Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ الجزء السادس الرسول صلى الله عليه وسلم -: («أنه الضحوك القتال، فهو ضحوك لأولياته قتال لأعدائه،(١) . وقال صاحب الكشاف : فإن قلت: هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين ؟ قلت : فيه وجهان: أحدهما: أن يضمن الذل معنى الحقو والعطف كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع . والثانى: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين - خافضون لهم أجنحتهم، (٢). وقال الطبی: إن قوله - تعالى - , أُعزة علی الکافر ین ، جیء به للتکمیل، لأنه لما وصفهم قبل ذلك بالتذلل، وبما يتوهم أحد أنهم أذلاء محقروز فى أنفسهم فدفع ذلك الوهم بأنهم مع ذلتهم على المؤمنين أعزة على الكافرين على حد قول القائل : جلوس فى فى مجالسهم رزان وإن ضيف ألم بهم خفاف ثم وصفهم - ثالثا - بقوله: ((يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم)» وقوله: « يجاهدون ، من المجاهدة وهى بذل الجهد وتهاية الطاقة من أجل الوصول إلى المقصد الذى يسعى إليه الساعى . وقوله: « فى سبيل الله، أى فى سبيل إعلاء دين الله، وإعزاز كلت . وليس فى سبيل الهوى أو الشيطان . واللومة : هى المرة الواحدة من اللوم . وهو بمعنى اعتراض المعترضين، ومخالفة المخالفين وعدم رضاهم عن هؤلاء القوم والمعنى: أن من صفات هؤلاء القوم - أيضا - أنهم يبذلون أقصى جهدم فى سبيل إعلاء كلمة الله والعمل على مرضاته، وأنهم فى جهادهم وجهرهم بكلية الحق، وحرصهم على ما يرضيه - سبحانه - لا يخافون لوما قط من أى لام کاتنا من کان . لأن خشیتهم ليست إلا من ألله وحده. (١) تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ٧٠. (٢) تفسير الکشاف + ٦١ ص ٦٤٨ ٢٦٢ سورة المائدة وعبر - سبحانه - بلومة - بصيغة الإفراد والتفكير ، للمبالغة فى نفى الخوف عنہم سواء أُصدر اللوم لهم من کبیر أم من صغير . وسواء أکانت اللومة شديدة أم رفيقه .... فهم - كما يقول الزمخشرى -: صلاب فى دينهم، إذا شرعوا فى أمر من أمور الدين لإنكار منكر أو أمر بمعروف - مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل، ولا اعتراض معترض، ولا لومة لائم .... والجملة على هذا معطوفة على يجاهدون فى سبيل الله. ويحتمل أن تكون الواو للحال. أى أنهم يجاهدون وحالهم فى المجاهدة خلاف حال المنافقين الذين كانوا إذا خرجوا فى جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود ، فلا يعملون شيئا ما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم جرتم، وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم، (١). وقد ذكر المفسرون أقوالا متعددة فى المرادبه ؤلاء القوم الذين وصفهم الله - تعالى - بتلك الصفات الكريمة، والذين يأتى بهم بدل أولئك الذين يرتدون على أعقابهم. قال بعضهم: المراد بهم أبو بكر ومن معه من المؤمنين الذين قاتلوا المرتدين وقال آخرون: المراد بهم الأنصار الذين نصروا النبى - صلى الله عليه وسلم - وأيدوه . وقال مجاهد : المراد بهم أهل اليمن ... وقيل غير ذلك . والذى نراه أنهم قوم ليسوا مخصوصين بزمن معين أو بلد معين ، أو أشخاص معينين ، وإنما هم كل من تنطبق عليهم هذه الصفات الجليلة. فكل . من أحب الله وأحبه الله، وتواضع للمؤمنين وأغلظ. على الكافرين. وجاهد فی سبیل اللّه دون أنيخشى أحدا سواه فهو منهم، أماذواتهم فيعلمها انه وحده، لأنه لم يرد نص صحيح يعتمد عليه فى بيان المراد بهؤلاء القوم. (١) تفسير الكشاف م ١ س ٢٩٨ ٢٦٣ الجزء السادس وأسم الإشارة فى قوله: ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وانه واسع عليم يعود على ما تقدم ذكره من أوصاف القوم .. أى: ذلك الذى أعطيناهلهم من صفات كريمة فضل الله وإحسانه، يؤتيه من يشاء إبتاءه من عباده، والله - تعالى - واسع الفضل والجود والعطاء، عليم بأحوال خلقه ، لا تخفى عليه خافية من شئونهم. هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب المجاهدة فى سبيل إعلاء كلمة الله عن طريق قتال أعدائه - سبحانه - أو عن: طريق الجهر بكلمة الحق، أو عن طريق إحقاق الحق وإبطال الباطل - دون أن يخاف المجاهد لومة لائم . ولقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية حملة من الأحاديث فى هذا المعنى ومن ذلك : ما رواه الإمام أحمد عن أبى ذر: أمرفى خليلى - صلى الله عليه وسلم - بسبع : أمرفى بحب المساكين والدنو منهم ، وأمر فى أن أنظر إلى من هو دوفى ولا أنظر إلى من هو فوقه ، وأمرفى أن أصل الرحم وأن أدبرت ، وأمرفى أن لا أسأل أحداشيئًا، وأمر فى أن أقول الحق وإن كان مراً ، وأمر فى أن لا أخاف فى الله لومة لائم ، وأمر نى أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن كنز تحت العرش)، . وعن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله - صلى اقه عليه وسلم - ألا لاي، فعن أخدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم . وعنه - أيضا - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحقرن أحدكم نفسه قالوا: وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: أن يرى أمرالله فيه مقال فلا يقول فيه . فيقال له يوم القيامة. ما منعك أن تكون قلت فى كذا وكذا ؟ فيقول مخافة الناس. فيقول: إباى أحق أن تخلف (١). (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٧٠ ٢٦٤ سورة المائدة وهناك أحاديث أخرى فى هذا المعنى سوى التى ذكرها الإمام ابن كثير ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول أنه- صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة فى المنشط والمكره. وأن لا ننازع الأمر أهله. وأن نقول بالحق حيثما كنا. لا نخاف فى الله لومة لائم،(١). ثم بين - سبحانه - من تجب موالاتهم ، بعد النهى عن قولى من تجب معاداتهم فقال: (( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة، ويؤنون الزكاة ، وهم راكعون . أى: ((إنما وليكم الله)) المفيض عليكم كل خير، والمرجو وحده فى الشدائد والكروب ((ورسوله، الذى أخرجكم ـ بإذنه تعالى - من ظلمات الكفر إلى نور التوحيد .. والذين آمنوا، الذين هم منكم وأنتم منهم والذين (((يقيمون الصلاة)) فى مواقيتها بخشوع وإخلاص. ويؤتون الزكاة)) لمستحقيها بسماحة وطيب نفس ((وهم راكعون، أى: خاشعون متواضعون قه، وليسوا مرائين أو منانين . وقوله: ((إنما وليسكم الله) جملة من مبتدأ وخبر. وقوله: ((ورسوله والذين آمنوا، معطوف على الخبر. قال صاحب الكشاف: ومعنى ((إنما)) وجوب إختصاصهم بالموالاة. فإن قلت قد ذكرت - الآية - جماعة فهلاقيل إنما أولياؤكم؟ قلت: أصل الكلام إنما وليكم الله، جعلت الولاية لله على طريق الأصالة ، ثم نظم فى سلك إثباتها له، إثباتها لرسوله وللمؤمنين على سبيل التبع. ولو قيل: إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا، لم يكن فى الكلام أصل وقبع ... (٢) والمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وليس فرداً معينا منهم . (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٤٨ . (٢) أخرجه البخارى فى باب كيف يبايع الإمام الناس من كتاب الأحكام+٩ م٩٦ ٢٦٥ الجزء السادس قالى - تعالى -: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم،(١) وما ورد من آثار تفيد أن المراد بالذين آمنوا شخصا معينا وهو على أن أبى طالب - رضى الله عنه - لا يعتمد عليها ، لأنها كما يقول ابن كثير - الم يصح شىء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجاها ، وقد توسع الإمام الرازى فى الرد على الشيعة الذين وضعوا هذه الآثار فارجع إليه إن شئت (٢) . وقوله: (( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة)) بدل من الذين آمنوا. وهما وصفان لهم ساقهما - سبحانه - على سبيل الثناء عليهم والمدح لهم. : قوله: « وهم راكعون، حال من فاعل الفعلين - يقيمون ويؤتون - أى: يعملون ماذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون خاضعون قه - تعالى - ؛ إذ الركوع قد يطلق بمعنى الخضوع لله - تعالى -: قال الراغب : الركوع: الانحناء وقارة يستعمل فى الهيئة المخصوصة فى الصلاة، وقارة يستعمل فى التذلل والتواضع إما فى العبادة وإما فى غيرها ... ،(٣) ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الذين يوالون الله ورسوله والمؤمنين. فقال: ((ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)). والحزب معناه الجمع من الناس يجتمعون على رأى واحد من أجل أمن حزبهم أی أهمهم وشغلهم . والمعنى: ((ومن يتول الله)) - تعالى - بأن يطيعه ويتوكل عليه، ويتول (١) سورة التوبة الآية ٧١ (٢) راجع تفسير الفخر الرازى : ١٢ ص ٢٦ وما بعدها (٣) المفردات فى غريب القرآن ص ٢٢ ٢٦٦ سورة المائدة : رسوله، بأن يتبعه ويتأسى به، ويقول ((الذين آمنوا) بأن يناصرهم ويشد زرم ويتعاون معهم على البر والتقوى، من يفعل ذلك لاشك فى حسن عاقبته . ظفره بالفلاح والنصر «فإن حزب الله هم الغالبون، لغيرهم من الأحزاب الأخرى التى استحوذ عليها الشيطان . و «من» فى قوله ((ومن يتول انه ... ) شرطية، وقوله: « فإن حزب الله هم الغالبون، دليل على جواب الشرط. . ٠ أى: ومن بتول الله ورسوله والذين آمنوا يمكن من حزب الله المنتصر لقوى ، فإن حزب الله هم الغالبون . وقال - سبحانه - فإن حزب الله، ولم يقل حزب أقدورسوله، الإشارة إلى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يعمل إلا بأمر من الله - تعالى - دأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يستمد العون والنصرة إلا منه - سبحابه -. قال بعض العلماء: وقوله - تعالى - ((فإن حزب الله هم الغالبون)) معناه: فإنهم الغالبون . فوضع الظاهر موضع الضمير العائد إلى «من، دلالة على علة الغلبة. وهو أنهم حزب الله فكأنه قيل: ومن يقول هؤلاء فهم حزب الله. وحزب الله هم الغالبون. تنويها بذكرهم، وتعظيما لشأنهم، وتشريفا هم بهذا الاسم، وتعريضا لمن يوالى غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان»(١) .. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين نهيا شديدا عن موالاة أعداء الله، لأن موالاتهم قد تجر إلى الارتداد عن الدين الحق ، ومن. برقد عن الدين الحق فلن يضر اقه شيئا، لأنه - سبحانه - قادر على أن. بأتى بقوم آخرين صادقين فى إيمانهم بدل أولئك الذين أرتدوا على أعقابهم .. (١) تفسير القاسمى ج ٦ ص ٢٠٤٥. ٠ ٢٦٧ الجزء السادس كما نراها قد أرشدت المؤمنين إلى من تجب موالاتهم، وبشرتهم بالفلاح والنصر متى جعلوا ولايتهم لله ولرسوله ولإخوانهم فى العقيدة والدين. ثم كرر - سبحانه - نهى المؤمنين عن موالاة أعدائه وأعدائهم الذين استخفوا بتعاليم الاسلام ، وشعائر دينه فقال - تعالى -: ٠ (بَأيُّها الذينَ آمَنُوا لا تَّخذوا الذينَ اتخذُوا دِينُكُم هزواً ولعباً، من الذين أوتُوا الكتابَ مِنْ قبلُم والكفارَ أولياء، واتقوا اله إن كثُ مؤمنينَ (٥٧) وإذا ناديتُم إلى الصلاةِ اتخذوهاً هزواً ولعباً، ذلك بأنهم قومٌ لا يعقلونَ (٥٨))). قال الآلوسي: أخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس قال : كان رفاعة . ابن زيد ابن التابوت، وسويد بن الحارث قد أظهرا الاسلام ونافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما . فأنزل الله - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا ... الآية)(١). والدين: هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة. فهو عنوان عقل المتدين، ورائد آماله، وباعث أعماله. والذى يتخذ دين أمرى. هزوا ولعبا، فقد اتخذ ذلك المتدين بهذا الدين عزوا ولعبا . وقوله: (( هزوا، أى سخرية يقال: فلان هزىء من فلان إذا سخر منه، واستخف به. وأصله هزءأ، فأبدلت الهمزة واوا لضم ما قبلها . : وقوله: (( لعبا، أى ملهاة وعبثا. وأصله من لعاب الطفل. يقال عن الطفل لعب - بفتح العين - إذا سال لعابه . والمعنى: يأيها الذين أقصفوا بالإيمان ((لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم)» (١) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ١٧١ . ٢٦٨ سورة المائدة الذى هو سر سعاتكم وعز تكم ((هزوا ولعبا، أى: اتخذوه مادة لسخريتهم وتهكمهم ، وموضعا لعبثهم وهوم . و((من)، فى قوله: «من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ، بيانية . أى: مبينة لأولئك الذين يستهزئون بدين الله ويجعلونه موضع عبثهم .. والمراد بالذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصاوى. وسموا بذلك؛ لأن أصل شرعهم ينتمى إلى كتاب منزل هو التوراة والإنجيل. وفى صفهم بذلك هنا ، توبيخ لهم ، حيث إنهم استهزؤًا بالدين الحق ، مع أن كتابهم ينهاهم عن ذلك . والمراد بالكفار هنا المشركون الذين لا كتاب لهم. وقرأ الجهود (الكفار)) بالنصب عطفا عن ، الذين اتخذوا دينكم) المبين بقوله: ((من الذين أوتوا الكتاب ... )). وقرأ أبو عمرو والكسائى (( الكفار) بالجر عطفا على الذين أوتوا الكتاب .،.)). وقوله: (( أولياء)) أى: نصراء وأصفياء. وهو المفعول الثانى لقوله (( لا تتخذوا، والآية الكريمة تنهى المؤمنين عن ولاية كل عدو الله - تعالى - ولهم سواء أكان هذا العدو من أهل الكتاب أم من المشركين ؛ لأن الجميع يشتركون فى الاستهزاء بتعاليم الاسلام، وفى العبث بشعائره. وقوله: ( واتقوا الله إن كنتم مؤمنين) تذییل قصد به استنهاض همنهم لامتثال أمر الله - تعالى -، وإلهاب نفوسهم حتى يتركوا موالاة أعدائهم جسرعة ونشاط . أى: واتقوا الله فى سائر ما أمركم به ومانها كم عنه، فلا تضعوا موالاتكم ٢٦٩ الجزء السادس فى غير موضعها، ولا تخالفوا الله أمراً. إن كنتم مؤمنين حقا، متثلين صدقا، فإن وصفكم بالإيمان يحتم عليكم الطاعة التامة لله رب العالمين . ثم ذكر -سبحانه+ بعض مظاهر استهزاء أولئك الضالين بالدين وشعائره، فقال - تعالى -: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا)). والمراد بالنداء للصلاة: الإعلام بها عن طريق الأذان . قال القرطبى: كان إذا أذن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود: قاموا لا قاموا، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا. وقالوافى حق الأذان: لقد ابتدعت شيئالم نسمع به فيما مضى من الأمم. فمن أين لك صياح مثل صياح العير ؟ فما أقبحه من صوت، وما أسمجه من أمر ... (١). وروى ابن جرير وابن أبى حاتم عن السدى فى قوله: ((وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا .. ، قال : كان رجل من النصارى بالمدينة ، إذا سمع المنادى ينادى: أشهد أن محمدا رسول الله . قال : حرق الكاذب . فدخل خادمه ليلا من الليالى بنار، وهو نائم وأهله قيام، فسقطت شرارة فأحرفت البيت. فاحترق هو وأهله ،(٢) . وقيل: كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس منها . · أى: وإذا ناديتم - أيها المؤمنون - بعضكم بعضا إلى الصلاة عن طريق الأذان، اتخذ هؤلاء الضالون الصلاة والمناداة بها موضعا لسخريتهم وعبثهم وتہکهم . واسم الإشارة فى قوله: ( ذلك بأنهم قوم لا يعقلون، يعود إلى ما كان منهم من استهزاء وسخرية . أى : ذلك الذى صدر عنهم من استهزاء وعبث سببه أنهم قوم سفهاء (١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٠٢٢٤ . (٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٩١. ١١ ٢٧٠ سورة المائدة جهلاء، لا يدركون الأمور على وجهها الصحيح؛ ولا يستجيبون للحق الذى ظهر لهم بسبب عنادهم وأحقادهم . قال ابن كثير: هذا تتغير من موالاة أعداء الاسلام من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون وهى شرائع الاسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوى وأخروى، يتخذونها هزوا يستهزئون بها، ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب فى نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد ، كما قال القائل : وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم (١) وبعد أن حذر - سبحانه - المؤمنين تحذيرا شديدا من موالاة أعدائه .. عقب ذلك بتوبيح أهل الكتاب على عنادهم وحدهم ،مووصفهم بجملة من الصفات القبيحة التى ينأى عنها العقلاء وأصحاب المروءة فقال - تعالى -: (( قل يا أهل الكتابِ هل تنقِمُون منَّا إلا أنْ آمنًّا بالله وما أُنزلَ إلينا وما أُنزلَ مِنْ قبلُ وأنْ أكثرثُم فاسِقونَ (٥٩) قل هل أُنْئُكُم بشَرَّ من ذلكَ مثوبةً عندَ اللهِ مَنْ لعَنَهُ اللهَ وغضِبَ عليه وجَعَلَ منهم القردة والخنازيرَ وعبدَ الطاغوتَ، أولئكَ شرُ مكانًا وأضلُّ عن سواء السبيلِ (٦٠) وإذا جاءوكم قالُوا آمنًا وقَدْ دَخلوا بالكُفْرِ ومَ قَدْ خرجُوا به، والله أعلمُ بما كانُوا يَكُتُمُونَ (٦١) وترَى كثيراً منهم بسارِعُونَ فى الإِمِ والمُدْوَانِ وأَكَلِم السُّعْتِ لَبِثْسَ ما كانوا (١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٧٣. ٢٧١ الجزء السادس يعملونَ (٦٢) لولاً ينهاهُمِ الرَّبًّائِيُّونَ والأحبارُ عن قولهم الإِثْمَ وأكلِهِم السُّحتَ لبْسَ ما كانوا يَصْنَعُونَ (٦٣) ». قال القرطبى : قال ابن عباس : جاء نفر من اليهود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوه عمن يؤمن به من الرسل - عليهم السلام - فقال: فؤمن بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله : ونحن له مسلمون)). فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظا فى الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شراً من دينكم. فنزلت هذه الآية وما بعدها .. وتثقبون معناه : تسخطون . وقيل تكرهون. وقيل تشكرون . والمعنى متقارب يقال: تقم من كذا ينقم ونقم ينقم والأول أكثر ... وفى التنزيل - وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالمه العزيز الحميد)). وانتقم الله منه أى: عاقبه: والاسم النقمة والجمع نقما(!) .. والاستفهام + للافكار والتعجب من حالهم حيث يعيبون على المؤمنين ما هو المدح والثناء والتكريم : والمعنى: قلى يا محمد على سبيل التوبيخ لأهل الكتاب، والتعجيب من أحوالهم قل لهم: «يا أهل الكتاب، يامن كتابكم عرفكم مواطن الذم «هل تنقمون منا، أى: ما تعيبون وتنكرون وتكرهون منا(( إلا أن آمنا بالله)) الذى يجب الإيمان به، والخضوع له، لأنه الخالق لكل شىء، وآمنا بما(( أنزل إلينا ، من القرآن الكريم وآمنا بما أنزل من قبل من كتب سماوية كالتوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب التى أنزلها الله على أنبيائه قبل إنزال القرآن الكريم. ولا شك أن إيماننا بذلك لا يعاب ولا ينكر، بل يمدح ويشكر ، ولكن لأن« أكثركم فاسقون,- أى: خارجون عن دائرة هذا الايمان الحق - (١) تفسير القرطبى - ٦ ص ٢٣٣ ٢٠٠٥ ٢٧٢ سورة المائدة كرهتم منا بذلك ، وأفكر نموه علينا، وحسد تمونا على توفيق الله إيانا لما يحبه وير ضاه . وقال الجمل ما ملخصه: وقوله: ((إلا أن آمنا، مفعول لقوله، تنقمون)) بمعنى تكرهون . وهو استثناء مفرغ. وقوله: ((منا ، متعلق به .أی:مانکرهون من جهتنا إلا الإيمان بالله وبما أنزل إلينا ... وأصل نقم أن يتعدى بعلى . تقول: نقمت عليه بكذا. وإنما عدى هنا بمن، لتضمنه معنى تكرهون وتنكرون. وقوله: «وأن أ کثر كم فاسقون، يحتمل أن یکون فىمحل رفع أو نصب أوجر فالرفع على أن يكون مبتدأ أو الخبر محذوف أى: وفقكم ثابت عندكم، ؟فكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل إلا أن حب الرياسة وجمع الأموال حملكم على العناد . والنصب على أن يكون معطوفا على قوله ((أن آمنا ... ، ولكن الكلام هناف محذوف لفهم المعنى . والتقدير : واعتقاد أن أكثركم فاسقون. وهو معنى واضح فإن الكفار تقمون اعتقاد المؤمنين أنهم - أى الكمار - فاسفون ... - أى: ما نعيبون ما إلا إيماننا باقه وما أنزل إلينا ... واعتقادنا أن أكثركم فاسقون. وأما الجر فعلى أن يكون معطوفا على علة محذوفة. والتقدير: ما تنقمون نا إلا الا يمان بالله وبما أنزل ... لقلة إنصافكم وفقكم واتباعكم شهواتكم)،(١): هذا، ومن بلاغة القرآن الكريم، وإنصافه فى الأحكام، واحتراسه ، التعبير، أنه لم يعمم الحكم بالفسق على جميعهم، بل جعل الحكم بالفسق نصباً على الأكثيرين منهم، حتى يخرج عن هذا الحكم القلة المؤمنة من هل الكتاب . (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٥٠٥ ٢٧٣ الجزء السادس وشبيه بهذا قوله فى آية أخرى : . منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعلون)) . قال بعض العلماء : فى الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال المكابرة والتعكيس، حيث جعلوا الإيمان بما ذكر، موجبا للنقمة ، مع كونه فى نفسه موجبا المقبول والرضا ... وهذا مما تقصد العرب فى مثله، تأكيد الشفى والمبالغة فيه بإثبات شىء ، وذلك الشىء لا يقتضى إثباته، فهو منتف أبداً. وبسمى مثل ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس . فمن الأول قول القائل : بهن فلول من قراع الكتائب ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم 1 وقول الآخر : فتی کملت اخلاقه غیر انه جواد ، فما يبقى من المال باقياً ومن الثانى هذه الآية وما يشبها. أى: ما ينبغى لهم أن ينقموا شيئاً إلا هذا ، وهذا لا يوجب لهم أن ينقموا شيئاً، إذاً فليس هناك شىء ينقمونه، وما دام الأمر كذلك، فينبغى لهم أن يؤمنوا به ولا يكفروا. وفيه أيضاً تقريع لهم حيث قابلوا الإحسان بسوء الصنيع(١)). ثم تابع - سبحانه - التهكم بهم ، وتعجيب الناس من أفن رأيهم ، مع تذكيرهم بسوء مصيرهم فقال : - «قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند اقه ... ؟ والمشار إليه بقوله: ((ذلك)) يعود إلى مانقمه اليهودعلى المؤمنين من إيمانهم باقه وبالكتب السماوية .. وقيل يعود إلى الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب المعبر عنها بقوله: ((وأن أكثركم فاسقون)). وتوحيد اسم الإشارة لكونه إشار به إلى الواحد وغيره. أو لتأويله بالمذكور ونحوه . (١) تفسير القاسمى ج ٦ ص ٢٥١ يسير وما بعده. (١٨ - سورة المائدة) ٢٧٤ سورة المائدة والخطاب لأهل الكتاب المتقدم ذكرهم وقيل للكفار مطلقا ، وقيل للمؤمنين . والمثوبة: مصدر ميمى بمعنى الثواب الثابت على العمل ، وأكثر إستعمالها فى الخير . وقد أستعملت هنا بمعنى العقوبة على طريقة التهكم بهم كما فى قوله - تعالى: . فشرهم بعذاب أليم، وهى منصوبة على أنها تميز لقوله، بشر)). وقوله: « من لعنه الله، خبر لمبتدأ محذوف أى: هو من لعنه الله: والمراد الورود لأن الصفات التى ذكرت فى الآية لا تنطبق إلا عليهم. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم باقه وبما أنزله من كتب سماوية والذين قالوا لكم: ما نعلم أهل دين أقل حظا فى الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرا من دينكم ... قل لهم على سبيل التبسكيت والتنبيه على ضلالهم : هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة؟ هو من ((لعنه الله)) أى أبعده من رحمته ((وغضب عليه)) بأن منع عنه رضاه ((وجعل منهم القردة والخنازير، بأن مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير وجعل منهم من عبد الطاغوت، أى : من عبد كل معبود باطل من دون الله كالأصنام والأوثان وغير ذلك من المعبودات الباطلة التى أتبعوها بسبب طغيانهم وفساد نفوسهم. فإن قيل: إن قوله - .قل هل أنبشكم بشر من ذلك مثوبة ... ، يفيد أن ما عابه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله فيه شر. إلا أن ما عليه اليهود أشد شرا، مع أن إيمان المؤمنين لاشر فيه ألبتة بل هو عين الخير فكيف ذلك ؟ فالجواب، أن الكلام مسوق على سبيل المشاكلة ، والمجاراة لتفكير اليهود الفاسد، وزعمهم الباطل ، فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم. ٢٧٥ الجزء السادس إن هؤلاء اليهود - يا محمد - ينكرون عليكم إيمانكم باقه وبالكتب السماوية ويعتبرون ذلك شرا - مع أنه عين الخير - قل لهم على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة : لئن كنتم تعيبون علينا إيماننا وتعتبرونه شرا لا خير فيه - فى زعمكم قشر منه عاقبة ومآ لا ما أنتم عليه من لمن وطرد من رحمة الله، وما أصاب أسلافكم من مسخ بعضهم فردة، وبعضهم خنازير ، وما عرف عنكم من عبادة لغير الله ... وشبيه بهذه الآية فى مجاراة الخصم فى زعمه قوله - تعالى - ((وإنا أو إيا كم لعلى هدى أو فى ضلال مبين، (١). وقوله . . أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل)) بيان لسوء عاقبتهم وقبح مكانتهم .. ١ أى: أولئك المتصفون بما ذكر من الفسوق واللعن والطرد من رحمة الله أولئك المتصفون بذلك «شر مكانا، من غيرهم وأكثر ضلالا عن طريق الحق المستقيم من سواهم، فهم فى الدنيا يشركون بالله ((وينتهكون محارمه وفى الآخرة مأواهم النار وبئس القرار . وقوله (( أولئك)، مبتدأ وقوله , شر، خبره، وقوله (( مكانا، تميز محلول عن الفاعل . ١ وأثبت - سبحانه - التيرارة لمكانهم ليكون المغ فى الدلالة على كثرة شرورهم ، إذ أن إثبات الشرارة لمكان الشىء كناية عن إثباتها الشىء نفسه. فكأن شرم قد أثر فى مكانهم ، أو عظم وضخم حتى صار متجمما. ج : وقوله: ((وأضل، معطوف على «شر، مقرر له. والمقصود من صيفى التفضيل فى قوله: (( أولئك شر مكانا وأضل ... ، الزيادة مطلقاً من غير نظر إلى مشاركة غيرهم فى ذلك. أو بالنسبة إلى غيرهم من الكمار الذين لميفجريا بجورهم، ولم يحقدوا على المؤمنين حقدم . (١) سورة سأ الآية ٢٤ ٢٧٦ شورة المائدة ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر نفاقهم وخداعهم فقال: « وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ... » قال الألوسى: نزلت كما قال قتادة والسدى - فى ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيظهرون له الإيمان والرضا بما جاء به نفاقا . والخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. والضمير فى ((جاءوكم)) يعود على اليهود المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم -. أى: وإذا جاء إليكم - أيها المؤمنون - أولئك اليهود أظهروا أمامكم الإسلام، وقالوا لكم آمنا بأنكم على حق، وحالهم وحقيقتهم أنهم قد دخلوا إليكم وهم متلبسون بالكفر، وخرجوا من عندكم وهم متلبسون به - أيضا- فهم يدخلون عليكم ويخرجون من عندكم وقلوبهم كما هى لا تتأثر بالمواعظ التى يلقيها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنهم قد قست قلوبهم، وفسدت نفوسهم . وفوله : : وقد دخلوا بالكفر، وهم قد خرجوا به، جملتان فى موضع الحال من غمير الجمع فى (( قالوا،. والباء فى قوله: (( بالكفر، وقوله: ((به)) للملابسة. أى: دخلوا وخرجوا وهم متلبسون بالكفر من غير نقصان منه ولا تغيير فيه البتة. قال الفخر الرازى: وذكر عند الدخول كلمة «قد، وذكر عند الخروج كلمة هم ؛ لأن الفائدة من ذكر كلمة قد تقريب الماضى من الحال . والفائدة ذكر كلمة «هم، التأكيد فى إضافة الكفر إليهم ، ونفى أن يكون للنبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك فعل، أى: لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرا ، فتكون أنت الذى ألقيتهم فى الكفر ، بلم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم،(١). (١) تفسير الفخر الرازى = ١٢ ص ٣٨. ٢٧٧ الجزء السادس ويبدو لنا أنه عبر عن دخولهم بقوله (( وقد دخلوا بالكفر، وعبر عن خروجهم بقوله: ((وهم قد خرجوا به، بإضافة ضميرهم مع قد ، الإشارة إلى أنهم عند خروجهم كانوا أشد كفراً ، وأقسى قلوبا منهم عند دخولهم،. وهذا شأن الجاحدين المنافقين ، لا تؤثر فيهم العظات مهما كانت بليغة ، ولا النذر مهما كانت قوية ، بخلاف قلوب المؤمنين فإن المواعظ تزيدها يقينا على يقينها، وإيمانا على إيمانها . ألا ترى إلى قوله - تعالى - : . ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون . وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلی رجسهم وماتوا وهم كافرون ، (١). وقوله - تعالى - ((واقه أعلم بما كانوا يكتمون، وعيد شديد لهم على کفرهم وتفاقهم . أى: والله - تعالى - أعلم بما كانوا يخفونه من نفاق وخداع عند دخولهم وعند خروجهم ، لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية من أحوالهم. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من رذائلهم فقال: (( وترى كثيرا منهم يسارعون فى الإثم والعدوان وأكلهم السحت ... ) والرؤية فى قوله: « وترى)) بصرية . والإثم: هو كل قول أو عمل لا يرضاه الله - تعالى -. والعدوان: مجاوزة الحد فى الظلم والتعدى. والسحت: هو المال الحرام - ٠ ·کالر شوة وغيرها . أى: وترى - أيها الرسوك الكريم أو أيها السامع - كثيراً من هؤلاء اليهود، يسارعون فى ارتكاب الآثام وفى التعدى والظلم وأكل المال الحرام بدون تردد أو تريث. والتعبير بقوله: ((وترى، يفيد أن ارتكابهم لهذه (١) سورة التوبة . الآيتان ١٣٤ و ١٢٥ ٢٧٨ سورة المائدة المنكرات لم يكن خافيا أو مستورا، وإنما هم يرتكبونها مجاهرة وعلانية،لأن فضیلة الحياء قد نضبت من وجوههم . والمسارعة فى الشىء: المبادرة إليه بسرعة وخفة ونشاط ، وأكثر استعمالها فى الخير كما قال - تعالى - ((أولئك يسارعون في الخيرات(١). فسارع لهم فى الخيرات))(٢) وقد استعملت هنا فى مسارعتهم فى الإثم والعدوان واكلهم السحت ، الإشارة إلى أنهم كانوا يقدمون على هذه المذكرات وكأنهم حقون فيها . والتعدية بحرف ((فى، تؤذن بأنهم مغمورون فى الآثام، وأنهم يتنقلون فيها من حال إلى حال أخرى شر منها، حتى لكأن السير فى طريق الحق والصدق والفضيلة صار غير مألوف عندهم . وقوله: ، لبئس ما كانوا يعملون ) تذييل قصد به تقبيح أعمالهم التى يأباها الدين والخلق الكريم . أى: لبئس شيئا كانوا يعملونه هذه المذكرات التى منها مسارعتهم فى الإثم والعدوان وأكلهم السحت . وهذه الجملة هى حكم من الله - تعالى - عليهم بذم أعمالهم. وقد جمع - سبحانه - فى حكمه بين صيغة الماضى (( كانوا، وصيغة المضارع , يعملون)) للإشارة إلى أن هذا العمل القبيح كان منهم فى الماضى، وأنهم قد استمر واعليه فى حاضرهم ومستقبلهم بدون توبة أو ندم . وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم بالقسم ، وباللام الموطئة للقسم، وبكلمة بش الدالة على شدة الذم . أى: أقسم لبئس العمل الذى كان هؤلاء يعملونه من مسارعتهم فى الإثم والعدوان وأكلهم السحت . (١) سورة المؤمنون . الآية ٦١ (٢) سورة المؤمنون الآية ٥٦ ٢٧٩ الجزء السادس ثم وبخ - سبحانه - رؤساء هؤلاء اليهود على سكوتهم على المنكر فقال : ((لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت)) .. و(«لولا، هنا للحض على الفعل فى المستقبل، والتوبيخ على تركه فى الماضى فهى لتوبيح علماء اليهود على تركهم فضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الماضى، ولحضهم على مباشرتها فى المستقبل. وهى هنا بمعنى هلا. والربانيون : كما يقول ابن جرير -- جمع ربانى. وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس ، وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم. والأحبار - جمع حبر - وهم علماء اليهود وفقاؤهم المفسرون لما ورد فى التوراة من أقوال وأحكام . والمعنى: إن هؤلاء اليهود دأبهم المسارعة إلى اقتراف الآثام وإلى أكل المال الحرام ، فهلا ينهاهم علماؤهم عن هذه الأقوال الكاذبة الباطلة ، وعن تلك المآكل الخبيئة التى أكلوها عن طريق السخت . والسحت - كما سبق أن بينا - هو المال الحرام كالربا والرشوة. سمى سحتا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة أى مقطوعها. أولأنه يذهب فضيلة الإنسان ويستأصلها . واليهود أرغب الناس فى المال الحرام وأحرصهم عليه. وقد وبخ الله - تعالى - علماء اليهود وفقها.هم على عدم فهيهم لهم عن قولهم الاثم وأ كلهم السحت، لأن هاتين الرذيلتين هما جماع الرذائل، إذالقول الباطل الكاذب إذا ما تعود عليه الانسان هانت عليه الفضائل، وقال فى الناس ما ليس فيهم بدون تحرج أو حياء .. وأكل السحت يقتل فى آكله المروءة والشرف ، ويجعله يستهين حقوق الناس وأموالهم . ولقد ألف علماء اليهود أكل أموال الناس بالباطل بدعوى أن هذا الأكل سيغفره الله لهم، ألا ترى قول الله - تعالى - : (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفرلنا،(١) ... (١) سورة الأعراف الآية ١٦٨ ورامع تفسيرنا لها فى كتابنا ,تفسير سورة الأعراف » ص ٣٠٢ ٢٨٠ سورة المائدة قال بعض العلماء: واقتصر - سبحانه - فى توبيخ الربانيين على ترك نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت، ولم يذكر العدوان - الذى ورد فى الآية السابقة إيماء إلى أن العدد ان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون فى زجرهم إلى غيرهم لأن الاعتماد فى النصرة على غير المجنى عليه ضعف»(١). وقوله: «لبئس ما كانو يصنعون ، تذبيل قصد به ذم علماء اليهودبسبب تركهم لفضيلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وقوله: « يصنعون: من الصنع وهو العمل بدقة ومهارةً وإحكام .. أى: والله لبنس الصنع صنعهم حيث تركوا نهى عامتهم عن قول الإثم وأكل السحت . وقد تكلم المفسرون عن السر فى أن اقه - تعالى - ذم اليهود بقوله: ((لبئس ما كانوا يعملون)، وذم علماءهم وفقاهم بقوله: ((لبئس ما كانوا يصنعون .. وقد أجاد الكلام عن ذلك الإمام الرازى فقال والمعنى، أن الله - تعالى - استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم مافهو! سفلتهم وعوامهم عن المعاصى، وذلك يدل على أن تارك النهى عن المنكر بمنزلة مرتكبه ، لأنه - تعالى- ذم الفريقين .. بل نقول: إن ذم تارك النهى عن المنكر أقوى، لأنه - سبحانه - قال فى المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت ((لبنى ما كانوا يعملون) وقال فى العلماء التاركين النهى عن المنكر ((لبنس ما كانوايصنعون , والصنع أقوى من العمل ، لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ . وذنب التاركين النهى عن المنكر ذنبا راسخا . والأمر فى الحقيقة كذلك، لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم. باقه وبصفاته وبأحكامه ، فإذا حصل هذا العلم ومازالت المعصية كان كمثل المرض الذى شرب صاحبه الدواء إلا أن المرض بقى كما هو ..... (٢) (١) تفسير التحرير والتنوير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج ٦ ص ٠٢٤٨ (٢) تفسير الفخر الرازى : ١٢ ص ٣٩