Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة الأنعام ثم بين - سبحانه - أن هذه النفس المعرضة للحرمان ليس لها ما يدفع عنها السوء فقال. ليس لها من دون ألقه ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها، أى: ليس لهذه النفس من غير الله ناصر ينصرها ولا شفيع يدفع عنها، ومهما قدمت من فداء فلن يقبل منها فالمراد بالعدل هنا الفداء فهو كقوله - تعالى - ((إن الذين كفروا وماقوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم مل. الأرض ذهباً ولو افتدى به . قال الإمام الرازى: والمقصود من هذه الآية بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة فلاولى يتولى دفع ذلك المحذور عنها، ولا شفيع يشفع فيها ولافدية تقبل منها ليحصل الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع. فإذا كانت وجوه الخلاص هى الثلاثة فى الدنيا وثبت أنها لا تفيد فى الآخرة البتة وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذى هو الارتهان والاستسلام فليس لها البتة دافع من عذاب الله، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصى الله)) (١). ثم بين - سبحانه - عاقبة أولئك الغافلين فقال: «أولئك الذين أبلوا بما كسبوالحم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون)). أى: أولئك الذين أسلموا للهلاك بسبب ما اكتسبوه فى الدنيا من أعمال قبيحة لهم شراب من حميم أى من ماء قد بلغ النهاية فى الحرارة بتجرجر فى بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم ولهم فوق ذلك عذاب مؤلم بنار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ثم ساق القرآن صورة منفرة الشرك والمشركين تدعو المؤمنين إلى أن يزدادوا إيماناً على إيمانهم فقال - تعالى _: ((قل أندعومن دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ... )). قال ابن كثير: قال السدى: قال المشركون للمؤمنين اتبعوا سبيلنا واتركوا (١) تفسير الفخر الرازى = ٠٦٥,٥٤ ١٤٢ الجزء السابع دين محمد - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - عز وجل -(قل أندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ... )) (١). والمعنى: قل يا محمد أو أيها العاقل هؤلاء المشركين الذين يحاولون رد المسلمين عن الإسلام، قل لهم: أنعبد من دون الله مالا يقدر على نفعنا إن دعوفاء ولا على ضرنا إن تركناه ,ونرد على أعقابنا)) أى ترجع إلى الشرك. الذى كنا فيه، بعد أن هدانا الله إلى الإسلام وأنقذنا من الكفر والضلال. يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها: قد رد على عقبيه . والاستفهام فى الآية الكريمة الإنكار والنفى ، وجىء بنون المنكلم ومعه غيره، لأن الكلام مع الرسول - عَلَّهِ - عن نفسه وعن المسلمين كلهم. والمراد بما لا ينفع ولا يضر تلك الأصنام فإنها مشاهد عدم نفعها ومجزها عن الضر، ولو كانت تستطيع الضر لأضرت بالمسلمين لأنهم خلصوا عبادتها ، وسفهوا أتباعها ، وأعلنوا حقارتمها . وجملة ,وترد على أعقابنا، معطوفة على «ندعو، وعلى داخلة فى حيز الإنكار والنفى. والتعبير عن الشرك بالرد على الأعقاب لزيادة تقبيحه بتصويره. ما هو علم فى القبح مع ما فيه من الإشارة إلى أن الشرك حالة قدتركت ونبذت، وراء الظهر ومن المستحيل أن يرجع إليها من ذاق حلاوة الإيمان . وحرف ((على)) فى قوله ((ونرد على أعقابنا، الاستعلاء، أى رجع على طريق هى جهة عقبه أى مؤخر قدمه كما يقال: رجع وراءه ثم استعمل هذا التعبير فى التمثيل للتلبس بحالة ذميمة كان قد فارقها صاحبها ثم عاد اليها. وقلبس بها . وفى الحديث الشريف «اللهم أمض لأصحابى هجرتهم ولا تردم على أعقابهم)) . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١٤٥ ١٤٣ سورة الأنعام تم ساق القرآن صورة مؤثرة دقيقه للضلالة والحيرة التى تنتاب من يشرك بعد التوحيد فقال: ((كالذى استهوته الشياطين فى الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى انتنا » . ((استهوته الشياطين)) أى استغرته وزينت هواء ودعته إليه والعرب تقول استهوته الشياطين لمن اختطف الجن عقله فسيرته كما تريد دون أن يعرف له وجهة فى الأرض . والمعنى : قل بامحمد لهؤلاء المشركين: أتريدون منا أن نعود إلى الكفر بعد أن نجانا الله منه فيكون مثلنا كمثل الذى ذهبت به مردة الشياطين فألقته فى صحراء مقفرة وتر كته تانهاضالا عن الطريق القويم ولا يدرى ماذا يصنع وله أصحاب يدعونه إلى الطريق المستقيم قائلين له اثقنا لكى تنجو من الهلاك و لكنه حير ته وضلاله لا يجيبهم ولا يأتيهم . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: ((إن مثل من يكفر باقه بعد إبمائه كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته فى الأرض وأصحابه على الطريق فجعلوا بدعونه إليهم ويقولون : ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم ، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم. ومحمد - صلى الله عليه وسلم - هو الذى يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام)) (١). ثم أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم أن يرد على الكفار بما يخرس ألسنتهم فقال : ((قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين،أى: قل یا محمد لهؤلاء المشركين إن هدى الله الذى أرسلت به رسله هو الهدى وحده. وما وراءه ضلال وخذلان، وأمرنا لتسلم وجوهنا لله رب العالمين. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١٤٥ ١٤٤ الجزء السابع قال صاحب المكشاف : فإن قلت : فما محل الكاف فى قوله «كالذى استهوته، قلت: النصب على الحال من الضمير فى ((ترد على أعقابنا)، أى : أفنكص مشبهين من استهوته الشياطين؟ فإن قلت ما معنى ((استهوته))؟ قلت هو استفعال من هوى فى الأرض أى ذهب فيها كأن معناه: طلبت هويه وحرصت عليه، فإن قلت: فما محل أمرنا؟ قلت: النصب عطفاً على محل قوله: (( إن هدى الله هو الهدى، على أنهما مقولان كأنه قيل: قل هذا القول وقل أمرنا لتسلم ... ، (١). وقوله ((وأن أقيموا الصلاة واتقوه، معطوف على محل ((لنسلم، كأنه قيل أمرنا لنسم وأمرنا أيضاً بإقامة الصلاة والاتقاء. وفى تخصيص الصلاة بالذكر من بين أنواع الشرائع وعطفها على الأمر بالإسلام، وقرنها بالأمر بالتقوى دليل على تفخيم أمرها وعظمة شأنها . وقوله ((وهو الذى إليه تحشرون)) جملة مستأنفة موجبة لامتثال ما أمر من الأمور الثلاثة ، أى : هو الذى تعودون إليه يوم القيامة الحساب لا إلى غيره . وقوله ((وهو الذى خلق السموات والأرض بالحق، معطوف على قوله ((وهو الذى إليه تحشرون . قال الألوسى: ((ولعله أريد بخلقهما خلق ما فيهما - أيضاً - وعدم التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع العلويات والسفليات . وقوله«بالحق، متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ((خلق، أى: قائما بالحق، وجوز أن يكون صفة لمصدر الفعل المؤ كد أى: خلقا متلبسا بالحق)). والحق فى الأصل مصدر حق إذا ثبت، ثم صار إنما للأمر الثابت الذى لا ينكر وهو ضد الباطل. وقوله («ويوم يقول كن فيكون قوله الحق، أى: وقضاؤه المعروف (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣٧. ٠ ١٤٧ سورة الأنعام . بالحقيقة كائن، حين يقول - سبحانه - لشىء من الأشياء ((كن فيكون). د. ذلك الشئ. ويحدث . و ((بوم، خبر مقدم، و((قوله، مبتدأ مؤخر، و((الحق صفته)). والجملة الكريمة بيان لقدرته - تعالى - على حشر المخلوقات يكون مراد. لا يتخلف عن أمره، وإن قوله هو النافذ وأمره هو الواقع قال - تعالى - (( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون». وفى قوله ((قوله الحق، صيغة قصر للمبالغة أى: هو الحق الكامل، لأن : " أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الحق فهى معرضة للخطأ وما كان فيها غير معرض للخطأ فهو من وحى الله أو من نعمته بالعقل والإصابة للحق. وقوله ((وله الملك يوم ينفخ فى الصور، أى: أن الملك لله تعالى وحده فى ذلك اليوم فلا ملك لأحد سواء . قال أبو السعود: ((وتقييد اختصاص الملك له - تعالى - بذلك اليوم مع عموم الاختصاص لجميع الأوقات لغابة ظهور ذلك بانقطاع الملائق المجازية « الكائنة فى الدنيا المصححة للمالكية المجازية فى الجملة، فهو كقوله - تعالى - ((لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)) وقوله: ((الملك يومئذ الحق الرحمن)). المراد( بالصور) القرن الذى ينفخ فيه الملك نفخة الصعق والموت ونفخة البعث والنشور والله أعلم بحقيقته . وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: إن أعرابياً سأل النبى ( صلى اللّه عله وسلم) عن الصور فقال: ((قرن ينفخ فيه، رواه أبو داود. والقرمذى والحاكم عنه أيضاً . وقيل المراد بالصور هنا جمع صورة والمراد بها الأبدان أى : يوم ينفخ - فى صور الموجودات فتعود إلى الحياة ثم ختمت الآية بما يدل على سعة علم الله - تعالى - وعظم إتقانه فى صنعه (١٠ - سورة الأنعام) ٠ ١٤٦ الجزء السابع فقال - تعالى -: ((عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير)). الغيب . ما غاب عن الناس فلم يدركوه. الشهادة: ضد الغيب وهی. الأمور التى يشاهدها الناس ويقوصلون إلى علمها . وصفة «الحكيم، تجمع إلقان الصنع فدل على عظم القدرة مع تعلق العلم. بالمصنوعات. وصفة («الخبير) تجمع العلم بالمعلومات ظاهرها وخفيها. أى: فهو - سبحانه - وحده العالم بأحوال جميع الموجودات ماغاب منها. وما هو مشاهد، وهو ذو الحكمة فى جميع أفعاله والعالم بالأمور الجلية والخفية. وبعد أن ساق القرآن ألواناً من الأدلة على وحدانية الله وسعة علمه وقدرته أخذ فى التدليل على بطلان الشرك وإثبات التوحيد عن طريق القصة، لحكى لنا جانباً مما قاله إبراهيم لأبيه وقومه فقال - تعالى - : وَإِذْقَالَ إِبْرَهِيُ لِأَبِهِءَازَرَ أَُّ أَصْنَامَاءَ الِهَةَّ إِّ. أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِ ضَلَلِ شُبِينٍ ﴾ وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ. السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (8﴾ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهُ. إِلَيْلُ رَءَالكَوْكَبَّ قَالَ هَدْذَّا رَبِيِّ فَلَّ أَقَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَخِلِينَ () قُلَّارَهَا الْقَمَرَ بَازِنَّا قَالَ هَذَا رَبِىٌّ فَلََّ أَقَلَ قَالَ لَيْ أَرْيَهْدِنِّ ◌َبِى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِينَ ◌َ فَّارَءَالشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِى هَذَا أَ كْبُ فَّ أَفَلَتْ قَالَ يَنْقَوْمِإِ بِىٌّ عَ تُشْرِكُونَ (٣٨) ١ (إِّ وَجَهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِىِ نَظَرَ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضَ حَنِقًا وَمَآًا. أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (®) ١٤٧ سورة الأنعام والمعنى : واذكر يا محمد وذكر قومك ليعتبروا ويتعظوا وقت أن قال إبراهيم لأبيه آذر منكراً عليه عبادة الأصنام (أتتخذ أصناماً آلهة) تعبدها من دون الله الذى خلقك فسواك فعدلك (إني أراك وقومك) الذين يتبعونك فى عبادتها فى ضلال مبين أى فى انحراف ظاهر بين عن الطريق المستقيم . قال الألوسى: (وأذر بزنه آدم علم أعجمى لأبى إبراهيم - عليه السلام- وكان من قرية من سواد الكوفة ، وهو بدل من إبراهيم أو عطف بيان عليه وقيل إنه لقب لأبى إبراهيم وإسمه الحقيقى تارح وأن آزر اقبه، وقيل هو إسم جده ومنهم من قال إسم عمه، والعم والجد يسميان أبا مجازا .. ) (١). والإستفهام فى قوله ( أتتخذ أصناما آلهة ) للإنكار، والتعبير بقوله (أتتخذ) الذى هو افتعال من الأخذ، فيه إشارة بأن عبادته هو وقومه لما شىء مصطنع، وأن الأصنام ليست أهلا الألوهية، وفى ذلك ما فيه من التعريض بسحافة عقولهم ، وسوء تفكيرهم . والرؤية يجوز أن تكون بصرية قصد منها فى كلام إبراهيم أن ضلال أبيه وقومه صار كالشىء المشاهد لوضوحه، وعليه فقوله (فى ضلال مبين). فى موضع المفعول . ويجوز أن تكون الرؤية علمية وعليه فقوله (فى ضلال مبين) فى موضع المفعول الثانى . ووصف الضلال بأنه مبين يدل على شدة فساد عقولهم حيث لم يتفطدوا اضلالهم مع أنه كالمشاهد المرئى . قال الشيخ القاسمى : قال بعض مفسرى الزيدية: ثمرة الآية الدلالة على وجوب النصيحة فى الدين لاسيما للأقارب، فإن من كان أقرب فهو أم ، ولهذا قال - تعالى - (وأنذر عشيرتك الأقربين) وقال - تعالى - : (قواأنفسكم (١) تفسير الآلونى = ٢ ص ١٤٩ ١٤٨ الجزء السابع. وأهليكم ناراً، وقال (صلى الله عليه وسلم) (( أبدأ بنفسك ثم بمن تعول)) ولهذا بدأ النبى (صلى الله عليه وسلم) بعلى وخديجة وزيد وكانوا معه فى الدار فآمنوا وسبقوا، ثم بسائر قريش، ثم بالعرب، ثم بالموالى، وبدأ إبراهيم بأبيه ثم بقومه، وتدل هذه الآبة - أيضا - على أن النصيحة فى الدين والذم والتوبيخ لأجله لبس من العقوق، وقد ثبت فى الصحيح عن أبى هريرة عن النبى ( صلى الله عليه وسلم) قال: بلقى إبراهيم آباء آزر يوم القيامة ((وعلى وجه آزر فترة وغيره فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصنى فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يارب انك وعدتنى أن لا تخزنى يوم يبعثون فأى خزى أخرى من أبى الأبعد ؟ فيقول الله - تعالى - إنى حرمت الجنة على الكافرين .:. ،. ثم قال الشيخ القاسمى: والآية حجة على الشيعة فى زعمهم أنه لم يكن أحد من آباء الأنبياء كافرا، وأن آرز عم إبراهم لا أبوه ، وذلك لأن الأصل فى الإطلاق الحقيقة ومثله لا يجزم به من غير نقل)) (١) . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على خليله إبراهيم فقال - تعالى - ((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين» . أى: وكما أربنا إبراهيم الحق فى خلاف ما عليه أبوه وقومه من الشرك، قريه - أيضا - مظاهر ربوبيتنا، ومالكيتنا السموات والأرض، ونطلمه على حقائقها . ليزداد إيمانا على إيمانه وليكون من العالمين علما كاملا لا يقبل الشك بأنه على الحق وأن مخالفيه على الباطل . (١) تفسير القاسمى × ٦ ص ٣٣٦٨ ١٤٩ سورة الأنعام والرؤية هنا المقصود بها الانكشاف والمعرفة . فتشمل المبصرات. والمعقولات التى يستدل بها على الحق . وإنما قال ((قرى إبراهيم ) بصيغة المضارع، مع أن الظاهر أن يقول « أربناء، لاستحضار صورة الحال الماضية التى كانت تتحدد وتتكرر بتجدد رؤيةآياته - تعالى - فى ذلك الملكوت العظيم. والملكوت: مصدر كالرغبوت والرحموت والجبروت ، وزيدت فيه الواو والتاء للمسالغة فى الصفة، والمراد به الملك العظيم وهو مختص بملكه - تعالى - كما قال الراغب فى مفرداته . ثم بين - سبحانه - ثمار تلك الإرادة التى أكرم بها نيه إبراهيم فقال: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى،. «جن عليه الليل: أى سعره بظلامه وتغشاه بظلمته، وأصل الجن : الستر عن الحاسة. يقال: جنه الليل وجن عليه يجن جنا وجنونا، ومنه الجن والجنة - بالكر - والجنة - بالفتح - وهى البستان الذى يستر بأشجاره الأرض . والمعنى: فلما ستر الليل بظلامه إبراهيم رأى كو كبا قال هذا ربى، قال ذلك على سبيل الفرض وإرخاء العثان، مجاراة مع عباد الأصنام والكواكب ايكر عليه بالإبطال، ويثبت أن الرب لا يجوز عليه التغيير والانتقال. قال صاحب الكشاف: «كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن يتجههم على الخطأ فى دينهم ، وأن يرشدم إلى طريق النظر والاستدلال . ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون إلها . لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثا ١٥٠ الجزء السابع أحدثها، وصانعا صفعها، ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. وقول إبراهيم ((هذا ربى) قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما رو غيره متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة (١). وجملة ((قال هذاربى، مستأنفة إستئنافا بيانيا جوابا السؤال ينشأ عن معدمون جملة («رأى كوكبا، وهو أن يسأل سائل: فماذا كان منه عندما رآه فيكون قوله: ((قال هـ اربى)) جوابا لذلك. وقوله («فلما أقل، أى: غاب وغرب: يقال أفل الشىء يأفل ويأفل أفلا وأفولا أى : غاب . وقوله ((قال لا أحب الآفلين، أى: لا أحب عبادة الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال، لأن الأفرل غياب وابتعاد وشأن الإله الحق أن يكون دائم المراقبة لتدبير أمر عباده . وجاء بالآفاين بصيغة جمع المذكر المختص بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه أن الكواكب عائلة متصرفة فى الأكوان . ثم بين - سبحانه - حالة ثانية من الحالات التى برهن بها إبراهيم على وحدانية الله فقال - تعالى -: فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى) أى : فلما رأى إبراهيم القمر مبتدئا فى الطلوع، منتشرا ضوؤه من وراء الأفق قال هذا ربى . وبازغا : مأخوذ من البزوع وهو الطلوع والظهور . يقال : بزغ الناب جزوغا إذا طلع . ((فلما أفل قال: لتن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالمين). أى: فلما أفل القمر كما أفل الكوكب من قبله قال مسمعا من حوله من قومه: لئن لم يهدفى ربى إلى جناب الحق وإلى الطريق القويم الذى يرتضيه (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٠٧٦ ١٥١ سورة الأنعام "لأكون من القوم الضالين عن الصراط المستقيم، لأن هذا القمر الذى يعتوره الأفول - أيضاً - لا يصلح أن يكون إلها. وفى قول إبراهيم لقومه هذا القول تنبيه لهم لمعرفة الرب الحق وأنه واحد ... وأن الكواكب والقمر كليهما لا يستحقان الألوهية. وفى هذاتهيئة النفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأن له ربا غير الكواكب. ثم عرض بقومه بأنهم ضالون، لأن قوله (( لأكون من القوم الضالين)» يدخل على نفوسهم الشك فى معتقدم أنه لون من الضلال . وإنما استدل على بطلان كون القمر إلها بعد أفوله، ولم يستدل على بطلان ذلك بمجرد ظهوره مع أن أقوله محقق، لأنه أراد أن يقيم إستدلاله على المشاهدة لأنها أقوى وأقطع لحجة الخصم . ثم حكى القرآن الحالة الثالثة والأخيرة التى استدل بها إبراهيم على بطلان الشرك فقال - تعالى - «فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر أى: فلما رأى إبراهيم الشمس مبتدئة فى الطلوع وقد عم فورها الآفاق، قال مشيرا إليها ((هذا ربى هذا أكبر، أى: أكبر، الكواكب جرما وأعظمها قوة، فهو أولى بالألومية ان كان المدار فيها على التفاضل والخصوصية . فقوله , هذا أكبر، تأكيد لما رأمه من إظهار النصفة للقوم، ومبالغة فى تلك المجاراة الظاهرة لهم، وتمهيد قوى لإقامة الحجة البالغة عليهم، ١٠ واستدراج لهم إلى ما يريد أن يلقيه على مسامعهم بعد ذلك . قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما وجه التذكير فى قوله ((هذا ربى)) والإشارة للشمس ؟ قلت: جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شىء واحد، كقولهم: ما جاءت حاجتك ومن كانت أمك، وكان اختيار هذه الطريقة واجبا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث ألاتراهم قالوا فى صفة الله علام ولم يقولوا علامة وإن كان العلامة أبلغ إحترازاً من علامة التأنيث (١). (١) تغير الكشاف ج ٢ ص ٠٤١ ١٥٢ الجزء السابع وقوله ((فلما أفلت قال: ((ياقوم إنى برىء ما تشركون)) أى فلما غابت .. الشمس واحتجب ضوؤها، جاهر إبراهيم قومه بالنقيجة التى يريد الوصول إليها فقال: يا قوم إنى برىء من عبادة الأجرام المتغيرة التى يغشاها الأفول ، وبرىء من إشراككم مع الله آلهة أخرى. قال الألوسى: وإنما احتج - عليه السلام- بالأفول ذون البروغ مع أنه .. انتقال، لأن الأفول متعدد الدلالة أيضاً إذ هو انتقال مع احتجاب ولا كذلك البزوغ، ولأن دلالة الأفول على المقصود ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الآفل يزول سلطانه وقت الأفول (١). هذا والمتأمل فى هذه الحالات الثلاث يرى أن إبراهيم - عليه السلام-قد سلك مع قومه أحكم الطرق فى الاستدلال على وحدانية الله ، فقد ترقى معهم. وهو يأخذ بيدهم إلى النقيجة التى يريدها بأسلوب يقتح العقول السليمة ، ورحم الله صاحب الانتصاف فقد بين ذلك بقوله : « والتعريض بضلاهم ثانیا أی فی قو له , لتن لم يهدنى ربى لأ كونن من القوم الضالين، أصرح وأقوى من قوله أولا (( لا أحب الآملين ((وإنما ترقى إلى ذلك، لأن الخصوم قد أقامت عليه بالاستدلال الأول حجة فأنسوا بالقدح فىمعتقدهم ولو قيل هذا فى الأول فلعلهم كانوا ينفرون ولا يصغون إلى الاستدلال فاعرض - صلوات الله عليه -بأنهم فى ضلالة إلا بعد أنواق. بإصفائهم إلى تمام المقصود واستماعهم إلى آخره. والدليل على ذلك أنه ترقى فى النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم والتقريع بأنهم على شرك حين قم قيام الحجة ، وتبلج الحق، وبلغ من الظهور غابة المقصود (٢). ثم ختم إبراهيم هذا الترفى فى الاستدلال على وحدانية الله بقوله-كماحكى القرآن عنه -: (( إنى وجهت وجهى الذى فطر السموات والأرض حنيفا ... (١) تفسير الآلوسى ج ٢ ص ٠٢٢ (٢) الانصاف على الكشاف لأحمد بن المثير ج ٢ ص ٠٤٠ ٢٥٣ سورة الأنعام أى: أنى صرفت وجهى وقلبى فى المحبة والعبادة له الذى أوجد وأنشأ السموات والأرض على غير مثال سابق . ومعنى («حنيفا، مائلا عن الأديان الباطلة والعقائد الزائفة كلها إلى الدين الحق، وهو - أى حنيفا - حال من ضمير المتكلم فى ((وجهت)). وقوله (( وما أنا من المشركين، أى: وما أنا من الذين يشركون مع الله آلهة أخرى لا فى أقوالهم ولا فى أفعالهم. وقد أفادت هذه الجملة التأكيد لجملة (((إنى وجهت وجهي ... إلخ)). وبذلك يكون إبراهيم - عليه السلام - قد أقام الأدلة الحكيمة والبراهين الساطعة على وحدانية الله - تعالى - وسفه المعبودات الباطلة وعابديها. ثم بين - سبحانه - بعض ما دار بين إبراهيم وبين قومه من . مجادلات ومخاصمات فقال : وَحَّهُ قَوْمُهُ، قَالَ أَتُخُنْجُوَّنِى فِىِ الهِ وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهَِ إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبِّ شَيْئًاً وَسِعَ رَبِّ كُلّ شَىْءٍ عِلْمَّاً أَفَلا ◌َتَُّونَ (٥﴾ وَكَيْفَ أَخَافُ مَ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَّكُم بِلَّهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُرْ سُلْطَانًا فَأَىِّ الْقَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِّ إِن كُنتُمْ تَعْلُونَ ( ٨١ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْإِيمَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمَ مهتدون ١٥٤٠ الجزء السابع - الحاجة: المجادلة والمغالبة فى إقامة الحجة، والحجة الدلالة المبينة للحجة أى: المقصد المستقيم - كما قال الراغب - وتطلق الحجة على كل ما يدلى به أحد التصمین فی إثبات دعواه أو رد دعوى خصمه . فمعنى «وحاجه قومه، أى: جادلوه وخاصموه أو شرعوا فى مغالبته فى أمر التوحيد قارة بإيراد أدلة فاسدة واقعة فى حضيض التقليد وأخرى بالتهديد والتخويف فقد حكى القرآن أنهم قالوا له عندما نهاهم عن عبادة الأصنام (« وجدنا آباءنا كذلك يفعلون)». وقد رد عليهم إبراهيم ردا قويا جريئا فقال لهم: « أنحاجونى فى الـ وقد مدان، أى أتجادلوننى فى شأنه - تعالى- وفى أدلة وحدانيته، والحال أنه - سبحانه - قد هدانى إلى الدين الحق وإلى إقامة الدليل عليكم بأنه هو المستحق للعبادة . والاستفهام الانكار والتوبيخ وتينيسهم من رجوعه إلى معتقداتهم. وجملة (,وقد هدان، حال مؤكدة للافكار أى لاجدوى من محاجتكم إياى بعد أن هدانى الله إلى الطريق المستقيم، وجعلنى من المبغضين للأصنام المحتقرين لها. ثم صارحهم بأنه لا يخشى أصنامهم ولا يقيم لها وزنا فقال: ((ولا أخاف ماتشركون به، أى لا أخاف معبوادتكم لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا قسمع ، ولا تقرب ولا تشفع. ويبدو أن قومه كانوا قد خوفوه بطش أصنامهم وقالوا له كما قالت قبيلة عاد لنبيها هو د«إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء، فرد عليهم إبراهيم هذا الرد القوى الصريح. وقوله, إلا أن يشاء ربى شيئاً، استثناء مما قبله أى: لا أخاف معبوداتكم فی جمیع الأوقات إلا وقت مشيئة ربی شیئاً من المکروہ یعییغی من جهتها بأن يسقط على صنم يشجنى، فإن ذلك يقع بقدرة ربى ومهيئته لا بقدرة أصنامكم أو مشيتها، وعلى هذا التفسير الذى ذهب إليه صاحب الكشاف يكون الاستثناء متصلا . ١٥٠ سورة الأنعام ويرى ابن عطية وغيره أن الاستثناء منقطع على معنى : لا أخاف معبوداتکم ولکن أخاف أن يشاء ربی خوف مما أشركتم به. ١ وهذه الجملة الكريمة تدل على سمو أدب إبراهيم - عليه السلام - مع. ربه، وعلى نهاية استسلامه لمشيئته ، فمع أنه مؤمن بخالقه كل الإيمان وكافر بتلك الآلهة كل الكفران، إلا أنه ترك الأمر كله لمشيئة الله، وعلق مستقبله على ما يريد الله فيه. وقوله ((وسع ربى كل شىء علماً، أى: أن علم ربى وسع كل شىء وأحاط به ، فلا يبعد أن يكون فى علمه إنزال ما يحفينى من جهة تلك المعبودات الباطلة لسبب من الأسباب. وهذه الجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا فكان قومه قد قالوا : كيف يشاء ربك شيئا تخافه فكان جوابه عليهم: «وسع دبى كل شىء عداء فأناوإن كنت عبده وناصره إلا أنه أعلم بإلحاق الضر أو النفع بمن يشاء من عباده. و «علماء منصوب على التمييز المحمول عن الفاعل، إذ الأصل فى هذا التعبير ,أن يقال: وسع علم ربى كل شىء ، ولكن عدل به عن هذا النسق ، وأسند الفعل فيه إلى الله لا إلى علمه ، وجعل لفظ العلم تميزا لافاعلا ليكون الوسع والإحاطة والشمول لله، فيخلع التعبير ظلا أشمل وأفخم وأعمق وقعافى النفس وقوله ((أفلا تتذكرون)) أى تعرضون أيها الغافلون عن التأمل والتفكير - بعد أن أوضحت لكم بما لا يقبل مجالا للشك أن الله وحده هو المستحق العبادة وأن هذه المعبودات التى سواه لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا. فالاستفهام للإنكار والتوبيخ لعدم تذكرهم مع وضوح الدلائل . وفى إيراد التذكر دون التفكر ونحوه إشارة إلى أن أمر آلهتهم . مركوز فى العقول ولا يتوقف إلا على التذكير . ١٥٦ الجزء السابع ثم حكى القرآن عن إبراهيم - عليه السلام - أنه بعد أن صارح. قومه بأنه لا يخشى آلهتهم، أخذ فى التهكم بهم والتعجب من شأنهم لأنهم يخوفونه مما لا يخيف فقال: (( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، . أى: كيف ساغ لكم أن تظنوا إنى أخاف معبوداتكم الباطلة وهى مأمونة الخوف لأنها لا تضر ولا تنفع، وأنتم لا تخافون إشراككم بالله خالقكم دون أن يكون معكم على هذا الإشراك حجة أو برهان من العقل أو النقل فالاستفهام للإنكار التعجبى من إنكارهم عليه الأمن فى موضع الأمن، وعدم إنكارهم على أنفسهم الأمن فى موضع أعظم المخلوقات وأهوالها وهو إشراكهم بالله . قال بعض العلماء: وجملة ((وكيف أخاف ... الخ)) معطوفة على جملة ((ولا أخاف ماتشركون به)) ليبين لهم أن عدم خوفه من آلهتهم أقل مجباً من عدم خوفهم من الله ، وهذا يؤذن بأن قومه كانوا يعرفون الله وأنهم أشركوا معه فى الإلهية غيره فلذلك احتج عليهم بأنهم أشر كوا بربهم المعترف به دون أن ينزل عليهم سلطانا بذلك (١). وقال الآلوسی: وقوله ((وکیف أخاف ما أشر كتم، استئناف - كما قال شيخ الإسلام - مسوق لنفى الخوف عنه - عليه السلام - بحسب زعم الكفر بالطريق الإلزامى بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفس الأمر ، وفى توجيه الإنكار إلى كيفية الخوف من المبالغة ماليس فىتوجيهه إلى نفسه بأن يقال: أأخاف لما أن كل موجود لا يخلو عن كيفية، فإذا أنتفت جميع كيفياته - فقد أفتفى من جميع الجهات بالطريق البرهانى)) (٢). (١) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد عاشور ج ٢ ص ٢٣٠ (٢) تفسير الآلوسى جـ ٧ ص ٢٠٦ ١٥٧ سورة الأنعام وما فى قوله(( ما أشركتم)) موصولة والعائد محذوف أى: ما أشرككم به ثم ركب - عليه السلام - على هذا الإنكار التعجبى ما هو نتيجة له فقال: «فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون .. أى: فأى الفريقين فريق للموحدين أم فريق المشركين أحق وأولى بالأمن من لحوق الضرر به إن كنتم تعلمون ذلك فأخبرونى به وأظهروه بالدلائل والحجج. فجواب الشرط محذوف تقديره أخبروفى بذلك . وهذا لون من ألجائهم إلى الاعتراف بالحق إن كانوا ما يعقل أو يسمع، وحث لهم على الإجابة . ال صاحب المنار: ((ونكتة عدوله عن قوله ((فأينا أحق بالأمن، إلى قوله (( فأى الفريقين) هى بيان أن هذه المقابلة عامة لكل موحد ومشرك من حيث إن أحد الفريقين موحد والآخر مشرك لا خاصة به وبهم فهى متضمنة لعلة الأمن. وقيل إن نكته الاحتراز عن تزكية النفس، واسم التفضيل على غير بابه ، فالمراد أبنا الحقيقى بالأمن ، ولكنه عبر باسم ، التفضيل ناطقا فى استنزالهم عن منتهى الباطل وهو ادعاؤهم أنهم هم الحقيون بالأمن وأنه الحقيق بالخوف إلى الوسط النظرى بين الأمرين؛ وهو أى الفريقين أحق واحترازا عن تنفيرهم من الإصغاء إلى قوله كله)، (١). ثم بين - سبحانه - من هو الفريق الأحق بالأمن فقال - تعالى -: ((الذين آمنواولم يليسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، أى: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بأى لون من ألوان الشرك كما يفعله فريق المشركين حيث إنهم عبدوا الأصنام وزعمواأنهم ما عبدوها إلا لينقربوابها إلى (١) تفسير المنار =٧ ص ٢٧٩ ١٥٨ الجزء السابع الله زانی، أو لتك المؤمنونالصادقون لهم الأمن دون غير م لأنهم مهندون إلى الحق وغيرهم فى ضلال مبين . هذا وقد وردت أحاديث صحيحة فسرت الظلم فى هذه الآية بالشرك ، ومن ذلك ما رواه البخارى ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت ((الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال الصحابة: وأينا لم يظلم نفسه ؟ فنزات ((إن الشرك لظلم عظيم))، وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: ما. تزات هذه الآية ((الذين آمنوا ولم يلبسوا أيمانهم بظلم)» شق ذلك على الناس فقالوا بارسول الله: فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذى تمنون. ألم. تسمعوا ما قال العبد الصالح (( إن الشرك لظلم عظيم، إنما هو الشرك. قال الإمام الرازى: والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من. أولها إلى آخرها إنما وردت فى فى الشركاء والأضداد والأنداد ، و ايس. فيها ذكر الطاعات والعبادات فوجب حمل الظلم هاهنا على ذلك، (١)، وقد قسر الزمخشرى فى كشافه الظلم بالمعصية فقال : «الذين آمنوا ولم، يلبسوا إيمانهم بظلم، أى لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس (٢). أى: لأن لبس الإيمان بالشرك أى خلطة به مما لا يتصور لأنهما ضدان لا يجتمعان فى رأى الزمخشرى . قال الشيخ القاسمى : وفهم الزمخشرى هذا مدفوع بأنه يلابسه، لأنه إن أريد بالإيمان مطلق التصديق سواءكان باللسان أو غيره فظاهر أنه يجامع الشرك كالمنافق . وكذا إن أريد تصديق القلب جواز أن يصدق بوجود الصانع دون وحدانيته لما فى قوله - تعالى - : وما يؤمن أكثرهم باقه. إلا وهم مشر كون )). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٨٢ (٢) تفسير الكشاف = ٢ ص ٤٢ ١٥٩ سورة الأنعام ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحميت يخرج عن الكفر». فلا يلزم من لبس الإيمان بالكفر الجمع بينهما، بحيث يصدق عليه أنه مؤمن. ومشرك، بل تغطيته بالكفر وجعله مغلوبا مضمحلا، أو أقصافه بالإيمان ثم الكفر، ثم الإيمان ثم الكفر مرارا)) (١). وقال صاحب الانتصاف: « وإنما بروم الزمخشرى بذلك تزيل الآية. على معتقده فى وجوب وعيد العصاة وأنهم لاحظ لهم فى الأمن كالكفار. ويجعل هذه الآية تقتضى تخصيص الأمن بالجامعين بين الأمرين: الإيمان. والبراءة من المعاصى. ونحن نسلم ذلك ولا يلزم أن يكون الخوف اللاحق العصاة هو الخوف اللاحق للكفار، لأن العصاة من المؤمنين إنما يخافون العذاب المؤقت وهم آمنون من الخلود وأما الكفار فغير آمنين بوجهما)، (٢). والذى تراه أنه مادام قد ورد من الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم). فى الحديث الصحيح أنه فد فسر الظلم فى الآية بالشرك فيجب أن نسلم به. وأن تعض عليه بالنواجذ واجتهاد الزمخشرى هنا - لتأييد مذهبه - مجانب الصواب ، لأنه لا اجتهاد مع النص . لاسيما وأن حديث عبد الله بن مسعود المتقدم قد خرجه الشيخان وغيرهما من أعلام السنة . ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله على نيه إبراهيم . فقال - تعالى : (١) تفسير القاسمى = ٦ ص ٢٢٠٩ (٢) الانتصاف على الكشاف لابن المثير ج ٢ ص ٤٢. ١٦٠ الجزء السابع وَتِلْكَ مْنَآءَ اتَيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجْتٍ مِّن ◌َّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلَّ هَدَيّاً وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُّ وَمِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُودَ ٠٠٤/٠٧/١٠ وَسُلَيْمَنَّ وَأَيُّبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَدِرُونَ وَكَذَلِكَ تَحْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَزَكَرِيًّا وَيَحِْى وَعِيسَى وَ إِلَيَاسٌَ كُلُّ مِنَّ الصَّالِحِينَ ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًّا وَكُلََّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَيْنَ (﴾ وَمِنْ ،َِّمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَإِخْوَتِهِمْ وَأَجْتَبَيْتَهُ .. وَهَدَيْنَدُهُمْ إلَى صِرِطِ مُسْتَقِ ◌ّهَ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَخَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ( #) أُوْلَّكَ الَّذِينَ ءَ اتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ وَالْحُكُرَ وَالنَّبُوَّةُ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ ( أُوْلَتِكَ الَّيْنَ هَدَى الله فَيُدَ لُهُمُ قْتَدِهٌ قُل لَّا أَسْعَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّاً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِنَ (*) قال الإمام الرازى: إعلم أنه - تعالى-لما حكى عن إبراهيم - عليه السلام - أنه أظهر حجة الله فى التوحيد ونصرها، وذب عنها، عددوجوه نعمه وإحسانه عليه. 1