Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
الجزء السادس
أحكام الله دون أن يخشى أحدا سواه، وأن عليه كذلك أن يبتعد عن أكل
المحرم بكل صوره وأشكاله ، وألا يغير حكم الله فى نظير أى عرض من
أعراض الدنيا، لأن الله - تعالى - يقول: «فلا تخشوا الناس واخشون،
ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا،.
وقد أشار إلى هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله: قوله : ( فلا تخشوا
الناس واخشون ، نهى للحكام عن خشيتهم غير الله فى حكومتهم ، وادهانهم
فيها - أى ومصانعتهم فيها - وأمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل، لخشية
سلطان ظالم، أو خيفة أذية أحد من الأقرباء والأصدقاء .... وقوله:
((ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا)) وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، كما
حرف أحبار اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة فى الدنيا وطلبا للرياسة
فلكوا ،(١).
1
٤ - قال بعض العلماء: فى قوله: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك
م الكافرون ، تغليظ فى الحكم بخلاف المنصوص عليه ، حيث علق عليه
الكفر منا ، والظلم والفسق بعد ... وكفر الحاكم لحكمه بغير ما أنزل الله
مقيد بقيد الاستهانة به . والجحود له، وهذا ما سار عليه كثير من العلماء
وأثروه عن عكرمة وابن عباس .
وعن عطاء : هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفق دون فسق ..
أى أن كفر المسلم وظلمه وفسقه ليس مثل كفر التكافر وظلمه ومقه . فإن
كفر لمسلم قد يحمل على جحود النعمة -... ، (٢).
وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف: قوله ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك
هم الكافرون)): اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية والآيتان بعدها.
فقبل فى اليهود خاصة . وقيل : فى الكفار عامة . وقيل: الأولى فى هذه
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٧٣
(٢) تفسير القاحمى ج ١ ص ٢٠٠٠

٢٢٢
سورة المائدة
.
الأمة. والثانية فى اليهود. والثالثة فى النصارى والكفر إذا نسب إلى المؤ
حمل على التشديد والتغليظ، لا على الكفر الذى ينقل عن الملة. والـ
إذ وصف بالفسق والظلم أريد منهما العدو والتمرد فى الكفر. وعن ابن ع
من لم يحكم بما أنزل لقه جاحدا به فهو كافر . ومن أقربه ولم يحكم به فه
فاسو (١).
وقال الألوسى ما ملخصه: واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن الف
كافر غير مؤمن. ووجه استدلالهم بها أن كله ,من، فى قوله: «
لم يحكم .. ، عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل الله، فيدخل الفاسق المـ
أيضاً لأنه غير حاكم وغير عامل بما أنزل الله .
وأجيب عن شبهتهم بأن الآية متروكة الظاهر: فإن الحكم وإن كان :
لفعل القلب والجوارح لكن المراد به هناعمل القلب وهو التصديق، ولا:
فى كمر من لم يصدق بما أنزل الله - تعالى .. ،(٢).
والذى يبدو لنا أن هذه الجملة الكريمة عامة فى اليهود وفى غيرهم ، فكل
حكم بغير ما أنزل الله، مستهيناً بحكمه - تعالى - أو منكراً له، يعد كذا
لأن فعله هذا جحود وإنکار واستهزا. بحكم الله ، ومن فعل ذلك كان كاا
"أما الذى يحكم بغير حكم الله مع إقراره بحكم الله و اعترافه به ، فإنه لا
فى عصيانه وفقه إلى درجة الكفر .
ثم بين. سبحانه -- بعض ما اشتملت عليه التوراة من أحكام
((وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأز
والأذن بالأذن، والسن بالسن ، والجروح قصاص ... )) ،
فالآية الكريمة معطوفة على ماسبقها وهو قوله - تعالى - : «إنا أ
التـ راة ... » .
٠
(١) تفسير (صفوة البيان)) ص ١٩٤.
(٢) تفسير الآلوسي : ٦ ص ١١٥

٢٢٣
الجزء السادس
وقوله: ( كتبنا) بمعنى فرضنا وأوجبنا وقررنا. والمراد بالنفس: الذات
أى: أنزلنا التوراة على موسى لتكون هداية وفوراً لبنى إسرائيل ،
وفرضنا عليهم : أن النفس بالنفس) أى: مقتولة أو مأخوذة بها إذا قتلتها
بغير حق . وأن ( العين) مفقودة (بالعين) وأن (الأنف) مجدوع (بالأنف)
وأن (الأذن) مقطوعه ( بالأذن) وأن (السن) مقلوعه ( بالسن) وأن
( الجروح قصاص) أى: ذات قصاص، بأن يقتص فيها إذا أمكن ذلك: وإلا
فما لا يمكن القصاص فيه - ككسر عظم وجرح لحم لا يمكن الوقوف على
نها يته - ففيه حكومة عدل.
٠
وعبر - سبحانه - عما فرض عليهم من عقوبات فى التوراة بقوله:
( كنبنا) الإشارة إلى أن هذه العقوبات وذلك الأحكام لا يمكن جحدها أو
محوما، لأنها مكتوبة والكتابة تزيد الكلام تونيقا وقوة.
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ( والعين بالعين والأنف
بالأنف .. ألخ) قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب فى جميعها على
المطف .
. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا
الجروح؛ فإنه بالرفع على القطع عما قبله والاستئناف به . أى أن الجروح
مبتدأ وقصاص خبره.
وقرأ الكائى وأبو عبيد: والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن
بالأذن والسن بالسن ، والجروح .. ، بالرفع فیها كلها
قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير ، عن عقيل
عن الزهرى ، عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم - قرأ ( وكتبنا عليهم فيها
أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن والن
بالن والجروح قصاص .....
والرفع من ثلاث جهات ، بالإبتداء والخبر. وعلى المعنى على موضع (أن

٢٢٤
سورة المائدة
فس)، لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس، والوجه الثالث - قاله الزجاج -
ون عطفاً على المضمر فى النفس. لأن الضمير فى النفس فى موضع رفع.
التقدير أن النفس هى مأخوذة بالنفس، فالأسماء معطوفة على هى (٠)(١)
وقوله: ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) ترغيب فى العفو والصفح .
و"ضمير فى (به) يعود إلى القصاص. والتعبير عنه بالتصدق المبالغة.
الحث عليه، فإنه أدعى إلى صفاء النفوس، وإلى فتح باب التسامح
، الناس .
وقوله: ( فهو) يعود إلى التصدق المدلول عليه بالفعل (تصدق) والضمير
قوله ( له ) يعود إلى العافى المتصدق وهو المجنى عليه أو من يقوم مقامة.
والمعنى: (فمن تصدق) بما ثبت له من حق القصاص، بأن عفاعن الجانى
ن هذا التصدق يكون كفارة لذنوب هذا المتصدق، حيث قدم العفو مع
أنه من القصاص .
وقيل إن الضمیر فی ( له) يعود على اجانى فيكون المعنى: فمن تصدق بما
ت له من حق المصاص، بأن عفا الجانى ، فإن هذا التصدق يكون كفارة
· أى الذنوب الجانى ، بأن لا يؤاخذه الله بعد ذلك العفو. وأما التصدق
جره على الله .
وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى لهافى المتصدق وهو المجنى عليه أو
، دمه فقال: (وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب: قول من قال:
، به : فمن تصدق به فهو كفارة له أى المجروح (لأنه "لأن تكون الهاء فى
له ( له ) عائدة على (ص) أولى من أن تكون عائدة على من لم يجر له ذكر
"بالمعنى دون التصريح، إذ الصدقة هى المكفرة ذنب صاحبها دون المتصدق
فه فى سائر الصدقات ... ) (٢).
(١) راجع تفسير القرطبي ج ٦ ص ٠١٩٢
(٢) تفسير ابن جرير ج ٦ م ٢٦٢ بتصريف وتلخيص.

٢٢٥
الجزء السادس
وقوله: (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)، تذييل قصد به
التحذير من مخالفة حكم الله .
أى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون لأنفسهم، حيث تركوا
الحكم العدل واتجهوا إلى الحكم الجائر الظالم.
قال الرازى: وفيه سؤال وهو أنه - تعالى -. قال أولا: ((فأولئك هم
الكافرون)، وثانياً , هم الظالمون، والكفر أعظم من الظلم، فلماذا ذكر
أعظم التهديدات أولا وأى فائدة فى ذكر الأخف بعده ؟
وجوابه: أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى وجحود هافهو
كفر، ومن حيث إنه يقتضى إبقاء النفس فى العقاب الدائم الشديد فهو ظلم
على النفس. ففى الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره فى حق الخالق
- سبحانه - وفى هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير فى حق نفسه، (١).
; هذا، وما أخذه العلماء من هذه الآية ما يأتى:
١ - أن الآية الكريمة - ككثير غيرها - تنعى على بنى إسرائيل إهمالهم
أحكام الله - تعالى - وتهافتهم على ما يتفق مع أهوائهم.
قال ابن كثير : هذه الآية مما وبخت به اليهود أيضاً وقرعت عفيه، فإن
عندهم فى نص التوراة أن النفس بالنفس. وقد خالفوا حكم ذلك عمداً
وعناداً، فأقادرا النضرى من القرظى، ولم يقيدوا القرظى من النضرى. وعدلوا
إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة فى رجم الزانى المحصن، وعدلوا إلى
ما أصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار. ولهذا قال هناك «ومن لم
يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم
وعناداً وعمداً ، وقال هنا فى تتمة الآية ، فأولئك هم الظالمون))، لأنهم لم
ينصفوا المظلوم من الظالم فى الأمر الذى أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع
فيه ، تخافوا وظلموا وتعدى بعضهم على بعض ...
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١٢ ص ١٢.
(١٥ - سورة المائدة)

٢٢٦
سورة المائدة
ثم قال: واستدل كثير من ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن
قبلنا شرع لنا بهذه الآية. وذلك إذا حكى مقررا ولم ينسخ، والحـ
على وفقها فى الجنايات عند جميع الأئمة . وقال الحسن البصرى : هى عا
الناس عامة ... ،(١).
١
٢ - استدل جمهور الفقهاء بعموم هذه الآية على أن الرجل يقتل
ويؤبد ذلك مارواه النسائى وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه و١٠
فى كتاب عمرو بن حزم: أن الرجل يقتل بالمرأة ... وفى رواية للإ
أن الرجل إذ قتل المرأة لا يقتل بها، بل تجب ديها ... (٢).
قال الآلوسى: واستدل بعموم (( أن النفس بالنفس، من قال: يا
بالكافر ، والحر بالعبد، والرجل بالمرأة. ومن خالف استدل بقوله.
(الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأفى بالأنثى، وبقوله - صلى
وسلم -: ((لا يقتل مؤمن بكافر)).
وأجاب بعض أصحابنا بأن النص تخصيص بالذكر فلا يدل
ما عداه . والمراد بما روى الحربى ... وقد روى أنه - صلى الله عليه
قتل مذا بذمى .... (٢).
٢ - استدل العلماء بجريان القصاص فى الأطراف لقوله - تعالى
بالعين، والأنف بالأنف إلخ ... ، إلا أنهم قالوا بوجوب إستيفاء ما
الجانى بدون تعد أو ظلم، فتؤخذ العين اليمنى باليمنى عند وجودها ، ١
اليسرى باليمنى ... .
وقالوا: إنما تؤخذ العين بالعين إذا فقأها الجانى متعمدا. فإن أ.
ففيها نصف الدية: فإن أصاب العينين معاً خطأ ففيهما الدية كاملة .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦١ بتصرف يسير.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦١ بتصرف يسير.
(٣) تفسير الألوسى : ٦ ص ٠١٤٨

٢٢٧
الجزء السادس
ويرى بعضهم أن فى عين الأعور الدية كاملة ، لأن منفعته بها كمنفعةذى
عینین أو قريبة منها . .. ٧٠
وقد توسع الإمام القرطبي فى بسط هذه المسائل فارجع إليه إن شئت(١)
٤ - أخذ العلماء من هذه الآية أن الله - تعالى - رغب فى العفو، و- ض
عليه ، وأجزل المثوبة لمن يقوم به فقد قال - تعالى - : (فمن تصدق به فهو
كفارة له،. أى: فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص ، فتصدقه كفارة
أذنو به ....
وقد وردت فى الحض على العفو نصوص كثيرة، ومن ذلك قوله
- تعالى -: ((فمن عفا وأصلح فأجره على الله، (٢) وقوله - تعالى - (والمكاظمين
الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين)، (٢).
وروى الإمام أحمد عن الشعبى أن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول
أقه - صلى الله عليه وسلم - يقول: ما من رجل يجرح فى جسده جراحة
فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به (٤) .
وروى ابن جرير عن أبى السفر قال: دفع رجل من قريش رجلا من
الأنصار، فاندقت ثنيته . فرفعه الأنصارى إلى معاوية. فلما ألح عليه الرجل
قال معاوية: شأنك وصاحبك. قال: وأبو الدرداء عند معاوية. فقال
أبو الدرداء: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ما من مسلم
يصاب بشىء من جسده ، فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة.
قال الأنصارى : أنت سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟فقال:
سمعته أذناى ورعاه قلبى . نخلى سبيل القرشى. فقال معاوية: دمروا له مال،(*)
(١) راجع تفسير القرطى الآلوسى ج ٦ ص ١٩١ - ٢٠٩
(٢) سورة الشورى الآية ٤٠
(٣) سورة آل عمران الآية ١٣٤
(٤) تفسير كثير ج ٢ ص ١٦٤
(٥) تفسیر ابن جرير ج ٦ ص ٢٦٠

٢٢٨
سورة المائدة
ومن هذه الآية وغيرها نرى أن الإسلام قد جمع فيما شرع من عقوبا.
بين العدل والرحمة ، فتمد شرع القصاص زجرا للمعتدى ، وإشعارا له بأ.
سوط العقاب مسلط عليه إذا ما تجاوز حده ، وجبرالخاطر المعتدى عليه
وتمكينا له من أخذ حقه من اعتدى عليه.
ومع هذا التمكين التام للمجنى عليه من الجانى، فقد رغب الإسلام المجمز
عليه فى العفو عن الجانى حتى تشيع المحبة والمودة بين أفراد الأمة ، ووعد
علی ذلك بتکفیر خطاياه ، وإرتفاع درجاته عند الله - تعالى -.
وبعد أن بين - سبحانه - منزلة التوراة، وما اشتملت عليه من هدايات
وتشريعات، أتبع ذلك ببيان منزلة الإنجيل وما أشتمل عليه من مواعة
وأحكام .. فقال - تعالى - :
((وقفًَّا على آثارِمْ بعيسى ابن مريمَ مصدِّقاً لما بينَ يدَيْه من
التوراة، وآتيناهُ الإنجيلَ فيه هُدّى ونورٌ، ومصَدِّقاً لما بينَ يَدَيْه من
التورَاةِ، وحدّى وموعظة للمتقين (٤٦) وَلْيَحْكم أهل الإنجيلِ بما أنزل
الهُ فيه، ومَنْ لم يحُكُم بما أنزلَ اللهَ فأولئك هم الفاسقونَ (٤٧))).
وقوله: «وقفينا .. ، معطوف على قوله قبل ذلك ((أنزلنا التوراة ...
وأصل القفو اتباع الأثر: يقال: قفاه يقفوه أى: اتبع أثره.والتقفية
الاتباع يقال: قفيته بكذا أى أتبعته. وإنما سميت قافية الشعر قافية ؛ لأنه
تقبع الوزن . والقفا مؤخر الرقبة. ويقال: قفا أثره إذا سار وراءه واتبعه
قال صاحب الكشاف: قفيته مثل عقبته، إذا أتبعته . ثم يقال قفيتا
وعقبته به ، فتعدیه إلى الثانى بزيادة الباء .
فإن قلت فأين المفعول الأول فى الآية؟ قلت هو محذوف . والظرف
الدی هو ((على آثارهم ، کالساد مسده،لأن إذا قفی به على أثره فقد قفى به إياه.

٢٢٩
الجزء السادس
والضمير فى قوله: «على آثارهم، يعود على النبيين فى قوله: « بحكم بها النبيون
الذين أسلموا ... ))(١) .
وقوله: «آثارهم، جمع أثر وهو العلم الذى يظهر للحس . وآثار القوم:
ما أبقوا من أعمالهم .
وقوله. « لما بين يديه، أى: لما تقدمه، لأن ما بين يدى الإنسان كأنه
حاضر أمامه .
والمعنى وأتبعنا على آثار أولئك النبيين الذين أسلموا وجوههم قه ،
وأخلصوا له العبادة ، والذين كانوا يحكمون بالتوراة -- كموسى وهارون
وداود وسليمان وغيرهم - أنبعنا على آثارهم بعيسى ابن مريم ناهجا نهجهم
فى الخضوع والطاعة والإخلاص للهرب العالمين، ومصدقالتوراة التى تقدمته،
ومنفذا لأحكامها إلا ما جاء نسخه فى الإنجيل منها .
وفى التعبير بقوله («وقفينا على آثارهم، إشارة إلى أن عيسى - عليه السلام-
لم يكن بدعة من الرسل، وإنما هو واحد منهم ، جاء على آثار من سبقوه،
سالكا مسلكهم فى الدعوة إلى عبادة الله وحده وإلى التحلى بمكارم الأخلاق.
وقوله: (( على آثارهم، تأكيد لمدلول فعل («قفينا))، وإيماء إلى سرعة
التقفية وفى التعبير بقوله ((بعيسى ابن مريم» إيذان بأنه محدث كجميع المحدثات،
وأنه قد ولد من أمه كما يولد سائر البشر من أمهاتهم، وأنه لا نسب اه إلا من
جهتها، فليس له أب، وليس ابنالله - تعالى -، وإنما هو عبد من عباد الله
أو جده بقدرته، وأرسله - سبحانه - لدعوة الناس إلى أو حیده وعبادته.
وقوله: ((مصدقاً، حال من عيسى - عليه السلام - :
قال بعض العلماء: ((ولو ساير نا الواقع عند النصارى فى هذه الأيام، لكان
(١) تفسير الكشاف : ١ ص ٠٦٣٩

۔
٢٣٠
سورة المائدة
1
لذكر كلمة التصديق فى هذا المقام معنى أعمق من مجرد التصديق بأصل النزول
بل بالتنفيذ، لأن الإنجيل ليس فيه أحكام عملية كثيرة، فأحكام الأسر
كلها مأخوذة عند النصارى من التوراة ، وليس ثمة نص قاطع فى الأناجي
التى بين أيدينا يغاير ما جاء فى التوراة من أحكام تتعلق بالأسرة، ولا بأحكا
العقوبات من حدود وقصاصٍ .
ولقد رويت عبارات عندهم منسوبة المسيح - عليه السلام - تدل على العمر
بأحكام التوراة، مثل قوله - عليه السلام - ١٠٠ جئت لأنقض الناموس
أى التوراة .
وكلمة («بين يديه، تعبير قرآ نى، للدلالة على أن التوراة كافت حاضر
قائمة وقت مجىء عيسى - عليه السلام - وعلمها عنده، وهو على خال من التحريف
والتبديل ، أوحى الله به إليه .
ولفظ بين يديه فى دلالته على الأمر المهيأ القائم من الاستعارات الرائعة
ومضمونها أن الأمر معلوم علما يقينا لعيسى ابن مريم - عليه السلام- كم
المحسوس يكون موضوعاً بين يديه(١).
وقوله: «وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من
التوراة، وهدى وموعظة للمتقين)، معطوف على ((قفينا)).
وقد وصف الله - تعالى - الإنجيل الذى أعطاه لميسى بخمس صفات:
أولها: أنه فيه ((هدى)) أى: فيه هداية الناس إلى الحق الذى متى أتبعو
سعدوا فى دنياهم وآخرتهم .
وثانيها: أنه فيه ( نور) أى: ضياء يكشف لهم ما التبس عليهم من أمو
دينية ودنيوية .
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الاسملا
العدد الثالث من السنة ٢١ .

٢٣١
الجزء السادس
وثالثها: كونه , مصدقا لما بين يديه من التوراة، أى أن الإنجيل مؤيد
ومقرر لما جاءت به التوراة من أحكام وآداب وشرائح أنزلها الله فيها .
ورابعها كونه: (( هدى، أى: هو بذاته هدى فضلا على اشتماله عليه.
وخامسها كونه: ((موعظة للمتقين، أى: تذكير لهم بما يرق له القلب،
وتصفو به النفس ، وتنزجر به القلوب عن غشيان المحرمات .
وقوله ((فيه هدى) جملة مكونة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر. وقوله
((ونور)، معطوف على قوله (( هدى)). والجملة كلها فى موضع نصب على أنها
حال من الإنجيل .
أى: أعطينا عيسى الإنجيل حالة كونه مشتملا على الهدى والنور.
وقوله: (( ومصدقا لما بين يديه من التوراة، حال أيضا من الإنجيل.
ولا تكرار بين « مصدقا، الأول وبين ,مصدقا الثانية، لأن الأولى لبيان
حال عيسى وأنه جاء يدعو الناس إلى التصديق بالتوراة وإلى تنفيذ أحكامها،
والثانية لبيان حال الإنجيل وأنه جاء مقررا لما اشتملت عليه التوراة من
أحكام أنزلها الله ، وأن من الواجب على بنى إسرائيل أن يسيروا على مدى
هذه الأحكام إلا مانخه الإنجيل منها فعلبهم أن يتبعوا أحكام الإنجيل فيها.
قال ابن كثير: وقوله: ((ومصدقا لما بين يديه من التوراة)، أى: متبعالها
غير مخالف لما فيها إلا فى القليل - ما بين لبنى إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون
فيه - كما قال - تعالى - إخبارا عن المسيح أنه قال لبنى إسرائيل: (ولأحل لكم
بعض الذى حرم عليكم .. ،. ولهذا كان المشهور من قول العلماء : أن
الإنجيل فسخ بعض أحكام التوراة))(١).
،وقوله: ((وهدى وموعظة للمتقين)) معطوف على ما تقدم ومنتظم معه
فى سلك الحالية .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦٤.

٢٣٢
سورة المائدة .
وقال أولا (( فيه مدى، وقال ثانيا ((هدى)، لزيادة المبالغة فى الـ
بشأن الإنجيل ، فهو مشتمل على ما يهدى الناس إلى الحق والخير ، وه
ذاته هدى ، لأنه منزل من عند الله، ولأنه بشارة بنبى يرسل من بعد:
اسمه أحمد .
قال الفخر الرازى: ((وأما كونه ((هدى)، مرة أخرى، فلأن أن
الإنجيل على البشارة بمجىء محمد - صلى الله عليه وسلم - سبب لاهتداء !
إلى نبوته. ولما كان أشد وجوه الاختلاف والمنازعة بين المسلمين
اليهود، والنصارى فى ذلك، لاجرم أعادراقه - تعالى - مرة أخرى تنيه
أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -..
هدى فى هذه المسألة التى هى أشد المسائل احتياجا إلى البيان والتقرير .
وأما كونه موعظه: فلااشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزم
البليغة المتأكدة. وإنما خصها بالمتقين، لأنهم هم الذين ينتفعون بها، (١)
وقوله - تعالى -: ((وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه .. ، أمر
أنه - تعالى - لأتباع سيدنا عيسى - عليه السلام - الذين وجدوا قبل بعثة
- صلى الله عليه وسلم - بأن يحكموا فيما بينهم بمقتضى أحكام الإنجيل
تحريف أو تبديل. أما الذين وجدوا بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم
الواجب عليهم أن يصدقوه ويقبعوا شريعته، لأن الشريعة التى جاء.
- صلى الله عليه وسلم - نسخت ما قبلها من شرائع.
قال الآلومى ما ملخصه، قوله: «وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اهـ
أمر مبتدأ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التى من جملتها
رسالته - صلى الله عليه وسلم - وما قررته شريعته الشريفة من أحـ
وأما الأحكام المنسوخة فلیس الحکم بها حکما بما أنزل الله ، بل هو
(١) تقدير الرازى جـ ١٢ ص ٩.

٢٣٣
الجزء السادس
وتعطيل له إذ هو شاهد بفسخها وإنتهاء وقت العمل بها، لأن شهادته بصحة
ما ينسخها من الشريعة الأحمدية شاهدة بنسخها . واختار كونه أمراً مبتدأ
الجبائى .
وقيل هو حكاية للأمر الوارد عليهم بتقدير فعل معطوف على قوله
((وآتيناه)).
أى : - وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدى وفور ... - وقلنا
ليحكم أمل الإنجيل بما أنزل الله فيه. وحذف القول - لدلالة ما قبله عليه -
کثیر فی الکلام . ومنه ۔ تعالی ۔ : « والملائکة يدخلون علیهم من کل باب ،
سلام عليكم)).
-ـ
واختار ذلك على ابن عيسى .
وقرأ حمزة ((وليحكم، - بكسر اللام وفتح الميم ـ بأن مضمرة - بعد
لام كى - والمصدر معطوف على ((هدى وموعظة، على تقدير كونهما معللين ..
أى: وآتيناه ليحكم ... )(١) .
وقوله: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون، تذييل مقرر
ومؤكد لوجوب الامتثال لأحكام الله - تعالى -.
أى: ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم المتمردون الخارجون عن
جادة الحق، وعن السنن القويم، والصراط المستقيم .
قال أبو حيان: قوله ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون))
ناسب هنا ذكر الفسق، لأنه خرج عن أمر الله - تعالى - إذ تقدم قوله :
, ولیحکم ، وهو أمی کما قال - تعالى - للملائكة : اسجدوا لآدم فسجدوا
إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه».
أى: خرج عن طاعته .... (٢).
(١) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ١٥٠.
(٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج ٣ ص ٠٥٠

٢٣٤
سورة المائدة
وقال صاحب المنار ما ملخصه: وأنت إذا تأملت الآيات السابقة ظهر لك.
كلمة التعبير بالكفر فى الأولى، وبوصف الظلم فى الثانية ، وبوصف الفسوق
الثالثة ...
ففى الآية الأولى كان الكلام فى التشريع ، وإنزال الكتاب مشتملا على
دى والنور، والتزام الأنبياء وحكماء العلماء بالعمل والحكم به ... فكان
، المناسب أن يختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعانله،
ثرا لغيره عليه ... يكون كافرا به ... وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام
ا فى أصل الكتاب الذى هو ركن الإيمان، بل فى عقاب المعتدين على الأنفس
الأعضاء ... فمن لم يحكم بحكم الله فى ذلك يكون ظالما فى حكمه .
وأما الآية الثالثة فهى فى بيان هداية الإنجيل وأكثرها مواعظ وآداب
رغيب فى إقامة الشريعة على الوجه الذى يطابق مراد الشارع وحكمته ...
، لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا فهم الفاسقون بالمعصية، والخروج
، محيط تأديب الشريعة(١).
وبعد أن تحدث - سبحانه - عن التوراة والإنجيل وأثنى عليهما، وأمر
باع تعاليمهما ... عقب ذلك بالحديث عن القرآن الكريم الذى أنزله على
موله - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -:
((وأنزلنا إليكَ الكتابَ بالحقِّ صدِّقاً لما بين يديه من الكتاب
مُهَيْمِنَاً عليه، فاحُكُم بينَهم بما أنزلَ اللهُ، ولا تَنَّبِع أهواءهُم عما باءك
ن الحقَّ، لكلِّ جَعلناً منكم شِرْعة ومنهاجاً، ولو شاء اللهُ لجعلكـ
ـةً واحدةً ولكنْ لِيَبْلُوكُم فيما آتاكم فاستبِقُوا الخيراتِ إلى الله
◌ْجِعَ جميعاً فَيْنَبِكُم بما كنتَ فِيهِ تَخْلِونَ (٤٨) وأنِ احْكُم ينَهم
أنْزلَ الهُ ولا تَتَّبِعُ أَهْواءهم واحذَرْم ◌َنْ يفتِنُوك عن بعض ما أنزلَ
(١) تفسير المار ح٦س ٠٤٤

٢٣٥
الجزء السادس
الهُ إليكَ ، فإنْ قُولَّوا فاعلَمْ أنما يريدُ اللهَ أَنْ يُصِيبَهِم بِمَضِ ذُنُوبِهِم
وإنّ كثيراً من الناس لفاسقون (٤٩) أَفَحكم الجاهليةِ يَبْعُون ومَنْ
أحسَنُ مِن اللهِ حُكْمًا لقوم يوقِنِونَ (٥٠))).
قوله: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب
ومهيمنا عليه .. ، معطوف على قوله قبل ذلك (( إنا أنزلنا التوراة ... )).
والمراد بالكتاب الأول: القرآن الكريم، وأل فيه للعهد . والمراد
بالكتاب الثانى : جنس الكتب السماوية المتقدمة فيشمل التوراة والإنجيل
وأل فيه للجنس وقوله («ومهيمنا عليه، أى: رقيبا على ما سبقه من الكتب
السماوية المحفوظة من التغيير ، وأمينا وحاكما عليها ؛ لأنه هو الذى يشهد
لها بالصحة ويقرر أصول شرائعها.
قال ابن جرير: وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب . يقال: إذا وقب
الرجل الشىء وحفظه وشهده: قد ميمن فلان عليه. فهو هيمن هيمنة، وهو
عليه مهيمن ))(١).
وقال صاحب الكشاف: وقرىء «ومهيمنا عليه) - بفتح الميم - أى
هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل كما قال - تعالى -: ((لا يأتيه الباطل
٠٠ ..
من بين يديه ولا من خلفه
والذى هيمن عليه هو الله - عز وجل. أ. الحفاظ فى كل بلد، لوحرف
حرف منه أو حر كه أو سكون لتنبه له كل أحد ، ولا اشمازوا ، رادين
ومنكرین(٢))).
(١) تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ٢٦٦.
(٢) تفسير الكشاف ج ٦ ص ٦٤٠

٢٣٦
سورة المائدة
والمعنى: لقد أنزلنا التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، وأنزل:
إليك يا محمد الكتاب الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من
هدايات وقد أنزلناه ملتبسا بالحق الدى لا يحوم حوله باطل ، وجعلنا
(مصدقا لما بين يديه من الكتاب، أى: مؤيداً لما فى تلك الكتب التى تقدمتة
من دعوة إلى عبادة الله وحده، وإلى التمسك بمكارم الأخلاق ... وجعلنا
كذلك («مهيمنا عليها، أى: أمينا ورقيبا وحا كما عليها.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أشار إلى سمو مكانة القرآن من بير
الكتب السماوية بإشارات من أهمها:
أنه - سبحانه - لم يقل: وقفينا على آثارهم - أى على آثار الأنبيا
السابقين - بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وآتيناه القرآن ... كما قال فى شأر
عيسى ابن مريم («وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من
التوراة وآتيناه الإنجيل .... الخ،
لم يقل ذلك فى شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى شأن القرآن
الكريم، وإنما قال: ((وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ... ، الإشارة إلى معز
استقلاله وعدم تبعيته لغيره من الكتب التى سبقته ، والإيذان بأن الشريـ
" التى هذا كتابها هى الشريعة الباقية الخالدة التى لا تقبل النسخ أو التغيير ...
وأنه - سبحانه - لم يزد فى تعريف الكتاب الذى انزله على نبيه
- صلى الله عليه وسلم - على تعريفه بلام العهد فقال: ((وأنزلنا إليك الكتاب
للإشارة إلى كله وتفوقه على سائر الكتب.
أى: أنه الكتاب الذى هو جدير بهذا الإسم، بحيث إذا أطلق ١-
الكتاب لا ينصرف إلا إليه، لأنه الفرد الكامل من بين الكتب.
هذا الوجود .
وأنه - سبحانه - قد وصفه بأنه قد أنزله ملتبسا بالحق والصدق ، وأ
مؤيد ومقرر لما اشتملت عليه الكتب السماوية من الدعوة إلى الحق والخير

٢٣٧
الجزء السادس
وأنه - فضلا عن كل ذلك - أمين على تلك الكتب ، وحاكم عليها ، فما أيده
من أحكامها وأقوالها فهو حق ، ومالم يؤيده منها فهو باطل .
قال ابن كثير: جعل الله هذا الكتاب العظيم الذى أنزله آخر للكتب
وخاتمها، جعله أشملها وأعظمها وأكملها ، لأنه - سبحانه - جمع فيه محاسن
ما قبله من الكتب ، وزاد فيه من الكمالات ما ليس فى غيره ، فلهذا جعله
شاهداً وأمينا وحاكما عليها كلها ، وتكفل - سبحانه - بحفظه بنفسه فقال:
(((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(١).
وقوله: ((فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق»
أمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يلتزم فى حكمه
بين الناس الأحكام التى أنزلها - سبحانه - .
والفا. فى قوله: (( فاخكم، الإفصاح عن شرط مقدر.
أی : إذا كان شأن القرآن کما ذ کرت لك یا محمد، فاحكم بینهؤلاء اليهود
وبين غيرهم من الناس بما أنزله الله من أحكام، فإن ما أنزله هو الحق الذى
لا باطل معه، ولا تقبع فى حكمك أهواء هؤلاء اليهود وأشباههم، لأن اتباعك
لأهوائهم يجعلك منحرفا ومائلا عما جاءك من الحق الذى لامرية فيه ولا ريب.
ولم يقل - سبحانه - («فاحكم بينهم، بل ترك الضمير وعبر بالموصول فقال:
((فاحكم بينهم بما أنزل الله)) للتنبيه على علية ما فى حيز الصلة للحكم، لأن
الموصول إذا كان فى غمن حكم تكون الصلة هى علة الحكم .
أى : التزم فى حكمك بينهم بما يؤيده القرآن لأنه الكتاب الذى أنزله
الله عليك.
قال بعض العلماء: ((وهذا يفيد أن اليهود الذين عاصروا النبى
- صلى الله عليه وسلم-ومن جاءوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن، وأنه نسخ
تفسیر ابن جرير ج ٢ ص ٦٥

٢٢٨
سورة المائدة
ما قبله من الشراقع ، إلى ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص، أو ما
يثبت أنه فسخ والمعول عليه فى الحالين هو القرآن وما جاء به الرسو
- صلى الله عليه وسلم -. ولقد روى أنه - عليه السلام - ذكر أن موس
لو كان خيا ما وسعه إلا الإيمان به - عليه السلام،(١).
والضمير فى قوله، ((أهواءهم، يعود إلى أولئك اليهواد الذين كانو
يتحاكمون إلى النبى - صلى الله وسلم - لا يقصد الوصول إلى الحق، وإنما يقع
الوصول إلى ما يسهل عليهم احتماله من أحكام .
قال الآلوسى: والنهى يجوز أن يكون لمن لا يتصور منه وقوع المتهم
عنه، ولا يقال: كيف نهى - صلى الله عليه وسلم - عن اتباع أهوائهم
وهو - عليه الصلاة والسلام - معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك. وفي
الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - والمراد سائر الحكام،(٢).
. وقوله: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاء استئناف جىء به +
أهل الكتاب على الانقياد لحكمه - صلى الله عليه وسلم - بما أنزل الله إ !.
من الحق .
والشرعة والشريعة بمعنى واحد . وهى فى الأصل الطريق الظاهر الموصـ
للماء. والمراد بها منا ما اشتمل عليه الدين من أحكام تكليفية يجب العمل:
أمراونهيا وقدبا وإباحة. وسمى ما اشتمل عليه الدين من احكام شرية
تشبيها بشريعة الماء . من حيث إن كلا سبب الحياة، إذ أن الشريعة الدية
سبب فى حياة الأرواح حياة معنوية. كما أن الماء سببب فى حياة الأروا
حياة عادية .
والمنهاج: الطريق الواضح فى الدين ، من نهج الأمر ينهج إذا وضح
والعطف باعتبار جمع الأوصاف .
.(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ الأستاذ محمد أبو زهرة. مجلة لواء الاما
العدد الرابع السنة ٢١
(٢) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ١٥٢

٢٣٩
الجزء السادس
قال بعضهم. هما كلمتان بمعنى واحد والتكرير للتأكيد.
وقيل: ليستا بمعنى واحد. فالتزعة إبتداء الطريق، والمنهاج الطريق
المستقيم .
وقوله: ((منكم، متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين
, کل » .
أى: لكل أمة من الأمم الحاضرة والماضية وضعنا شرعة ومنهاجا خاصين
بها . فالأمة التى كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام -،
كانت شرعتها ما فى التوراة من أحكام . والأمة التى كانت من مبعث عيسى
إلى مبعث محمد - عليهما الصلاة والسلام كانت شرعتها ما فى الإنجيل. وأماهذه
الأمة الإسلامية فشريعتها مافى القرآن من أحكام ، لأنه مشتمل على ماجاء فى
الكتب السابقة عليه من أصول الدين وكلياتة التى لا تختلف باختلاف الأزمنة
والأمكنة ، وزاد عليها ما يناسب العصر الذى نزل فيه، والعصور التى تلت ذلك
إلى يوم القيامة .
١
وأهل الكتاب إيما أمروا بأن يتحاكموا إلى كتبهم قبل نسخها بالقرآن
الكريم، أما بعد نزوله ومجى النى - صلى الله عليه وسلم - خاتما الرسالات
السماوية ، فقد أصبح من الواجب عليهم الدخول فى الإسلام، وأتباع رسوله
محمد - عليه الصلاة والسلام - فى كل ما أمر به أو نهى عنه، وليس لأحد
بعد بعثته - صلى الله عليه وسلم - إيمان مقبول إلا باتباعه وتصديقه فى جميع
أقواله وأعماله .
والاختلاف فى الشرائع إنما يكون فيما يتعلق ببعض الأوامر والنواهى،
وببعض وجوه الحلال والحرام ، وبعير ذلك من فروع الشريعة. فقد يحرم
الله شيئا على قوم عقوبة لهم، ويحله، لقوم آخرين تخفيفا عنهم، كما قال
- تعالى -: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر، ومن البقر والغتم

٢٤٠.
سورة المائدة
.منا عليهم شحومهما إلا ماحملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم
٤ جزينامٍ ببغيهم وإنا لصادفون ... )،(١).
وكما قال - تعالى - حكاية عن عيسى - عليه السلام -: «ولأحل
ثم بعض الذى حرم عليكم ، (٢).
أما ما يتعلق بأصول الشريعة ، وجوهر الدين، وأساس العقيدة كالأمر
دة القه وحده، والتحلى بمكارم الأخلاق ، فلا یتعلق به اختلاف فى أى
يعة من الشرائع ، أو أى دين من الأديان .
وقد تكلم عن هذا المعنى الإمام ابن كثير فقال: قوله: (( لكل جعلنا منكم
عة ومنهاجاً، .. هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به
له الكرام من الشرائع المختلفة فى الأحكام ، المتفقة فى التوحيد. كما ثبت
محیح البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
، معاشر الأنبياء إخوة أملات - أمهاتهم شتى - ودينهم واحد)). يعنى بذلك
حید الذی بعث الله به کل رسول أرسله ، وضمنه کل کتابأنزله ، کما قال
الى -: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا فوحى إليه أنه لا إله إلا أنا
بدون)). وأما الشرائع فمختلفة فى الأوامر والنواهى، فقد يكون الشىء فى هذه
ريعة حراما ثم يحل فى الشريعة الأخرى. كما قال - تعالى - فى شأن شريعة
ى: ((ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم)). وبالعكس، قد يكون
• حلالا فى هذه الشريعة ثم يحرم فى شريعة أخرى ، فيزاد فى الشدة
مذه دون هذه، وذلك لما له - تعالى - فى ذلك من الحكمة البالغة، والحجة
مغة ،(٣) .
وقال الألوسى ماملخصه: وقوله: (( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً)).
طاب فيه - كما قال جماعة من المفسرين - للناس كافة الموجودين والماضين
(١) - ورة الأنعام. ص ١٤٦
(٢) سورة آل عمران الآية ٢٠
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦٧