Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الجزء السادس
هذا، وقد أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد على
أولئك الذين قالوا (« إن الله هو المسبح بن مريم، بما يكشف عن جهلهم
وضلالهم فقال - تعالى -:
((قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن
فى الأرض جميعا .. )).
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء النصارى الذين قالوا: « إن الله
هو المسيح ابن مريم،، قل لهم على سبيل الإنكار والتوبيخ والتجهيل: من ذا
الذى يملك من أمر الله وإرادته شيئاً يدفع به الهلاك عن المسيح وعن أمه وعن
سائر أهل الأرض ، إن أراد الله - سبحانه - أن ملكه .. يبيدهم؟ لاشك
أن أحدا لن يستطيع أن يمنع إرادته - سبحانه -، لأنه هو المالك الأمر الوجود
كله، ولا يملك أحد من أمره شيئا يستطيع به أن يصرفه عن عمل يريده؛ أو
يحمله على أمر لا يريده، أو يستقل عمل دونه. وما دام الأمركذلك فدعوى
أن الله هو المسيح ابن مريم ظاهره البطلان، لأن المسيح وأمه من مخلوقات
اقه التى هى قابلة لطروه الهلاك والفناء عليها، وحاشا للمخلوق الفانى أن يكون
إلهاوإما الألوهية الله الخالق الباقى, الا له الخلق والأمر، تبارك الله رب !! المين)
قال الإمام الرازى ما ملخصه: « إحتج - سبحانه - على فساد ماذهب اليه
النصارى بقوله :
( فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى
الأرض جميعا)). وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط.
والتقدير: إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا
فمن الذى يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره. وقوله , فمن يملك من الله
، شيئًا، أى: فمن يملك من أفعال الله شيئا. والملك هو القدرة يعنى فمن الذى
يقدر على دفع شىء من أفعال اثه - تعالى - ومنع شىء من مراده.
وقوله: ((ومن فى الأرض جميعا، يعنى: أن عيسى مشاكل لمن فى الأرض

١٢٢
سورة المائدة
فى الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال، فلما
سلتم كونه - تعالى - خالقا للمكل، مديرا للكل، وجب أن يكون أيضا
خالقاً لعيسى ، (١)
وفى توجيه الأمر إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرد عليهم، تثبيت-
له، وتقوية لحجته حتى يبطل قولهم الفاسد إبطالا يزداد معه المؤمنون إيمانا
بالحق الذى آمنوا به .
قال أبو السعود: وإنما نفيت المالكية المذكورة بالاستفهام الإنكارى
عن أحد، مع تحقيق الإلزام والتبكيت بنفيها عن المسيح فقط، لتحقيق الحق
بنفى الألوهية عن كل ما عداه - سبحانه -، وإثبات المطلوب فى عمته
بالطريق البرهانى .
وتعميم إرادة الإهلاك للمكل - مع حصول المطلوب بقصرها على المسيح -
لتهويل الخطب، وإظهار كمال العجز، ببيان أن الكل تحت قهره - تعالى -
وملكوته. لا يقدر أحد على دفع ما أريد به . فضلا عن دفع ما أريد بغيره.
وللايذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات فى كونه عرضة للهلاك، كما
أنه لها فيما ذكر من العجز وعدم إستحقاق الألوهية » (٢)
وتخصيص الأم بالذكر مع إدراجها فى عموم المعطوف، لزيادة تأكيد
معجز المسيح ، وأنه هو وأمه عبدانه من عباد الله لا يقدران على رفع
الهلاك عنهما .
وعطف عليهما قوله، ومن فى الأرض جميعا، من باب عطف العام على
الخاص، ليكونا قد ذكرا مرتين، مرة بالنقص عليهما. ومرة بالإندراج فى
العام، وذلك على سبيل التوكيد والمبالغة فى تعلق نفاذ الإرادة فيهما .
وقوله «ولله ملك السموات والأرض وما بينهما، تأكيد لاختصاص
الألوهية به - تعالى - ، إثر بيان إنتفائها عما سواه.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١١ ص ١٩١ . طبعة عبد الرحمن محمد
(٢) تفسير أبى السعود حـ ٢ ص ١٧ طبعة صبيح.

١٢٣
الجزء السادس
أى: ولقه - تعالى - وحده دون أن ينازعه منازع، أو يشاركه مشارك،
ملك جميع الموجودات، والتصرف المطلق فيها، إيجادا وإعداما، وإحياء
وإماتة . فهو المالك السموات ومافيها، والأرض وما عليها، ولما ينهما من
فضاء تجرى فيه السحب بأمره ، ويطير فيه الطير بإذنه وقدرته. وما المسيح
وأمه إلا من جملة مافى الأرض ، فهما عبدان من عباد الله يدينان له -سبحانه-
بالعبادة والطاعة والخضوع .
وقال - سبحانه - ((وما بينهما، ولم يقل وما بينهن مع أن السموات بلفظ
الجمع، لأن المراد بالسموات والأرض النوعان أو الصنفان .
أى: ولله - تعالى - وحده ملك السموات والأرض وما بين هذين النوعين
من مخلوقات خاضعة لمشيئة الله وقدرته .
وقوله (( يخلق ما يشاء، جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك
والألوهية على وجه يزيح ما اعترى النصارى من شبه فى أمر المسيح، لولادته
من غير أب، وإحيائه الموتى، وإبرائه الأكمه والأرض، كل ذلك
بإذن اهـ .
أى أنه - سبحانه - يخلق مايشاء أن يخلقه من أنواع الخلق بالكيفية التى
يريدها تبعا لمشيئته وإرادته .
فتارة مخلق الإنسان من ذكر وأنثى كما هو المعتاد بين الناس، وتارة بخلقه
بدون أب أو أم كما هو الشأن فى خلق آدم وقارة يخلقه بدون أب كما هو الشأن
فى خلق عيسى، إلى غير ذلك من مخلوقاته التى ليست مقصورة على نوع واحد
بل هى شاملة لهذا الكون بما فيه من إنسان وحيوان وجماد، فكل ما تعلقت
إرادته بإيجاده أو جده، وكل ما نعلقت إرادته بإعدامه أعدمه، لاراد لمشيئته
ولا معقب لحكمه ولا حائل دون نفاذ قدرته .
وقوله: ((والله على كل شىء قدير ، تذييل مقرر لمضمون ما قبله .
أى: والله - تعالى - قدير على كل شىء، ومالك لكل شىء، ومهيمن على
٠

١٢٤
سورة المائدة
كل شىء لا يعلبه شىء طلبه، ولا يعجزه أمر أراده. وماعيسى وأمه إلا من
مخلوقاته وعبيده، وحاشا للمخلوق لعاجز أن يكون إلها من دون الله
- عز وجل - .
فهذه الآية الكريمة تحكى أقوال النصارى الباطلة فى شأن عيسى - عليه
السلام - وترد عليهم بما يرهز باطلهم، ويثبت أن عيسى إنما هو عبد من عباد
الله. وأن العبادة إنما تكون لله الواحد القهار.
ثم ساف - سبحانه - بعض دعاوى أهل الكتاب الباطلة، وأمر نبيه.
- صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال - تعالى -:
((وقالت اليهودُ والنصارَى نحنُ أبناء اللهِ وأحَِّاؤْهَ، قَل فلِمْ
يِذِّبْكُم بِذُنُوبِكُم بل أنتم بشرٌ ممن خَلَق، يغفر لمن يشاء، وَيعذبُ
مَن يشاء، ولله ملكُ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما وإليه المصيرُ (١٨)).
قال الإمام ابن كثير: روى محمد بن إسحاق وابن أبى حاتم وابن جرير
عن ابن عباس قال: أنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعة من اليهود،
فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله - تعالى - وحذرم نقمته فقالوا:
ما تخوفنا يامحمد؟ نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى؛ فأنزل الله
- تعالى - فيهم .
(((وقالت اليهود والنصارى نحن أبناءه وأحباؤه ... الآية))(١).
وقوله - تعالى - ,وقالت اليهود والنصارى ... ، حكاية لما صدر عن
الفريقين من أقاويل فاسدة، ودعاوى باطلة، يدل على سفاهة عقولهم،
وبلادة تفكيرهم، حيث قالوا فى حق الله - تعالى - مالا يليق بعظمته
- سبحانه -
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٥

١٢٥
الجزء السادس
قال الآلوسي ماملخصه: ((ومرادهم بالأبناء: المقربون. أى نحن مقربون
عند الله - تعالى- قرب الأولاد من والدهم.، مرادهم بالأحباء: جمع حبيب
بمعنى محب أو محبوب. وبحوز أن يكونوا أرادوا من الأبناء الخاصة، كما
يقال: أبناء الدنيا وأبناء الآخرة ويجوز أن يكونوا أرادوا بما قالوا أنهم
أشياع وأنباع من وصف بالنبوة. أى قالك ليهود : نحن أشياع ابته عزيز.
وقالت النصارى: نحن أشباع ابنه عيسى. وأطلق الأبد على الأشباع جزا
إما تغليبا أو تشبيها لهم بالأبناء فى قرب المنزلة . وهذا كما يقول أتباع الملك:
نحن الملوك .
وقيل الكلام على حدف المضاف. أى: نحن أبناء أنبياء الله - تعالى -
وهو خلاف الظاهر ...
ومقصود الفريقين بقوله - تعالى - حكاية عنهم («نحن أبناء الله وأحباؤه،
هو المعنى المتضمن مدحا، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا، مزية عند الله
- تعالى - على سائر الخلق))(١).
والمعنى: وقالت طائفة اليهود التى تزعم أنها شعب الله المختار، وقالت
طائفة النصارى التى تزعم أنها على الحق دون غيرهم ، قالت كل طائفة منهما:
نحن فى الغرب من النه - تعالى - بمنزلة أبنائه المدالمين، وأحباته المختارين ، فلنا
من الفضل والمنزلة والتكريم ما ليس لغيرها من البشر .
والدى حملهم على هذا القول تباطل ، جهلهم بما اشتملت عليه كتبهم،
وتخبطهم فى لكه. والضلال وفهمهم السقيم لمعانى الألفاظ .
قال ابن كثير: ((وفقلو عن كتبهم أن تمه - تعالى - قال لعبده إسرائيل:
أنت ابنى بكرى. خلوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد عليهم غير
واحد ممن أسلم من عقلائهم. وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف
والإكرام . كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إنى ذاهب إلى
(١) تفسير الآلوسي = ٦ س ١٠٠

١٢٦
سورة المائدة
أبى وأبيكم ، يعنى: ربي وربكم . ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من النبوة
ما أدعوها فى عيسى - عليه السلام - وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه،
وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: « نحن أبناء اللّه وأحبائ(١).
وعطف - سبحانه - قولهم: ((وأحباؤه)، على قولهم ((نحن أبناء انه))
للإشارة إلى غلوهم فى الجهل والغرور ، حيث قصدوا أنهم ابناء محبوبون
وليسوا مغضوبا عليهم من أبيهم، بل هم محل رضاه وإكرامه ...
وقد أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يردعليهم بما يكبتهم
فقال: (( قل للم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر من خلق)).
والفاء فى قوله، فلم يعذبكم، الإفصاح، لأنها تفصح عن جواب شرط
مقدر أى: قل يا محمد لهؤلاء المغرورين، إن كان الأمر كما زعمتم من أنكم أبناء
الله وأحباؤه ، فلأى شىء يعذبكم إذ الحبيب لا يعذب حبيبه .
وإن واقعکم یا أهل الکتاب یناقض دعوا کم ، فقد عذبكم - سبحانه - فى
الدنيا بسبب ذنوبكم بالقتل والأسر والمسخ وتهييج العداوة والبغضاء بينكم
إلى يوم القيامة .
أما فى الآخرة فإن كتبكم التى بين أيديكم تشهد بأنكم ستعذبون فى الآخرة
على ما تقترفون من آئام فى دقیا کم .
وقد أقر اليهود بأن العذاب سيقع بهم - فى زعمهم - أياما معدودات
فى الآخرة وحكى القرآن عنهم ذلك فى قوله - تعالى -: ((وقالوا أن تمسنا
النار إلا أياما معدودة»:
وأقر النصارى بأن الله - تعالى - سيحاسب الناس يوم القيامة ، وسيجازى
كل إنسان على حسب عمله إن خيرا خير، وإن شرا فشر .
قال القرطبى: ((رد الله عليهم قولهم فقال: ( فلم يعذبكم بذنوبكم، فلم
يكونوا بخلون من أحد وجهين، إما إن يقولوا هو يعذبنا، فيقال لهم: فلستم
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٤ طبعة عيسى الحلبى

١٢٧
الجزء السادس
إذا أبناءه ولا أحباءه، فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تقرون بعذابه،
فذلك دليل على كذبكم ـ وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف ..
أو يقولوا : لا يعذبنا فيكذبوا ما فى كتبهم، وما جاءت به رسلهم ، ويبيحوا
المعاصى وهم معترفون بعذاب العصاة منهم، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم،(١)
وقوله: (( بل أنتم بشر ممن خلق ) رد على أصل دعواهم الباطلة، وبيان لما
هو الحق من أمرهم ، وهو معطوف على كلام مقدر .
أى: ليس الأمر كمازعمتم يا معشر اليهود والنصارى من أنكم أبناء الله
وأحباؤه، بل الحق أنكم كسائر البشر من خلق الله، فإنكم إن آمنتم
وأصلحتم أعمالكم فلتم الثواب من الله ، وإن بقيتم على كفركم وغروركم
حق عليكم العقاب. وليس لأحد فضل على أحد إلا بالإيمان والعمل الصالح.
قال أبو حيان قوله: «بل أنتم بشر ممن خلق)) إضراب عن الاستدلال
من غير إبطال له إلى استدلال آخر من ثبوت كونهم بشرا من بعض خلقه ،
فهم مساوون لغيرهم فى البشرية والحدوث، وهما يمنعان النبوة ، فإن القديم
لا يلد بشراً، والأب لا يخلق أبنه، فامتنع بهذين الوجهين البنوة، وامتنع
بتعذيهم أن يكونوا أحبا. لله، فيطل الوصفان اللذان أدعوهما ،(٢).
وقوله - سبحانه - ((يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، بيان لعموم
قدرته، وشمول إرادته.
- أى أنه - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من خلقه، وهم المؤمنون به
وبرسله ، ويعذب من يشاء أن يعذبه منهم، وهم المنحرفون عن طريق الحق
والهدى ، لاراد لقضائه . ولا معقب لحكمه .
(١) تفسير القرطى ج ٦ ص ١٢٠
(٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان = ٢ ص ٠٤٥١

١٢٨
سورة المائدة
وقوله ( ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير، تذييل
قصدته تأكيد ما قبله من عموم قدرته. وشمول إرادته وهيمنته على سائر خلقه.
أى: ولله - تعالى - وحده ملك جميع الموجودات، وهو صاحب التصرف
المطلق فيها، إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، وإليه وحده مصير الحلق
يوم القيامة فيجازيهم على ماعملوا من خير أو شر.
قال - تعالى -، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة
شرايره » .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت حجة اليهود والنصارى الذين
زعموا أنهم « أبناء الله وأحباؤه،، وأثبتت بالمنطق الواضح أنهم كاذبون
فيما يدعون؛ وأنه لافضل لأحد على أحد إلا بالإيمان والعمل الصالح .
وبعد أن بين - سحانه - فساد أقوال أهل الكتاب، وبطلان عقائدم،
ورد عليهم بما لا يدع للعاقل متمسكا بتلك الضلالات ... أتبع ذلك بتوجيه
نداء آخر إليهم تكريرا لوعظهم، وتحريضا لهم على إتباع الحق فقال
- تعالى - :
(( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولُنا يبينُ لكم على فترةٍ من
الرُّسُل، أنْ تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ، فقد جاءكم بشيرٌ
ونذيرٌ والله على كل شىء قدير (١٩))) .
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة
وعقبة بن وهب اليهود: يامعشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فو الله إنكم
لتعلمون أنه رسول الله. لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه. وتصفونه لنا
بصفته فعال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا : ما قلنا هذا لكم، وما أزل

١٢٩
الجزء السادس.
انه من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده، فأنزل الله فى
قولهما قوله: « يا أهل الكتاب قد جاءكمرسولنا يمين اسكم على فترة من الرسل ..
الآية(١) ،
, وقوله , على فترة من الرسل، أى: على انقطاع من الرسل، إذ الفترة
هى الزمن بين زمنين ، ويكون فيها سكون عما يكون فى هذين الزمنين
قال الراغب : الفتور سكون بعد حدة، ولين بعد شدة ، وضعف بعد
قوة. قال - تعالى - «يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة
من الرسل .... أى: سكون خال عن مجىء رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
وقوله (( يسبحون الليل والنهار لا يفترون)) أى لا يسكنون عن نشاطهم في
العادة »(٢) .
7
فأصل الفتور: السكون والانقطاع . يقال فترعن عمله إذا انقطع عما كان
عليه من الجد والنشاط
. والمعنى: يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يامن أنزل الله - تعالى -
الكتب السماوية على أنبياتكم لهدايتكم وسعادتكم، ها هو ذا رسولنا محمد
- صلى الله عليه وسلم - قد جاءكم لكى يبين لكم شرائع الدين، والطريق الحق
الذى يوصلكم إلى السعادة الدينية والدنيوية ، وذلك بعد انقطاع من الرسل،
وطموس من السبل، وضلال فى العقائد، وفساد فى الأفكار والمعاملات .
قال الإمام ابن كثير ماملخصه: قوله - تعالى -: ((على فترة من الرسل)
أى: بعد مدة متطاولة ما بين إرساله - صلى الله عليه وسلم - وبين عيسى
أبن مريم. وقد اختلفوا فى مقدار هذه الفترة كم هى ؟ فعن قتادة خمسمائة
وستون سنة .
(١) تفسير ابن جرير ج٦ ص ١٦٦
(٢) المفردات فى غريب القرآن ض ٣٧١ للراغب الأصفهان
(٩ - سورة المائدة )
ها
-

١٣٠
سورة المائدة
وكانت هذه الفترة بين عيسى ابن مريم - آخر أنبياء بنى إسرائل ـ وبين
محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين من بنى آدم على الإطلاق، كماثبت فى
(((صحيح البخارى)) عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
قال: ((أنا أولى الناس بابن مريم ليس بينى وبينه نى)) وهذا فيهردعلى من زم
أنه بعث بعد عيى فى يقال له خالد بن سنان .
والمقصود من هذه الآية، أن الله - تعالى - بعث محمدا - صلى الله علي
وسلم - على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان ، وكثر
عباد الأوثان والنيران والصلبان ، فكانت النعمة به أتم النعم(١).
، وفى ندائه - سبحانه - اليهود والنصارى بقوله: « يا أهل الكتاب
تذيه لهم إلى أن مصاحبتهم للكتاب وكونهم أهل معرفة، يوجبان عليه.
المبادرة إلى اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى بشرت بمبعد
كتبهم التى بين أيديهم، والذى يعرفون صدقه كمايعرفون أبناءهم .... و(!
فسيكون عقابهم أشد إذا ما استمروا فى كفرهم وضلالهم .
وعبر - سبحانه - قوله: ((قد جاءكم، للإيذان بأنه - صلى الله عليه وسلم
قد أصبح بينهم، بحيث يشاهدهم ويشاهدونه، ويسمع منهم ويسمعون منه
وأنه قد صار من اللازم عليهم أتباعه ، لأن الشواهد قد قامت على صدقه :
يبلغه عن ربه .
وأضاف - سبحانه - الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ذاته فقال
((قد جاءكم رسولنا)، لقشريفه - صلى الله عليه وسلم - وتكريمه، وللإشا
إلى قدسية هذه الرسالة وسمو منزلتها، وأنها لا تسوغ مخالفة من أتى بها، و
يصح الخروج عن طاعته ، لأنه رسول من عند الله - تعالى - الذى
الخلق والأمر
(١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٣٥

١٣١
الجزء السادس
.أومفعول ((ببين)) محذوف. أى: يبين لكم الشرائع والأحكام، وما
أمرتم به، وما نهيتم عنه، وحذف هذا المفعول اعتماداً على ظهوره، إذمن المعلوم
أن ما ببيته الرسول هو الشرائع والأحكام.
وقوله: («على فترة، متعلق بقوله («جاءكم) على الظرفية، وقوله: ((من
الرسل، متعلق بمحذوف صفة لفترة
أى: قد جاءكم رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - على حين فتور من الإرسال
وانقطاع الوحى، ومزيد الاحتياج إلى البيان
والتعبير بقوله - تعالى - ((على فترة)) فيه معنى فوقيه الرسالة على الفترة،
وعلوها عليها ؛ كعلو البيان على الجهل ، والنور على الظلمة ، فمن الواجب عليهم
أن يسارعوا إلى اتباع الرسول الذى جاءهم بالحق، وإلا، كانوا ممن يرتضى لنفسه
الانحدار من الأعلى إلى الأدنى، ومن العلم إلى الجهل، ومن الهدى إلى الضلال.
وقوله - تعالى -: (( أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) جملة تعليلية
المقصود بها قطع معاذيرهم إذا ما احتجوا بالجهل وعدم معرفتهم لأوامر الله
ونواهيه .
٠
والمراد بالبدير : المبشر الذى يبشر أهل الحق والطاعة بالخير والسعادة.
والمراد بالنذير : المنذر الذى ينذر أهل الباطل والضلال بسوء المصير.
والمعنى: لقد جاءكم يا معشر أهل الكتاب رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم-
يبين لكم شرائع اله بعدفترة متطاولة من انقطاع الرسل، لمكى لا تقولوا على
.سبيل المعذرة يوم الحساب، ماجاءنا من بشير يبشرنا بالخير عند الطاعة، ولا
تذير ينذرنا بسوء العاقبة عند المصية .
و «من» فی قو له « من بشیر ، لتأ کید نفی المجىء
والتفكير فى قوله: «بشير ونذير، للتقليل، أى: ما جاء نا أى بشير ولو
كان صغيراً، وما جاءنا أى نذير ولو كان ضئيلا.

١٣٢
سورة المائد.
وهنا يسوق الله - تعالى - ما يبطل معاذيرهم، بإثبات أن البشير والنذير قد
جاءهم فقال - تعالى -: « فقد جاہکے بدیر و ذیر ..
والفاء هنا للإفصاح عن كلام مقدر قبلها. والتقدير . لا تعتذروا بقاولكم
ماجاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم رسولنا الذى يبشركم بالخير إن آمنتم
وينذركم بسوء المصير إذا ما بقيتم على كفركم .
والتنكير هنا فى قوله: «بشير ونذير، للتعظيم من شأن الرسول - صلى الله
عليه وسلم - الذى هو خاتم النبيين، والذى أرسله الله - تعالى - رحمة للعالمين.
وقوله : بشير ونذير، وإن كانا وصفين للرسول - صلى الله عليه وسلم -
إلا أن ثانيهما قد عطف على أولهما لتغايرهما فى المعنى، لأن التبشير عمل يختلف
عن الإنذار ، وكلاهما من وظائف النبوة .
و قوله - تعالى - , واقه علی کل شیءقدير » تذییل قصدبه شمول قدرةاله
وأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء.
أی : واقه على كل شىء قدير ، فلا يعجزه أن يرسل رسله تتری ، كما
لا يعجزه أيضا أن يرسلهم على فترات متباعدة.
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت سمو الرسالة المحمدية وعظمتها، وأنها
جاءت والناس فى أشد الحاجة إليها، وأنه لاعذر لأهل الكتاب فى عدم الاستجابة
لها بعد أن بلغتهم ، وبشرتهم بالخير إن آمنوا وأطاعوا، وبالعذاب الأليم إن
استمروا على كفرهم وضلالهم .
وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من رذائل أهل الكتاب ، ومن أقوالهم
الباطلة فى حق الرسول الذى أرسله الله - تعالى - هدايتهم وسعادتهم
وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ..
بعد كل ذلك ساق - سبحانه - جانبا مما حدث بین موسى - عليه السلام-

١٣٣
الجزء السادس
وبين قومه بنى إسرائيل، وبما لقيه منهم من سفاهة وجبن وتخاذل وعصيان ..
إذ فى ذلك تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما شاهده منهم من عناد
وجحود. استمع إلى القرآن وهو يحكى بعض قصص بنى إسرائيل مع نبيهم
موسى فيقول :
((وإذ قال موسى لقومه، يا قومِ اذكرُوا نعمةَ اللهِ عليكم، إذ
يجعل فيكُم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتَاكُم مالم يُؤْتٍ أحداً مِنّ
العالمينَ (٢٠) يا قوم ادخلوا الأرضَ المقدّسةَ التى كتبَ اللهَ لكُم،
ولا ترتدُّوا على أدْبارِكم فَتَنْقُلُوا خاسرينَ (٢١) قالوا ياموسَى إنْ فيها قوماً
جبّارينَ وإنْ لنْ ندخلها حتى يخرجُوا منها، فإنْ يخرجُوا منها فإنّا
داخلونَ (٢٢) قال رجلان مِنَّ الذين يخافونَ أَنْتَمَ اللهُ عليهما ، ادخلوا
غالبُون، وعلى الله فتوكلوا إِنْ
عليهمُ البابَ فِإِذَا دخلتُوه فإنكمـ
كنتم مؤمنين (٢٣) قالوا يا موسَى إِذَّا لنْ ندخلها أبداً ما دامُوا فيها،
فاذهَبْ أنتَ ورِبُّكَ فقائِلاَ إِنَّا هَاهُنَاَ قَاعِدُونَ (٢٤) قال ربُّ إنِّ
لا أملكُ إِلا تَفْسِى وأخِى فَاقْرُق بيننا وبينَ القومِ الفاسقينَ (٢٥)
قالَ فإنها محرمةٌ عليهِمْ أربعينَ سَنَةً يَتَيُهُون فى الأرضِ فلا تَأْسَ على
القوم الفاسقين (٣٦) .
هذه الآيات الكريمة تصور لنا ماجبل عليه بنو إسرائيل من جبن شديد،
وعزيمة خوارة، وعصيان لرسلهم. وإيثار الذلة مع الراحة على العزة مع الجهاد
وهى تحكى بأسلوبها البليغ قصة تاريخية معروفة، وملخص هذه القصة:
أن بنى إسرائيل بعد أن ساروا مع نبيهم موسى - عليه السلام - إلى بلاد

١٣٤
سورة المائد
الشام، عقب غرق فرعون أمام أعينهم. أوحى الله - تعالى - إلى مو
أن يختار من قومه إثنى عشر نقيبا، وأمره أن يرسلهم إلى الأرض المقد
التى كان يسكنها الكنعانيون حيائذ. ليتحسسوا أحوال سكانها،وليعرفوا:
من أخبارم .
وقد أشار القرآن قبل ذلك إلى هذه القصة بقوله: ((ولقد أخذ الله .:
بنى إسرائيل وبعثنا منهم إثنى عشر نقيبا. )،(١) .
ولقد نفذ موسى - عليه السلام - ما أمره به ربه - سبحانه - ، وكان
قاله موسى للنقباء عند إرسالهم لمعرفة أحوال سكان الأرض المقدسة
(( لا تحبروا أحدا سواى عما تروينه)).
فلما دخل النقباء الأرض المقدسة، واطلعوا على أحوالسكانها. وجد
منهم قوة عظيمة، وأجساما ضخمة ... فعاد النقباء إلى موسى وقالو
- وهو فى جماعة من بنى إسرائيل -: قد جئنا إلى الأرض التى بعثقنا إليها ..
هى فى الحقيقة تدر لبنا وعسلا ، وهذا شىء من ثمارها ، غير أن الساكنين.
أقوباء، ومدينتهم حصينة. وأخذ كل نقيب منهم ينهى سبطه عن القتال.
إثنين منهم ، فإنهما نصحا القوم بطاعة نبيهم موسى - عليه السلام - وبقد
الكتعانيين معه ... ولكن بنى إسرائيل عصوا أمر هذين النقيبين، وأضاء
أمر بقية النقباء العشرة ، وأصروا على عدم الجهاد، ورفعوا أصواتهم بالـ
وقالوا : ياليتنا متنا فى مصر أو فى هذه البرية.
وحاول موسى - عليه السلام - أن يصدهم عما تردوا فيه من جين وعه
وأن يحملهم على قتال الجبارين ؛ ولكنهم عموا وصموا.
وأوحى الله - تعالى - إلى موسى أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أر!
سنة یتیهون فى الأرض جزاء عصیانهم وجبنهم.
(١) راجع تفسيرنا للآية رقم ١٢ من هذه السورة.

١٣٠
الجزء السادس
هذا هو ملخص هذه القصة كما وردت فى كتب التفسير والتاريخ . وقد
«شا بعض المفسرين كتبهم بأوصاف للجبارين - الذين ورد ذكرهم فى الآات
الكريمة - لا تقبلها العقول السليمة، وليس لها أصل يعتمد عليه بل هى
مما يستحى من ذكره كما قال ابن كثير(١١).
هذا، وقوله - تعالى -.. وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة فقه
عليكم، كلام مستأنف ساقه الله - تعالى - لبيان بعض ما فعله بنو إسرائيل
من رذائل بعد أخذ الميثاق عليهم ، وتفصيل لكيفية نقضهم لهذا الميثاق .
و، إذ) ظرف للزمن الماضي بمعنى وقت. وهو مفعول به لفعل ملاحظ
فى الكلام، تقديره اذكر . وقد خوطب بهذا الفعل رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - بطريق قرينة الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب، ايعدد
عليهم ما سلف من بعضهم من جنايات .
أى: واذكر يا محمد لهؤلاء اليهود المعاصرين لك، قول موسى لآ بائهم
على سبيل النصح والإرشاد: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. أى: تذكروا
إتمامه عليكم بالشكر والطاعة .
والمراد بذكر الوقت تذكر ما حدث فيه من وقائع وخطوب .
قال أبو السعود: وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت، دون ما وقع فيه
من حوادث، - مع أنها هى المقصودة -، لأن الوقت مشتمل على ماوقع فيه
تفصيلا فإذا استحضر كان ما وقع فيه بتفاصيله كأنه مشاهد عيانا ,(٢).
وفى قول موسى لحم - كما حكى القرآن عنه -: ((يا قوم اذكروا نعمة الله
عليكم ، تلطف معهم فى الخطاب ، وحمل لهم على شكر النعمة ، واستعمالها فيما
(١) من ذلك ما جاء فى وصفهم من أن منهم عوج بن عنق الذى كان طوله ثلاثة
آلاف ذراع. وأن سبعين رجلامن قوم موسى استظلوا فى ظل واحد منهم.
وقال الألوسى بعد أن حكى ما قيل فيهم من ضفات. وهى عندى حديث خرنا
(٢) تفسير أبى السعود ج ٢ ص ١٧ - بتصرف وتلخيص -

١٣٦
سورة المائد
خلقت له، لكى يزيدهم اله منها، وفيه كذلك تذكير لهم بما يربطهم به من
رابطة الدم والقرابة التى تجعله منهم ، يهمه ما يهمهم، ويسعده ما يسعدهم ، فهو
یو جه إلیهم ما کائن هدایتهم وسعادتهم .
وقوله - تعالى -: إذ جعل فيكم أنبياء، وجعلكم ملوكا، وآتاكم ما لم يؤت
أحداً من العالمين)) بيان لنعم ثلاث أسبغها الله عليهم.
أما النعمة الأولى .: فهى جعل كثير من الأنبياء فيهم . كموسى وهارون،
وز كربا ، وبحبى، وعيسى، وداود، وسليمان - عليهم السلام -. وقد أرسل
الله - تعالى - هؤلاء الأنبياء وغيرهم فى بنى إسرائيل، لكى يخرجوهم من
ظلمات الكفر والفسوق والعصيان، إلى نور الهداية والطاعه والإيمان.
والتفكير فى قوله (( أنبياء، التكثير والتعظيم. أى: تذكروا با بى
إسرائيل نعم الله عليكم، وأحسنوا شكرها، حيث جعل فيكم أنبياء كثيريز
یہدونكم إلى الرشد .
قال صاحب الكشاف: « لم يبعث الله فى أمة ما بعث فى بنى إسرائيل
من الأنبياء،(١).
وأما النعمة الثانية فهى: جعلهم ملوكا. أى: جعلكم أحراراً. تملكون
أمر أنفسكم بعد أن كنتم مملو كين لفرعون وقومه ، الذين كانوا يسومون؟
سوء العذاب .
أى: جعلكم تملكون المساكن وتستعملون الخدم، بعد أن كنتم لا تملكور
شيئاً من ذلك وأنتم تحت سيطرة فرعون وقومه .
قال الآلوسي: (( أخرج البخارى عن عبد الله بن عمر وأنه سأله رجل
فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك زوجة تأوى إليها
قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم . قال: فأنت من الأغنياء
قال الرجل: فإن لى خادما. قال عبد الله: فأنت من الملوك.
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٦١٩

١٢٧
الجزء السادس
وأخرح ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله.
صلى الله عليه وسلم -: كانت بنو إسرائل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامراً.
كتب ملكا)،(١).
وهذه النعمة - أى : نعمة الحرية بعد الذل، والسعة بعد الضيق - مز
النعم العظمى التى لا يقدرها ويحافظ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة، الى
تعاف الظلم، وتأبى الضم، وتحسن الشكر له - تعالى -..
قال صاحب الانتصاف: فإن قلت: فلماذا لم يقل إذ جعلكم أنبياء، "
قال:((وجعلكم ملوكا))؟ قلت. لأن النبيوة مزية غير الملك. وآحاد الماس يشارا
الملك فى كثير مما به صار الملك ملكا ، ولا كذلك النبوة ، فإن درجتها أرف
من أن يشرك من لم تثبت له مع الثابتة نبوته فى مزيتها وخصوصيتها ونعتها
فهذا هو سر تميز الأنبياء وتعميم الملوك، (٢).
وأما النعمة الثالثة. فهى أنه - سبحانه -: آتاهم من ألوان الإكرام والمنـ
مالم يؤت أحدا من عالمى زمانهم، فقد فلق لهم البحر فساروا فى طريق يا بـ
حتى نجوا وغرق عددهم . وأنزل عليهم المن والسلوى ايا كلوا من الطيبات
وبخير لهم من الحجر اثنتى عشرة عينا حتى يعلم كل أناس مشربهم .. إلى غ
ذلك من ألوان النعم التى حباهم الله - تعالى - بها، والتى كانت تستلزم منم
المبادرة إلى امتثال أوامره ، واجتناب نواهيه .
قال الألوسى: و((أل) فى (( العالمين) العهد: والمراد عالمى زمانهم
أو للاستغراق. والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل مع جميع الوجوه
فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل. وعلى التقديرين لا يلزم تقضيا
على هذه الأمة المحمدية ، لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبنى إسرائيل
فوجود خطاب فى الأثناء لغيرهم ما يخل بالنظم الكريم. (٢).
(١) تفسير الآلوسى = ٦ ص ٠١٠٥
(٢) ساعية الكشاف ج ١ ص ٠٦١٩
(٣. قسم الألوسى ج ٦ ص ٠١٠٦

١٣٨,
سورة المائدة
وبعد هذا التذكير بالنعم ، وجه إليهم نداء ثانيا طلب منهم فيه دخول
الأرض المقدسة فقال - كما حكى القرآن عنه -: يا قوم أدخلوا الأرض المقدسة
التى كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين)،
ومعنى المقدسة: المطهرة المباركة بسبب أنها كانت موطنا لكثير من الأنبياء.
والمراد بها. بيت المقدس وقيل المراد بها: أريحا. وقيل: الطوروماحوله
قال ابن جرير : وهى لا تخرج عن أن تكون من الأرض التى ما بين الفرات
وعريش مصر، لإجماع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك)).
ومعنى كتب الله لكم،: قدر لكم سكناها، ووعدكم إياها متى آمنتم به
وأطفتم أنبياءه، أو معناه: فرض عليكم دخولها وأمركم به كما أمركم بأداء
الصلاة والزكاة . - وسنفصل القول فى هذه المسألة: عد تفسيرنا الآبات -.
ومفعول (( كتب، محذوف. أى كتب لكم أن تدخلوها وفرض عليكم
دخولها لإنقاذكم من الأهوال التى نزلت بكم فى أرض مصر من فرعون
وجنده .
وقد تعدى فعل ((كتب)) هنا باللام دون على، الإشارة إلى أن ما فرضه
عليهم إنما هو لمنفعتهم ولعزتهم ورفعة شأنهم.
وفى تكرير النداء من موسى هم بقوله: ((يا قوم)) مبالغة فى حثهم على
الامتثال لما يأمرهم به، وتنبيه إلى خطر ما يدعوهم إليه وعظم شأنه.
وقوله: (( كنب الله لكم، فيه حض شديد لهم على الاستجابة لأمره،
وإغراء لهم بالنصر والفوز، لأن الذى كتب لهم أن يدخلوها منى آمنوا
وأطاعوا هو اللّه الذى لا معقب لحكمه .
١
قال الإمام الرازى: فى قوله: (( كتب أفقه لكم، فائدة عظيمة . وهى أن
القوم كانوا جبارين إلا أن أقه - تعالى - لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك
الأرض لهم، فإن كانوا مؤمنين مقربين بصدق موسى - عليه السلام-علموا

٣٩
الجزء السادس
قطعا أن الله ينصرهم عليهم ، فلا بد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبر
ولا خوف ولا ملع(١)] .
وقوله - تعالى -: ((ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، تمذ
من الجبن والإحجام ، بعد نزغيبهم الشديد فى الشجاعة والإقدام .
وقوله «ترتدوا، من الإرتداد وهو الرجوع إلى الخلف.
و ((الأدبار، جمع در. وهو الظهر.
وهذا التعبير إستعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد :
توافرت أسبابه، بحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء ، بدل أن
بوجهه إلى الأمام . وهذا التعبير يصور قبح الجبن والتخاذل خسا ومعنى
وقوله (( فتنقلبوا، من الإنقلاب بمعنى الرجوع والإنصراف عن
وهو مجزوم عطفا على فعل النهى وهو (( ولا ترتدوا)).
والمعنى: أمضوا أيها القوم لأمر الله، وسيروا خلفى اقتال الآء
ودخول الأرض المقدسة التى أمركم - سبحانه - بدخولها، ولا ترجعواالق
منصر فين عن القتال خوفا من أعدائكم ، ومبتعدين عن طاعتى وأمرى
ذلك يؤدى بكم إلى الخسران فى الدنيا والآخرة، وإلى الحرمان من :
الأرض التى أوجب الله عليكم دخولها
قال ابن جرير: فإن قال قائل : وما كان وجه قبل موسى لقومه إذ
بدخول الأرض المقدسة: « ولا ترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاصر!
أو يستوجب الخسارة من لم يدخلى أرضا جعلت له ؟ قيل : إن اله ۔
كان أمره بقتال من فيها من أهل الكفربه، وفرض عليهم دخولها، فاست
القوم الخسارة بتركهم فرض الله عليهم من وجهين : أحدهما : تضييع
· الجهاد الذى كان الله فرضه عليهم. والثانى: مخالفتهم أمر الله فى تركهم
الأرض المقدسة ،(٢) .
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١١ ص ١٩٨.
(٢) المسير ابن جرير جـ ١ ص١٧٣
٠

١٤٠
سورة المائدة .
هذا، وقد جاءت هذه الجملة الكريمة، وهى قوله - تعالى -: «ولا ترتدوا
على أدباركم فتنقلبواخاسرين ، تحمل طابع التحذير الشديد، وتنذرهم بالخسران
المبين إذا لم يستجيبوا لأمر الله بعد أن ساق لهم موسى ألوانا من المشجعات
والمرغبات فى الجهاد، وذلك لأنه - عليه السلام - كان متوقعا منهم الإحجام
عن القتال ، بعد أن جرب عنادهم وعصيانهم ومكوصهم على أعقابهم فى مواطن
كثيرة ، فهذه التجارب جعلته وهو يأمرهم بدخول الأرض المقدسة يذكر لهم
أكبر النعم ويسوق لهم أكرم الذكريات ، وأقوى الضمانات؛ وأشد التحذيرات
لكى يقبلوا على الجهاد بعزيمة صادقة ،
ولكن بنى إسرائيل هم بنو إسرائيل، مهما قيل لهم من ألوان الترغيب
والترهيب فإن همتهم الساقطة، وعزيمتهم الخائرة، وطبيعتهم المنتكسة لم تتركهم.
فقد قالوا لنبيهم متذرعين بالمعاذير الكاذبة: « يا موسى إن فيها قوما جبارين
وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون)، وقوله :
(«جبارين، جمع جبار ((والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثى. ويطلق فى اللغة
على الطويل القوى العاتى الذى يجبر غيره على ما يريد. مأخوذ من قولهم:
فخلة جبارة أى : طويلة لا ينال ثمرها بالأيدى.
أى: قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى - عليه السلام - إن الأرض التى
وعدتنا بدخولهافيها قوم متغلبون على كل من بقاتلهم ، ولاقدرة لنا على لقائهم
وإنا لن ندخل هذه الأرض المقدسة التى أمر تنابدخولها مادام مؤلاء الجبارون
فيها، فإن يخرجوا منها لأى سبب من الأسباب التى لاشأن لنا بها، فنحن على
إستعداد لدخولها فى راحة ويسر ، وبلا أدنى تعب أو جهد.
ولا شك أن قولهم هذا الذى حكته الآية الكريمة عنهم ليدل على منتهى
الجبن والضعف، لأنهم لايريدون أن ينالوا نصرا بإستخدام حواسهم البدنية
أو العقلية. وإنما يريدون أن ينالوا ما يبغون بقوة الخوارق والآيات . وأمة هذا
شأنها لا تستحق الحياة الكريمة، لأنها لم تقدم العمل الذى يؤهلها لتلك الحياة: