Indexed OCR Text
Pages 441-460
- ٤٤١ - فتتال منه حقوقها الزوجية ولا هى بمطلقة فترجو من الله أن يرزقها بالزوج الذى يكرفها . وإنما الواجب عليكم - يا معشر الرجال - أن تجاهدوا أنفسكم حتى تصلوا إلى الحق المستطاع من العدل بين الزوجات . فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من كانت له أمر أتان قمال إلى أحداهما - أى لم يعدل بينهما فيما يمكنه العدل فيه - جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط) وعن مجاهد قال: كانوا يسوون بين الضرائر حتى فى الطيب يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه) (١) وقوله (كل الميل) نصب لفظ كل على الصدرية لأنها على حسب ماتضاف إليه من مصدر أو ظرف أو غيره . وقوله ( فتذروها .) منصوب بإضمار أن فى جواب النهى . أو مجزوم عطفا على الفعل قبله . والجملة الكريمة توبيخ للأزواج الذين لا يعدلون بين نسائهم . قال القرطبى: وقوله (فتذروها كالمعلقة) أى: لاهى مطلقة ولا ذات زوج. وهذا تشبيه بالشىء المعلق من شىء، لأنه لا على الأرض استقرولا على ما علق عليه انحمل وهذا مطرد فى قولهم فى المثل: ( أرض من المركب بالتعليق ). وفى حديث أم زرع: زوجى العشنق - أى الطويل المعتد القامة إن أنطق أطلق. وإن سكت أعلق - أى أهمل وأترك حتى لكأننى بدون زوج - ) (٢) ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: (وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما ) (١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ١٦٣ (٢) تفسير الآلوسى = ٥ ض ٤٠٨ أى: وإن تصلحوا أعمالكم - أيها الناس - فتعدلوا فى قسمتكم بين أزواجكم وتعاشروهن بالمعروف ، وتتقوا الله وتراقبوه فيهن ، وتتوبوا إلى الله توبة. نصوحا مما حدث منكم من ظلم لهن ... إن تفعلوا ذلك يغفر اشلكم ذنوبكم. ويتفضل عليكم برحمته وإحسانه . هذا وقد أدعى بعض الذين لم يفهموا تعاليم الإسلام فهما سليما أن هذه الآية بضمها إلى قوله - تعالى - فى مطلع هذه السورة (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ... ) يكون منع تعدد الزوجات جائزاً شرعاً، لأن الله تعالى - قد بين فى الآية التى معنا وهى قوله ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا ... ) أن العدل بين الزوجات المتعددات غير مستطاع ، وبين فى الآية الآخرى وهى قوله ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة .. ) أن الجمع بين النساء غير جائز إلا عند الوأوق من العدل بينهن ، وبما أن العدل بينهن غير مستطاع بنص الآية التى معنا، إذا فالجمع بين النساء غير جائز، وعلى الرجل أن يكتفي بواحدة .. والرد على هذه الدعوى نقول: إن العدل الذى أخبر الله عنه غير مستطاع ، هو العدل الذى يتعلق بالقسوية بين الزوجات فى الحب القلبى ، والميل النفسى ، والتجاوب العاطفي، إذ من المعلوم أن هذه الأمور النفسية لا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيها. فأنت - مثلا - تجلس فى مجلس فيه أشخاص متعددون لا قهر فهم فتحس بارتياح لبعضهم وبغفور من بعضهم مع أنك لم يسبق لك أن اختلطت بواحد منهم ، وما ذلك إلا لأن الميول القلبية يعجز الإنسان عن التحكيم فيها .. أما العدل الذى جعله الله شرطا فى جواز الجمع بين الزوجات فهو العدل الدى يتعلق بالتسوية فيما يقدر عليه الإنسان ويملكة مثل القسوية بينهن فى النفقة والكسوة والسكنى والمبيت ... وغير ذلك من الأمور التى يقدر عليها. وبهذا نرى أن موضوع الآية التى معنا يتعلق بالعدل النفسى وهو أمرغير مستطاع كما جاء فى الحديث الشريف: ( اللهم هذا قسمى فيما أملك ، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك). وأما موضوع الآية التى فى صدر السورة وهى قوله - تعالى - ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة .. ) فيتعلق بالعدل الظاهرى الذى يقدر عليه الإنسان مثل التسوية فى النفقة وغير ذلك مما يقدر عليه الإنسان. : ومع هذا ، فالآية التى معنا لم تطالب الرجل بالعدالة المطلقة الكاملة بين زوجاته بأن يسوى بينهن فى كل شىء، لأن العدل بهذا المعنى غير مستطاع المكلف ولو حرص على إقامته وبالغ فى ذلك ... وإنما الآية الكريمة طالبته بالممكن منه فكأنها تقول: إذكم - أيها الرجال - لن تستطيعوا أن تعدلوا العدل المطلق الكامل بين زوجاتكم فى القسم والنفقة والتعهد والنظر والمؤانسة والمحبة وغير ذلك مما لا يكاد يحصر ( ولو حرصتم) على هذا العدل الكامل أتم الحرص لما استطعتموه، ولذلك لم يكلفكم الله به، إذ التكليف الشرعى إنما يكون بما فى الوسع والطاقة، وإذا كان الأمر كذلك فاجتهدوا ما استطعتم فى العدل بين زوجاتكم ، ولا تميلوا كل الميل إلى واحدة منهن وتهملوا الأخرى إهمالا يجعلها كأنها لاهى ذات زوج ولاهى مطلقة. فإن العجز عن العدل المطلق الكامل لا يمنع تكليفكم بما دون ذلك من المراتب التى تقدرون عليها قالوا : ما لا يدرك كله لا يترك كله . وبهذا نرى أن الآيتين الكريمتين تدعو ان المسلم إلى العدل بين زوجاته بالقدر الذى يستطيعه بدون تقصير أو جور، وأنهما بانضمام معناهما لا تمنعان تعدد الزوجات كما ادعى المدعون . وبعد أن رغب - سبحانه - فى الصلح بين الزوجين وحض عليه، وأمى الأزواج بالمعل بين الزوجات بالقدر الذى يستطيعونه ، عقب ذلك بيان أن التفرقة بينهما جائزة إذا لم يمكن منها بد . لأن التفرقة مع الإحسان خير - ٤٤٤ - من المعاشرة السيئة فتقال - تعالى - ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعاحكما) وإن عز الضلح بين الزوجين واختارا الفراق تخوفا من ترك حقوق الله التى أوجبها على كل واحد منهما (يغن اللّه كلا) منهما (من سعته) أى يجعل كل واحد منهما مستغنيا عن الآخر (وكان الله واسعا حكيما) أى: وكان الله - تعالى - وما يزال واسعا أى واسع الغنى والرحمة والفضل ( حكيما ) فى جميع أفعاله وأحكامه . وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وضعت أحكم الأمس للحياة الزوجية السيلمة ، وعالجت أمراضها بالعلاج البافى الحكيم، فقد أمرت الرجال بأن يؤدوا للنساء حقوقهن، وأن يعماشروهن بالمعروف، وأن على الزوجين إذا ما دب بينهما خلاف أن يعالجاه فيما بينهما بالتصالح والتسامح، وإذا اقتضى الأمر أن يتنازل أحدهما للآخر عن جانب من حقوقه فليفعل من أجل الإبقاء على الحياة الزوجية . وأن الرجل لا يستطيع أن يعدل عدلا مطلقا كاملا بين زوجاته، ولكن هذا لا يمنعه من العدل بينهن بالقدر الذى يستطيعه بدون تقصير أو ميل مع الهوى ، فإن الميسور لا يسقط بالمعسور . وأنه إذا استحال الصلح وتنافرت الطباع، وساءت العشرة كان الفراق بينهما أجدى إذ الفراق مع الإحسان خير من الإمساك مع المعاشرة السيئة التى عز معها الإصلاح والوفاق والتقارب بين القلوب . وبعد أن بين -- سبحانه - ما ينبغى أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين ووسائل علاج أدواتها .. بعد كل ذلك بين - سبحانه - أن كل شىء فى ملكه وتحت سلطانه، فعلى الناس أن يخشوه ويراقبوه ويشتغلوا بعبادته فقال - تعالى - : ٤٤٥٠ - ((وَللَّهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وما فى الأرْضِ، ولقد وَصَيْنَاَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ مِنْ قَبْلِكُ وإِيَّالْ أَذِ النَّقُوا اللهَ، وإنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ هُهِ ما فى السمواتِ وما فى الأرضِ وكَانَ اللّهُ غَنِيًّاً حميداً (١٣١) وْهِ ما فى السمواتِ وما فى الأرضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيَُّ النَّاسُ وَبَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذلكَ قديراً (١٣٣) مَنْ كَانَ يريدُ ثوابَ الدّنياَ فَعندَ اللهِ وَابُ الدّنياً والآخرَةِ وَكَأَنَ اللهُ تَمعياً بَصِيراً (١٣٤))). قال ابن جرير، قوله ((ولله ما فى السموات وما فى الأرض ... ، يعنى بذلك - سبحانه - ولله ملك جميع ماحوته السموات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها . وإنما ذكر - جل ثناؤه ذلك بعقب قوله ((وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته، تنبيها منه لخلقه على موضع الرهبة عند فراق أحدهم زوجه ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه، وقد كيرا منه له أنه الذى له الأشياء كلها. وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متذر عليه أن يغنيه ويغنى كل ذى فاقة وحاجة وبؤنس كل ذى وحشة (١) ... )) فالجملة الكريمه مستأنفة لبيان مظاهر قدرته ورحمته بعباده. والخطاب فى قوله: ((ولقد وصينا الذين أو تو الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله)) والمراد بالغيرة ((أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى ومن قبلهم من الأمم. والمراد بالكتاب: جنس الكتب الإلهية . وقوله : ((وإياكم، معطوف على الموصول. وقوله (( من قبلكم)) متعلق :أوقوا أو بوصينا وقوله: («أن اتقوا الله)) أن مصدرية فى محل جر بتقدير حرف الجر . (١) تفسير ابن جرير ج ٥ صـ ٠٣١٨ - ٤٤٦ - والمعنى: ولقد وعينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم من الأمم السابقة (وإيا كم) أى: وصينا كلامنهم ومنكم بتقوى الله. أى بمراقبته وخشيته وتنفيذ. أوامره والبعد عن نواهيه . وقوله: (وإن تكفروا فإن له ما في السموات وما في الأرض) معطوف على وصينا بتقدير قلنا . أى وصيناهم ووصينا كم بتقوى الله، وقلنا لكم ولهم: إن تكفروا فاعلموا أنه - سبحانه - هو مالك الملك والملكوت ولن يضره كفركم ومعاصيكم، كما أنه - سبحانه - لن ينفعه شكر كم وتقواكم، وإنما وصاكم وإياهم بما وصى لرحمته بكم لالحاجته إليكم. كما قال - تعالى - فى آية أخرى : ( إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم). ويرى صاحب الكشاف أن قوله - تعالى - (وإن تكفروا ... ) عطف على اتقوا، فقد قال: وقوله : (وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في، الأرض ) عطف على اتقوا. لأن المعنى: أمر ناهم وأمر ناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن الله ما فى السموات وما في الأرض. والمعنى: إن لله الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها ، فته أن يكون مطاعا فى خلقه غير معصى . يتقون عقابه ويرجون ثوابه . ولقد وصينا الذين أوتو الكتاب من الأمم السابقة ووصيناكم أن اتقوا الله . يعنى: أنها وصية قديمة مازال يوصى الله بها عباده ، لستم بها مخصوصين : لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة فى العاقبة. وقلنالهم ولكم: وإن تكفروا فإن لله فى سمواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويعبده ويتقيه (١) ... ). وجواب الشرط فى قوله،وإن تكفر وامحذوف، والتقدير: إن تكفرابما وصاكم به فلن يضره كفركم فإنه - سبحانه - له ما في السموات وما في الأرض (١) تفسير الكثاف ج ١ من ٠٢٨٥٤ - ٤٤٧ - ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: « وكان الله غنیاحیدا ، أی و کان الله ومازال غنيا عن خلقه وعن عبادتهم، مستحقا لأن يحمده الحامدون لكثرة نعمه عليهم فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله . ثم أكد - سبحانه - هيمنته على هذا الكون وملكيته له فقال: ((وقه مافى السموات ومافي الأرض وكفى بالله وكيلا)). أى: ولله - تعالى - وحده مافى السموات ومافي الأرض ملكا وتصرفا وإيجادا وإعداما . وإحياء وإماتة . و کفی بانه-تعالى - و کیلا فى تدبير أمور خلقه ، وحفظه لمصالحهم ، والوكيل هو القيم والكفيل بالأمر الذى يوكل إليه. وقد ذكر -سبحانه- فى هاتين الآيتين ملكيته لما فى السموات ومافى الأرض ثلاث مرات، تأكيدا لعظم سلطانه وقدرته وسعة غناه ورحمته ، حتى ترسخ فى نفوس الناس تقواه وخشيته . .قال القرطى: فإن قال قائل : ما فائدة هذا التكرار ؟ فمنه جوابان: أحدهما أنه كرر تأكيداً ليتنبه العباد وينظروا ما فى ملكوته وأنه غنى عن العالمين . الجواب الثاني: أنه كرر لفوائد: فأخبر فى الأول أن لقه - تعالى - يغنى كلا من سعند لأن له مافي السموات ومافي الأرض فلا تنفد خزائنه . ثم قال : أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى وإن تكفروا فإنه غنى عنكم لأن له ما فى السموات والأرض. ثم أعلم فى الثالث بحفظ خلقه وتدبيره إياهم بقوله وكفى بالله وكيلا)،، لأن له ما فى السموات ومافي الأرض ... )(١). وقوله - تعالى - ((إن إنما يذهبكم - أيها الناس- ويات بآخرين، وكان أقه على ذلك قديرا ، تقرير لما سبق بيانه من عظيم سلطانه وغناه وقدرته . أى: إن يشا اله يفتكم ويهلككم. أيها الناس - ويأت مكافكم بقوم (١) تفسر القطر. جـ ٥ صـ ٠٤٠٩ - ٤٤٨ - آخرين، وكان الله ومازال على إفتائكم وإيجاد غيركم بليغ القدرة ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء. لكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك لالعجز منه. ولكن لأن حكمته اقتضت بقاءكم، ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وليجازى كل إنسان علی حسب عمله . قل الجمل: (ومفعول المشيئة محذوف يدل عليه مضمون الجزاء. أى: إن يشأ إفناء كم وإيجاد آخرين يذهبكم - يعنى: أن إبقاءكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم، ولعدم تعلق مشيئته المبنية على الحكم البالغة بإفنائكم لا اعجزه - سبحانه - وقيل: هو خطاب لمن عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم. من العرب. أى: إن يشأ بمتكم ويات بأناس آخرين يوالونه . فمعناه هو معنى قوله - تعالى - ( وإن تتولوا يستبدل قوما غير كم ثم لا يكونوا أمثالكم) . ويروى أنه المانزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان الفارسى وقال: إنهم قوم هذا . يريد أبناء فارس(١). فالآية الكريمة تقریر لغناه وقدر ته - سبحانه - وتمديد لمن كفر به وعصاه ثم حرض - سبحانه - الناشر على أن يقصدوا بعملهم وجه الله: وأن يجعلوا مقصدهم الأعظم الفوز بنعيم الآخرة فقال - تعالى -: (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، وكان الله سميعاً بصيراً). والمراد بثواب الدنيا : خيراتها التى تعود على طالبها بالنفع الدفوى . والمراد بثواب الآخرة: الجزاء الحسن الذى أعده الله - تعالى - لعباده الصالحين . والمعنى: من كان يريد ثواب الدنيا كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة والمنافع الدنيوية، فأخبره وأعلمه يا محمد أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة . فلماذا (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ صـ ٠٤٣٢ - ٤٤٩ - قصر الطلب على المنافع الدنيوية مع أن ثواب الآخرة أجزئ وأبقى ؟ وهلا اقتدى بمن قالوا فى دعائهم: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة)؟ وجزاء الشرط محذوف بتقدير الإعلام والإخبار . أى: من كان يريد ثواب الدنيا فأعلمه وأخبره أن عند الله ثواب الدارين فماله لا يطلب ذلك أو بطلب الأشرف وهو ثواب الآخرة فإن من جاهد - مثلا - جمادا خالصا لم تفته المنافع الدنيوية ، وله بجانب ذلك فى الآخرة ماهو أنفع وأعظم وأبقى. فقد روى الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: من كان همه الآخرة جمع الله - تعالى شمله، وجعل غناه فى قلبه، وأقته الدنيا وهى راغمة ، ومن كانت فيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له)(١). ويرى صاحب البحر المحيط أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه فقد قال: ( والذى يظهر أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه . والتقدير: من كان ي يد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه وليطاب الترابين فعند اللّه ثواب الدنيا والآخرة. ثم قال : وقال الراغب وقوله ( فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) تبكيت للإنسان حيث انتصر على أحد السؤالين مع كون المسئول مالكا للثوابين ، وحث على أن يطلب منه - تعالى - ماهو أكمل وأفضل من مطلوبه. فمن طلب خسيسا مع أنه يمكنه أن يطلب فيسا فهو دنى الهمة . وقيل: الآية وعيد للمنافقين الذين لا يريدون بالجهاد غير الغنيمة ... )(٢). ومأعبر عنه صاحب البحر المحيط بقوله : وقيل : الآية وعيد المنافقين ، قدر حجة ابن جرير واختاره فقد قال ما ملخصه: قوله ( من كان يريد) أى: من أظهر الإيمان من أهل النفاق ... (١) تفسير الآلوسي ج ٥ ص ٠١٦٧ (٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٣ ص ٢٦٩° ٢٩٠ - مزية الدماء) - ( ثواب الدنيا ) يعنى عرض الدنيا (فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) يعنى: أن جزاءه فى الدنيا منها هو ما يصيب من المغنم ... وأما ثوابه فى الآخرة فنار جهنم ... )(١) والذى نراه أولى أن الآية الكريمة تخاطب الناس عامة، فتبين لهم أن خير الدنيا بيد الله وخير الآخرة أيضا بيد الله، فإن اتقوه نالوا الخيرين، وقلبههم إلى أن من الواجب عليهم ألا يشغلهم طلب خير الدنيا عن طلب خير الآخرة. بل عليهم أن يقدموا ثواب الآخرة على ثواب الدنيا. عملا بقوله - تعالى- فى آية أخرى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرةولا تنس نصيبك من الدنيا). ولانرى مقتضيا لتخصيص الآية بالمنافقين كما - يرى ابن جرير - رحمه الله . وقوله - تعالى - (وكان اللّه ميما عليما) تذييل قصد به حض الناس على الإخلاص فى أقوالهم وأعمالهم. أی : و کان الله - تعالی ۔ سمیعا لکل ما يجهر به الناس ويسرونه، بصيرا بأحوالهم الظاهرة والخفية، وسيجازيهم بما يستحقونه من ثواب أو عقاب، ( يوم لا ينفع مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم). : ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك ندا ين متتاليين إلى المؤمنين أمرهم فيهما بالمداومة على التمسك بفضيلة العدل فى جميع الظروف والأحوال ، وبالثبات على الإيمان الحق الذى ينالون به ثواب الله ورضاه، وتوعد الذين ينحرفون "عن طريق الحق بسوء العاقبة فقال - تعالى -: ( يَأْيُّهَ الفِرِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بالقِسْطِ شُهداء قُّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُكُ أَو الوَالدَينِ والْأَقْرَ بِينَ، إنْ يَكُنْ غنيًّا أو فَقَيراً فَقْهُ أَوْلَى بهماَ، فَلاَ تَنَّبِعُوا الْحَوَى أَنْ تَعدِّلُو، وإنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا فإنْ الهَ (١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٠٢٩١ -٤٤١- كَانَ بَ تَعَمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) أَيُّاَ القِينَ آمَنُوا آمِنُوا بالله ورسولهِ وِالكِتَّبِ الذِى نزّلَ عَلَى رَسولِهِ والكِتَابِ الذِى أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ ورُسلِهِ واليومِ الْآخِرِ فَقّدْ مثَّلَّ صَلاَلاً بعيداً (١٣٦))). وقوله («قوامين)) جمع قوام وهو صيغة مبالغة من قائم . والقوام: هو المبالغ فى القيام بالشىء وفى الإتيان به على أتم وجه وأحسنه . وقوله «شهداء، جمع شهيد بوزن فعيل. والأصل فى هذه الصيغة أنها تدل على الصفات الراسخة فى النفس ككريم وحكيم . والمعنى: يأيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقا. كونوا مواظبين على إقامة العدل فيما بينكم فى جميع الظروف والأحوال دون أن بصرفكم عن ذلك صارف، وكونوا (( شهداء لله)، أى: مقيمين للشهادة بالحق ابتغاء وجه الله لالغرض من الأغراض الدنيوية . ولالمطمع من المطامع الشخصية، فإن الإيمان الحق يستلزم منكم أن تعدلوا فى أحكامكم وأن تؤدوا الشهادة على وجها . وفى ندائه - سبحانه - لهم بقوله «يأيها الذين آمنوا .. ، تنبيه إلى الأمر الخير الذى ناداهم من أجله ودعاهم إلى تنفيذه وهو التزام العدالة فى كل أمورهم، وتحريك لعاطفة الإيمان فى قلوبهم بمقتضى وصفهم - بهذه الصفة الجليلة. وعبر - سبحانه - بقوله ((كونوا قوامين)) بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة والمداومة على الشىء. لتمكين صفة العدالة فى نفوسهم ، وترسيخها فى قلوبهم ... فكأنه - سبحانه - يقول لهم: روضوا أنفسكم على التزام كلمة الحق، وعودوها على نصرة المظلوم وخذلان الظلم ، وليكن ذلك خلفا من أخلاقكم. وسجية من سجاياكم ، فلا يكفى أن تعدلوا فى أحكامكم مرة أو مرتين ، وإنما الواجب عليكم أن تداوما على إقامة العدل فى كل الأحوال. ومع كل الأشخاص . . قال صاحب المنار : وهذه العبارة - وهى قوله - تعالى - : كونوا قوامين بالقسط .. ، أبلغ ما يمكن أن يقال فى تأكيد أمر العدل والعناية به فالأمر بالعدل والقسط مطلقا يكون بعبارات مختلفة بعضها آكد من بعض! تقول: أعدلوا أو اقسطوا. وتقول: كونوا عادلين أو مقسطين . وهذه العبارة أبلغ؛ لأنها أمر بتحصيل الصفة لا بمجرد الإتيان بالقسط الذى يصدق بمرة. وتقول: أقيمدا القسط. وأبلغ سنه: كونوا قائمين بالقسط. وأبلغ من هذا وذاك: كونوا قوامين بالقسط . أى: لتكن المبالغة والعناية بإقامة القسط على وجهه صفة من صفاتكم ، بأن تتحروه بالدقة النامة حتى تكون ملكة راسخة فى نفوسكم . والقسط يكون فى العمل كالقيام بما يجب من العدل بين الزوجات والأولاد ويكون فى الحكم بين الناس .. ،(١). وقوله (( شهداء)) خبر ثان لكوفوا. وقوله (( لله)) متعلق بمحذوف حاله من ضمير (( شهداء ،. أى: كونوا ملازمين للعدل فى كل أموركم وكوقوا مقيمين للشهادة على وجهها حالة كونها لوجه الله ، لالعرض من أعراض الدنيا . قال الفخر الرازى: وإنما قدم - سبحانه - الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه: الأول : أن أكثر الناس من عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف، فإذا آل الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى إن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان فى محل المسامحة وأحسن الحسن . وإذا صدر عن غيرم مان محل المنازعة. فالله - تعالى - فبه فى هذه الآية على سوء هذه الطريقة. وذلك أنه - سبحانه - أمرهم بالقيام بالقسط أولا، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانيا ، تنبيها على أن الطريقه الحسنة أن تكون مضايقة الإنسان مع نفسه فر قى مضايقته مع الغير . الثانى: أن القيام بالقسط عبارة عن دفع ضرر العقاب رسـصـ (١) تفسير المنار ج ٥ ص ٠٤٥٦ - ٤٥٣ - عن الغير ، وهو الذى عليه الحق . ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير الثالث: أن أنقيام بالقسط فعل، والشهادة قول والفعل أقوى من القول ... (١) وقوله: ((ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، تأكيد للأمر بالتزام الحق فى الأحكام والشهادات . أى: كونوا قوامين بالقسط، وكونوا مقيمين للشهادة بالحق خالصة لوجه الله ، ولو كانت الشهادة على أنفسكم - بأن تقروا بأن الحق عليها إذا كان واقع الأمر كذلك - ولو كانت - أيضا . على والديكم وعلى أقرب الناس إليكم. قال القرطى : وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما. ثم ثنى بالأقربين إذهم مظنة المودة والتعصب فكان الأجنى من الناس أخرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه ... ولاخلاف بين أهل العلم فى صحة أحكام هذه الآية، وأن شهادة الولد على الوالدين ماضية ، ولا يمنع ذلك من برهما ، بل أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل ... وكان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ، لأنه لم يكن أحد يتهم فى ذلك من السلف ... ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم ، فتركت شهادة من يتهم ... وأجازةوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا .... )(٢) . و((لو، فى قوله (( ولو على أنفسكم، شرطية. والجار والمجرور خبر لكان المحذوفة مع اسمها. وجواب لومحذوف. والتقدير: ولو كانت الشهادة على أنفسكم فاشهدوا عليها بأن تقروا على أنفسكم بالحق ولا تكتموه. (١) تفسير الفخر الرازى = ٥ ص ٠٤٥٦ (٢) تفسير القرطبى ج ٥ ص ٤١٠ - بتصرف وتلخيص .. - ٤٥٤ - وقوله - تعالى - «إن يمكن غنياً أو فقيراً فاقه أولى بهماء تأ كيداوجوب التزام الحق مع الغنى والفقير والصغير والنكبير. أى: إن يكن المشهود عليه غنيا يرجى فى العادة ويخشى أو فقيراً يترحم عليه فى الغالب ولا يخشى ، فلا تمتنعوا عن الشهادة، لأن الله - تعالى - هو الأولى والأجدر بحساب كل من الغنى والفقير، وهو الأعلم بمصالح الناس، والأرحم بهم منكم . وجواب الشرط محذوف، أى: إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تتركوا الشهادة لأن الشهادة فى مصلحتهما . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: المثنى الضمير فى(( أولى بهما، وكان حقه أن يوحد؛ لأن قوله: إن يكن غنيا أو فقيرا فى معنى إن يكن أحدهذين؟ قلت قدر بجع الضمير إلى مادل عليه قوله: (( إن يكن غنياً أو فقيرا، لا إلى المذ كور، فلذلك ثنى ولم يفرد، وهو جنس الغنى وجنس الفقير. فكأنه قيل: فالله أولى بحنسى الغنى والفقير. أى: بالأغنياء والفقراء ،وفى قراءة أبى: فاقه أولى بهم وهى شاهدة على ذلك ... وقال ابن جرير : نزلت فى النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اختصم إليه رجلان: غنى وفقير . وكان ضلعه - أى ميله - مع الفقير؛ لأنه يرى أن الفقير لا يظلم الغنى. فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط فى الغنى والفقير فقال: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما .... ،(١). والذى يستفاد من هذه الرواية ومن ظاهر الآية أن الغنى أو الفقر لا يصح أن يكونا سببا فى التفاوت فى الحكم. ويقاس عليهما غير هما من أحوال الناس، لأن الله - تعالى .. هو الذى نظم الكون بحكمته، وهو أعلم بمصالح الناس من أنفسهم ، وجعل فيهم الغنى والفقير لأن الغنى والفقر أمران ثابتان فى هذا الوجود، ولا يمكن أن تخلو منهما الجماعة الإنسانية ، لأن ذلك تنظيم الله (١) تفسير ابن جرير <٥ ص ٠٣٢١ - ٤٥٥ - - تعالى، وإرادته الخالدة، وهو الذى يتفق مع الطبيعة الإنسانية، إذالعقول متفاوتة، والعزائم مختلفة ، والأعمال متنوعة، ونتيجة لذلك كانت الثمار ليست متحدة . !' والمراد بالهوى فى قوله: (( فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، الخضوع الشهوات والميل مع نزعات النفس الأمارة بالس ... وقوله ( أن تعدلوا) فى موضع المفعول لأجله ويحتمل أن يكون بمعنى العدل فينكون علة المنهى عنه ، ويكون فى الجملة مضاف مقدر. والمعنى : فلا تتبعوا الهوى والميل مع الشهوات كراهة أن تعدلوا بين الناس ويحتمل أن يكون بمعنى العدول عن الحق فيكون علة النهى بتقدير لا أى : أنها كم عن اتباع الهوى لئلا تميلوا عن الحق وتتركوا العدل .. قال ابن كثير: أى : لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم، على ترك العدل فى شئونكم . بل الزموا العدل على أى حال كان. كما قال - تعالى- ( ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى ... ). ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم ، فأرادوا أن برشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى. ولأنتم أبغض الخلق إلى. وما يحملنى حى إياه وبغضى لكم على أن لا أعدل فيكم . فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض ... )(١). وقوله - تعالى - ( وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كانبما تعملون خبيرا) تذييل قصد به تهديدهم ووعيدهم على ترك العدل، وعلى الامتناع عن الشهادة بالحق . قال الفخر الرازى ما ملخصه: وفى الآية قراءتان. فقد قرأ الجمهور ( قلورا )- بواوين قبلهما لام ساكنة - بمعنى الدفع والإعراض من (١) تفسير ابن كثير حـ ١ ص ٠٥٦٥ - ٤٥٦ - قولهم : لواه حقه إذا مطله ودفعه. أو بمعنى التحريف والتبديل من قولهم لوى الشىء إذا فتله ... وقرأ ابن عامر وحمزة (( قلوا)) بلام مضمومة بعدها واو ساكنة - من الولاية بمعنى مباشرة الشىء والاشتغال به .... »(١) والمعنى على قراءة الجمهور، وإن قلووا ألسنتكم عن الشهادة بالحق بأن تحرفوها وتقيموها على غير وجهتها أو تعرضوا عنها رأسا ونتركوها يعاقبكم الله عقابا شديدا فإنه - سبحانه - عليم بدقائق الأشياء، خبير بخفايا النفوس ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه . والمعنى على القراءة الثانية: وإن قلوا الشهادة فتباشروها على وجهها يعطكم أنه أجراحسنا، وإن تعرضوا عنها وتتركوها يعاقبكم الله عقابا ألما، فإن الله - تعالى - خبير بكل أقوالكم وأعمالكم. وقيل: إن القراءتين بمعنى واحد لأن أصل ( تلوا) - وهى قراءة حمزة وابن عامر - تلووا - وهى قراءة الجمهور - نقلت حركة الواو - فى قراءة الجمهور - إلى الساكن قبلها فالتلقى واوان ساكنان خذفت إحداهما فصارت الكلمة ( تلوا). هذا، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تبنى المجتمع الإسلامى على أقوى القواعد، وأمتن الأسس وأشرف المبادئ ..... إنها تبنيه على قواعد العدل والقسط ، وتأمر المؤمنين أن يلتزموا كلمة الحق مع أنفسهم ومع أقرب المقربين إليهم مهما تكلفوا فى ذلك من جهاد شاق يقتضيه التزام الحق ، فإن كلمة الحق كثيرا ما تجعل صاحبها عرضة للإيذاء والاعتداء والاتهام بالباطل من الأشرار والفجار .... بل إن كلمة الحق قد تفضى بصاحبها إلى الموت .. ولكن لا بأس ، فإن الموت مع التمسك بالحق ، خير من الحياة فى ظلمات الباطل ... (١) تفسير الفخر الرازى حـ ١١ - ٠٧٤ - ٤٥٧ - ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين أن يثبتوا على إيمانهم فقال: ((يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ... ، أى: بأيها المؤمنون اثبتوا على إيمانكم وداوموا على تصديقكم بواحدانية الله - تعالى - وعلى تصديقكم برسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وبالكتاب الذى نزله الله - تعالى - عليه وهو القرآن، وبالكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على الرسل الذين أرسلهم من قبله. والمراد بالكتاب الذى أنزله على الرسل من قبله جنس الكتب السماوية کالتوراة والإنجيل والزبور ، ثم بين - سبحانه - سوء مصير من يكفر بشىء مما يجب الإيمان به فقال - تعالى -: ((ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا مبيناً،. أى: ومن يكفر بالله بأن يححد وحدانيته وألوهيته، ولا يخلص له العبادة ، ويكفر بملائكته بأن ينكر بأنهم عباد مكرهون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ويكفر بكتبه التى أنزلها - سبحانه ، على أنبيائه، وبرسله الذين أرسلهم لهداية الخلق. وباليوم الآخر ومافيه من ثواب وعقاب، من يكفر بكل ذلك فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن السبيل القويم بعداً كبيراً، لأنه بكفره بذلك يكون قد خالف الفطرة، وانحرف عما يقتضيه العقل السليم، وأوغل فى الشرور والآثام إيغالا شديدا، يؤدى به إلى خرى الدنيا وعذاب الآخرة . وبعد هذه الأوامر السديدة للمؤمنين. عادت السورة الكريمة إلى تحذيرهم من أعدائهم ومن المنافقين ، فكشفت لهم عن طبيعتهم، ونهتهم عن القعود معهم، وبينت لهم أنماطا من خداعهم ، وألوانا من أخلاقهم الذميمة ، وأخبرتهم عن سوء: صير أولئك المنافقين والمتمادين فى الغى والضلال ... - ٤٥٨ - تمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كل ذلك بأسلوبها الحكيم فتقول: ((إِنّ الذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازدادُوا غْراً لم يُكُنِ اللهُ ليغفِرَ لهُم ولاَ لِيهدِيهِم سبيلاً (١٣٧) بَشْر افقينَ بأنَّ لهم عذاباً أَلِيماً (١٣٨) الذِينَ يَتَخِذُونَ الكَافِرِينَ أَولياً، نْ دُونِ المؤمنينَ، أَيبتُقُونَ عندمُ العزةَ فإنَّ العزةَ تُرِ جميعاً (١٣٩) بِدْ نَزَّلَ عَلَيَكُم فى الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِنْتُمْ آيَاتٍ اللهِ يُكْفَرُ بها بُسْتهزأ بها، فلا تَقعدوا معهم حَتى يَخُوضُوا فى حديثٍ غيرِهِ ، لهم إذاً مِثْلُهم، إنَّ اللهَ جَامِعُ المنافقينَ والـكَافِرِينَ فِى جهَّ يماً (١٤٠) الذِينَ يَتَرَبَّعُونَ بِّكُمْ، فَإنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَّ اللّهِ لُوا أَلمْ تَكُنْ مَعُكُم، وإِنْ كَانَ الكَفَرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَمَّ نَسْتَحْوِذْ ليكُ ونَنَعْكُمْ مِنَ المؤمنينَ فَاللهُ يَحِكُ بَيَنكُ يَوْمَ القيامةِ ، لَنْ يَجْعَلَ اللهُ للَكَفَرِينَ عَلَى المؤمنينَ سبيلاً (١٤١) إِنَّ المنافقينَ ذَادِعُونَ اللهَ وهوَ خَادِعُهم، وإِذَا قَامُوا إلى الصَّلاةِ قَامُوا كُمَالَى ◌َاءونَ الناسَ ولا يذكُرُونَ اللهَ إلاَّ قَليلاً (١٤٢) مُذَبَذَ بِينَ بَيْنَ ذلكَ ! إِلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجدّ لهُ سبيلاً (١٤٣). بأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَخِذُوا الكافرين أَوْلياءِ مِنْ دُونِ المؤمنينَ، ثُرِيدُونَ أَنْ تَجعَلُوا قَهِ عَليكُم سلطانًا مُبيناً (١٤٤) إنَّ المنافقينَ ، الدَّرْكِ الأسفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لهم نَصِيراً (١٤٥) إلّ الذِينَ أَبُوا وَأَصَلَحُوا واعتصُوا باللهِ وأخلَصُوا دِينَهُم قُهِ فَأولئِكَ مَعَ - ٤٥٩ - المؤمنينَ، وسوفَ يُؤْتِ اللهُ المؤمنينَ أَجْراً عظيماً (١٤٦) ما يَفعَلُ الُهُ بَعَذَا بِكُم إنْ شَكَرْتُم وَآَمنُم وَكَانَ اللهُ شَاكِراً علمياً (١٤٧))). وقوله - تعالى -: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا، المفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه: أولها: أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد ، وأصروا على الكفر، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال ، وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال: المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع الإیمان فى قلوبهم، إذلو كان الإيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون الإيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا؛ فهذا هو المراد بقوله: «لم يمكن اللّه ليغفر لهم)). وليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبرا، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذی ذ کر ناه ... )(١) . وقالو الإمام ابن كثير : يخبر - تعالى - عمن دخل فى الأيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لاقوبة بعد موته ولا يغفر الله له ((ولا يجعل له ما دو فيه فرجا ولا مخرجالا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: ((م يمكن الله ليغفر لهم ولا ايهديهم سبيلا)). وقد قال ابن عباس فى قوله: ثم ازدادوا كفرا)): تمادوافى كفرهم حتى ماتوا،(*) وثانيها : أن المراد بهم أهل الكتاب . وقد رجح هذا الإتجاه ابن جرير فقال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الاية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة ، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذب به (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ٧٨ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٩٦ - ٤٦٠ ٠ لافه إياه، ثم كذب بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. والفرقان، فازداد كنيه كفراً على كفره (١))) وثالثها : أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإسلام تارة ثم جعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلين فى دينهم وذلك معنى قوله: وقالت ئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النار واكفروا تره لعلهم يرجعون ... )، (٢) ورابعها : أن المراد بهم المنافقون. فالإيمان الأول إظهارهم الإسلام. كفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإيمان الثانى أنهم كما لفوا جمعا من المسلمين قالوا: إنما مؤمنون . والكفر الثانى هو م إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم . وازديادهم فى الكفر جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والسكيد فى حق المسلمين. والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول، لأن ألفاظ الآية ـة ولم تخصص قوما دون قوم ، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمروا ضلالهم حتى ماتواينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة، سواء أ كان ئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم. والمعنى: إن الذين آمنوا بدين الإسلام ثم رجعوا عنه إلىما کانو اعليه من ال، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى، ثم ازدادوا كفرا على كفرم بان تمروافيه حتى ماتوا .... هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن اللّه ليغفر لهم، ناديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا ، ولم يكن - سبحانه - ديهم سبيلا مستقيما، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى ، وهم الذين نوا« إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه بلاء. قال الآلوسي: والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من ففى المغفرة (١) تفسير ابن جرير حـ ٥ ھــ ٣٢٨ (٢) سورة آل عمران الآية ٧٢