Indexed OCR Text

Pages 341-360

٢,٤١
الجزء السادس
أما الذين كفروا، كذبوابآيات الله وحججه فأولئك أصحاب النار خالدين
فيها وبئس المصير .
. ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تحريم الطيبات التى
أحلها الله لهم، وأمرهم أن يتمتعوا بما رزقهم من رزق طيب حلال فقال
- تعالى - :
((يأيها الذينَ آمَنُوا لاتحرّموا طيباتٍ ما أحلَّ اللهُ لكم، ولا تعتدُوا
إِنَّ اللهَ لا يحبُّ المعتدين (٨٧) وكُلُوا مما رزقكم الهُ حلالاً طيباً،
واتقوا الله الذى أنتُم به مُؤْمِنُونَ (٨٨)) .
قال صاحب المنار. بدأ الله - تعالى - هذه السورة بآيات من أحكام الحلال
والحرام والنسك ..
ثم جاء هذا السياق الطويل فى بيان أحوال أهل الكتاب ومحاجتهم،
فكان أوفى واتم ماورد فى القرآن من ذلك، ولم يتخلله إلا قليل من الأحكام ..
وهاتان الآيتان وما بعدهما عود إلى أحكام الحلال والحرام والنسك التى بدأت
بها السورة ...
وإنما لم تجعل آيات الأحكام كلها فى أول السورة، وتجعل الآ بات فى أهل
الكتاب مفصلا بعضها ببعض فى باقيها. لما بيناه غير مرة من حكمة مزج
المسائل والموضوعات فى القرآن من حيث هو مثانى قتلى دائما الاهتداء بها ،
لاكتابا فنياً ولا قانونا يتخذ لأجل مراجعة كل مسألة من كل طائفة من
المعانى فى باب معين :
على أن نظمه وترتيب آياته بدهش أصحاب الأفهام الدقيقة بحسنه وتنسيقه
كما ترى فى مناسبة هاقير الآيتين لما قبلهما مباشرة ...
ذلك أنه - تعالى - ذكر أن النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا،
وذكر من سبب ذلك أن منهم قسيزورهبانا، فكان من مقتضى هذا أن يرغب
المؤمنون فى الرهبانية ويظن الميالون للتقشف والزهد أنها مرتبة كمال تقربهم

٣٤٢
سورة المائدة
إلى أنه - تعالى -، وهى إنما تتحقق بتحريم التمتع بالطيبات ... وقد
أزال الله - تعالى - هذا الظن، وقطع طريق تلك الرغبة بقوله : م یا ایها
الذين آمنوا لاتحر موا طيبات ما أحل الله لكم .. ، (!).
هذا ، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين راويات متعددة
منها ما أخرجه الترمذى وابن جرير عن ابن عباس : أن رجلا أنى النبى -
صلى الله عليه وسلم - فقال: إنى إذا أكلت إنتشرت للنساء، وأخذ تنى شهونى
تحرمت على اللحم. فأنزل الله - تعالى - يأيها الذين آمنوا لا تحرموا ...
الآية (٢) .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال ، كان: أناس من أصحاب النبى -
صلى الله عليه وسلم - هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية , بأيها
الذين آمنوا لاتحر موا طيبات ما أحل الله لمكم .. ، وعن أبى فلابة قال : أراد
أناس من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا
النساء ويترهبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ففاظ فيهم المقالة، ثم
قال إنما هلك من كان قبلكم بالقشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم،
فأولئك بقاياهم فى الديار والصوامع. أعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا
وإعتمروا، وإستقيموا. قال: ونزلت فيهم: يأيها الذين آمنوالانحرموا ..
الآية ، وعن أبي طلحة عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية فى رهط من
أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قالوا: فقطع مذا كيرنا، ونترك شهوات
الدنيا، ونسبح فى الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم
فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم . فقال النبى صلى اقه عليه وسلم:
لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأنام، وأفكح النساء ، فمن أخذ بسنتى فهومنى،
ومن لم يأخذ بسنتى فليس منى » .
(١) تفسير المنار جـ ٧ س ١٨ بتصريف وبتلخيص
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٨٧

٣٤٣
الجزء السادس
وقد وجه سبحانه النداء للمؤمنين بوصف الإيمان ؛ لتحريك حرارة
العقيدة فى قلوبهم حتى يمتثلوا أوامر الله ونواهيه .
والمراد بقوله: ((لاتحرموا .. )): لا تعتقدرا تحريم ما أحل الله لكم
من طيبات ، بأن تأخذرا على أنفسكم عهدا بعدم تناولها أو الانتفاع بها ..
-..
فالنهى عن التحريم هنا ليس منصبا على الترك المجرد، فقد يترك الإنان
بعض الطيبات لأسباب تتعلق بالمرض أو غيره ... وإنما هو منصب على
اعتقاد أن هذه الطيبات يجب تركها ويأخذ الشخص على نفسه عهدا بذلك.
والمراد بالطيبات: الأشياء المستلذة المستطابة المحللة التى تقوى بدن الإنسان .
وتعينه على الجهاد فى سبيل الله ، من طعام شهى ، وشراب سائغ . ومابس
جميل ....
والمعنى: يأيها الذين آمنوا باقه إيمانا حقاً، لا تحرموا على أنفسكم شيئامن
الطيبات التى أحلها الله لكم، فإنه - سبحانه - ما أحلها لكم إلا لما فيها من
منافع وفوائد تعينكم على شئون دينكم ودنياكم.
وقوله: «ولا تعتدوا، تأكيد للنهى السابق . والتعدى معناه : نتجاوز
الحدود التى شرعها الله - تعالى - عن طريق الإسراف أو عن طريق التقتير ،
أو عن طريق الاعتداء على حق الغير ، أو عن أى طريق يخالف ما شرعه
اقه - تعالى - .
وقوله: ((إن الله لا يحب المعتدين)) فى موضع التعليل لما قبله.
أى: لاتحر موا - أيها المؤمنون - على أنفسكم ما أحله الله لكم من طيبات
ولا تتجاوزوا حدوده بالإسراف، أو بالتقتير ، أو بتناول ما حرمه عليكم
فإنه - سبحانه - لا يحب الذين يتجاوزون حدود شريعته، وسنن فطرته ،
وهدى نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
وبعد أن نهى - سبحانه - عن تحريم الطيبات، أمر بتناولها والتمتع بها
فقال: ((وكلوا مما رزقكم الله حلالاطيباً، واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون)).
. والأمر فى قوله «وكلوا، للإباحة. وقيل إنه الندب. ويرى بعضهم أنه

٣٤٤
. سورة المائدة
الوجوب لأن من الواجب على المؤمن ألا يترك أمرا أباحه الله تعالى - تركا
مطلقا ، لأن هذا الترك يكون من باب تحريم ما أحله الله .
أى : وكلوا - أيها المؤمنون - من الرزق الحلال الطيب الذى رزق كم الله
إياه، وتفضل عليكم به ... ((واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون، بأن تصونوا
أنفسكم عن كل ما يغضبه، وتلتزموا فى مأكلكم ومشربكم وملبسكم وسائر
شئونكم حدود شريعته، وتوجيهات رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
والمراد بالأكل هنا التمتع بألوان الطيبات التى أحلها الله ، فيدخل فيه
الشرب ما كان حلالا ، وكذلك يدخل فيه كل ما أباحه - سبحانه -. من متعة
طيبة تميل إليها النهوس وتشتريها .
وعبر عن مطلق التمتع بما أحله الله بالأكل، لأنه أعظم أنواع المتع ،
وأم ألوان منافع الإنسان التى عليها قوام حياته .
وقد زكى - سبحانه - طلب التمتع بعطائه وخيره بأمور منها: أنه جعله م)
رزقهم إياه ، وأنه وصفه بكونه حلالا وليس محرما ، وبكونه طيبا وليس
خيداً ...
والمأكول أو المشروب أو غير هما متى كان كذلك اتجهت نفس المؤمن إليه
بارتياح وطمأنينة، واجتهدت فى الشكر لواهب النعم على ما أنعم وأعطى.
قال الألوسى: قوله: ((وكلوا مما رزقكم الله حلالا طبيا، أى : كلوا
ما خلٍ لكم وطاب مما رزق كم الله - تعالى -. خلالا مفعول به لكلوا.
و((مما رزقكم)) حال منه وقد كان فى الأصل صفه له، إلا أن صفة الفكرة
إذا قدمت صارت حالا ... والآية دليل لنا فى شمول الرزق الحلال والحرام
إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التأكيد. وهو
خلاف الظاهر فى مثل ذلك .
وقوله: (( واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون، استدعاء إلى التقوى وامتثال
الوصيه بو جه حسن .
-

٣٤٠
الجزء السادس
والآية ظاهرة فى أن أكل اللذائذ لا ينافى التقوى وقد أكل النبى - صلى
الله عليه وسلم - ثريد اللحم ومدحه، وكان يحب الحلوى ... ))(١).
وقال القرطبى: قال علماؤنا: فى هذه الآية وماشا بها، والأحاديث الواردة
فى معناها، رد على غلاه المنزهدين، وعلى كل أهل البطالة من المتصوفين، إذكل
فريق منهم قد عدل عن طريقه ، وحاد عن تحقيقه .
قال الطبرى: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شى على نفسه.) أحل الله .
لعباده المؤمنين من طيبات المطاعم والملابس والمناكح ... ولذلك رد النبى
- صلى الله عليه وسلم - التبتل على ابن مظعون، فثبت أنه لافضل فى ترك
شىء مما إحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو فى فعل ما ندب عباده إليه
وعمل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه
الأثمة الراندون ...
وقد جاء رجل إلى الحسن البصرى فقال له : إنلى جارا لا يأكل الفالوذج
فقال له ولم؟ قال: يقول، لا يؤدى شكره. فقال الحسن: أفيشرب الماء
البارد؟ قال: نعم. فقال الحسن: إن جارك جاهل ، فإن نعمة الله عليه فى الماء
البارد أكثر من نعمته عليه فى الفالوذج ... ,(٢).
والخلاصة أن هاتين الآيتين تنهيان المؤمنين عن تحريم الطيبات التى أحلها
الفهلهم، ونأمرانهم بالتمتع بها بدون إسراف أو تقتير، مع خشيتهم لله - تعالى
وشكره على ما وهبهم من نعم .
وذلك لأن ترك هذه الطيبات يؤدى إلى ضعف العقول والأجسام ،
والإسلام برید من أتباعه أن یکو نوا أقوياء فى عقولهم وفی أجسامهمو فى سائر
شئونهم، لأن المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف - كماجاء
فى الحديث الشريف . .
ولأن دين الإسلام ليس دين رهبانية، وفى الحديث الشريف , إن الله
(١) تفسير الآلوسى = ٧ ص ٩
(٢) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٢٦٢ بتصرف وتلخيصه.

٣٤٦
سورة المائدة
يبعثنى بالرهبانية، (١) وإنما دين الإسلام دين عبادة وعمل، فهو لا يقطع
عابد عن الحياة، ولكنه يأمره أن يعيش عاملا فيها غير منقطع عنها .!
وإن التفاضل بين المؤمنين يكون باستقامة النفس، وسلامة العبادة وكثرة
يصال النفع للناس ... ولا يكون بالانقطاع عن الدنيا، وتحريم طياتها.
فى أحلها الله - تعالى - .
وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تؤيد معنى هاتين الآيتين الكريمتين.
أما الآبات فمنها قوله - تعاقه - يابنى آدم خذوا زينتكم عندكل مسجد
كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، (٢).
ومنها قوله تعالى -. يا أيها الذين آمنواكلوا من طيبات ما رزقناكم
أشكروالله إن كنتم إياه تعبدون،(٣).
وأما الأحاديث فمنها ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك قال : جاء
لاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادته
لما أخبروا كأنهم تقالوها - أى عدوها قليلة - فقالوا: وأين نحن من
سول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم : أما أنا فإنى أصلى الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر
.لا أفطر . وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أنزوج أبدا.
﴿ . رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟
ما واقه إنى لأخشا كم لله وأتقاكم له. لكنى أصوم وأفطر وأصلى وأرقد؛
.أتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى،(٤).
(١) تفسير الآلوسي جـ ٧ ص٩
(٢) سورة الأعراف الآية ٣١
(٣) سورة البقرة الآية ١٧٣
(٤) أخرجه البخارى فى باب الترغيب فى النكاح من كتاب النكاح جـ ٧ س٢»
وأخرجه مسلم فى كتاب الفكاح ج ٤ ص ١٢٩

٢٤٨
الجزء السادس
ورحم الله الحسن البصرى فقد قال: إن الله - تعالى - أدب عباده فأحسن
أدبهم فقال - تعالى -، لينفق ذو سعة من سعته ، ما عاب قوما وسع عليهم الدنيا
فينعموا وأطاعوا، ولا عذر قوما زواها عنهم فعصؤه)،(١).
فعلى المؤمن أن يختفب تحريم الطيبات التى أحلها الله له ، وأن يتمتع بها
بدون إسراف أو تقتير، وأن يداوم على شكر الله على نعمه وآلائه، وأن
يجعل جانبا من هذه النعم الاحسان إلى الفقراء والمحتاجين .
قال الفخر الرازى: لم يقل - سبحانه -: « وكلوا مارزق كم الله، ولكن
قال: وكلوا مما رزقكم الله .... وكلمة ((من، للتبعيض. فكأنه قال: اقتصروا
فى الأكل على البعض واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات ، لأنه إرشاد
إلى ترك الإسراف كما قال:، ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)،(٢).
ثم بين - سبحانه - كفارة اليمين ، وأمر المؤمنين بحفظ أيمانهم فلا يكثروا
منها ، فقال - تعالى -.
((لا يُؤَاخِذِكُ اللهُ بِاللَّغْو فى أَيْمَتِكَمٍ، ولكِنْ يُؤَاخِذِكُ بما عقّد تم
الأمان، فكَفَّارَتَه إِطَعَمُ عشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطعُمُونَ
أَهلِيكُ أو كِسْوَتُهم أو تحريرُ رقبةٍ، فَنْ لم يحِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ،
ذلكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَقْتُمْ ، واحفُظُوا أَعَنكُم، كذلك يبينَ
القُهُ لِكَمِ آياتِهِ لعلكُمْ تَشْكُرونَ (٨٩)).
أخرج ابن جريرعن ابن عباس قال: لما نزلت «يأيها الذين آمنوالاتحرموا س
طيبات ما أحل الله لكم ... ، فى القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم"
النساء واللحم: قالوا: يارسول الله. كيف نصنع أيماننا التى حلفنا عليها؟
فأنزل الله - تعالى - قوله: ((لا يؤخذ كم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم
الزول
١
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٦٧٣
(٢) تفسير "فخر الرازى جـ ٤ ص ٧٢

٢٤٨
سورة المائدة
للفو
بما قدتم الإيمان ... الآية، (١ واللغو من الكلام - كما يقول الراغب: ما لا يعتد
به منه، وهو الذى يورد لا عن رؤية وذكر فيجرى مجرى اللغا وهو صوت
العصافير وبجوها من الطيور ... وقد يسمى كل قبيح لغوا. قال - تعالى -
« وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه،.(٢).)
١
٣
ولغو اليمين. أن يحلف الحالف على شىء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له
خلاف ذلك .
ويرى بعضهم أن الغو اليمين هو الذى يجرى على اللسان بدون قصد، كقولك
لا واقه ، وہلی واله .
وقد رجح هذا القول ابن كثير فقال ما ملخصه. وأللغز فى اليمين هو قول
الرجل فى الكلام من غير قصد: لا والله وبلى والله. وهو مذهب الشافعى.
وقيل هو فى الهزل . وقيل فى المعصية : وقبل على غلبة الظن وهو قول
أبى حقيقة وأحمد ... والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله: ولكن
يؤاخذ كم بما عقدتم الإيمان ، ٢).
وقوله: (( عقدتم)) من العقد وهو الجمع بين أطراف الشىء لتوتيقه وهو
نقيض الحل: وقرأ حمزة والكسائى (( عقدتم)) بالتخفيف. وقرأ ابن عامر
(« عاقدتم ،.
العقد والمراد بعقد الإيمان توكيدها وتوثيقها قصدا وفية ،
والمعنى: لايؤاخذكم الله - أيها المؤمنون - فضلا منه وكرما على اللغو
فى اليمين، وهو ما يجرى على ألسنتكم بدون قصد .. ولكن يؤاخذكم بالعقوبة
فى الآخرة أو بوجوب الكفارة بتعقيدكم الإيمان وتوثيقها بالقصد والنية ،
إذا حتتم فيها ، بأن تعمد تم الكذب فى أيمانكم.
(١) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ١٣.
(٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٤٥١ .
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٨٩.

الجزء السادس
٢٤٩ ٠
المرافي اللقاء
فالمراد بعدم المؤاخذة فى قوله (( لا يؤاخذ كم الله باللغو فى أيمانكم) : عدم
المعاقبة فى الدنيا بالكفارة ولا فى الآخرة بالعقوبة.
و
والمراد بالمؤاخذة فى قوله: ، ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الأيمان)):
العقوبة الأخروية عند جمهور الفقهاء. ويرى الشافعى أن المراد بها الكفارة
التى تجب على الحانث .
٥)
وقوله ((فى أيمانكم)) متعلق باللغو. وما فى قوله ((بما عقدتم)) مصدرية
أى: ولكن يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها. ويحتمل أن تكون
جولة والعائد محذوف. أى ولكن يؤاخذكم بالذى عقدتم الأيمان عليه
وأتم كاذبون فى أيمانكم.
وقوله:« فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم
أو كسوتهم أو تحرير رقبة، بيان للكيفية الكفارة والضمير فى قوله: فكفارته
يعود على الحنث الدال عليه سياق الكلام وإن لم يحر له ذكر .
أى: فكفارة الحنث. ولا مانع من عودته إلى الحالف إذا حنث فى يمينه
فيكون المعنى: فكفارة الحالف إذا حنث فى يمينه إطعام عشرة مساكين ...
لأن الشخص الحافث فى يمينه هو الذى يجب عليه التكفير عن حتثه.
والكفارة من الكفر بمعنى الستر ،وهى اسم للفعلة التى من شأنها أن
أن تكفر الخطيئة، أى تسترها وتمحوها، لأن الشىء الممحى يكون كالشىء
المستور الذى لا يرى ولا يشاهد .
٨
وكلمة (( أوسط)) يرى بعضهم أنها بمعنى الأمثل والأحسن، لأن لفظ
الأوسط كثيراً مايستعمل بهذا المعنى ومنه قوله - تعالى ,قال أوسطهم ألم
أقل لكم لولا تسبحون، (١) أنى: قال أحسنهم عقلا وأمثلهم فكرا ونظرا.
ويرى آخرون أن الأوسط هنا بمعنى المتوسط، لأن هذا هو الغالب فى
استعمال هذه الكلمة، أى يطعمهم لامن أفخر أنواع الطعام ولا من اردئه
ولكن من الطعام الذى يطعم منه أهله فى الغالب .
(١) -ورة ق الآية ٢٨.
شي
٦
Com -. -

٣٥٠
سورة المائدة
والمعنى: لقد تفضل الله عليكم - أيها المؤمنون - بأن رفع عنكم العقوبة
والكفارة فى الأيمان اللغو، ولكنه - سبحانه - يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان
وتوثيقها إذا ماحنتتم فيها ومتى حنث أحدكم فى يمينه، فمن الواجب عليه لتمكفير
هذا اليمين ومحو إنمه أن يطعم عشرة مساكين طعاما يكون من متوسط ما يطعم
منه أهله فى الجودة والمقدار، أو أن يكسوهؤلاء المساكين العشرة كساء مناسبا
ساترا للبدن أو أن يحرر رقبة بأن يعتق عبدا من الرق فيجعله حراً .
قال الجمل ما ملخصه: وقوله: (( فكفارته إطعام، مبتدأ وخبر ...
وقوله: إطعام مصدر مضاف لمفعوله، وهو مقدر بحرف وفعل مبنى للفاعل
أى فكفارته أن يطعم الحافث عشرة، وفاعل المصدر يحذف كثيراً.
وقوله: ((من أوسط، فى محل نصب مفعول ثان لإطعام؛ ومفعوله الأول
عشرة أى: فكفارته أن تطعموا عشرة مساكين إطعامامن أوسط ما تطعمون
أهليكم ... وقوله: ما تطعمون مفعول أول ومفعوله الثانى محذوف أى:
تطعمونه أمليكم ... ،(١) .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد خير الحانث فى يمينه بین أمور ثلاثة
يختار إحداها، فإذا لم يستطع إحداها، فقد بين سبحانه له حكما آخر فقال :
(((فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)).
أى : فمن لم يجد ما يكفر حثه فى يمينه من إطعام أو كما. أو تحرير رقبة
فعليه حينئذ أن يصوم ثلاثة أيام ، تطهيرا لنفسه، وتكفير اعن ذنبه،وتقوية.
لإرادته وعزيمته .
وإسم الإشارة فى قوله: «ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم «يعود إلى المذكور
من الإطعام والكساء وتحرير الرقبة والضوم .
" أى: ذلك الذى شرعناه لكم كمارة لأيمانكم إدا حلفتم أو حتشم فيها ،
وخالفتم طريق الحق الذى أمركم الله تعالى باتباعه.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ . ٥٢١

٣٥١
الجزء السادس
وقوله: ((وأحفظوا أيمانكم « أمر من الله تعالى لعباده بأن يصونوا
أنفسهم عن الحنث فى أيمانهم ، وعن الإكثار منها لغير ضرورة ، فإن الإكثار
من الحلف بغير ضرورة يؤدى إلى قلة الحياء من الله تعالى، كما أن الحلف الكاذب
يؤدى إلى سخطه سبحانه على الحالف وبغضه له .
وقوله : ( كذلك يبين الله لكم آمنه لعلكم تشكرون، تذييل قصد به
التذكير بنعم الله حتى يداوم الناس على شكرها وطاعة واهبها عز وجل .
أى: مثل هذا البيان البديع الجامع لوجوه الخير والفلاح، يبين الله لكم
آياته المشتملة على الأحكام الميسرة، والقشريعات الحكيمة، والهدايات الجليلة
لعلكم بذلك تستمروا على شكر الله وطاعته، وقولظبون على خشيته ومراقبته
فتنالون ما وعدكم من فلاح وسعادة .
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماد من هذه الآية ما يأتى :
١ - أن اليمين اللغو لا مؤاخذة فيها. أى : لاعقوبة عليها فى الآخرة
ولا كفارة لها فى الدنيا لقوله تعالى: ((لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم)).
ونعنى بها - كما سبق أن أشرنا - أن يقول الرجل من غير قصد الحلف
لا والله وبلى واقه .
1
ومع هذا فمن الأفضل للمؤمن ألا يلجأ إلى الخلف إلا إذا كانت هناك
ضرورة تدعو لذلك ؛ لأن الإكثار من الحلف يسقط مهابة الإنسان ، وقد
يفضى به إلى الاستهانة بالآداب الحميدة التى شرعها الله.
قال تعالى ، ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فنزل قدم بعد ثبوتها
وقذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم)،(!) .
٢- أن اليمين التى يحلفها الحالف بالقصد والنيه وهو كاذب فيها، يستحق
صاحبها العذاب الشديد من الله - تعالى - ، وهى التى يسميها الفقهاء باليمين
الغموس، أى التى تغمس صاحبها فى النار - قال - تعالى - ((ولكن يؤاخذكم
بما عقد تم الأيمان ..
(١) سورة النحل الآية ٩٤

٣٥٢
سورة المائدة
أى: بما صممتم عليه منها وفصد تموه وأنتم حانثون فيها.
قال القرطبى ما ملخصه: خرج البخارى عن عبدالله بن عمرو قال : جاء
أعرابى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول انه ما الكبائر ؟ قال:
الإشراك بالله. قال: ثم ماذا ! قال: عقوق الوالدين. قال: ثم ماذا ؟ قال:
اليمين الغموس قلت وما اليمين الغموس؟ قال التى يقتطع بها مال امرى. مسلم
وهو کاذب فيها .
وخرج مسلم عن أبى أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
من اقتطع حق امرى. مسلم بيمينه فقد أوجب الله له الغار وحرم عليه الجنة.
فقال رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال: وإن كان قضيبا
من أراك .
(١)
وقد اختلف فى اليمين الغموس فالذى عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديمة
محول وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها ... لأن هذا الحالف قد جمع بير الكذب،
واستحلال مال الغير، والاستخفاف باليمين بالله .. فأهان ماعظمه الله، وعظم
هـ
٧ كفارة ما حقره الله، ولهذا قيل: إنما سميت اليمين الغموس غموسا، لأنها نغمس
صاحبها فى النار .
(٢)
مستعد
وقال الشافعى: (( هى يمين منعقدة، لأنها مكتسبة بالقلب ، معقودة بخبر،
مقرفة باسم الله - تعالى-، وفيها الكفارة.
والصحيح الأول: وهو قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة ،
وبه قال الأوزاعى والثورى وأهل العراق وأحمد وإسحاق وأصحاب الحديث
وأصحاب الر أى من أهل الكوفة (١):
٣ - أن (( أو، فى قوله - تعالى -: «فكفارته إطعام عشرة مساكين من
أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة .. ، للتخيير.
(١) تفسير القرطبي ج ١ ص ٢٦٨.

٣٥٣
الجزء السادس
أى: أن الحالف إذا حنث فى يمينه فهو مخير بين واحد من أمور ثلاثة
ليكفر عن يمينه التى حنث فيها. وهذه الثلاثة هى الإطعام أو الكسوة،
أو عتق الرقبة. فإذا لم يجد إحدى هذه الكفارات الثلاث إنتقل إلى الصوم . !
قال الفخر الرازى: وأعلم أن الآية دالة على أن الواجب فى كفارة اليمين
أحد الأمور الثلاثة على التخدير، فإن عجز عنها جميعا فالواجب شىء آخر
وهو الصوم .
1
ومعنى الواجب الخير أنه لا يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الثلاثة
ولا يجوزله تركها جميعا. ومتى أنى بأى واحد شاء من هذه الثلاثة (فإنه يخرج
عن العهدة. فإذا إجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب الخير .. ،(١)
والعلماء أقوال متعددة فى الإطعام المطلوب لكفارة اليمين .
قال القرطى ما ملخصه: قوله - تعالى -: (( إطعام عشرة مسا کین من
أوسط ما تطعمون أهليكم ... ، لابد عندنا - أى المالكية - وعند الشافعى
الطها.
من تمليك المساكين ما يخرج لهم. ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوابه - ه )
تمليك.
وقال أبو حنيفة : لوغدام وعشام جاز والأوسط هنامنزلة یر منزاتین
ونصفا بين طرفين - أى يطعمهم من غالب الطعام الذى يطعم منه أهله لامنع)
أدناه حیلا یخس المسا کین حقهم ولامن أعلاه حتى لا یتکلف ما يشق عليه۔
والإطعام عند مالك: بد لكل واحد من المساكين العشرة ... وبه قال
الشافعى ... وقال أبو حنيفة: يخرج من البرنصف صاع، ومن التمر والشعير
صاعا ... أى يخرج ما يجب فى صدقة الفطر .
. ولا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد وبه قال الشامى، لأن
أنه - تعالى - نص على العشرة فلا يجوز العدول عنهم، وأيضا باز فيه إحيا.
جماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا، فيتفرغون فيه لعبادة أقه ولدعائه،
فنفر للكفر بسبب ذلك .
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٢ ص ٧٤:
(٢٣ - سورة المائدة)
ب محمد والاختام
ء

٣٥٤
سورة المائدة
وقال أبو حنيفه: يجزئه - أى: إذا أطعم واحدا عشر مرات أغنى عن.
إطعام العشرة - لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم، فلو دفع ذلك.
القدر لواحد أجزأه ... )، (١).
ولكسوة التى تصلح لكفارة اليمين يلاحظ فيها أن تكون سابقة فى الجملة
وهى تختلف باختلاف الأزمان والأحوال .
قال الشافعى: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه إسم
الكسوة - من قيص أو سراويل - أجزأه ذلك.
وقال مالك وأحمد : لابد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح
أن يصلى فيه، إن كان رجلا أو أمرأة كل بحسبه.
وقال أبو حنيفة: الكسوة فى كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار ،
ولا تجزىء القيمة عن الطعام والكسوة عند الشافعى .
وقال أبو حنيفة: تجزىء القيمة، لأن الغرض سد حاجة المحتاج، وقد
تكون القيمة أنفع له .
والنوع الثالث الذى به تكون كفارة اليمين : تحرير رقبة أى: إعتاقها
من الرق ، والمراد بالرقبة جملة الإنسان .
قال الرازى: المراد بالرقبة : الجملة قيل: الأصل فى هذا المجاز أن الأسير
فى العرب كانت تجمع يداه إلى رقبته بحبل . فإذا أطلق حل ذلك الحبل".
فسمى الإطلاق من الرقبة فك الرقبة . ثم جرى ذلك على العتق . وقد أخذ
بإطلاقها أبو حنيفة فقال: تجزىء الكافرة كما تجزىء المؤمنه . وقال الشافعى
وآخرون: لابد أن تكون مؤمنة .
فإن قيل: أى فائدة فى تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا محاله؟
قلنا له وجوه، أحدها : أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت
على التخيير لا على الترتيب . لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة
(١) تفسير القرطبى = ٧ ص ٢٧٦.
دفع القمر
اش لاتجزى
٢) م ثمزيه
منه الميه
٢ مـ شرط
لاين
فوائد
تقديم
عن الفتق (٣)

٣٥٥
الجزء السادس
بالأغلظ . وثانيها: قدم الإطعام لأنه أسهل ، لكون الطعام أعم وجودا ،
والمقصود منه التنبيه على أنه - تعالى - يراعى التخفيف والتسهيل فى التكاليف.
وثالثها: أن الإطعام أفضل، لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام، ولا يكون
هناك من يعطيه الطعام فيقع فى الضر . أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه
. وكسوة (١).
٤ - يرى مالك والشافعى أن قوله: تعالى: «فصيام ثلاثة أيام، يصدق
على الصيام المتتابع والمتفرق ، فلو صام الحالف ثلاثة أيام متغرفة أجز أهذلك ،
لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما.
3
التام
ويرى أبو حنيفة وأحمد صوم الثلاثة أيام متتابعة، فقد قرأ أبي بن كعب ٥ ورق
وعبدالله بن مسعود, فصيام ثلاثة أيام متتابعات، وقراءتهما لا تحلف الحزام
عن روايتهما .
٢-٤ ٠أحمد
وقال ابن كثير: واختلف العلماء هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب
ويجزىء التفريق؟ قولان: أحدهما لا يجب وهذا منصوص الشافعی فی کتاب
الإيمان. وهو قول مالك، لإطلاق قوله : (« فصيام ثلاثة أيام ) وهو صادق
على المجموعة والمفرقة كما فى قضاء رمضان لقوله: ((فعدة من أيام أخر، وفض
الشافعى فى موضع آخر فى الأم على وجوب التتابع كما هو مذهب الحنفية
والحنابلة لأنه قد روى عن أبي بن كعب وغيره أنه كان يقرؤها، فصيام ثلاثة
أيام متتابعات، وحكاها مجاهد والشعبى وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود.
وهذه، إذ لم يثبت كونها قرآنا متواثرا فلا أقل من أن يكون خبر واحد
أو تفسيرا من الصحابة وهو فى حكم المرفوع .
بم
وروى ابن مردوية عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال
حذيفة يارسول الله نحن بالخيار؟ قال: أنت بالخيار. إن شئت أعتقت.
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٢ ص ٧٦.

٣٥٦
سورة المائدة .
وإن شئت كسوت. وإن شئت أطعمت. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
متتابعات (١) ...
ويبدو لنا أن الصيام المتتابع أفضل، لأن قراءة أبى وحديث حذيفه
يزكيانه، ولأنه رأى عدد كبير من الصحابة منهم عبدالله بن مسعود .
٥ - أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى: ((فكفارته إطعام عشرة
مساكين ... ألخ، أن الكفارة لا تكون إلا بعد الحنث؛ لأن السبب فى
الكفارة هو الحفت ، ومادام لم يتحقق فإنه لا كفارة .
وقال آخرون يجوز أن تتقدم الكفارة عند فيه الحنث ، وتقوم النية
مقام الحنث بالفعل .
وقد تكلم عن هذه المسألة الإمام القرطى فقال ما ملخصه: اختلف العلماء
فى تقديم الكفارة على الحنث أنجزىء أم لا على ثلاثة أقوال.
أحدها : يجزى. مطلقا وهو مذهب أربعة وعشرين من الصحابة، وجمهور
الفقهاء، وهو مشهور مذهب مالك ، فقد قال أبو موسى الأشعرى: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - «وإنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين
فاری غير ها خيراً منها إلا کفرت عن يمين وأقيت الذى هو خير ، رواه
وأخرجه أبو داود .
ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة، لقوله - تعالى ((ذلكم كفارة
إيمانكم إذا حلفتم، فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعانى تضاف إلى أسبابها.
وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث.
وثانيا : قال أبو حنيفة وأصحابه لايجزىء بوجه لما رواه مسلم عن عدى
بن حاتم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف على
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٩١ بتلخيص يسير.

٣٥٧
الجزء السادس
يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير - زاد النسائى - وليکفر
عن يمينه، .
ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هى لرفع الإثم ، وما لم يحنث لم يكن
هناك ما يرفع فلامعنى لفعلها .. وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح.
اعتباراً بالصلوات وسائر العبادات .
وثالثها : قال الشافعى : تجزى. بالإطعام والعتق والكسوة ولا تجزى.
بالصومَ ؛ لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته . وبجزىء فى غير ذلك تقديم
الكفارة »(١)
٦ - أخذ العلماء من قوله - تعالى -((وأحفظوا أيمانكم) أن من الواجب
على المؤمن أن يقلل من الإيمان فلا يلجأ إليها إلا عند الضرورة ، وأن
يحرص على أن يكون صادقا فيها حتى لا يحتاج إلى التفكير عنها ؛ وأن يبادر
إلى التفكير عنها إذا كانت المصلحة تستدعى الحقث فيها، لما سبق أن ذكره
القرطبى من حديث أبي موسى الأشعرى وحديث عدى بن حاتم .
ولما رواه الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم
ياعبد الرحمن بن سمرة ، لاتسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت
إليها، وأن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها. وإذ حلفت على يمين فرأيت
غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأت الذى هو خير)).
هذا وقد ساق صاحب المنار فى نهاية تفسيره لهذه الآية بحوثا تتعلق
بالإيمان فقال ما ملخصه :
(١) لا يجوز فى الإسلام الحلف بغير الله تعالى - وأسمائه وصفاته، لما
رواه الشيخان من حديث ابن عمر: ((من كان حالفا فلا يحلف إلا باقه،
ورويا عنه أيضا أن النبى صلى الله عليه وسلم شمع رجلا يحلف بأبيه فقال: إن
أنه ينها كم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت.
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٢٧٥ .

٣٥٨
سورة المائدة
روى أحمد والبخارى وأصحاب السننن عن ابن عمر أيضا قال : كان
أكثر ما يحلف به النبى صلى الله عليه وسلم يحلف: لا ومقلب القلوب ...
وهذه الأحاديث الصحيحة صريحة فى حظر الحلف بغير الله تعالى ويدخل
النبى صلى الله عليه وسلم فى عموم غير الله وكذلك الكعبة وسائر ما هو معظم
شرعا تعظيما يليق به ...
(ب) ثم قال ويجوز الحنث للمصلحة الراجحة فقد روى الشيخان وأحمد
من عبد الرحمن بن سمرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إذا حلفت
على يمين ورأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك -
وفى رواية فكفر على يمينك وآت الذى هو خير» ....
وينقسم الحلف باعتبار المحلوف عليه إلى أقسام .
١ - أن يحلف على فعل واجب وترك حرام، فهذا تأكيد لما كلفه الله
إياه فيحرم الحنث ويكون إنمه مضاعفا .
٢ - أن يحلف عنى ترك واجب أو فعل محرم، فهذا يجب عليه الحنث،
لأنه يمين معصية على ترك فريضة من الفرائض ، أو حق من الحقوق
الواجبة عليه .
٣ - أن يحلف على فعل مندوب أو ترك مكروه ، فهذا طاعة فيندب له
الوفاء ويكره الحنث كذا قال بعضهم. والظاهر وجوب الوفاء كما قالوا
فى النذر .
٤ - أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه، فيستحب له الحنث
ويكره التمادى كذا قالوا. وظاهر الحديث وجوب الكفارة والحنث مطلقا.
٥ - أن يحلف على ترك مباح وقد اختلفوا فيه: فقال ابن الصباغ: أن
ذلك يختلف باختلاف الأحوال .

٣٥٩
الجزء السادس
أى أن الحالف يوازن بين مقدار الضرر الذى سيترتب على الاستمرار
فى الترك، والخير الذى يجلبه الحنث ، فإن رجح أحدهما مضى فيه ...
(ج) ثم قال: وقال شيخ الإسلام ابن قيمية: الأيمان - بحسب صيغتها
وأحكامها - ثلاثة أقسام :
أحدها: ما ليس من أيمان المسلمين وهو الحلف بالمخلوقات كالمكعبة والملائكة
والمشايخ والملوك والآباء ونحو ذلك، فهذه يمين غير منعقدة ولا كفارة فيها
باتفاق العلماء بل هى منهى عنها باتفاق أهل العلم والنهى نهى تحريم فى أصح
الأقوال ... ففى الحديث: ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان
حالفا فليحلف بالله أو ليصمت )»:
الثانى: اليمين بالله كقول القائل: وافقه لأفعلن كذا . فهذه يمين منعقدة فيها
النكفارة إذا حنث فيها باتفاق المدين .
والثالث: أيمان المسلمين التى هى فى معنى الحلف بالله، ومقصود الحالف
بها تعظيم الخالق لا الحلف بالمخلوقات كالحلف بالنذر والطلاق والعتاق كقوله
إن فعلت كذا فعلى صيام شهر أو الحج إلى بيت الله ... .
فهذه الأيمان للعلماء فيها أقوال أظهرها أنه إذا حنث فيها لزمته كفارة يمين
كما قال - تعالى - ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم». وقال تعالى: قدفرض الله لكم
تحلة أيمانكم ...
(د) ثم ختم صاحب المنار مباحثه بقوله: واليمين الغموس التى يهضم بها
الحق أو يقصد بها الغش والخيانة، أن يكفرها عتق ولا صدقة ولاصيام، بل
لابد من التوبة وأداء الحقوق والاستقامة . قال - تعالى ((ولا تتخذوا أيمانكم
دخلا بينكم فتزل قدم بعدثبوتها، وتذوقوا السوء بماصد دقم عن سبيل الله ولكم
عذاب عظيم »(١) .
(١) تفسير النار ج ٧ س ٤٠، ٤٨

٣٦٠
سورة المائدة
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم إذا ماحثوا
فى أيمانهم، وحضتهم على حفظ أيمانهم، لكى ينالوا من الله - تعالى -
الرضا والفلاح .
وبعد أن نهى الله المؤمنين عن تحريم ما أحله لهم، وأمرهم بأن يتمتعوا
بما رزقهم من خير بدون إسراف أو تقتير، وبين لهم حكم ما عقدوه من
أيمان ... بعد كل ذلك وجه - سبحانه -- نداء ثانيا إليهم بينهم فيه معضار
أخر وأشباهها من الرذائل ، وأمرهم باجتنابها، فقال تعالى :
((يأيها الذينَ آمنُوا إِنما الخمرُ والَيْسِيرُ والأنصابُ والْأَزْلاَمُ رِجْسٌ
مِنْ عَمَلِ الشيطانِ فَاجْتَقْبُوهُ لعلكم تفلِحُون (٩٠) إنما يريدُ الشيطانُ
أنْ يوقِعَ بِينُكُم العداوة والبغضاء فى الخمرِ والمَيْسِرِ ويصدّ كُمْ منَ ذِكْرِ
" الله وعن الصلاةِ فهل أنتم منتهونَ (٩١) وأَطيعُوا اللهَ وأطيعوا الرسول
وَإِحذرُوا، فإنْ تَوَليْتُم فاعلَمُوا أَنّما على رسولِناً البلاغُ المبين (٩٢))).
قال الفخر الرازى: أعلم أن هذا النوع الثالث من الأحكام المذكورة
فى هذا الموضع - فقد أمر الله المؤمنين بعد تحريم الطيبات ... ثم بين حكم
الأيمان المعقدة .
ووجه اتصال هذه الآيات بما قبلها أنه - تعالى - قال فيما تقدم: ((لا تحرموا
طيبات ما أحل الله لكم)) إلى قوله: ((وكلوا عما رزقكم الله حلالا طيبا)).
قم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر، لا جرم أنه - تعالى -
بين أهما غير داخلين فى المحلات بل فى المحرمات(١).
والخمر - بمعنى المصدر - هو الستر، ولذلك يقال لمايستر به الرأس عند
النساء خمار. والخر - بمعنى الاسم - ما يخمر العقل ويستره، ويمنعه من
التقدير السليم :
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٧٩ ٠