..
الأنبياء الذين ذكرناهم لك - يامحمد - هم الذين مديناهم إلى الحق وإلى
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٠٨٦

١٦٩
سورة الأنعام
الطريق المستقيم فيهداهم ، أى: فبطريقتهم فى الإيمان بالله وفى تمسكهم
بمكارم الإخلاق كن مقتديا ومتأسيا .
والمقصود إنما هو التأمى بهم فى أصول الدين، أما الفروع القابلة
النسخ فإنهم يختلفون فيها ويجوز عدم الاقتداء بهم بالنسبة لها قال - تعالى -
((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.
وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار اليه ، ولما يقتضيه التكرير
من الاهتمام بالخير. وفى قوله ((فبهداهم اقتده، تعريض بالمشركين إذ أن
النبى - صلى الله علية وسلم - ما بهاء إلا على سنة الرسل كلهم وأنه ما كان
بدعا منهم، أماهم فقد اختلفوا لأنفسهم عبادات ما أنزل الله بها من سلطان.
ثم ختم الله - تعالى - هذا السياق بقوله: ((قل لا أسألكم عليه أجرا»
أى: قل أيها الرسول الكريم لمن بعثت اليهم لا أطلب منكم على ما أدعوكم اليه
من خير وما أبلغكم إياه من قرآن أجرا قليلا أو كثيرا .
«إن هو إلا ذكرى للعالمين، أى: ما هذا القرآن إلا تذكيرا وموعظة
الناس أجمعين فى كل زمان ومكان .
قال بعضهم: وفى الآية دليل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان.
مبعوثاً إلى الجن والإنس وأن دعوته قد عت جميع الخلائق .
وبعد أن بين - سبحانه - مادار بين إبراهيم وقومه من مجالات تتعلق
بإثبات وحدانية الله، وإبطال الشرك، وحكى جانبا من النعم التى أنعم بها على
خليه وعلى كل من سار على نهجه، وأخبر بأن هذا القرآن ماهو إلا تذكير
للعالمين وأن المفكر به - لا يريد منهم أجرا على تبلغه ... بعدكل ذلك أخذ.
القرآن فى الرد على منكرى نزول الكتب السماوية وفى بيان عاقبتهم الوخيمة.
بسبب هذا الجحود فقال - تعالى -:

وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةَ إِذْ قَالُواْ
مَا أَنزَّلَ الَهُ عَلَى بَشَرٍ مِنِ شَىْءٌ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءً
◌ِ» مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ، فَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ
كَثِيرًاً وَعُمْثُ مَّالَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلَآ ءَ ابَ ؤُكَّ قُلِ الهُ مْ ذَرْهُمْ
فِى خَوْضِمْ يَلْعُونَ (﴾ وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُّبَارَكُ مُصَدِّقُ الَّذِى
بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِسُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْهًا وَالْذِينَ يُؤْمِنُونَ بِْآَخِرَةِ
يُؤْمِنُونَ بِهٌِّ وَهُمْ عَى صَلَاتِهِمْ بَحَافِظُونَ (٢) وَمَنْ أَظْلَمُ عِّنِ
أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبَّ أَوْ قَالَ أُوِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ
سَأْنِلُ مِثْلَ مَ أَنْزَّلَ اللهُ وَوْ تَرَّإِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ
وَالْمَلَئِكَهُ بَاسِطُواْ أَيْدِهِمْ أَخْرِ جُواْأَنْفُسَكُ اَلْيَوْمَ نُّجْزَوْنَ عَذَابَ
الْمُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الَِّ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَكُنُمْ عَنْ ءَايَتِهِ»
تُسْتَكْبِرُونَ ﴾ وَلَقَدْ جِئْتُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَتَكْتُم مَّخَوَّلْتَكُمْ وَرَآءَ تُهُو ◌ِّكَّمْ وَمَا ◌َرَكَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَ كُمُ
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِكُمْ شُرَ كَتْ لَقَد تَقَطَعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُ
مَّ كُنتُمْ تَعُونَ ◌َ

٨٧١
سورة الأنعام
قوله ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من
تشىء) كامة (قدروا) مأخوذة من القدر - بفتح فسكون -، وأصل
القدر معرفة مقدار الشىء بالسبر والحزر. يقال: قدر الشىء يقدره إذا
سبره وجزره ليعرف مقداره ، ثم استعمل فى معرفة الشىء على أتم
الوجوه حتى مار حقيقة فيه .
والمعنى: ما عظموا الله حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته فى اللطف
بعباده و فى الرحمة بهم ، بل أخلوا بحقوقه إخلالاعظيما، وخلوا ضلالا كبيرا،
إذ أنكروا بعثة الرسل وإنزال الكتب، وقالوا تلك المقالة الشنعاء ما أنزل
الله على بشر شيئاً من الأشياء، قاصدين بهذا القول الطعن فى نبوة النبى
- صلى الله عليه وسلم - وفى أن القرآن من عند الله.
ولفظ (حق) منصوب على المصدرية، وهو فى الأصل صفة المصدر،
أى: قدره الحق فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يلزمهم
بما يدرس ألسنتهم، وأن يرد على سلبهم العام بإثبات قضية جزئية بديهية
التسليم فقال -تعالى -: (ق من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى فوراً وهدى
الناس) أى: قل بامحمد لهؤلاء الزاعين بأن الله ما أنزل على بحر شيئاً من الأعباء:
قل لهم من الذى أنزل التوراة وهو الكتاب الذى جاءبة موسى (فوراً وهدى للناس).
أى: ضياء من ظلمة الجهالة وهداية تعصم من الأباطيل والضلالة.
وكلمة (فوراً) حال من الضمير فى به أو من الكتاب .
ثم بين - سبحانه - ما فعله الجاحدون بكتبه من تحريف وتغيير
فقال: ( تجعلونه قرطيس قبدونها وتخفون كثيرا).
القراطيس: جمع قرطاس وهو ما يكتب فيه من ورق وقدره .
. أى: تجعلون هذا الكتاب الذى أنزله الله نورا وهداية الناس أوراقا
مكتوبة مفرقة لتتمكنوا من إظهار ما تريدون إظهاره منها، ومن إخفاء
الكثير منها على حسب ما تمليه طيكم تفوحكم المقيمة وشهو الحكم الأثيمة.

١٧٢
الجزء السابع
فالمراد من هذه الجملة الكريمة ذم المحرفين لكتب الله ، وتوبيخهم على
هذا الفعل الشنيع ، الذى قصدوا من ورائه الطعن فى نبوة النى - صلى الله
عليه وسلم - والتوصل إلى ما يبغوفه من مطامع وأهواء.
وقوله (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) أى: وعلمتم على لسان
محمد - صلى الله عليه وسلم - مالم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من المعارف التى
لا پر قاب عاقل فى أنها تنزيل ربانى .
وقوله ( قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون).
أى: قل أيها الرسول لهؤلاء الجاحدين: الله - تعالى - هو الذى أنزل
الكتاب على موسى ، ثم بعد هذا القول الفصل ذرهم فى باطلهم الذى
يخوضون فيه يلعبون، وفى غيهم يعمهون حتى تأنيهم من الله اليقين .
وفى أمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يجيب عنهم، إشعار بأن
الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيهه على أنهم بهتوا بحيث إنهم لا يقدرون
على الجواب .
وكان العطف بثم فى قوله (ثم ذرهم .. ) للدلالة على الترغيب الرقى أى:
أنهم لا تنجع فيهم الحج والأدلة فتركهم وخوضهم بعد التبليغ هو الأولى،
وإنما كان الاحتجاج عليهم لتبكيتهم وقطع معاذيرهم .
هذا، والمفسرين لهذه الآية قولان .
الأول: أنها مكية النزول تبعاً للسورة، وأن الذين قالوا (ما أنزل الله
على بشر من شىء) مشركو مكة، وإنما ألزمهم الله بإدال التوراة لأنهم.
كانوا يعرفون ذلك ولا ينكرون أن الله قد أنزلها على موسى.
قال ابن جرير: وأولى الأفوال بالصواب فى تأويل ذلك قول من قال :
عنى بذلك ( وماقدروا الله حق قدره ) مشر كو قريش. وذلك أن ذلك
فى سياق الخير عنهم . فأن يكون ذلك أيضاً خبرا عنهم أشبه من أن يكون

١٧٣
سورة الأنعام
خبراً عن اليهود ولما يجر لهم ذكر .. وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل
المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى٠٠١) (١).
وقد تاع ابن كثير رأى ابن جرير وقال: وهذا الرأى هو الأصح،
لأن اليهود لا ينكرون إزال الكتب من السماء وأما كفار قريش فكانوا
ينكرون رساله النبى - صلى الله عليه وسلم - لأنه من البشر كما قال
- تعالى - (أكان الناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس
وكذا قالوا هنا ( ما أنزل الله على بشر من شىء) (٢).
الثانى: أن هذه الآية مدنية النزول، وكون سورة الأنعام مكية لا يمنع
من وجود بعض آيات منها مدنية كما نص عليه كثير من العلماء.
ومما يؤيد كون هذه الآبة مدنية ماورد من آثار فى أسباب نزولها ،
ومن هذه الآثار ما أخرجه ابن جرير من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس
قال: قالت اليهود: والله ما أنزل الله من السماء كتابا) فنزل قوله - تعالى -
((وماقدروا الله حق قدره .. الخ ) وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير
- مرسلا - قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف فخاصم النبى
- صلى الله عليه وسلم - فقال له النبى: أنشدك بالذى أنزل التوراة على موسى
هل تجد فى التوراة أن الله يبغض الحبر السمين - وكان جبرا سمينا - فغضب
. وقال: هل أنزل الله على بشر من شىء) فقال له أصحابه ويحك ولا على
-موسى فأنزل الله ( وما قدروا الله حق قدرة٠٠) الآية (٣).
والذى نراه أن الآية الكريمة تصلح الرد على الفريقين فريق المشركين
. وفريق اليهود إلا أن سياقها يجعلنا رجح أن الخطاب فيها موجه بالأصالة إلى
(١) تفسير ابن جرير = ٧ ص ١٧٨
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٥٦
(٣٠) لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطى هامش الجلالين مـ٢٢٢

١٧٤٠
الجزء السابع
اليهود وإلى غيرم بالتبع، لأنهم هم الذين جعلوا التوراة قراطيس أى أوراقا"
مغرقة ليظهروا منها ما يناسب أهواءهم وليخفوا منها مافيه شهادة بصدق النبى
- 15 - ولأن هناك آثارا متعددة تثبت أنها نزلت فى شأهم.
١؛ وتوجيه الخطاب إلى اليهود لا يتنافى مع كونها مكية، لأنه ليس بلازم.
أن يكون كل قرآن مكى خطابا لغير اليهود .
وبعد أن أبطل - سبحانه - بالدليل قول من قال ((ما أنزل الله على بشر
من شىء، أتبعه ببيان أن هذا القرآن من عند الله وأنه مصدق الكتب.
السماوية السابقة ومهيمن عليها فقال - تعالى -.
.
, وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه .
والمعنى: وهذا القرآن كتاب أنزلناه على قلبك يا محمد وهذا الكتاب من.
صفاته أنه مبارك أى: كثير الفوائد لاشتماله على منافع الدين والدنيا.
والمبارك اسم مفعول من باركه وبارك فيه ، إذا جعل له البركة ».
ومعناها كثرة الخير ونماؤه .
وقدم هنا وصفه بالإنزال على وصفه باابر که بخلاف قو له «وهذا ذ کر
مبارك أنزلناه، لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال، إذ جاء عقيب إنكارم أن
ينزل الله على بشر من شىء بخلافه هناك.
ووقعت الصفة الأولى جملة فعلية لأن الإنزال يتجدد وقتا فوقنا، والثانية.
اسمية لأن الاسم يدل على الثبوت والاستقرار وهو،قصود هنا أى: أن
بركته ثابتة مستقرة .
قال الإمام الرازى: العلوم إما نظرية وإما عملية، أما العلوم النظرية-
فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه، ولا ترى
فى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده فى هذا الكتاب، وأما العلوم العملية
فالمطلوب إما أعمال الجوارح ، وإما أعمال القلب ، وهو المسمى بطهارة
الأخلاق وتزكية النفس، ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده فى هذا الكتاب ..

١٧٥
سورة الأنعام
ثم قد جرت سنة الله بأن الباحث فيه والمتمسك به محصل له عز الدنيا
وسعادة الآخرة )،(١).
وقوله (( مصدق الذى بين يديه، أى أن هذا القرآن موافق ومؤيد.
للكتب التى قبله فى إثبات التوحيد ونفى الشرك، وفى سائر أصول الشرائع
التى لا تنخ .
وقوله: « ولتنفر أم القرى ومن حولها، أى: ولتنذر بهذا الكتاب أم
القرى أى مكة ومن حولها من أطراف الأرض شرقاً وغربا لعموم بعثته
- بية - قال - تعالى - ((وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به -
ومن بلغ، وقال - تعالى - (قل بأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاء،
وسميت مكة بأم القرى لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل
القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها كما يقبع
الفرع الأصل، وفى ذكرها بهذا الاسم المنبى. عما ذكر إشعار بأن إنذار
أهلها سبقتبع لإنذار أهل الأرض كافة :
ووجه الاقتصار على مكة ومن حولها فى هذه الآية أنهم الذين جرى الكلام
والجدال معهم فى قوله - تعالى - قبل ذلك ((وكذب به قومك وهو الحق)).
قال الآلوسى: ويمكن أن يقال خصهم بالذكر لأنهم الأجق بإنذار.
- صَ ل فهو كقوله - تعالى -: وأنذر عشيرتك الأقربين، وإذا أنزل
کتاب کل رسول بلسان قومه )،(٢).
٠٠
وقال صاحب المنار((وزهم بعض اليهود المتقدمين وغيرم أن المراد من
حولها بلاد العرب خصه بمن قرب منها عرفا، واستدلوا به على أن بعثة النبى
- صلى الله عليه وسلم - خاصة بقومه العرب. والاستدلال باطل وإن سلمى.
(١) تفسير الرازى = ٤ ص ٠٩٩
(٢) تفسير الآلوسى = ٧ ص ٢١٢°.

١٧٦
الجزء السابع
التخصيص المذكور، فإن إرساله إلى قومه ينافى إرساله إلى غيرهم، وقد ثبته
عمرم بعثته - صلى الله عليه وسلم - من آيات أخرى كقوله - تعالى -
(( وما أرسلناك إلا كافة الناس بشيراً ونذيراً، (١).
وقوله ((والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به)).
أى : والذين يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثراب وعقاب يؤمنون بهذا
الكتاب الذى أنزله الله هداية ورحمة لأن من صدق بالآخرة خاف العاقبة،
وحرص على العمل الصالح الذى ينفعه .
ثم ختمت الآية بهذا الثناء الجميل عليهم فقالت «وهم على صلاتهم يحافظون»
أى يؤدونها فى أوقاتها مقيمين لأركانها وآدابها فى خشوع واطمئنان، وخصت
الصلاة بالذكر لكونها أشرف العبادات وأعظمها خطراً بعد الإيمان.
قال الإمام الرازى: ((ويكفيها شرنا أنه لم يقع اسم الإيمان على شىء من
العبادات الظاهرة إلا عليها كما فى قوله - تعالى- ((وما كان الله ليضيع إيمانكم.
أى صلاتكم، ولم يقع اسم الكفر على شىء من المعاصى إلا على ترك الصلاة ،
خفى الحديث الشريف ((من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر، فلما اختصت الصلاة
بهذا النوع من التشريف لا جرم خصها الله بالذكر فى هذا المقام)) (٢).
وبعد أن بين - سبحانه - مزايا هذا القرآن أتبع ذلك ببيان عاقبة الذين
يفترون الكذب على الله - تعالى -، وصور أحوالهم عند النزع الأخير
-وعندما يقفون أمام ربهم للحساب بصورة ترتجف لها الأفئدة فقال - تعالى -:
(( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحى إلى ولم يوح
إليه شئ ....
(١) تفسير المنار جـ ٧ ص ٦٢٠.
(٢) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٠٩٣

سورة الأنعام
والمعنى لا أحد أحد ظفها من اختلق الكذب على الله بجعلى له شركاء من
خلقه، وأنكر ما جاء به الثبى - صلى الله عليه وسلم - من هدايات،وحلل
. وحرم برواه ما لم يأذن به الله .
والاستفهام إفكارى فهو فى معنى النفى. و«من، اسم موصول والمراديه
"الجنس. أى: كل من افترى على الله كذبا وليس المراد فردا معينا.
((أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء ، أى: قال بأن الله أوحى إلى
بالرسالة أو النبوة مع أنه كاذب فى دعواه، فإن الله ما أوحى إليهشيئا، وهذا
يصدق على ما ادعاه مسيلمة الكذاب والأسود العنسى من أنهما نبيان يوحى
إليهما. ويصدق - أيضاً - على كل مدع الوحى والنبوة فى كل زمان ومكان.
وهذه الجملة الكريمة معطوفة على صلة ((من)) من عطف الخاص على العام.
لأن هذا القول هو نوع من أنواع اقراء الكذب.
((ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله، أى: ولا أحد أظلم- أيضاً- معمن
قال بأنى قادر على أن أنزل قرآنا مثل الذى أنزله الله كالذين حكى القرآن عتهم
قوله: ((وإذا تعلى عليهم آياتنا قالواقد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن
هذا إلا أساطير الأولين ».
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وعدت بأشد ألوان الوعيد كل مقتر
على الله الكذب، وكل مدع أنه يوحى إليه شىء وكل من زعم أنه فى قدرته
أن يأتى بقرآن مثل هذا القرآن ما حدث من النضر بن الحارث وعبدالله بن
سعد بن أبى سرح .
ثم بين - سبحانه - مصير كل ظالم أثيم فقال: ((ولو ترى إذ الظالمون
فى حُمرات المرت، أى: ولوترى أيها الرسول الكريم أو أيها العاقل حالة أولتك
الظالمين وهم فى غمرات الموت أى: فى شدائده وكرباته وسكر انهلرأيتشينا
خظيما هائلا ترتعد منه الأبدان ، فجواب الشرط محذوف .
(١٢٠ - سورة الأنعام:)

١٧٨
الجزء السابع
والتمرات: جمع غمرة وهى الشدة. وأصلها الشىء الذى يغمر الأشياء.
فيغطيها، يقال غمره الماء إذا علاه وستره ثم استعمل فى الشدائد والمكاره ..
وتقييد الرؤية بهذا الوقت لإفادة أنه ليس المراد مجرد الرؤية، بل المراد.
رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر :
وقوله ((والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ( أى والملائكة
الوكاون بقبض أرواحهم باسطوا أيديهم إليهم بالإمانة والعذاب فاتلين لهم
على سبيل التوبيخ والزجر : أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم .
والأمر هنا التعجيز أى: أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب إن استطعتم
إلى ذلك سبيلا .
قال الألوسى: وذهب بعضهم إلى أن هذا تمثيل لفعل الملائكه فى قبض أرواح.
الظامة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه فى المطالبة
ولا يمهله ويقول له: أخرج مالى عليك الساعة ولا أبرح مكانى حتى انتزعه
منك. وفى الكشاف: أنه كناية عن العنف فى السياق والإلحاح والتشديد فى
الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولاقول حقيقة هناك. واستظهر
ابن المنير أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية وإذا.
أمكن البقاء على الحقيقة فلا معدل عنها (١))).
ولعل مما يؤيد قول ابن المنير فى تعليقه على ما قال صاحب الكشاف ما جاء .
فی آية أخرى وهى قوله - تعالى - ((ولوترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة
يضربون وجوههم وأدبارهم)،(٢).
وقوله: اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتمتقولون على الله غير الحق »
(١) تفسير الآلوسى = ٧ ص ٠٢٢٤
(٢) سورة الأنفال الآية ...

١٧٩
سورة الأنعام
وكنتم عن آياته تستكبرون، هذا القول من تتمة ما تقوله الملائكة
لأولئك الظالمين .
أى: تقول لهم أخرجوا أنفسكم اليوم تلقون عذاب الذل والهوان
لا يظلم من الرحمن، وإنما بسبب أنكم كنتم فى دنياكم تفترون على الله
الكذب ، وبسبب أنكم كنتم معرضين من آياته ، مستكبرين عنها
ولا تتأملون فيها ، ولا تعتبرون بها.
والمراد باليوم مطلق الزمان لا اليوم المتعارف عليه، وهو إما حين
الموت أو ما يشمله وما بعده .
والهون معناه : الهوان والذل وفسرة صاحب الكشاف ، بالهوان الشديد
وقال: «وإضافة العذاب إليه كقولك، رجل سوء يريد العراقة فى الهوان
والتمكن فيه، (١) .
ثم صور - سبحانه - حالهم عند ما يعرضون للحساب فقال: ((ولقد
جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة» .
أى : ولقد جئتمونا للحساب والجزاء متعزلين ومنفردين عن الأموال
والأولاد وعن كل ماجمعتموه فى الدنيا من متاع، أو منفردين عن
الأصنام والأوثان التى زعمتهم أنها شفعاؤكم عند الله .
وفرادى قيل هو جمع فرد، وفريد وقيل: هو اسم جمع لأن فرداً
يجمع على فرادى وقول من قال أنه جمع: أراد أنه جمع له فى المعنى.
وهذه الجملة الكريمة مستأنفة جاءت لبيان ماستقوله الله لهؤلاء الظالمين
يوم القيامة ، بعد بيان ما تقوله ملائكة العذاب عند موتهم .
(١) تفسير الكفاف = ٢ ص ٤٧

١٨٠
الجزء السابع
وقوله: ((٤) خلقناكم أول مرة، تشبيه للمجىء أريد منه معنى الأحياء
بعد الموت الذى كانوا ينكرونه فقد رأوه رأى العين .
أى: جتمونا منعزلين عن كل ما كنتم تعتزون به فى الحياة الدنيا ،
مجينا مثل مجيئكم يوم خلفنا كم أول مرة حفاة عراة. فالكاف فى محل
نصب صفة لمصدر محذوف .
روى الشيخان عن ابن عباس قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
كو عفاء فقال: «أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا .
كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين)، (١).
وروبا - أيضاً - عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
تحشرون حفاه عراة غرلا. قالت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعاً
ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك (٢).
وروى الطبرى بسنده عن عائشة أنها قالت قرأت قول الله - تعالى -
((ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، فقالت: يا رسول الله
واسو أناها! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) لكل أمرى. منهم يومئذ شأن يغنيه
لا ينظر الرجال إلى السماء ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض.
قوله: ((وتركتم ما خولناكم وراء ظهور كم، أى: قر كتم ما أعطينا كم
وملكنا كم فى الدنيا من أموال وأولاد وغيرهما وراء ظهوركم ولم تحملوا
منه معكم فقيرا عند ما جئتمونا للحساب .
(١) أخرجه البخارى فى كتاب الأنبياء باب قوله - تعالى - ((وانخذوا
الله إبراهيم خليلا، وأخرجه مسلم فى كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها .
(٢) أخرجه البخارى فى كتاب الرقاق. باب كيف الحشر .