Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ الجزء السادس بطريق التغليب .. وإستدل بالآية من ذهب إلى أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا، لأن الخطاب يعم الأمم ، واللام للاختصاص فيكون لكل أمة دين يخمها .... والتحقيق فى هذا المقام أننا متعبدون بأحكام الشرائع الباقية من حيث إنها أحكام شريعتنا لا من حيث إنها شريعة الأولين، (١). ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته، وبالغ حكمته فقال: , ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، لكن ليبلوكم فيما آتاكم ... ومفعول المشيئة هنا محذوف لدلالة الجزاء عليه . وقوله: ((ولكن ليبلوكم .. )) متعلق بمحذوف يستدعيه المقام. والابتلاء: الاختبار والامتحان ليميز المطيع من العاصى. والمعنى: لو شاء الله - تعالى - أن يجعل الأمم جميعا أمة واحدة تدين بدين واحد وبشريعة واحدة ، لفعل ، لأنه - سبحانه - لا يعجزهشىء ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، وإنما شاء أن يجعلكم أمما متعددة ليختبركم فيما آتا كم من شرائع مختلفة فى بعض فروعها ولكنها متحدة فى جوهرها وأصولها فيجازى من أطاعه بما يستحقه من ثواب؛ ويجازى من خالف أمره بما يستحقه من عذاب . وقوله: ( فاستبقوا الخيرات، حض منه - سبحانه - لعباده على الاجتهاد فى فعل الطاعات . أى: إذا كان الأمر كما وصفت لكم. فسارعوا إلى القيام بالأعمال: صالحة التى تسعدكم فى الدنياو الآخرة، وتنافسوا فى تحصيلها بكل عزيمة ونشاط لتغالوا رضااقه - تعالى - وجزيل مثوبته . وقوله: (( فاستبقوا، بمعنى فنسابقوا. ولتضمنه معنى السبق والابتدار (١) تفسير الألوسى ج ٢ ص ٦٧ (١١ - سورة المائدة: ٢٤٢ سورة المائدة تعدى بنفسه من غير إلى كما فى قوله - تعالى - ((واستبقا الباب، أى: حاول كل واحد منهما الابتدار والوصول إلى الباب قبل الآخر . وقوله (( إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)) إستئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات . وقوله («فينبئكم) أى فيخبركم والمراد بالأنباء والإخبار هنا المجازاة على الأعمال، وإنما عبر عنها بالأنباء لوقوعها موقع إزالة الاختلاف التى هى وظيفة الانبياء . أى: إلى الله وحده مصيركم ومرجعكم، فيخبركم عند الحساب بما كنتم تختلفون فيه فى الدنيا، ويجازيكم بما تستحقون: فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم منه - سبحانه - جزيل الثواب. وأما الذين طغوا وآثاروا الحياة الدنيا فلهم منه شديد العقاب . ثم كرر - سبحانه - الأمرانيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بأن يحكم بين اليهود وغيرهم بما أنزله الله - تعالى - وحذره من مكرم وكيدهم فقال: «وان أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وأحذرم أن يفتنوك عن بعض ما نزل الله إليك ... ، أخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: قال كعب بن أسد وابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتته عن دينه . فأقوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم، وإما إن أقبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا. وإن بيننا وبين قومنا خصومة فتحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدق فأبى رسول الله ـ صلى اللّه عليه وسلم - ذلك. فأنزل الله فيهم: ((وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم .... ) إلى قوله: ((ومن أحسن من الله حكما لقوم یوقنون (١)). (١) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٠٢٧٣ ٢٤٣ الجزء السادس وقوله: «وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ... )) فى محل نصب عطفا على الكتاب فى قولة: ((وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ... )). وقوله: ((أن يفتنوك)) بدل إشتمال من المفعول فى ((وأحذرهم، كأنه قيل : واحذرم فتنتهم كما تقول : أعجبنى زيد علمه. والمراد بالفتنة هنا محاولة إضلاله وصرفه عن الحكم بما أنزل الله . والمعنى: وأنزلنا إليك الكتاب يا محمد فيه حكم الله، وأنزلنا إليك فيه أن أحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين اتخذوادينهم لهوا ولعبا، وأحذرهم أن يضلوك أو يصدوك عن بعض ما أنزلناه إليك ولو كان أقل قليل ؛ بأن يصوروالك الباطل فى صورة الحق ، أو بأن يحاولوا حملك على الحكم الذى يناسب شهواتهم: وقد كرر - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وجوب التزامه فى أحكامه بما أنزل الله، لتأكيد هذا الأمر فى مقام يستدعى التأكيد، لأن اليهود كانوا لا يتكفون عن محاولتهم فتفتة - صلى الله عليه وسلم - وإغرائه بالميل إلى الأحكام التى تتفق مع أهوائهم، ولأنه قد جاء فى الآية السابقة ما قديوم بأن لكل قوم شريعة خاصة بهم (( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، وأن حكم القرآن ليس له صفة العموم فأراد - سبحانه - أن ينفى هذا الوم تفيا واضحاً وأن يؤكد أن شريعة القرآن هى الشريعة العامة الخالدة التى يجب أن يتحاكم إليها الناس فى كل زمان ومكان. لأنها فمخت ما سبقها من شرائع. وقوله - تعالى - ((واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك» تيشير لأولئك اليهود الذين حاولوا إغراء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يقضى لهم بما يرضيهم لكى يتبهوه، ونهى له - صلى الله عليه وسلم - ولأتباعه عن الاستجابة لأهواء هؤلاء اليهود ولو فى أقل القليل بما يتنافى مع الحق الذى أمره الله - تعالى - بالسير عليه والقضاء بين الناس. ٢٤٤ سورة المائدة. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة كل من يعرض عن حكم الله - تعالى - ل: ((فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم)). أى : فان تولوا عن حكمك، وأعرضوا عنك بعد تحاكمهم إليك وأرادوا كم بغير ما أنزل الله ... فأعلم أن حكمة الله قد إقتضت أن يعاقبهم بسبب فى هذه الذنوب متى إقترفوها بتوليهم عن حكم الله، وإعراضهم عنك، صرافهم عن الهدى والرشاد إلى الغى والضلال، لأن الأمة التى لا تخضع حكام شرع الله، وتسير وراء لذائذها ومتعها وشهواتها وأهوائها الباطلة، . أن يصيبها العقاب الشديد بسبب ذلك . وعبر - سبحانه .. عما يصيبهم من عقاب بأنه بسبب إرتكابهم لبعض وب، الإشارة بأن لهم ذنوبا كثيرة بعضها كاف لإنزال العقوبة سيدة بهم . قال صاحب الكشاف: قوله «فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض بهم ، موضع ذلك، وأراد أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد . وأن هذا الذنب مع عظمة - بعضها و وأحد منها. وهذا الابهام لتعظيم التولى واستمرارهم رتكابه. ونحو ((لبعض، في هذا الكلام ما فى قول لبيد: (( أو يرتبط ـ، النفوس حمامها، أرادنفسه، وإنما قصدتفخيم شأنهم بهذا الابهام كأنه : نفسا كبيرة أى نفس. فكما أن التفكير يعطى معنى التفكير وهو معنى ـنبة ؛ فكذلك إذا صرح بالبعض» (١). وقوله: ((وإن كثيرا من الناس لفاسقون، إعتراض تذبيلى مقرر مون ما قبله ، ومتضمن تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لقيه من فیه ولا سپا اليهود. (١) تغير الكشاف ج١ ص ٦٤١ ٢٤٥ الجزء السادس . أى : وإن كثيراً من الناس لخارجون عن طاعتنا ، ومتمردون على أحكامنا ، ومتبعون لخطوات الشيطان الذى استحوذ عليهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا تبتئس يا محمد عما لقيته من أصحاب النفوس المريضة ، بل امېر حتى حكم الله بينك وبينهم . تم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة بتوبيخ أولئك الذين يرغبون عن حكم الله إلى حكم غيره فقال: ((أحكم الجاهلية يبغون)) ... فالهمزة هنا للاستفهام الإنكارى التوبيخى. والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام. والمعنى: أينصرفون عن حكمك بما أنزل الله ويعرضون عنه فيبغون حكم الجاهلية مع أن ما أنزله الله إليك من قرآن فيه الأحكام العادلة الى ترضى كل ذى عقل سليم ، ومنطق قويم . وقدم - سبحانه - المفعول - أحكم - لإفادة التخصيص المفيد لتأكيد الأفكار والتعجيب من أحوال أولئك اليهود الذين يريدون حكم الجاهلية . إذ أن التولى عن حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حكم آخر منكر عجيب، وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب. والمراد بالجاهلية: الملة الجاهلية التى هى لمتابعة الهوى، والمداه فى الأحكام، فيكون ذلك توبيخا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب ؛ يبغون حكم الملة الجاهلية. وعدم الأخذ بشريعة المساواة . فيكون ذلك - أيضا - تغييرالهم لاقتدائهم بأهل الجاهلية . قال الآلوسي: فقد روى أن بنى النضير لما تحاكموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى خصومة قتيل وقعت بينهم وبين بنى قريظه ، طلب ٢٤٦ سورة المائدة مهنهم من رسول الله أن يحكم بينهم بما كمان عليه أهل الجاهلية من التفاضل، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((القتلى بواء ((- أى: متساوون - فقال والتضير: نحنٍ لا ترضى يحكمك، فنزلت هذه الآية(١). و قوله - تعالى - ,ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون، إنكار ه - سبحانه - لأن يكون هناك حكم أحسن من حكمه أو مساوله. أی : لا أحد أحمن حکما من حكم الله - تعالى ۔۔ عند قوم يوقنون 1 سحة دينه ، ويذعنون لتكاليف شريعته ، ويقرون بوحدانيته ، ويتبعون بياءه ورسله . فاللام فى قوله: (( لقوم)، بمعنى عند ، وهى متعلقة بأحسن ، ومفعول يوقنون)، محذوف أى لقوم يوقنون بحكمه وأنه أعدل الأحكام . والجملة حالة متضمنة لمعنى الإنكار السابق . وخص - سبحانه - الموقنين بالذكر، لأنهم هم الذين يحسنون التدبر ما شرعه الله من أحكام، وينتفعون بما اشتملت عليه من عدل ومساواة. هذا، وقد شدد الإمام ابن كثير الشكير على الذين يرغبون عن حكم ، إلى أحكام من عند البشر، ووصف من يفعل ذلك بالكفر ، وأفى جوب مقاتلته حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فقال - رحمه الله -: «ينكر - تعالى - على من خرج عن حكم الله - المشتمل على كل غير الناهى عن كل شر - وعدل عنه إلى ما سواه من الآراء والأهواء الاصطلاحات التى وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل لجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات . (١) تفسير الآلوسى = ٦ ص ١٥٦ ٢٤٧ الجزء السادس مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم ((جفكزخان)، الذى وضع لهم ((الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد أقتبسها من شرائع شتى ... فصارت فى بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحبكم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم. فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب فتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه فی قليل ولا كثير . قال - تعالى -,وأحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من اله حكما لقوم يوقنون ، أى : ومن أعدل من الله فى حكمه لمن عقل عن أقه شرعه وآمن به وأيقن . وعلم أنه - سبحانه - أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الولادة بولدها ؟ فإنه - تعالى - هو العالم بكل شىء، والقادر على كل شىء، والعادل فى كل شىء . روى الطبرانى عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أبغض الناس إلى الله - تعالى - من يبتغى فى الإسلام سنة الجاهلين ومن طلب دم أمرى. بغير حق ليريق دمه(١). وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد كشفت ،باستفاضة، عز المسالك الخبيئة التى سلكها اليهود وأشباهم لكيد الإسلام والمدين. فأنت تراهاً فى مطلعها قد نادت الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا النداء وأمرته بعدم المبالاة بما يصدر عن أولئك الذين يسارعون فى الكفر من مكر وخداع ووصفهم بجملة من الصفات القبيحة التى تجعل كل عاقل ينفر من الاقتراب منهم ، وخيرت الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين الحكم بينهم أو الإعراض عنهم إذا ماتحاكموا إليه. ووبخت اليهود على أعراضهم عن الأحكام العادلة التى أنزلها الله - تعالى- ووصفت المعرضين عن حكمه سبحانه بالكفر تارة والفسق تارة أخرى . (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦٧ - بتصرف وتلخيص: ٢٤٨ سورة المائدة وبعد أن مدحت التوراة والإنجيل، وبينت بعض ما اشتملا عليه من هدايات ... عقبت ذلك ببيان منزلة القرآن الكريم وأنه الكتاب الجامع فى هدايته وفضله ونشريعاته لكل ماجاء فى الكتب السابقة . ثم ختمت بتكرير الأمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يلتزم فى أحكامه بما أنزله الله، وبتحذيره وتحذير اتباعه من خداع أعدائهم ومكرم، وتتوعد كل من يرغب عن حكم الله إلى حكم غيره، بسوء العاقبة، وشديد العذاب. وبعد هذا الحديث المستفيض عن الكتب السماوية ، وعن وجوب الحكم بما أنزل الله، وعن المسالك الخبيثة التى استعملها اليهود ومن على شاكلتهم لكيد الدعوة الإسلامية ... بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين .حذرهم فيه من موالاة أعدائهم فقال - تعالى -: ((يأيُّها الذين آمنُوا لا تتخِذُوا اليهود والنصارى أولياء. بعضُهم أولياء بعضٍ، ومَنْ يتولهم منكم فإنّه مِنْهُم إنّ اللهَ لا يهدِى القومَ الظالمينَ (٥١) فترَى الذين فى قلوبهم مَرضٌ بسارِعونَ فيهم، يقولُونَ نَخْشَى أنْ تُصِيبنا دائرةٌ، فعسَى اللهُ أَنْ بأتىَ بالفتحِ أَوْ أَمٍ مِنْ عِنْدِهِ ڤيُصبحوا على ما أسَرُّوا فِى أَنفَسِهِمِ نادمينَ (٥٢) ويقولُ الذينَ آمنُوا أَهؤُ لاءِالذينَ أَقسمُوا باللّهِ جَهْدَ أُمَنهم إنّهم لمعكُم حَبِطِتْ أعمالهُم فأصبحُوا خاسِرِين (٥٣))). ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات منها : مارواه السدى من أنها نزلت فى رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد واقعة أحد ؛ أما أنا فإنى ذاهب إلى ذلك اليهودى فأواليه وأتهود معه أهله ينفعنى إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر: وأما أنا فإنى ذاهب إلى فلان النصرانى بالشام فأواليه واتنصر معه . فأنزل الله تعالى الآيات . ٢٤٩ الجزء السادس وقال عكرمة: نزلت فى أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول اله - صلى الله عليه وسلم -: إلى بنى قريظة فيسألوه: ماذا هو صانع بنا ؟ فأشار بيده إلى حلقه ، أى : إنه الذبح . ١ وقيل نزلت فى عبدالله بن أبي بن سلول فقد أخرج بن جرير عن عطيه بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بنى الحارث بن الخزرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يارسول الله إن لى مو الى من يهود كثير عددهم . وانى أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية بهود وأتولى الله ورسوله . فقال عبدالله بن أبى: إنى رجل أخاف؛ الدوائر . لا أبرأ من ولاية موالى . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن أبى: يا أبا الحباب، ما بخلت به من ولاية يهؤد على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه قال: قد قبلت . فأنزل الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء ... إلى قوله: نادمين)، (١). والخطاب فى قوله عز وجل: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، للمؤمنين جميعا فى كل زمان ومكان، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . والأولياء جمع ولى ويطلق بمعنى النصير والصديق والحبيب ... والمراد بالولاية هنا: مصافاة أعداء الإسلام والاستنضار بهم ، والتحالف معهم دون المسلمين . أى: يا أيها الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .، لا يتخذ أحد منكم أحدا من اليهود والنصارى وابا ونصيراً، أى: لاقصافوم مصافاة الأحباب ، ولا تستنصر وابهم ، فإنهم جميعايد واحدة عليكم ، يبغونكم الغوائل ، ويتربصون بكم الدوائر، فكيف يتوهم بينهم موالاة؟ .وقد نادى - سبحانه - المؤمنين بصفة الإيمان، لحملهم من أول الأمر (١) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٢٥٧ وتفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦٨ ٢٥٠ سورة المائدة الانزجار عما نهوا عنه، إذ أن وصفهم بما هو ضد صفات الفريقين اليهود: النصارى - من أقوى الزواجر عن موالاتهما: وقوله: ((بعضهم أولياء بعض، جملة مستأنفة بمثابة التعليل للتهى، وتأكيد دوب اجتناب المنهى عنه . أى لا تتخذوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى أولياء، لأن بعض اليهود ياء لبعض منهم ، وبعض التصارى أولياء لبعض منهم ، والكل يضمرون ثم البغضاء والشر، وهم وإن اختلفوا فيما بينهم، لكنهم متفقون على كراهية سلام والمسلمين. وقوله, ومن يتولهم منكم فإنه منهم، تنفير من موالاة اليهود والنصارى النهى عن ذلك . والولاية اليهود والنصارى إن كانت على سبيل أرضا بدينهم ، والطعن دين الاسلام؛ كانت كفرا وخروجاً عن دين الاسلام. وإلى هذا المعنى أشار ابن جرير بقوله: قوله: « ومن بتوطر منكم فإنه م. أثر: ومن يتولى اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، فأنه لا يتولى ل أحدا إلا وهو بة وبدينه راض. وإذا رضي دينه، فقد عادى من خالفه خطه. وصار حكمه حكمه .. .. وإذا كانت الولاية لهم ليست على سبيل الرضابينهم ((وإنماهى على سبيل سافاة والمصادقة كانت معصية تختلف درجتها بحسب قوة الموالاة وبحسب تلاف أحوال المسلمين وتأزهم بهذه الموالاة. قال الفخر الرازى: قوله: (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم، قال ابن عباس: دكانه ملهم . وهذا تغليظ من الله وتشديد فى وجوب مجانبة المخالف الدين ، روى عن أبي موسى الأشعرى أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب - رضى عنه - إن لى كاتبا نصرانيا، فقال: مالك قاتلك الله، ألا اتخذت حنيفيا ٢٥١ الجزء السادس أما سمعت قول الله تعالى ((يا أيها الذين آمنوالاتتخذوا اليهودوالنصارى أولياء قلت: له دينه ولى كتابته. فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزم إذ أذلهم أنقه. ولا أدفيهم إذ أبعدهم الله قلت لا يتم أمر البصرة إلا به . فقال: مات النصرانى والسلام . يعنى: هب أنه مات فما تصنع بعد، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغنَ عنه بغيره ،(١) . وقوله: «إن الله لايهدي القوم الظالمين، تعليل لمكون من يواليهم منهم. وتأكيد للنهى عن موالاتهم . أى: إن الله لا يهدي القوم الظالمين لأنفسهم إلى الطريق المستقيم ، وإنما يخليهم وشأنهم فيقعون فى الكفر والضلال ، والفسوق والعصيان ، بسبب وضعهم الولاية فى غير مواضعها الحق، وسيرهم فى طريق أعداء الله. وبعد هذا النهى الشديد عن موالاة أعداء اته، صور القرآن حالة من حالات المنافقين بين فيها كيفية توليهم لأعداء أنه، وأشعر بسببه فقال: « فترى الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ... ، والدائرة: من الصفات الغالية التى لا يذكر معناموصوفها. وأصلها داورة. لأنها من دار يدور. ومعناها لغة: ما أحاط بالشىء. والمراد بهاهنا: المصيبة من مصائب الدهر التى تحيط بالناس كما تحيط الدائرة بما فى داخلها : والمعنى: فترى - يا محمد أولئك المنافقين الذين ضعف إيمانهم، وذهب يقينهم ، يسارعون فى مناصرة أعداء الاسلام مسارمة الداخل فى الشىء، قائلين فى أنفسهم أو الناصحين لهم بالثبات على الحق: اتركونا وشأننا فإننا نخشى أن تنزل بنا مصيبة من المصائب التى يدور بها الزمان كأن نمسنا أزمة مالية ، أو ضائقه اقتصادية، أو أن يكون النصر فى النهاية لهؤلاء الذين أو اليهم فنحن نصادقهم ونصافيهم لنتقى شرهم ، ولننال عونهم عند الملمات والضوائق: (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ١٦ ٢٥٢ سورة المائدة قال الجمل: والفاء فى قوله ((فترى)) إما للسببية المحضة: أى: بسبب أن الله لا يهدى القوم الظالمين المتصفين بما ذكر « ترى الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم ... )) وإما للعطف على قوله: ((إن الله لا يهدي القوم الظالمين)) من حيث المعنى . والرؤية فى قوله « ترى ... بصرية، فتكون جملة يسارعون حال. وقيل علمية فتكون جملة يسارعون مفعولا ثانيا . والأول أنسب بظهور تفاقهم . وقوله: يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة. حال من ضمير يسارعون(١). والتعبير بقوله: (( فى قلوبهم مرض («تعبير قوى رائع، وصف القرآن به المنافقين وأشباههم فى الكفر والضلال فى مواطن كثيرة، لأنه لما كانت. قوة القلب تضرب مثلا للثبات والتماسك .. كان ضعف القلب الذى عبر عنه بالمرض يضرب مثلا للخور، والتردد والتزلزل، وإنهيار النفس ... وهذه طبيعة المنافقين ومن على شاكلتهم فى كل زمان ومكان. إنهم لا يمكن أن يكونوا صرحاء فى انحيازهم إلى ناحية معينة ... وإنماهم يترددون بين الناحيتين ، ويلتمسون الحظوة فى الجانبين - فهم كما يقال: يصلون خلف على ويا كلون على مائدة معاوية - وأبلغ من كل ذلك وصف الله لهم بقوله: ((مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ... )) والتعبير بقوله - سبحانه - ترى .. تصوير للحال الواقعة منهم بأنها كالمرئية المكشوفة التى لا تخفى على العقلاء البصراء. وفى ذلك تسليه للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتحذير له ولأصحابه من مكر أولئك الذين فى قلوبهم مرضٍ . والتعبير بقوله: (( يسارعون فيهم)) يشير إلى أنهم لا يدخلون ابتداء (١) حاشية الجمل على الجلاابن ج ١ ص ٥٠٠ ٢٥٣ الجزء السادس فى صفوف الأعداء ((وإنما هم منخمرون فيهم دائماً، ولا يخرجون عن دائرتهم بل ينتقلون فى صفوفهم بسرعه ونشاط من حركة إلى دركة، ومن إنم إلى آثام وقوله - تعالى - حكاية معمنهم: ((يقولون تخشى أن تصيبنا دائرة، بيان لما اعتذروا به من معاذير كاذبة يدل على سقوط همنهم ، وقلة ثقتهم بما وعد الله به المؤمنين من حن العاقبة. ولذا فقد رد الله عليهم بما يكبتهم ، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم. فقال تعالى: « فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا فى أنفسهم نادمین . . وعسى: لفظ يدل على الرجاء والطمع فى الحصول على المأمول ، وإذا صدر من الله - تعالى - كان متحقق الوقوع لأنه صادر من أكرم الأكرمين الذى لا يخلف وعده ، ولا يخيب من رجاه . والفتح يطلق يمنى التوسعة بعد الضيق كما فى قوله: ((ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ... )) ويطلق بمعنى الفصل بين الحق والباطل. ومن ذلك قوله - تعالى -: ((ربنا افتح بينناوبين قومنا بالحق)) ويطلق بمعنى الظفر والنصر كما فى قوله - تعالى - «إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً)). ولفظ الفتح هنا يشمل هذه الأمور الثلاثة فهو سعة بعد ضيق ، وفصل بين حق وباطل ، ونصر بعد جهاد طويل . والمعنى: لا تهتموا أيها المؤمنون بمسارعة هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض إلى صفوف أعدائكم وارتماتهم فى أحضانهم خشية أن تصيبهم دائرة، فلعل الله - عز وجل - بفضله وصدق وعده أن يأتى بالخير العميم والنصر المؤزر الذى يظهر دينه ، ويجعل كلمته هى العليا .. أو يأتى بأمر من عنده لا أثر لكم فيه فيزلزل قلوب أعدائكم، وينصركم عليهم ، لأعدائكم ، وشكهم فى أن تكون العاقبة الإسلام والمسلين ... ٢٥٤ سورة المائدة ولقد صدق الله وعده، ففضح المنافقين وأذهم ، وأنزل الهزيمة باليهود، وأورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم ... ، وقد جاء التعبير فى قوله - تعالى -: ((فعسى الله أن يأتى بالفتح ... ، بصيغة الرجاء، لتعليم المؤمنين عدم اليأس من رحمة الله، ومن مجىء نصره، ونتعويدهم على أن يتوجهوا إليه - سبحانه ... فى مطالبهم بالرجاء الصادق، والأمل الخالص. قال الفخر الرازى : فإن قيل: شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين . وقوله: « عسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده، ليس كذلك، لأن الإتيان بالفتح داخل فى قوله: ((أو أمر من عنده)). قلنا: قوله: (( أو أمر من عنده، معناه: أو أمر من عنده لا يكون للناس قبه فعل البتة، كبنى النضير الذين طرح اللّه فى قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم. من غير محاربة ولا عسكر (١) . والضمير فى قوله: ((فيصبحوا ... ، يعود على أولئك المنافقين الذين فى قلوبهم مرض والجملة معطوفة على (( أن يأتى ... ) داخل معه فى حبز خبر عسى . وعبر سبحانه - عن ندمهم بالوصف ((نادمين، لا بالفعل، للإيذان بأنه ندم دائم تصحبه الحسرات والآلام المستعمرة، بسبب ما وقعوا فيه من غان فاسد، وأمل خائب ... ١. ثم حكى - سبحانه - ما قاله المؤمنون الصادقون على سبيل الإنكار لمسالك المنافقين الخبيثة ((وتوبيخهم على ضعف إيمانهم، وهو أن نفوسهم فقال - تعالى: , ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم .... (١) تفسير الألوسى ج ٦ ص ٠١٩٢ ٢٥٥ الجزء السادس قال الألوسى: قوله: « ويقول الذين آمنوا، كلام مستأنف لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة : - وهى قراءة عاصم وحزه والكائى بإثبات الواو مع الرفع ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واو على أنه استئناف بيانى، كانه فيل : فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ وقرأ أبو عمرو ويعقوب: ويقول بالنصب عطفا على ،فيصبحوا)) (١) .. وقوله: (( جهد أيمانهم، أى: أقوى أيمانهم وأغلظها. والجهد : الوسع والطاقة والمشقة . يقال جهد نفسه يجهدها فى الأمر إذا بلغ بها أقصى وسعها وطاقتها فيه. والمراد : أنهم أكدوا الإيمان ووثقوها بكل ألفاظ التأكيد والتوثيق . والمعنى: ويقول الذين آمنوا بعضهم لبعض مستفكرين ما صدر عن المنافقين من خداع وكذب . ومتعجبين من ذبذبتهم وإلتوائهم: يقولون مشيرين إلى المنافقين : أهؤلاء الذين أقسموا بالله مؤكدين إيمانهم بأقوى المؤكدات وأوثقها، بأن يكونوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعنا فى ولايتهم ونصرتهم ومعونتهم ... ؟ فالاستفهام الإنكار والتعجيب من أحوالك هؤلاء المنافقين الذين مردوا على الخداع والكذب . وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر فى معنى ويقول الذين آمنوافقال: فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟ قلت: إما أن يقوله بعضهم لبعض تعجبا من حالهم ، واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق فى الإخلاص , أهؤلاء الذين أقسموا، لكم بأغلظ الإيمان أنهم أولياؤكم ومعا ضدوكم على الكفار: وإما أن يقولوه اليهود، لأنهم - أى المنافقون - حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم (ولئن قوقلتم اختصركم) - ثم خذلوم. (٢): (١) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ١٥٩. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٣٤. ٢٥٦ سورة المائدة وعلى كلا الوجهين فالجملة الكريمة تنعى على المنافقين كذبهم وجبنهم، جب الناس من طباعهم الذميمة، وأخلاقهم المرذولة. وقوله: (( حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين)، أى: فسدت أعمالهم ملت فصاروا خاسرين فى الدنيا والآخرة . ويحتمل أن تكون هذه الجملة ما حكاه الله - تعالى - من قول المؤمنين تمل أنها من كلام الله - تعالى - وقد ساقها على سبيل الحكم عليهم بفساد لهم، وسوء مصيرهم . هذا، وقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على ضروب من توكيد النهى موالاة أعداء الله - تعالى - بأساليب متعددة. منها: النهى الضريح كما فى قوله - تعالى -: (( لا تتخذوا اليهود والنصارى ٠٠٠ باء. ١ ومنها: بيان عله النهى كما فى قوله: (( بعضهم أولياء بعض)). ومنها: التصريح بأن من يواليهم فهو منهم وذلك فى قوله: (ومن يتولهم كم فإنه منهم». ومنها: تسجيل الظالم على من ،والیهم كما فى قوله: « إن الله لا هدى ١٠ م الطالمين.». ومنها: الإخبار بأن موالاتهم من طبيعة الذين فى قلوبهم مرض قال الى - : ((فترى الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم» ... ومنها : قطع أطماع الموالين لحم وتبشير المؤمنين بالفوز قال - تعالى -: سى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده، .. ومنها: الإخبار عن حال الموالين لهم بقوله: ((حبطت أعمالهم بجوا خاسرين . وهنا قد يرد سؤال وهو: إن الآيات الكريمة وما يشبهها من الآيات آنية تؤكد النهى عن موالاة غير المسلمين ومودتهم فهل هذا الشهر على إطلاقه؟ ٠ .٠ الجزء السادس ٢٥٧ والجواب عن ذلك أن غير المدين أقسام ثلاثة : القسم الأول وهم الذين يعيشون مع المسلمين ويسالمونهم، ولا يعملون لحساب غيرهم؛ ولم يبدر منهم ما يفضى إلى سوء الظن بهم ... وهؤلاء لهم ما للسلین وعليهم ماعلیهم، ولا مانع من مودتهم والإحسان إليهم كما فىقوله - تعالى -، لاينها كم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)(١). والقسم الثانى: وهم الذين يقاتلون المسلمين، ويسيئون إليهم بشتى الطرق وهؤلاء لا تصح مصافاتهم ، ولا تجوز موالاتهم، وهم الذين عناهم الله فى الآيات التى معنا وفيما يشبهها من آيات كما فى قوله - تعالى -«إنما يتها كم انه عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخر جوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)،(٢). والقسم الثالث: قوم لا يعلنون العداوة لنا. ولكن القرائن تدل على أنهم لا يحبوننا بل يحبون أعداءنا، وهؤلاء يأمرنا ديننا بأن نأخذ حذرنا منهم دون أن تعتدى ... ومهما تكن أحوال غير المسلمين؛ فإنه لا يجوز لولى الأمر المسلم أن يوكل إليهم ما يتعلق بأسرار الدولة الإسلامية. أو أن يتخذهم بطاقة له بحيث يطلعون على الأمور التى يؤدى إنشاؤها إلى خسارة الأمة فى السلم أو الحرب. وبعد أں حذر - سبحانه - المؤمنین من ولاية اليهود والنصارى، عقب ذلك بنداء آخر وجهه إليهم، وبين لهم فيه أن موالاة أعداء إبنه قد تجر إلى الارتداد عن الدين، وأنهم إن ارتدوا «سوف يأتى الله بقوم آخرين لن يكونوا مثلهم، وأن من الواجب عليهم أن يجعلوا ولا يتهم لله ولرسوله وللمؤمنين ... فقال - تعالى -: (١) سورة الممتحنة آية ٨. (٢) سورة الممتحنة آية ٩ ١٧١ - سورة المائدة) ٢٥٨ سورة المائدة ((أيُّها الدينَ آمنُوا مَن يرتدَّ منُكُم عن دينِهِ فسوفَ بأٍ الله بقومٍ يحبُهم ويُحبُّونَهَ، أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرينَ، يجاهدونَ فى سبيلِ الله ولا يخافونَ لومةً لام، ذلكَ فضلُ اللهِ يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليمٌ (٥٤) إنما وليكُم اللهُ ورسولُه والذينَ آمَنُوا الذِينَ يقيمون الصلاةَ ويؤتون الزكاةَ وهم راكعون (٥٥) ومَن يتولَ الله ورسوله والذين آمنُوا ، فإنَّ حزبَ اللَّهِ مُ الغالبونَ (٥٦) ». قوله - تعالى - ((من يرقد، من الارتداد. ومعناه: الرجوع إلى الخلف ومنه قوله - تعالى - «ردوها على، أى: ارجعوها على. وقوله: ((إن الذين ارتدوا على أدبارهم،. والمراد بالارتداد هنا: الرجوع عن دين الاسلام إلى الكفر والضلال، والخروج من الحق الذى جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غيره من الأباطيل والأ كاذيب ... قالوا : وفى هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن من الذين دخلوا فى الاسلام من سيرقد عنه إلى غيره من الكفر والضلال، وقد كان الأمر كما أشارت الآية الكريمة ؛ فقد ارتد عن الاسلام بعض القبائل كقبيلة بني حنيفة - قوم مسياطة الكذاب - وقبيلة بنى أسد ، وقبيلة بنى مدلج ... وغيرهم. وقد قصدى سيدنا أبو بكر ومن معه من المؤمنين الصادقين للمرتدين فكروا شوكة الردة، وأعادوا لكلمة الاسلام هيبتها وقوتها ... قال الألوسى ما ملخصه: هذه الآية من الكائنات التى أخبر عنها القرآن قبل وقوعها - وقد وقع الخبر به على وفقها فيكون معجزاً - فقد روى أنه ارتد عن الاسلام إحدى عشرة فرقة . ٢٥٩ الجزء السادس ثلاث فى عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم، وهم: «بنو مدلج، ورئيسهم الأسود العنسى ... و((بنو حنيفة)) قوم مسيلمة الكذاب ... و((بنو أسد) قوم طليحة بن خويلد الأسدى ... وسبع فى عهد أبى بكر وهم : فزارة . وغطفان ، وبنو سليم ، وبنو يربوع، وبعض بنى تميم، وكنده ، وبنو بكر ابن وائل .... وارقدت فرقة واحدة فى عمود عمر وهى قبيلة «غسان قوم جبلة بن الأيهمْ،(١) والمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذ ا حدامنكم حد من أعداء الله وليا ونصيراً. الآن ولا يتهم تفضى إلى مضرتكم وخسرانكم ... بل وإلى ردتكم عن الحق الذى آمنتم به، ومن يرقدد منكم عن دينه الحق إلى غيره من الأديان الباطلة فلن يضر الله شيئا، لأنه - سبحانه - سوف يأتى بقوم آخرين مخلصين له، ومطيعين لأوامره ، ومستجيبين لتعاليمه ... بدل أولئك الذين ارتدوا على أدبارهم، وكفروا بعد إيمانهم. قال - تعالى -: ((وإن تتولوا يستبدل قوما غير كم ثم لا يكونوا أمثالكم،(٢). ولفظ ((فسوف)، جىء به هنا لتأكيد وقوع الأمر فى المستقبل، إذا ما أرقد بعض الناس على أدبارهم . وقد وصف الله - تعالى - أولئك القوم الذين يأتى بهم بدل الذين كفروابعد إيمانهم، وصفهم بعدد من الصفات الحميدة ، والسجايا الكريمة . وصفهم - أولا - بقوله: ((يحبهم ويحبونه)): ومحبة الله - تعالى - للمؤمنين هى أسمى نعمة بتعشقونها ويتطلعون إليها، ويرجون حصولها ودوامها ... وهى - كما يقول الآلوسى - محبة تليق بشأنه على المعنى الذى أراده ... (١) تفسير الآلوسى ج ٩ ص ١٦٠ (٢) سورة محمد. الآية الأخيرة ٢٦٠ سورة المائدة ومن علامانها: أن يوفقهم - سبحانه - لطاعته، وأن ييسر لهم الخير فى کل شئونهم . ٠ ومحبة المؤمنين لله - تعالى - معناها: التوجه إليه وحده بالعبادة، واتباع نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فى كل ما جاء به، والاستجابة لتعاليمه برغبة وشوق .... وقوله: « يحبهم، جملة فى محل جر صفة لقوم . وقوله,و يحبو نه،معطوف علی ەچبهم)). وقدم - سبحانه - محبته لهم على محبتهم له، لشرفها وسبقها، إذ لولا محبته لهم لما وصلوا إلى طاعته . ؛ وصفهم ثانياً - بقوله: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين). وقوله : « أذلة. جمع ذليل، من تذال إذا تواضع وحنا على غيره، . ليس المراد بكونهم أذلة أنهم مهانون، بل المراد المبالغة فى وصفهم بالرفق .لين الجانب للمؤمنين . وقوله: (( أعزة، جمع عزيز وهو المتصف بالعزة بمعنى القوة والامتناع من أن يغلب أو يقهر ومنه قوله - تعالى - ((وعز فى فى الخطاب، أى: لمبنى فى الخطاب . .. والمعنى: إن من صفات هؤلاء القوم الذين يأتى الله بهم بدل الذين كفرا عد إيمانهم، أنهم أرقاء على المؤمنين ، عاطفين عليهم متواضعين لهم ، تفيض وبهم حوا وشفقة بهم ... وأنهم فى الوقت نفسه أشداء على الكافرين، نظرون إليهم نظرة العزيز الغالب، لا نظرة الضعيف الخافع . وهذه - كما يقول ابن كثير - صفات المؤمنين الكمل. أن يكون أحدم واضعا لأخيه ووليه، معززاً على خصمه وعدوه كما قال - تعالى -: «محمد سول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... )) ومن صفات