Indexed OCR Text

Pages 401-420

- ٤٠١ -
والمعنى: ((ومن يكسب خطيئة، أى ذفيا من الذنوب التى يرتكبها صاحبها
عن استهانة لكثرة تعوده على ارتكاب السيئات، أويرتكب ((إنما ، من الآثام
التى تبطئه عن رضا الله ورحمته ((ثم يرم به بريئا، أى: ينسبه إلى: غيره
من الأبرياء مع أنه هو الذى اقترفه ، فقد احتمل)) أى: فقد تحمل بسبب
فعله ذلك , بهتانا)) أى كذبا يجعل من رمى به فى حيرة ودهشة، وتحمل أيضا
(((إنما مبينا، أى ذنبا واضحا بينا لاخفاء فيه يؤدى بة إلى غضب الله وسخطه.
قال الجمل وقوله ( به) فى هذه الهاء أقوال: أحدها: أنها تعود على (إنما)
والمتعاطفان بأو يجوز أن يعود لضمير عنى المعطوف كما فى هذه الآية وعلى
المعطوف عليه كما فى قوله - تعالى - وإذا رأوا تجارة أولهوا انفضوا إليها
وتركوك قائما ). الثانى: أنها تعود على الكسب المدلول عليه بالفعل نحو
(اعدلوا هو أقرب للتقوى) أى العدل. الثالث: أنها تعود على أحد المذكورين
الدال عليه العطف بأو فإنه فى قوة ثم يرم بأحد المذكورين ... )(١).
وقال الفخر الرازى: واعلم أن صاحب البهتان مذموم فى الدنيا أشد الذم
ومعاقب فى الآخرة أشد العقاب. فقوله: فقد احتمل بهتانا) إشارة إلى
ما يلحقه من الذم العظيم فى الدنيا. وقوله (وإنما مبينا) إشارة إلى ما يلحقه
من العقاب العظيم فى الآخرة )(٢).
وبهذا نرى أن هذه الآيات الثلاثة قد بينت مراتب العصاة أمام الله- تعالى
وفتحت لهم باب التوبة لينوبوا إلى رشدهم ، وتوعدت المصرين على معاصيهم
بسوء المصير .
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله على نبيه - صلى الله عليه وسلم -
(١) تفسير الجمل جـ ١ ٥ ٠٤٢٤
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ هـ ٢٨.
(٢٦ - سورة الذ"

فقال: ( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك ومايضلون
إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء ... ).
أى: ولولا فضل الله عليك ورحمته بك - يا محمد - بأن وهبك النبوة،
وعصمك من كيد الناس وأذاهم، وأحاطك علما بما يبيتونه من سوء ...
لولا ذلك ( لهمت طائفة منهم ) أى : من هؤلاء الذين يختلفون أنفسهم وهم
طعمة وأشياعه الذين دافعوا عنه، ومن كان على شاكلتهم فى النفاق والجدال !
بالباطل ( أن يضلوك) أى: لهمت طائفة من هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض
أن يضلوك عن القضاء بالحق بين الناس ، ولكن الله - تعالى - حال بينهم
وبين هذا الهم بإشعارهم بأن ما يفعلونه معك من سوء سيكشفه الله لك عن
طريق الوحى .
وقوله ( وما يضلون إلا أنفسهم) أى: أنهم بمحاولتهم إخفاء الحق و الدفاع
عن الخاص، وتعاونهم على الإثم والعدوان ، ما يضلون إلا أنفسهم، لأن سو.
عاقبة ذلك ستعود عليهم وحدم ، أما أقت يا محمد فقد عصمك الله من شرورهم،
وحماك من كل انحراف عن الحق والعدل .
وقوله ( وما يضرونك من شىء) معطوف على ما قبله . أى هم بمجاولتهم
إخفاء الحق ما يضرونك بأى قدر من الضر. لأنك إنما قضيت بينهم بماهو
الظاهر من أحوالهم ، وهو الذى تحكم بمقتضاه، أما الأمور الخفية التى تخالف
الحق فمرجع عليها إلى الله وحده.
(ومن) فى قوله (من شىء) زائدة لتأكيد النفى .. وشىء أصله النصب
على أنه مفعول مطلق لقوله (يضرونك). أى: وما يضرونك شيئا من الضرر
رقد جر لأجل حرف الجر الزائد .
وقوله (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم
وكان فضل الله عليك عظيما) معطوف على قوله ( وما يضرونك من شىء )
لزيادة التقرير، ولزيادة بيان ماوهبه الله - تعالى - لنبيه من خير ورعاية

- ٤٠٣ -
وعصمة أى: أن الله - تعالى - قد امتن عليك يا محمد بان أنزل عليك القرآن
الذى يهدى التى هى أقرم، وأنزل عليك الحكمة أى العلم النافع الذى يجعلك
تصيب الحق فى قولك وعملك ، وعليك مالم تكن تعلم، من أخبار الأولين
والآخرين، ومن خفيات الأمور، ومن أمور الدين والشرائع .
((وكان فضل الله عليك عظيما)) أى وكان فضل الله عليك عظيما عظما
لا تحده عبارة ، ولا تحيط به إشارة ،
فالآية الكريمة فيها مافيها من التنويه بشأن الرسول - صلى الله عليه وسلم-
ومن مظاهر فضل الله عليه ورحمته به .
وبعد فإن المتأمل فى هذه الآيات الكريمة، ليراها تهدى الناس إلى ما يسعدهم
فى كل زمان ومكان متى اتبعوا توجيهاتها وإرشاداتها .
إنها تأمرهم فى شخص نبيهم - صلى اللّه عليه وسلم - أن يلتزموا الحق فى كل
أقوالهم وأعمالهم ، حتى ولو كان الذى عليه الحق من أقرب الناس إليهم ،
وكان الذى عليه الحق من أعدى أعدائهم وتنهاهم عن الدفاع عن الخائنين الذين
يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ، وتبين لهم أن دفاعهم عنهم لن
يفيدهم أمام الله - تعالى -.
ثم تفتح العصاة باب التوبة لكى يفيئوا إلى رشدهم ويعودوا إلى طاعة ربهم
وتخبرهم أن شؤم المعصية سيعود إليهم وحدهم ... وفيبهم إلى أن من أشد
الذغوب عند الله - تعالى - أن يفعل الشخص فاحشة ثم يقذف بها غيره ...
ثم تسوق الآيات فى ختامها جانبا من فضل الله على نبيه ورحمته به،
لمنكى يزداد ثباتا واطمئنانا، ويزداد أعداؤه خوفا وضعفا واضطرابا ..
وهكذا نرى الآيات الكريمة تهدى الناس إلى الحق الذى لا يميل مع
الهوى، ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع الحب أو البغض حتى ولو كان
الذى عليه الحق عن يظهرون الإسلام ويعاملون معاملة المسلمين ، وكان الذى
له الحق من اليهود الذين لم يتركوا مسلكا لتمكين الدعوة الإسلامية إلا سلكوه

- ٤٠٤ -
والذين يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك أنكروه وحاربوه.
فهل رأيت - أخى القارىء - عدالة تقترب من هذه العدالة فى سموحة
ونقائها واستقامة منهجها ؟
إن هذه الآيات لتشهد بأن هذا القرآن من عند اته، لأن البشر مهما
استقامت طبائعهم، فإنهم ليس فى استطاعتهم أن يصلوا إلى هذا المستوى الرفيع
الذى تشير إليه الآيات، والذى يكثف لكل عاقل أن هذا القرآن من عندائه
, ولو كمان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا».
ثم بین - سبحانه - بعد ذلك أن كثيرا من كلام الناس لاخير فيه ، وأن
العاقل هو الذى يحرص على القول النافع والعمل الطيب . وأن الذين يتبعون
الطريقة المخالف لطريق الحق سينالهم عذاب شديد من خالقهم فقال سبحانه:
(( لا خَيْرَ فِى كَثيرٍ مِنْ نِجْوَاهُ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدقةٍ أو مَعْرُوفٍ
أو إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلكَ ابتغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ
تُؤَتِهِ أَجْراً عظيماً (١١٤) وَمَنْ يشافقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعَدِ ما تَبيَّنَّ لَهُ
الحُدى، وَيَنْبِعْ غير سبيلِ المؤمِنِينَ نُوَلَّه ما تَوَلَى ونُصْلِهِ جَهَمَّ
وسَاءتْ مَصيراً (١١٥))).
وقوله - تعالى -: ((لاخير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو
معروف أو إصلاح بين الناس .. ، إشارة إلى ماجبل عليه كثير من الناس
أن إخفاء الأقوال أو الأعمال التى فيها شر ومضرة، ومن إعلان الأقوال
أو الأفعال التى من ورائها خير ومنفعة. وقوله («نجواهم، أى: مما يتناجى
به الناس ويتكلمون فيه. والنجوى: اسم مصدر بمعنى المسارة، يقال: فجوته.
نجوا ونجوى وفاجيته مناجاة. أى: ساررته بكلام على انفراد. وأصله: أن
لملو: من تناجيه بسر معين فى فجوة من الأرض .. أى فى مكان مرتفع منفصل

- ٤٠٥ -
بارتفاعه عما حوله . وقيل: أصله من النجاة، لأن الإسرار بالشىء فييساوي
على النجاة. وتطلق النجوى على القوم المتناجين كمافى قوله - تعالى - ( نجن أعلم
بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذاهم نجوى ... )
والضمير فى قوله ( من نجواهم ) يعود إلى الناس جميعا ، ويدخل فيه
أولئك الذين كانوا يختانون أنفسهم ومن على شاكلتهم دخولا اوليا .
والمعروف - كما يقول الآلوسى - هو كل ماعرفه الشرع واستحسته،
فيشمل جميع أنواع البر كفرض وإغاثة ملهوف وإرشاد ضال إلى غير ذلك .
ويراد به هنا ما عدا الصدقة وماعدا ما أشير إليه بقوله - تعالى - (أو إصلاح
ب
بين الناس (١) ... ).
.. والمعنى : لاخیر فی کثیر من الكلامالذییتناجی فیه الناس ، ويتحدثون
به سرا، إلا فى نجوى من أمر غيره سرا بصدقة يزكى بها ماله، وينفع بها
المحتاج إليها، أومن أمر غيره بالإكثار من أعمال البر، أو القيام بالإصلاح
بين الناس المتخاصمين لكى يعودوا إلى ما كانوا عليه من الألفة والإخاء
والصفاء .
قال الجمل: وقوله ( إلا من أمر ... ) فى هذا الاستثناء قولان: أحدهما
متصل والثانى أنه منقطع . وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن يراد بها
المصدر كالدعوى فتكون بمعنى التناجى أى التحدث . وأن يراد بها القوم
المتناجون إطلاقا للمصدر على الواقع منه مجازا. فعلى الأول يكون منقطعاً ،
لأن من أمر ليس مناجاة، فكافه قيل: لكن من أمر بصدقة ففى نجواه الخير
وإن جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلا ... وقوله (إلا من أمر ... )
إما منصوب على الاستثناء المنقطع إن جعلته منقطعا فى لغة الحجازيين . أو على
(١) تفسير الكشاف = ٥ ص ٠١٤٤.

- ٤٠٦ -
أصل الاستثناء إن جعلته متصلا. وإما مجرور على البدل من كثير، أومن
نجواهم أو صفة لأحدهما (١" ... ).
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أخرجت من التناجى المذموم ثلاثة
خصال هى جماع الخير، وذلك لأن الصدقة التى يخرجها الإنسان تكون سببا
فى تزكية ماله، وحسن ثوابه ، ونشر المحبة والمودة بين الناس .
والتعبير بقوله (إلا من أمر بصدقة .. ) يفيد الدعوة إليها ، والحث على
بذلها سرا مادامت المصلحة تقتضى ذلك.
أما المعروف وهو النوع الثانى من التناجى المحمود، فهو - كما يقول القرطى
لفظ يعم كل أعمال البر . ففى الحديث الشريف (كل معروف صدقة وإن من
المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق) وقال على بن أبى طالب: ( لا يزهدنك
فى المعروف كفر من كفره، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الجاحد).
وقال الماوردى : فينبغى لمن يقدر على إسداء المعروف أن يسجله حذار
فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وايعلم أنه من فرض زمانه ، وغنائم إمكانه ،
ولايهمله ثقة بالقدرة عليه ، فكم من وائق بالقدرة ففاقت فأعقبت قدما٠٠).
وروى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لكل شىء ثمرة
وثمرة المعروف السراح - أى التعجيل - ) ومن شرط المعروف ترك
الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله. لما فيهما من إسقاط الشكر، وإحباط
الأجر . فال بعض الشعراء :
زاد معروفك عندى عظما
أنه عندك مستور حقیر
وهو عند الناس مشهور خطير (٢)
تتناساه كأن لم تأته
١٠
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ - ٠٤٢٤
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ - ٣٨٤ بتصرف وتلخيص

- ٤٠٧ -
والأمة التى يفشو فيها قول المعروف وفعله ، تسودها السعادة ، وتظلها
المحبة والمودة والرحمة .
وأما الإصلاح بين الناس فهو فريضة اجتماعية يقوم بها من صفة
نفوسهم وقويت عزائمهم، ورسخ إيمانهم.
وقد حض القرآن على الإصلاح بين الناس سواء أكانوا جماعات أم
أفرادا لأن التخاصم والتنازع يؤدى إلى انتشار العداوات والمفاسد بين
الناس . قال - تعالى -: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا
الله لعلكم ترحمون).
وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التى تحض على الاصلاح
بين الناس ومن ذلك مارواه ابن مردويه عن محمد بن يزيد بن حنيش قال :
دخلنا على سفيان الثورى نعوده. قدخل علينا سعيد بن حسان فقال له الثورى
الحديث الذى كنت حدثتنيه عن أم صالح أردده على. فقال: حدثنى أم صالح
عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
كلام ابن آدم كله علية لا له. إلا ذكر الله - تعالى - أو أمر بمعروف
أو نهى عن منكر. فقال سفيان: أو ماسمعت الله فى كتابه يقول: (لاخير
فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ..
فهو هذا بعينه .
وروى الجماعة - سوى ابن ماجه - عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول: ليس الكذاب الذى يصلح بين الناس
فينمى خيرا أو يقول خيرا. وقالت: لم أسمعه يرخص فى شىء ما يقوله الناس
إلا فى ثلاث: فى الحرب. والإصلاح بين الناس . وحديث الرجل امر أته
وحديث المرأة زوجها ).
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذى عن أبى الدرداء قال: قال رسول

- ٠٨ : -
الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة
والصدقة ؟ قالوا: بلى. يارسول الله !! قال إصلاح ذات البين. قال: وفساد
ذات البين هى الحالقة(١).
ففى هذه الأحاديث الشريفة دعوة قوية إلى الاصلاح بين الناس حتى
يعيشوا فى أمان واطمئنان .
وبذلك نرى أن هذه الأمور الثلاثة التى أخرجها الله - تعالى - من
التناجى المذموم هى جماع الخير الإنسانى والاجتماعى.
وقد أشار الإمام الرازى إلى ذلك بقوله: هذه الآية وإن نزلت فى مناجاة
بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها فى المعنى عامة . والمراد : لاخير فيما
يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير
ثم إنه - تعالى - ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة. والأمر
بالمعروف . والاصلاح بين الناس .
وإنما ذكر الله - تعالى - هذه الأقسام الثلاثة، لأن عمل الخير إما أن
يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة. أما إيصال الخير: فإما أن يكون من
الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال. وإليه الإشارة بقوله: ((إلا من أمر
بصدقة)). وإما أن يكون من الخيرات الروحانية وهو عبارة عن تكميل
القوة النظرية بالعلوم، أو تسكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة . ومجموعهما
عبارة عن الأمر بالمعروف. وإليه الإشارة بقوله (( أو معروف)) وأما إزالة
الضرر فإليها الإشارة ((أو إصلاح بين الناس)) فثبت أن مجامع الخيرات
مذكورة فى هذه الآية »(٢) .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٥٣
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٤

- ٠٠٤٩
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة من يقوم بفعل هذه الفضائل فقال:
(( ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيما)).
أنى: ومن يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإصلاح بين
الناس ، قاصدا بفعله رضا الله وحسن مثوبته، فسوف نؤتيه أجراً عظيما
لا يعرف مقداره إلا انه - تعالى -. وقال - سبحانه - ومن يفعل ذلك
ولم يقل ومن يأمر بذلك كما جاء فى صدر الآية. لأن المقصود الترغيب فى هذا
الفعل الحسن ، لأن الآمر بالخير إذا دخل فى زمرة الخيرين كان الفاعل أحرى
بالدخول فى زمر تهم .
وفى تقييد الفعل بكونه ابتغاء مرضاة الله ، تحريض على إخلاص النية ،
لأن الأعمال بالنيات، وإذا صاحب الرياء الأعمال أبطلها ومحق بركها.
والتعبير بسوف هنا لتأكيد الوقوع فى المستقبل. أى. فسوف نؤتيه
أجراً لايحيط به نطلق الوصف ، ولن نبخه شيئاً من حقه حتى ولو كان هذا
الشىء بالغاً النهاية فى الصغر .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يسيرون فى طريق الباطل ،
ويتركون طريق الحق فقال - تعالى - : ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له
الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى، ونصله جهنم وساءت مصيراً)).
وقوله (( يشافق)) من المشاقة بمعنى المعاداة والمخالفة المقصودة. وهى من
الشق لأن المخالف كأنه يختار شقا يكون فيه غير شق الآخر .
فقوله((ومن يشاقق الرسول ، أى: من يخالفه ويعاديه.
وقوله (( من بعد ماتبين له الهدى، أى يخالفه ويعاديه من بعد ما اقضح
له الحق، وقام لديه الدليل على صحة دين الإسلام.
وقوله ((ويتبع غير سبيل المؤمنين)) معطوف على يشافق. أى: ويقبع
طريقا غير طريق الإسلام التى سار فيها المؤمنون ، واعتقدوا صحتها وسلامتها

- ٤١٠ -
من كل سوء. من يفعل ذلك. فوله ما تولى، أى نجعله - كما يقول الألوسى
والياً لما قولاه من الضلال. أو نحل بينه وبين ما اختار لنفسه من الضلال
فى الدنيا. أو فكله فى الآخرة إلى ما اتكل عليه فى الدنيا وانتصر به من
الأوثان وغيرها .
قال صاحب المنار: والذى أريد توجيه الأذهان إلى فهمه هو أن هذه
الجملة مبينة لسنة الله - تعالى - فى عمل الإنسان. ومقدار ما أعطيه من الإرادة
والاستقلال والعمل بالاختيار . فالوجهة التى يتولاها فى حياته ، والغاية التى
يقصدها من عمله، يوليه الله إياها ويوجهه إليها. أى: يكون بحسب سنته
- تعالى - واليا لها وسائرا على طريقها. فلا يجد من القدرة الإلهية ما يجبره على
ترك ما اختار لنفسه. ولو شاء - سبحانه - لهدى الناس أجمعين بخلقهم على
حالة واحدة فى الطاعة كالملائكة ، ولكنه عاء أن يخلقهم على مانراهم عليه
الآن من تفاوت فى الاستعداد والإدراك وعمل كل فرد بحسب مايرى أنه
خير له وأنفع فى عاجله أو آجله أو فيهما جميعا .. (١) ..
وقوله ((ونصله جهنم وساءت مصيرا، وعيد شديد لأولئك المخالفين الطريق
الحق. وأصل الصلى: إيقاد النار. ولزومها وقت الاستدفاء. يقال صلى بالنار
أى: بلى بها. وصليت الشاة: شويتها وهى مصلية .
والمعنى: ومن يخالف طريق الحق نوله ما تولى وندخله فى الآخرة جهنم
ليشوى فيها كما تشوى الشاة، وساءت جهنم مكافا لمن صار إليها ، وحل فيها .
قال ابن كثير: والذى عول عليه الشافعى يرحمه الله - فى الاحتجاج على
كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروى والفكر
الطويل. وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها . وإن كان بعضهم قد استشكل
ذلك فاستبعد الدلالة على ذلك ... )،(٢).
(١) تفسير المنار ج = ص ٤١٥،
،۔۔
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٥٥.

- ١١ ٤ -
وبهذا نرى أن الأيتين الكريمتين قد نشرتا من يفعل الخير ابتغاء مرضاة
الله بالأجر العظيم، وأقدرتا من يخالف طريق أهل الحق بالعذاب الأليم،
ليهلك من هلك عن بينة ، ويحي من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم)).
٥ ٠:
ثم حذر - سبحانه - من الشرك وقوعد المشركين الذين اتخذوا
الشيطان وليا من دون الله بالعذاب المهين فقال - تعالى - :
((إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به، ويغفِرُ ما دونَ ذلكَ لِمَنْ يَشَاء،
وَمَنْ يَشْرِكْ بِاللهِ فقد ضَلَّ صَلاَلاً بَعيداً (١١٦) إن يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
إِلَّ إِنَا وَإِنْ يَدْعُونَ إلاَّ شَيْطَأَنَا مَرِيداً (١١٧) لمَنَّهُ اللهُ وقَالَ لْأَتْخِذَنَّ
مِنْ عِبَادِكَ نصيباً مَفْرُوضَا (١١٨) وَلْضِْنَهُمْ وَلْأَمَنَّهُمْ وَلَآَمَرَنَهُم
فليُبْتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْتَامِ، وَلَآَمُرَنَّهُمْ فليُغَيِّزْنَّ خَلْقَ اللهِ، ومَن ◌َّخِذِ
الشيطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ الهِ فقد خَسِرَ خُدْرَاناً مُبينًا (١١٩) يَعِدَّهُ
وَيُّهِمْ وما يَعِدُهُ الشيطانُ إلاَّ غْرُوراً (١٢٠) أوائِكَ مَأَوَاهُ جَهَّمُ
ولا يَجِدُونَ عنها محِيماً (١٢١))).
ذكر بعض المفسرين عن إن عباس فى سبب نزول قوله - تعالى -إن
أنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ... الآية): أن شيخا
من العرب جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: إنى شيخ منهمك
في الذنوب. إلا أنى لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به.
ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع المعاصى جراءة . وماتوهمت طرفة
عين أنى أعجز الله هربا. وإنى لنادم تائب. فما ترى حالى عند الله - تعالى-؟
فنزلت:١).
(١) تفسير الآلوسي ج ٥ ص ١٤٧

- ٤١٢ -
والمراد بالشرك هنا: مطلق الكفر سواء أ كان هذا الكفر من أهل
الكتاب أم من العرب أم من غيرهم .
والمعنى: إن الله لا يغفر لكافر مات على كفره، ويغفر مادون الكفر
من الذنوب والمعاصى لمن يشاء أن يغفر له من اقترفها إذا مات من غير توبة .
فمن مات منهم بدونها فهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن
شاء عذبه ثم أدخله الجنة .
وأما قوله (( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله
إن الله يغفر الذنوب جميعا ... ، فقيد بالمشيئة أى: يغفر الذنوب جميعا لمن
شاء أن يغفر له . ومقيد أيضا بما عدا الشرك. أى يغفر الذنوب جميعا
إلا الشرك فإنه لا يغفره لمن مات عليه.
ثم بين - سبحانه - سوء حال المشركين فقال: ((ومن يشرك بالله فقد
ضل ضلالا بعيداً)، والضلال. هو السير فى غير الطريق الموصل إلى النجاة .
أى: ومن يشرك بالله - تعالى - بأن يعبد سواه، أو يجعل معه شريكا
فى العبادة فقد سار فى طريق الشرور والآثام سيرا بعيدا ينتهى به إلى الهلاك،
ويقضى به إلى العذاب المهين .
وهذه الآية قدمر الكلام مفصلا فى آية تشبهها من هذه السورة وهى قوله
- تعالى - ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء. ومن
يشرك بالله فقد افترى إنما عظماء (١).
قالوا: وقد ختمت هذه الآية بقوله: ((ومن يشرك بالله فقد افترى إنما
عظما ، لأنها فى شأن أهل الكتاب من اليهود وهم عندهم علم بصحة نبوته
- صلى الله عليه وسلم - وبأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع ومن ذلك فقد
حملهم الحسن على إنكار الحق، فصار فعلهم هذا افتراء بالغا العظم فى الكذب
والجرأة على الله .
وختمت الآية التى معنا بقوله - تعالى -: «ومن يشرك بالله فقد
(١) الآية رقم ٤٨

٠ ٤١٣ -
ضل ضلالا بعيد!)) لأنها فى قوم مشر كين لم يعرفوا من قبل كتابا ولا وحياً،
فأقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق، وميزلهم
طريق الرشد من طريق الغر ، ولكنهم لم يتبعوه فكان فعلهم هذا ضلالا
واضحا عن طريق الحق . وإبتعادا شديدا عن الصراط المستقيم.
ثم فصل - سبحانه - ماعليه المشركون من ضلال فقال: ((إن يدعون
من دونه إلا إنانا ،.
و((إن، هنا هى النافية. ويدعون من الدعاء وهو هنا بمعنى العبادة لأن
من عبد شيئا فإنه يدعوه عند احتيا جه إليه .
والمراد بالإناث: الأصنام التى كانوا يعبدونها من دون الله .
أى: أن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا أصناما، أو ما ينادون
من دون الله لقضاء حوائجهم إلا أو ثانا لا تملك لنفسها نفعا ولاضرا.
وعبر عن الأصنام بالإناث لأن المشركين سموا أكثر هذه الأصنام بأسماء
الإناث، كاللات والعزى ومنأة .
قال الحسن : كان لكل حى من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه.
أمى بنى فلان و کانوا یزینو ته بالحلى كالنساء .
وقيل : المراد بالإناث هنا الملائكة، لأن بعضهم كان يعبد الملائكةوبقولون
عنها: بنات الله. قال - تعالى -,وجعلوا الملائكة الذين هم عبادالرحمن إناثا ... )).
وقيل: المراد بها هنا : الجمادات التى لاحياة فيها ومع ذلك يعبدونها .
قال أبو حيان: قال الراغب: أكثر ماعبدته العرب من الأصنام كانت
أشياء منفعلة غير فاعلة . فبكتهم الله أنهم مع كونهم فاعلين من وجه يعبدون
ما ليس هو إلا دنفعلا من كل وجه. وعلى هذا فبه إبراهيم - عليه السلام -
أباه بقوله: (( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا،(1).
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٣ ص ٣٥٢.

-- ٠٤١٤
وقد رجح ابن جرير القول الأول فقال : وأولى التأويلات التى ذكرت
بتأويل ذلك تأويل من قال: عنى بذلك الآلهة التى كان مشر كو العرب يعيدونها
من دون الله، ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة
وما آشبه ذلك .
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ; لأن الأظهر من معانى الإناث فى كلام
العرب، ماعرف بالتأنيث دون غيره فإذا كان ذلك كذلك فاتواجب توجيه
تأويله إلى الأشهر من معانيه ..... فكأنه - تعالى - يقول حسب هؤلاء
الذين أشركوا بالله وعبدوا ماعبدوا من دونه حجة عليهم فى ضلالهم وكفرهم
أفهم يعبدون إناثا .... والإناث من كل شىء أخسه . فهم يقرون للخسيس
من الأشياء بالعبودية على علم منهم بخساسته وبمتفعون من إخلاص العبودية
"الذى ملك كل شىء وبيده الخلق والأمر،(١).
وقوله (( وإن يدعون إلا شيطانا مريداً، بيان لما دفعهم إلى الوقوع فى ذلك
الضلال الذى انغموا فيه .
ومريداً . أى عاتيا متمردا بالغا الغاية فى الشرور والفساد .
قال الراعب: والمارد والمريد من شياطين الجن والإنس المتعرى من
الخيرات. من قولهم شجر أمرد إذا تعرى من الورق . ومنه قيل زملة مردا.
أى: لم تذبت شيئا. ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر ... ))(٢).
فأصل مادة مرد للملاسة والتجرد . ومنه قوله - تعالى - ((صرح ممرد))
أى أملس. ووصف الشيطان بالتمر دلتجرده للشر. وعدم علوق شىءمن الخيربه.
أو لظهور شره ظهور عيدان الشجرة المرداء.
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ٢٨٠ . بتصرف وتلخيص.
(٢) مفردات القرآن الراغب الأصفهافى ص ٤٦٦.

٠٠ ٤١٥ -
والمعنى: إن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا أصناما سموهأ
بأسماء الإناث ، وما يطيعون فى عبادتها إلا شيطانا عاتيا متجردا من كل خير ،
ومتعربا من كل فضيلة. فهذا الشيطان الشرير دعاهم لعبادة غير الله فانقادوا له
انقيادا تاما . وخضعوا له خضوعا لاءكان معه لتعقل أو تدبر .
وقوله (( مريداً، صفة لشيطان. وقوله (( لعنه الله، صفة ثانية. أى :
طرده من رحمته طردا مقترنا بسخط وغضب .
نم حكى - سبحانه - أن الشيطان قد أقسم بأنه لن يكف عن إبعاد بنى آدم
عن طريق الحق فقال: ((وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا)):
أى: أن الشيطان قال مؤكدا ومقما لأتخذن من عبادك الذين هم من
ذرية آدم ، نصيبا مفروضا. أى: لأجملن لى منهم مقدارا معينا قليلا كان أو
كثيرا، وهم الذين سأصرفهم عن الطريق الحق، وسأجعلهم خاضعين لوسوستى
ومنقادين لأمرنى. وقوله («لأتخذن ، من الاتخاذ وهو أخذ الشىء على جهة
الاختصاص. وقوله (( مفروضا)) من الفرض بمعنى القطع. وأطلق هنا على
العدد المعين من الناس لاقتطاعه عن سواه من صالحى المؤمنين . فكل من
أصاع الشيطان من بنى آدم فهو نصيبه المقطوع مهم له.
وجملة («وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا، معطوفة على الجملة
المتقدمة عليها . أى : أن هؤلاء المشركين ما يطيعون فى عبادتهم لغير الله إلا
أ شيطانا مريدا جامعا بين لعنة اللّه - تعالى - له، وبين هذا القول الشنيع الصادر
منه عند اللعن .
أما الأمر الثانى والثالث اللذان موعد الشيطان بهما بنى آدم فقد حكاهما
- سبحانه - فى قوله (( ولأضلهم ولأمنينهم، أى: ولأضلنهم عن طريق الحق
فأجعلهم يسيرون فى طريق الباطل إلى نهايته: ولأمنينهم الأمانى الفارغة . بأن
أجملهم يجرون وراء الأحلام الكاذبة، والأوهام الفاسدة. والأطماع التى

-٤١١ -
تسبطر على نفوسهم وعقولهم ، وبذلك يكونون من جندى، ويخضعون
لأمری .
أما الأمر الرابع الذى توعد الشيطان به بنى آدم فقد حكاه - سبحانه -فى
قوله ، ولآمر فهم فليبتكن آذان الأنعام) .
قال الراغب : البتك يقارب البت لكن البنك يستعمل فى قطع الاعضاء
و الشعر. يقال بتك شعره وأذنه - أى قطعها أوشقها - ومنه سيف باتك
أى قاطع للأعضاء .. وأما البت فيقال فى قطع الحبل ... ،(١).
وكانوا فى الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن وجاء الخامس ذكر اقطعوا
أذنها أو شقوها شقا واسعا علامة على أنهم حرموا على أنفسهم الانتفاع بها
وجعلوها للطواغيت وسموها بحيرة أى المشقوقة الأذن .
والمراد : أنه بأمرهم بعبادة غير انته وبالأما فى الباطلة . وبتقطيع آذان الأنعام
تقربا للطواغيت والأوثان فيسارعون إلى إجابته، وينقادون لوسوسته.
أما الأمر الخامس الذى توعد الشيطان به بنى آدم فقد حكاه - سبحانه -
فى قوله ( ولأمر فهم فليغيرن خلق الله).
قال ابن كثير: أى دين الله. وهذا كقوله: (فأقم وجهك للدين حنيفا فهارة
الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ... ) على قول من جعل ذلك أمراأن:
لاقبدلو افطرة الله، ودعواالناس على فطرتهم . كما ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كل مولوديولد على الفطرة فأبواهيهودانه
أوينصر انه أو يمجسانه . كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء. هل تجدون بها من جدعاء؟
وفى صحيح مسلم عن عياض بن حماد قال : قال رسول الله - صلى الله لميه
وسلم - قال الله - تعالى -: إنى خلقت عبادي حنفاء بجاءتهم الشياطين فاجتالتهم
عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم)(٢).
(١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص ٢٦.
(٢) تفسير ابن جزير جـ ٥ صـ ٢٨٥.

- ٤١٧ -
وقال بعضهم : المراد بتغيير خلق الله تغيير الصور التى خلق الله عليها
مخلوقاته، كفقاً عين خل الإبل فى بعض الأحوال، وقطع الآذان ، والوثم،
وما يشبه ذلك مما كافرا يفعلونه فى جاهليتهم اتباعا للشيطان.
وقد رجح ابن جرير أن المراد بتغيير خلق الله : تغيير دين الله فقال
ما ملخصه: ((وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك قول من قال: معناه:
ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، قال: دين الله. وذلك ادلالة الآية الأخرى على أن
ذلك معناه، هى قوله: « فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك
الدين القيم .. ، وإذا كان ذلك معناه دخل فى ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من
خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم مانهى عن وشمه، وغير ذلك من المعاصى(١)
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد حكى للناس ماقاله الشيطان بلسان حاله أو
مقاله حتى يحدوه ويتخذوه عدوا لهم، لينالوا رضا الله ومثوبته.
وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله: ، ومن يتخذ الشيطان وليا من دون
أنه فقد خسر خسرانا مبينا ،.
أى : ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله، بأن يتبع الشيطان ويواليه
ويسير خلف وسوسته، ويترك طريق الحق والهدى ، من يفعل ذلك يكن
بفعله هذا قد خسر خسرانا واضحا بينا، لأن الشيطان لا يسوق الإنسان إلا
إلى مايملكه ويخزيه فى الدنيا والآخرة ، وسيقول لأتباعه يوم ينزل بهم
العقاب فى الآخرة إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى
عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ولوموا أنفسكم
ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخى ... ،
وقوله - تعالى - ((يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلاغروراً)) تأكيد
للتحذير السابق من اتباع الشيطان.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ صـ ٢٨٥
(٢٧ - سورة النساء )

- ٤١٨ -
أى : يعد الشيطان أولياءه بالوعود الباطلة، ويمنيهم بالأمانى الكاذبة ،
لكى يستمروا على طاعته، والحال أن الشيطان ما يمدهم إلا بالأمور الخادعة
التى ظاهرها يغرى وباطنها بروى .
قال القرطبى: الغرور مارأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه والشيطان
غرور، لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسو . ...
وقوله (( غرورا، مفعول ثان الوعد، أو مفعول لأجله. أو نعت لمصدر
محذوف أى وعدا ذا غرور .
وقوله (( أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا)) بيان لسوء مصير
الذين انقادوا للشيطان وانبعوا خطواته .
والمحيص: المهرب والملجاً. وهو اسم مكان أو مصدر ميمى يقال حاصر
عنه يحيص حيصاً وحيوصاً ومحيصا أى : عدل وحاد .
أى : أولئك الذين اتبعوا خطوات الشيطان وساروا فى ركابه، مستقر.
جميعا جهنم، ولا يجدون ملجاء دونها يلتجئون إليه، أومهربا يهربون منه ليندو
من عذابها ، وإنما يبقون فيها دون أن يتمكنوا من الخروج منها .
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت أشد التحذير من الإشرالـ
بالله - تعالى - ومن اتباع وساوس الشيطان وخداعه ووعوده الباطلة
وأمانيه الخادعة ، وهددت كل من بهجر طريق الرشد . ويسلك طريق الفم
بالعذاب الشديد الذی لا مفر منه ولا مهرب .
٠٠٠
ثم عقب - سبحانه - ذلك ببيان حسن عاقبة المؤمنين ، الذين آمنوا با!
إيمانا حقا ، وابتعدوا عن كل مالا يرضيه فقال - سبحانه - :
((والذِينَ آمَنُوا وعمِلُوا الصَّالحاتِ سندخُلُهم جناتٍ تَجْرِى مِن
تحتها الأنهارُ خَدِينَ فيها أبداً وَعْدَ الهِ حقا وَمَنْ أَصدَقُ مِنَ ا
قيلاً (١٢٢) ليسَ بأَمَنِيْكُمْ ولا أَمانِيِّ أَهْلِ الكتابِ مَنْ يعملْ سو

- ٤١٩-٠
يَجْزَ به، ولا يَجِدْ لُهُ مِنْ دونِ اللهِ وَلِيًّا ولا نَصِيراً (١٢٣) ومَنْ يَعِلْ
مِنَ الصَّالحاتِ مِنْ ذَكَرِ أو أنتى وهُو مُؤْمِنٌ فأولئكَ يدخُلُونَ الجنَّةَ
ولا يُظَمونَ نقيراً (١٢٤) وَمَنْ أحسنُ دِيناً مِمِّنْ أَسْلَم وَجْهَهُ قُهِ وَهُو
مُحْسِنٌّ وَاتَّبِعَ مِلَةَ إِبراهِيمَ حَنِيفً، واتخذّ اللهَ إبراهيم خليلاً (١٢٥) وَقُمِ
ما فى السَّموَاتِ وما فى الأرض وكانَ اللهُ بكلِّ شىءٍ محيطاً (١٢٦))).
وقوله - تعالى - ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات ... ، معطوف على
قوله - تعالى - قبل ذلك، «أولئك مأواهم جهنم .. ، جريا على عادة القرآن
فى تعقيب الإنذار بالبشارة ، والوعيد بالوعد .
أى: والذين آمنوا بالله إيمانا حقا، وقدموا فى حياتهم الأعمال الصالحات
((سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار) أى من تحت غرفها وماكنها
الأنهار(( خالدين فيها أبدا، أى: مقيمين فيها إقامة أبدية ((وعد الله حقاء أى:
واقعا لا محالة ماوعد الله به عبادة الصالحين من نعم بخلاف ماوعد الشيطان به
أتباعه فإنه وعد كاذب باطل .
وقوله ( وعد الله) منصوب على المصدر المؤكد لمضمون جملة (سندخلهم
جنات تجرى من تحتها الأنهار ) لأنها بمعناه فكانه مؤكد لنفسه وقوله (حقا)
منصوب بفعل محذوف أى : حق ذلك حقا .
والاستفهام فى قوله (ومن أصدق من الله قيلا ) لمنفى. والقيل مصدر
کالقول أی: هذا ماوعد الله به عباده المؤمنين، وما وعد الله به عماد، فهو
متحقق الوقوع لامحالة، لأنه لاأحد أصدق من الله قولا . فالجملة الكريمة
تذييل قصد به تأكيد ما سبقه من وعد الله لعباده المؤمنين بالجنة.
". "وقوله ( قيلا) منصوب على أنه تمييز نسبة من قوله (ومن أصدق من الله)؟
ثم بين - سبحانه - أن الوصول إلى رضوانه لا يكون بالأمانى والأوهاموإنما
يكون بالإيمان والعمل الصالح فقال: ( ليس بأمافيكم ولا أمانى أهل الكتاب،
من يعمل سوء؛ يجز به . ولا يجد له من دون الله وليا ولانصيرا).

- ٤٢٠ -
والأمانى : جمع أمنية . وهى ما يتمناه الإنسان ويرغب فيه ويشتهيه من
أشياء متنوعة. كحصوله على الخير الوفير فى الدنيا، وعلى الجنة فى الآخرة.
وهى مأخوذة من التمنى .
وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها قول قتادة:
ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا. فقال أهل الكتاب: نبينا قبل
نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى منكم . وقال المسلمون: نحن أولى بالله
منكم ، ونبينا خاتم النبيين . وكتابنا يقضى على الكتب التى كانت قبله.فأنزل
الله: ( ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب .. الآية).
وقال مجاهد : قالت العرب لن نبعث ولن فعذب.وقالت اليهود والنصارى
( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ... ) فأنزل الله- تعالى -
( ليس بأمانيكم ... الاية)١١).
والضمير فى قوله ( ليس) يعود إلى ما تقدم ذكره من الوعد المتقدم وهو
فيل الثواب ودخول الجنة .
والخطاب لجميع الفرق التى حدث بينها تنازع فى شأن الدين الحق ، وفى
شأن ما يترتب على ذلك من نواب .
والمعنى: ليس ما وعد الله به من الثواب أو إدخال الجنة، أو ليس ماتحاورتم
فيه حاصلا بمجرد أمانيكم - أيها المسلمون - أو أمانى أهل الكتاب أو
غيرهم، وإنما ما تمنيتموه جميعا يحصل بالإيمان الصادق، وبالعمل الصالح ،
وبالسعى والجد فى طاعة الله، فقد اقتضت سنة الله - تعالى - أن من يعمل
خيرا يجد خيرا، و (من يعمل سوءا يجز به) أى: من يرتكب معضية مؤمنا
كان أو كافرا يجازه الله بها عاجلا أو آجلا إلا إذا قاب، أو تفضل الله عليه
بالمغفرة إذا كان مؤمنا .
· قد سار ابن كثير فى تفسيره على أن الخطاب جميع الطوائف فقال :
(١) تفسير ابن جرير ج ہ ص ٢٨٨