Indexed OCR Text
Pages 281-300
- ٢٨١ -
زمان ومكان إلى حسن الاستعداد لجابهة أعدائهم بشتى الأساليب وبمختلف
الوسائل التى تجعل الأمة الإسلامية برهبها أعداؤها سواء أ كانوافى داخلها أم
فی خارجها .
وقوله ( فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) تفريع على أخذ الحذر؛ لأنهم
إذا أخذوا حذرهم، عرفوا كيف يتخيرون أسلوب الفتال المناسب لحال أعدائهم
وقوله ( فانفروا) من النفر وهو الخروج إلى عمل من الأعمال بسرعة. ومنه
قوله - تعالى - { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم
طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)
والمراد بقوله ( فانفروا) هنا: أن أخرجوا إلى قتال أعدائكم بهمة
ونشاط .
ويقال: نفر القوم ينفرون نفر او تفيرا إذا نهضوا لقتال عدوهم .واستنفر
الإمام الناس إذا حضهم على جهاد أعدائهم ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -
( وإذا استنفرتم فانفروا). والتغير. اسم للقوم الذين ينفرون ...
وقوله ( ثبات ) جمع ثبة . وهى الجماعه والعصبة من الفرسان. مأخوذة
من ثبا يثبوا أى إجتمع .
والمعنى. عليكم - أيها المؤمنون - أن تمكونوا دائما على إستعداد لها.
أعدائكم ، ولا تغفلوا عن كيدهم . فإذا ما حان الوقت لقتالهم فاخرجوا
إليهم مسرعين جماعة فى إثر جماعة؛ أو فأخرجوا إليهم مجتمعين فى جيش
واحد، فإن قتالكم لأعدائكم أحيانا يتطلب خروجكم فرقة بعد فرقة، وأحيانا
يتطلب خروجكم مجتمعين، فاسلكوا فى قتالكم لأعدائكم الطريقة المناسبة
لدحره والتغلب عليه .
وقولة ( ثبات ) منصوب على الحال من الضمير فى قوله (انفروا) وكذلك
قوله. ( جميعا) أى أنفروا متفرقين أو انفروا مجتمعين أى، ليكن ففوركم
على حسب ما تقتضيه طبيعة المعركة .
قال الآنوسى: قوله ((قوله أو انفروا جميعا، أى مجتمعين جماعة واحدة.
يسمى الجيش إذا اجتمع ولم ينتشر كتيبة . وللقطعه المنتخبة المقتطعة منه سرية
وهى من خمسة أنفس إلى ثلثمائة أو أربعمائة. وما زاد على السرية فماسر
- كمجلس ومنبر - إلى الثمانمائة. ((إن زاد يقال له جيش إلى أربعة آلاف.
فإن زاد يسمى جحفلا. فإن زاد يسمى خميسا وهو الجيش العظيم, وما افترق
من السرية يسمى بعثا. والآية وإن نزلت فى الحرب لكن فيها إشارة إلى الحث
على المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات)، (١)
ثم كثف - سبحانه - عن قساد فوس المنافقين وضعاف الإيمان فقال:
: وإن منكم لمن أيبطئن، أى: ليتأخرن وليتثاقلن عن الجهاد . من ((بطأ،
- بالتشديد - بمعنى أبطأ فهو فعل لازم . وقد يستعمل أبطأ وبطا- بالتشديد -
متعديين ، وعليه يكون المفعول هنا محذوف أى: ليبطئْن غيره وبثبطه عن
لخروج للجهاد فى سبيل الله.
وقد جمع المنافقون وضعاف الإيمان بين الأمرين: فقد كانوا يتخلفون
من الجهاد فى سبيل الله وينتحلون المعاذير المكاذبة لتخلفهم، ولا يكتفون
بذلك بل يحاولون مفع غيرهم عن الخروج للجهاد .
والتعبير بقوله ((ليبطئن) تعبير فى أسمى درجات البلاغة والروعة، لأنه
يصور الحركة النفسية المنافقين وضعاف الإيمان وهم يشدون أنفسهم شدا،
ويقدمون رجلا ويؤخرون أخرى عندما يدعوهم داعى الجهاد إلى الخروج
من أجل إعلاء كلمة الله .
وقد اشتملت الجملة الكريمة على جملة مؤكدات، للاشعار بأن هؤلاء
المنافقين لا يتركون فرصة تمردون أن يبثوا سمومهم بنشاط وإصرار، وأنهم
(١) تفسير الآلوسی ج ٥ ص ٧٩
- ٢٨٣ -
حريصون كل الحرص على توهين عزائم المجاهدين، وحملهم على أن يكونوا
مع القاعدين كما ءر شأن المنافقين .
والمراد بقوله «منكم أى من جفسكم ومن يعيشون معكم ويساكنونكم،
ويرتبطون معكم برباط القرابة ، ويتظاهرون بالإسلام، فلقد كان المنافقون
فى المدينة تربطهم روابط متعددة بالمؤمنين الصادقين، كما هو معروف فى التاريخ
الإسلامى .
فمثلا عبد الله بن أبي بن سلول - زعيم المنافقين - كان أحد أبنائه من
المؤمنين الصادقين .
وقد وجه القرآن الخطاب إلى المؤمنين لكى يكشف لهم عن المنافقين
المندسین فی صفوفهم لکی بحذروم ،
قال صاحب الكشاف : وآلام فى قوله: لمن)، للابتداء بمنزلتها فى
قوله ((إن الله لغفور رحيم)) وفى ((ليبطئْن) جواب قسم محذوف تقديره:
وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطمئن)، وجوابه صلة من ((والضمير الراجع منها
يعود إلى ما استكن فى مايبطن. والخطاب لمسكر رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -)(١).
وقوله ( فان أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم
شهيدا، بيان لما انطوت عليه نفوس المنافقين من فساد، وما نطقت به ألسنتهم
من سوء .
أى: وإن من المتظاهرين بأنهم منكم -يا معشر المؤمنين - لمن يتثاقلون
عن القتال ويعملون على أن يكون غيرهم مثلهم، ((فإن أصابتكم) يا معشر
المؤمنين (( مصيبة)) كهزيمة وقتية، أو استشهاد جماعة منكم ((قال، (هذا المنافق
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٣٢
١١١٠
على سبيل الفرح والتشفى (قد أنعم الله على، أى: قد أكرمنى اله بالقعود
(إذ لم اكن معهم شهيدا) أى حاضرا فى المعركة، لأنى لو كنت حاضراً معهم
لأصابنى ما أصابهم من القتل أو الجراح أو الآلام.
فالآية الكريمة تحكى عن المنافقين أنهم يعتبرون قعودهم عن الجهاد فعمة ،
إذا ما أصاب المؤمنين مصيبة عندقتالهم لأعدائهم .
أما إذا كانت الدولة للمؤمنين، وظفروا بالغنائم، فهنا يتمنى المنافقون
أن لو كانوا معهم لينالوا بعض هذه الغنائم. واستمع إلى القرآن وهو يحكى
عنهم ذلك فيقول: ( ولئن أصابكم فضل من الله ليقوان - كأن لم تكن بينكم
وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما).
أى: (ولئن أصابكم) يا معشر المؤمنين (فضل من الله) كفتح وغنيمة
ونصر وظفر ( ليقولن) هذا المنافق على سبيل الندامة والحسرة وتهالك على
حطام الدنيا، حالة كونه (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة) ليقولن: ( ياليتنى
كنت معهم ) عندما خرجوا للجهاد (فأفرز فوزا عظيما) بأن أحصل كما حصلوا
على الغنائم الكثيرة .
وهذا - كما يقول ابن جرير - خبر من الله - تعالى - ذكره عن هؤلاء
المنافقين، أن شهودهم الحرب مع المسلمين - إن شهدوها- إنما هو لطلب الغنيمة
وإن تخلفوا عنها فللشك الذى فى قلوبهم ، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابا ،
ولا يخافون بالتخلف عنها من الله عقابا )(1).
وفى نسبة الفضل إلى الله فى قوله ( ولئن أصابکم فضل من الله ٠٠) دون
إصابة المصيبة تعليم لحسن الأدب مع الله - تعالى -، وإن كان سبحانه ..
هو الخالق لكل شىء ، فهو الذى يمنع الفضل لمن يشاء وهو الذى يمنعه
عمن يشاء .
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ صـ ١١٦
- ٢٨٥ .
وقوله ( كأن لم تكن بينكم وبينه مودة) جملة معترضة بين فعل القول الذى
هو (أيقولن) وبين المقول الذى هو ( يا ليتني كنت معهم).
وقد جىء بها على سبيل التهكم والسخرية والتعجب من حال المنافقين، لأنهم
كان فى إمكانهم أن يخرجوا مع المؤمنين للقتال، وأن ينالوا نصيبهم من الغنائم
التى حصل عليها المؤمنون، ولكنهم لم يخرحوا لسوء نواياهم. فلما أظهروا
التحسر لعدم الخروج بعد أن رأوا الغنائم فى أيدى المؤمنين كان تحسرم فى
غير موضعه؛ لأن الذى يتحسر على فوات شىء عادة هو من لا علم له به أو
بأسبابه، أما المنافقون فبسبب مخالطتهم وصحبتهم للمؤمنين كانوا على علم
بقتال المؤمتين لأعدائهم ، وكان فى إمكانهم أن يخرجوا معهم.
فكأن الله تعالى يقول للمؤمنين: انظر واو تعجبوا من شأن هؤلاء المنافقين
إنهم عندما أصابتكم مصيبة فرحوا، وعندما انتصرتم وأصبتم الغنائم تحسروا
وتمنوا أن لو كانوا معكم حتى لكأنهم لا علم لهم بالقتال الذى دار بينكم وبين
أعدائكم، وحتى لكأنهم لامخالطة ولا صحبة بينكم وبينهم مع أن علمهم بالقتال
حاصل، ومخالطتهم لمكم حاصلة فلم يتحسرون؟ إن قولهم: يا ليتنى كنت معهم
فأفوز فوزاعظيما ليدعو إلى التعجب من أحوالهم، والتحقير لسلوكهم، والدعوة
عليهم بأن يزدادوا حسرة على حسرتهم .
وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بحسن الاستعداد للقاء
أعدائهم فى كل وقت ، وكشفت لهم عن رذائل المنافقين الذين إذا أصابت
المؤمنين مصيبة فرحوا لها، وإذا أصابهم فضل من الله تحسروا وحز نوا،وفى
هذا الکشف فضيحة للمنافقين ، و تحذیر للمؤمنین من شرور} ،
وبعد هذا التوبيخ الشديد للمتثاقلين عن الجهاد، أخذ القرآن الكريم فى
متنهاض الهمم والعزائم للجهاد فى سبيل الله فقال - تعالى -:
((فليُقَتِلْ فى سبيلِ اللهِ القِينَ يشرُونَ الحياةَ الدُّنْياِ بِالآخِرِةِ، ومَنْ
مَتِلْ فى سبيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ فسوفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عظيماً (٧٤)
ما لحمُ لا تُقَاتِلُونَ فى سبيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنساءِ
الوُّلِدانِ الذِينَ يُقُولُونَ رَبَّنَ أَخْرِجْنَا مِنْ هذهِ القريةِ الظَّالِمِ أَهْلَهاَ،
اجْعَلْ لِنَآَ مِنْ لَدُنكَ وَليًّا، وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنكَ نصيراً (٧٥) الذِينَ
مِنُوا يُقاتلونَ فى سبيلِ اللهِ، والذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فى سبيلٍ
طاغوتٍ، فَقَاتِلُوا أَولِيَاءَ الشّيطانِ إِنَّ كَيدَ الشَّيطانِ كانَ ضعيفً (٧٦)».
والفاء فى قوله, فليقاتل، الإفصاح عن جواب شرط مقدر، أى أن
بطأ هؤلاء المنافقون والذين فى قلوبهم مرض وتأخروا عن الجهاد والقتال،
ليقاتل المؤمنون الصادقون الذين ((يشرون)) أى يبيعون الحياة الدنيا بكل
تعها وشهواتها من أجل الحصول على رضا الله - تعالى - فى الآخرة.
وقوله (( فى سبيل الله، تنبيه إلى أن هذا النوع من القتال هو المعتد به عند
تته - تعالى -، لأن المؤمن الصادق لا يقاتل من أجل نفر أو مغنم أو اغتصاب
حق غيره، وإنما يقاتل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين
كفروا هى السفلى .
وقوله ((ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً
عظيما, بيان للثواب العظيم الذى أعده الله - تعالى - المجاهدين.
أى : ومن يقاتل فى سبيل الله ومن أجل إعلاء دينه ، فيستشهد ، أو يكون
له النصر على عدوه، فسوف نؤتيه أجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا الله تعالى ..
- ٢٨٧ -
وإنما اقتصر - سبحانه على بيان حالتين بقلنسبة للمقاتل وهى حالة
الاستشهاد وحالة الغلبة على العدو، الإشعار بأن المجاهد الصادق لا يبغى من
جواده إلا هاتين الحالتين، فهو قد وطن نفسه حالة جهاده على الاستشهاد أو
على الانتصار على أعداء الله، ومتى وطن نفسه على ذلك ثبت فى قتاله، وأخلص
فى جهاده .
وقدم - سبحانه - القتل على الغلب، للإيذان بأن حرص المجاهد
المخلص على الاستشهاد فى سبيل الله، أشد من حرصه على الغلب والنصر.
والتعبير بسوف فى قوله (فسوف نؤتيه أجرا عظيما) لتأكيدا لحصول
على الأجر العظيم فى المستقبل .
والجملة جواب الشرط وهو قوله ( ومن يقاتل .... ) وقوله (فيقتل )
تفريع على فعل الشرط .
ونكر - سبحانه - الأجر ووصفه بالعظم ، للإشعار بأنه أجر لا يحده
تعيين ، ولا يبينه تعريف، ولا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -.
ثم حرض - سبحانه - المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب فقال: (ومالكم
لا تقاتلون فى سبيل الله، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان .. ).
فالخطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريقة الالتفات، مبالغة فى التحريض
عليه، وتأكيدا لوجوبه، و(ما) اسم استفهام مبتدأ، والجار والمجرور وهو
( لكم ) خبره .
وجملة ( لا تقاتلون فى سبيل الله) فى محل نصب على الحال ، والعامل فى
هذه الحال الاستقرار المقدر أو الظرف لتضمنه معنى الفعل .
٢٠٠
والمراد بالاستفهام تحريضهم على الجهاد، والإنكار عليهم فى تركه مع
توفر دواعيه والمعنى: أى شىء جملكم غير مقانلین؟إن عدم قنالکم لاء. ائكم
يتنافى مع إيمانكم، أما الذى يتناسب مع إيمانكم وضاعتكم لله فهو أن قالوا:
من أجل إعلاء كلمة الله. ومن أجل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان .
فالآية الكريمة تحريض على الجهاد بأبلغ وجه ، ونفى للاعتذار عنه.
والمراد بالمستضعفين: الضعفاء من الناس وم المسلمون الذين بقوافى مكة
بعد مجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، لعدم قدرتهم على الهجرة.
أو لمنع المشركين إياهم من الخروج.
وقد كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يدعو الهم فيقول: اللهم أنج الوليد.
ابن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبى ربيعة والمستضعفين من
المؤمنين ...
وقوله ( والمستضعفين) معطوف على قوله ( فى سبيل الله) أى: قاتلوا
فى سبيل الله وفى سبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من ظلم المشركين لهم.
وخصهم بالذكر مع أن القنال فى سبيل الل يشملهم، لمزيد العناية بشقة ،م،
والتحريض على القتال بحكم الشرف والمروءة بعد التحريض عليه بحكم الدين
والتقرب إلى الله - تعالى -، لأن مروءة الإنسان الكريم تحمله على نصرة
الضعيف ، ومنع الاعتداء عليه .
وقوله (من الرجال والنساء والولدان، بيان لهؤلاء المستضعفين.
أى: قانلوا - أيها المؤمنون - من أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه، ومن
جل نصرة المستضعفين من الرجال الذين صدهم المشركون عن الهجرة،
رمن النساء اللائى لا يملكن حولا ولا قوة، ومن الولدان الصغار الذين
لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
وفى النص على هؤلاء المستضعفين وخصوصا النساء والولدان ، أقوى
حريض على اجهاد، وأعظم وسيلة لإثارة الحماس والنخوة من أجل القتال،
لافهم إذا تركوا هؤلاء المسضعفين أذلاء فى أيدى المشركين، فأنهم سيميرون
هم ، وهذا ما يأباه كل شريف كريم .
- ١٨٩ -
ثم حكى - سبحانه - ما كان يقوله المستضعفون فقال: الذين يقولون ربنا
أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها . واجعل لنا من لدنك ولياً وأجعل لنا
من لدنك نصيراً،
أى: قاتلوا - أيها المؤمنون - فى سبيل المستضععين من الرجال والنساء
والولدان الذين يضر عون إلى الله قائلين: ياربنا أخرجنا من هذه القرية التى
ظلمنا أهلها بسبب شركهم وكفرهم ((واجعل لنا من لدنك وليا،
أى وسخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا,واجعل لنا من لدنك
قصيرا) . أى: وسخر لنا من عندك كذلك ناصرا يدفع عنا أذى أعدائنا،
فأنت الذى لا يذل من استجار به، ولا يضعف من كنت نصيره ووليه.
والمراد بالقرية الظالم أهلها: مكة . وقد وصف أهلها بأنهم ظالمون، ولم
توصف هى بأنها ظالمة كما وصف غيرها من القرى كما فى قوله - تعالى - ((وكم
أهلكنا من قرية بطرت معيشتها .. )، ودلك من باب التكريم لمكة، إذ هى
حرم أنه الآمن؛ ولا يوضف حرم الله الآمن بالثالم ولو على سبيل المجاز
وقوله « الظالم أهلها، صفة للقرية، وأهلها مرفوع به على الفاعلية، وأل
فى الظالم موصولة بمعنى التى أى التى ظلم أهلها. فقوله ( الظالم، جارعلى القرية
نفظا ، وهو لما بعدها معنى نحو : مررت رجل حسن غلامه،
وفى هذا النداء الذى تضرع به أولئك المستضعفون إلى خالقهم أسمى
ألوان الأدب والإخلاص. فهم يلتمسون منه - سبحانه - أن يخرجهم من بطش
الظالمين وحكمهم، وأن يجعلهم تابعين القوم الذين يحبهم ويحبونه ، وهم
المؤمنون، وأن يهيء لهم النصر على عدئهم وأعدائه.
ولقد استجاب الله - تعالى - لهم دعائهم، حيث يسر لبعضهم الخروج
(١٩ سورة النساء )
- ٢٩٠ -
إلى المدينة ، ورزق المؤمنين فتحا قريبا، وإلى ذلك أشار صاحب الكشاف
بقوله: ((والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة
فيقوا بين أظهرهم مستذلين ... وكانرا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه،
فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقى بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله
لهم من لدنه خير ولى وقاصر وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - فتولاهم
أحسن التولى : ونصرهم أقوى النصر ،
فإن قلت: لم ذكر الولدان: قلت: تسجيلا بإفراط ظلمهم ، حيث بلغ
أذاهم الولدان غير المكلفين، إرغاما لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضة لهم، ولأن
المستضعفين كانوا يشر كون صبيانهم فى دعائهم إستنزالا لرحمة الله بدعاء
صغارهم الذين لم يذهبوا، كما وردت السنة بإخراجهم فى الإستسقاء(١) ...
ثم ساق - سبحانه - لونا آخر من تحريضهم على الجهاد وهو تحديد
الهدف الذى يقاتل من أجله كل فريق فقال: « الذين آمنو يقاتلون فى سبيل
الله، والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت ، فقاتلوا أولياء الشيطان إن
كيد الشيطان كان ضعيفا، أى أنتم - أيها المؤمنون - إذا قاتلتم فإنما تقاتلون
وغايتكم إعلاء كلمة الله، ونصرة الحق الذى جاء رسولكم محمد - صلى الله عليه
وسلم - به . أما أعداؤكم الكافرون فإنهم تقاتلون من أجل طاعة الشيطان
الذى يأمرهم بكل بغى وطغيان ، وإذا كان هذا حالكم وحالهم فعليكم - أيها
المؤمنون - أن تقاتلوا أولياء الشيطان بكل قوة وصدق عزيمة)، إن كيد
الشيطان كان ضعيفا، أى: إن كيد الشيطان وتدبيره كان ضعيفا، لأن الشيطان
ينصر أولياءه، والله - تعالى - ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الله
- تعالى - لأوليائه أقوى وأشد من نصرة الشيطان لأوليائه.
١= ٠١٠٢٠
- ٢٩٨ -
(قوله - تعالى -,الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله ... ، كلام مستأنف
سيق لتشجيع المؤمنين وترغيبهم فى الجهاد ببيان الغاية والهدف الذى يعمل من
أجله كل فريق، وببيان أن المؤمنين ستكون عاقبتهم النصر والظفر لأن الله
وليهم وناصر م .
والفاء فى قوله ((فقاتلوا ... )) للتفريع، أى إذا كانت تلك غايتكم أيها
المؤمنون وتلك هى غاية أعدائكم ؛ فقاتلوهم بدون خوف أو وجل منهم لأن
الله معكم بنصره وتأييده أماهم فالشيطان معهم بضعفه وفجوره .
والمراد بكيد الشيطان تدبيره ووسوسته لأتباعه بالإعتداء على المؤمنين
وتأليب الناس عليهم .
قال الفخر الرازى : الكيد: السعى فى فساد الحال على جهة الإحتيال عليه
يقال : كاده يكيده إذا سعى فى إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه . وفائدة
إدخال « کان، فی قوله, کان ضعیفا ، للتأ کید اضعف کیده، یعنی أنه منذ
كان، كان موصوفا بالضعف والذلة (١)))
وبذلك نرى أن هذه الآيات الثلاث قد شجعت المؤمنين على القتال بأبلغ
أسلوب، وأشرف دافع، وأقبل غاية، فقد أمرتهم بالقتال إذا كانوا حقامن
المؤمنين ، الذين بشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وبشرتهم برضا الله وحسن
ثوابه سواء أقتلوا أم غلبوا وإستنكرت عليهم أن يتناقلوا عن القتال مع أن
كل دواعى الدين والشرف والمروءة تدعوهم إليه، وبينت لهم أنه إذا كان
المكافرون الذين الغاية من قتالهم نصرة الشيطان يقدمون على القتال ، فأولى
بالمؤمنين الذين الغاية من قتالهم نصرة الحق أن ينفروا خفافاوثقالا للجهاد فى
سبيل الله، ثم بشرتهم فى النهاية بأن العاقبة لهم، لأن الكافرين يستندون إلى كيد
- ٢٩٢ -
الشيطان الضعيف الباطل ، أما المؤمنون فيأوون إلى جناب اله الذى لا يخذله
من اعتصم به ، ولا يخيب من التجأ إليه .
وبعد هذا التحريض الشديد من الله - تعالى - للمؤمنين على القتال فى
سبيله، حكى - سبحانه - على سبيل التعجيب حال طائفة من ضعاف الإيمان،
كانوا قبل أن يفرض القتال عليهم يظهرون القشوق إليه. وبعد أن فرض
عليهم جبفوا عنه، وقد وبخهم الله - تعالى - على هذا المسلك الذميم، فقال
- سبحانه -:
((أَلَمّ تَر إلى الذينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُوا أَيْدِيَكُم وأنيعُوا الصَّلاةُ
وَآتُوا الزكَاةَ ، فَلَمَا كُتِبَ عليهم القِتَالُ إذَا فريقٌ مِنْهُم يُخْشَوْنَ النَّاسَ
كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خشيةً، وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ لينا الفِتَّالَ لَولاَ
أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قريبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ والآخرةُ خَيْرٌ لِمَنٍ
انََّى ولا تظلمونَ فَيلاً (٧٧) أَيْتَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمْ الموتَّ
وَلَوْ كُنْتُمْ فِى بِرُوجِ مُشَيَّدَةٍ، وإِنْ تُصِبْهُمْ حسنةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ
عند اللهِ، وإنْ تُصِيْهُمْ سيئةٌ يَقُولُوا هذهٍ مِنْ عِنْدِكَ قَلْ كُلٌّ مِنْ
عِنْدِ اللهِ، فالِ هؤلاء القومِ لا يكادُونَ يَفْقَهُونَ حديثاً (٧٨) ما أصَابكَ
مِنْ حَمَنَةٍ فِنَ اللهِ، وما أصابكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ
الناسِ رسولاً وكَفَى بِاللهِ شهيداً (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فقد أطاعَ
اللهَ ، ومَنْ تَوَلَّى فما أَرْسلْنَاكَ عليهم حفيظاً (٨٠))).
والإستفهام فى قوله - تعالى - ((ألم تر ... ، للتعجيب من خال أولئك
الذين كانوا يظهرون التشوق إلى القتال فلما فرض عليهم جبنوا عنه.
٢٩٣ -
... وقوله (( كفوا أيديكم)) من الكف بمعنى الامتناع أى: امتنعواعن مباشرة
القتال إلى أن تؤمروا به .
والمعنى: ألم ينته علمك يا محمد أو ألم تنظر بعين الدهشة والغرابه إلى حال
أولئك الذين كانوا يظهرون شدة الحماسة للقتال، فقيل لهم ((كفوا أيديكم،
أى: عن القتال لأنكم لم تؤمروا به بعد«وأقيموا الصلاة، فإن الصلاة تخلص
النفس من أدران المآئم، وتجعلها نتجه إلى اته وحده ((وآتوا الزكاة، فإن
الزكاة طهر النفوس من الشح والبخل ، وتربط بين الناس برباط المحبة والتعاون.
ثم بين - سبحانه - حالهم بعد أن فرض عليهم القتال فقال: ((فلما كتب
عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خدية)).
أى: فين فرض عليهم القتال وأمروا بمباشرته بعد أن صارت المسلمين
دولة بالمدينة ، حين حدث ذلك ، إذا فريق منهم - وهم الذين قل إيمانهم،
وضعف يقينهم، وأرتابت قلوبهم - ((يخشون الناس، أى يخافونهم خوفا
شديدا، كخشية الله أو أشد خشية، أى: يخافون من الكفار أن يقتلوه
كما يخافون من الله أن ينزل بهم بأسه، أو أشد من ذلك.
فالمراد بالناس فى قوله (( يخشون الناس)) أولئك الأعداء الذين كتب الله
على المؤمنين قتالهم .
وعبر عن هؤلاء الأعداء بقوله (( الناس) زيادة فى توبيخ أولئك الذين
خافوا منهم هذا الخوف الشديد ، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقا ، لاستقبلوا
مافرضه الله عليهم بالسمع والطاعة، ولما خافو اهذا الخوف الشديد من أناس مثلهم.
وقوله ( كخشية الله ) مفعول مطلق ، أى يخدونهم خشبة كخشية الله .
وهو بيان لشدة خورهم وملعهم، ولفساد تفكيرهم، حيث جعلواخشيتهم
الناس فى مقابل خشيتهم لله، الذى يجب أن تكون خشيته - سبحانه -
فرق كل خشیه .
وقوله ( أو أشد خشية ) معطوف على ماقبله. وأشد حال من خشية
لأن فعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا .
وفى هذه الجملة الحكريمة زيادة فى توبيخهم وذمهم ؛ وترقٍ فى توضيح حالتهم
القبيحة، لأنه إذا كان من المقرر أنه لا يجوز للعاقل أن يجعل خشيته للناس
كخشيته لله ، فمن باب أولى لا يجوز له أن يجعل خشيته للناس أشد من خديته
عه :
لله - تعالى - .
قال الفخر الرازى ماملخصه : فإن قيل : ظاهر ( أو أشد خشية ) يوم
الشك . وذلك على علام الغيوب محال. أجيب بأن (أو ) بمعنى بل.
أو هى التنويع . على معنى أن خشية بعضهم كخشية الله وخشية بعضهم أشد منها
أو هى الإبهام على السامع . على معنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة
والشدة. وهو قريب مما فى قوله - تعالى -: ( وأرسلناه إلى مائة ألف
أو يزيدون يعنى أن من يبصرهم يقول: أنهم مائة ألف أو يزيدون)(١) .
ثم حكى - سبحانه - ما قاله أولئك الضعفاء عندما فرض عليهم القتال
فقال: (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب).
أى: أن هؤلاء الضعفاء لم يكتفوا بما اعتراهم من فزع وجزع عندما كتب
عليهم القتال وإنماٍ أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل الضجر والألم: ياربنا
لم كتبت علينا القتال فى هذا الوقت ( لولا أخرتنا إلى أجل قريب) أى: «لا
عافيقنا وتركتنا حتى نموت موته لا قتال معها عند حضور آجالنا ، دون أن
نتعرض لهذا التكليف الثقيل المخيف .
وهكذا يصور القرآن تخبط هؤلاء الضعفاء أكمل تصوير . إنهم قبل
أن يفرض القتال يظهرون التحمس له ، والتشوق لخوض معامعه ، فإذا ما فرض
عليهم القتال فزعوا وارتعدوا وقالوا ماقالوا من ضلال بضيق وهلع .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ١١٦
ـ٢٩٥٠-
ويبدو أن هذه طبيعة أكثر المتهورين فى كل وقوت، إنهم قبل أن يجد الجد
أشد الناس حماسة للقاء الأعداء، فإذا ماجد الجد ووقعت الواقعة كانوا أول
الفارين ، وأول الناكصين على أعقابهم .
وذلك لأن الشجعان العقلاء لا يتمنون لقاء الأعداء، ولا ينشئون القتال
إنشاءأ، وإنما يقدرون الأمور حق قدرها، ويضعون الأشياء فى مواضعها،
فإذا ما اقتضت الضرورة خوض معركة من المعارك ثبتوا ثبات الأبطال .
أما المندفعون بدون إيمان يدفعهم، أو عقل يرشدهم ، فإنهم نعدم تقديرهم
للأمور يكونون فى ساغة الشدة أول الناس جزءا ونكولا وانهيارا ...
ولكن من هؤلاء الذين تحدثت عنهم الآية الكريمة ووصفتهم بأنهم حين
كتب عليهم القتال ((إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية
وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب .. ؟؟ !!
إن الذى يراجع أقوال المفسرين يرى أن بعضهم يميل إلى أن الآية الكريمة
فى شأن المؤمنين ، ويرى أن بعضهم يرجح أنها فى شأن المنافقين ((وقد لخص
الإمام الرازى هذه الأقوال تلخيصا حسنا فقال :
« هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين؟ فيه قولان: الأول: أن الآية
نزلت فى المؤمنين . قال الكلى : نزلت فى عبد الرحمن بن عوف ، والمقداد ،
وقدامة بن مظعون، وسعد بن أبى وقاص. كانوا مع النبى - صلى الله عليه
وسلم - قبل أن يها جروا إلى المدينة ، ويلقون من المشركين أذى شديدا،
فيشكون ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقولون: ائذن لنا فى قتالهم
ويقول لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - كيفوا أيديكم فإنى لم أومر
بقتالهم ، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة ، فلما هاجر رسول الله
صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة كرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية ...
ثم قال. واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الذين يحتاج الرسول أن
- ٢٩٦ -
يقول لهم : كفوا عن القتال هم الراغبون فى القتال؛ والراغبون فى القتال هم
المؤمنون، فدل هذا على أن الآية فى حق المؤمنين ... وأن كرامتهم للقتال
إنما هى بمقتضى الجيلة البشرية ... وقولهم ( لم كتبت علينا القتال ... ) محمول
على التمنى فى التخفيف للتكليف لآعلى وجه الإنكار لا يجاب الله تعالى ...
ثم قال: والقول الثاني: أن الآية نازلة فى حق المنافقين. واحتج
الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمورتدل على أنها مختصة
بالمنافقين ، لأن الله وصفهم بأنهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية)
ومعلوم إن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون
خوفه من الناس أزيد دن خوفه من الله - تعالى - ولافه - سبحانه - حكى
عنهم أنهم قالوا: ربنا لما كتبت علينا القتال، والاعتراض على الله ليس إلا
من صفة الكفار أو المنافقين، ولأن الله قال للرسول: ( قل متاع الدنيا
قلیل والآخرة خیر لمن اققی) وهذا الكلام یذ کر مع من كانترغبتهفىالدنيا
أكتر من رغبتها فى الآخرة، وذلك من صفات المنافقين ...
ثم قال. والأولى حمل الاية على المنافقين لأنه - سبحانه - ذكر بعد
هذه الآية قوله: ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم
سيئة يقولوا هذه من عندك) ولا شك أن هذا من كلام المنافقين ، فإذا كانت
هذه الآية مسطوفة على الآية التى نحن فى تفسيرها ثم المعطوف فى المنافقين ،
وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا)(١) .
ونحن نوافق الإمام الرازى فيما ذهب إليه من أن حمل الآية الكريمة على
أنها فى المنافقين هو الأولى للأسباب التى ذكرها.
ونضيف إلى ماذكره الإمام الرازى أن المتأمل فى سياق الآيات السابقة
واللاحقة يراها واضحة فى شأن المنافقين، ومن هم على شاكلتهم من ضعاف
(١) تفسير الفخر الرازى : ١٠ ص١٨٥ - بتصرف وتلخيص
- ٢٩٧ -
الايمان، الذين أدى بهم ضعف نفوسهم ، رحبهم للدنيا إلى كراهة القتال،
والخوف من تكاليفه ...
فأنت إذا قرأت الآيات التى قبيل هذه الآية تراها تتحدث عن إرادة
تحاكمهم إلى الطاغوت مع زعمهم الا يمان بما أنزل إلى الرسول - صلى الله عليه
وسلم وبما أنزل على الرسل من قبله .. وتراها نتحدث عن تباطثهم عن القتال
وفرحهم لنجاتهم من مخاطره ...
ثم إذا قرأت الآيات التى ستانى بعد هذه الآية تراها تتحدث عن نسبتهم
الحسنه إلى الله، ونسبتهم السيئة إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعن
إذاعتهم لأسرار المؤمنين .. ألح فثبت أن الآية الكريمة تتحدث عن صفات
المنافقين ، وعمن هم قريبوا الشبه بهم من ضعف الايمان الذين أخلدوا إلى
الراحة . وآثروا القعود فى بيوتهم على القتال من أجل إعلاء كلمة الله، ودفع
الظلم عن المظلومين .
ونضيف أيضا أن القول الأول - الذى ذكره الإمام الرازى وهو أن
الآية نزلت فى المؤمنين - غير صحيح لأسباب من أهمها:
١ - أن الرواية التى ذكرها الامام الرازى نقلا عن الكلبى وهى أن الآية
نزلت فى عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون ١٠٠٠لخ هذه
الرواية يبدو عليها الضعف، لأنها لم ترد فى كتب الحديث الموثوق بها ، ولأن
الكلى نفسه قد عرف عنه عدم التثبت فى النقل .
ولقد علق الإمام الشيخ محمد عبده على هذه الرواية بقوله: (( إننى أجزم
ببطلان هذه الرواية مهما كان سندها، لأننى أبرىء السابقين الأولين كسعد
وعبدالرحمن ما رموا به. وهذه الآية متصلة بما قبلها، فإن الله - تعالى -
أمر أخذ الحذر والإستعداد للقتال، والنفر له، وذكر حال المبطئين لضعف
قلوبهم ... وبعد هجرة النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أمر الاسلام
أتباعه بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال.
إلى أن إشتدت الحاجة إليه ففرضه الله عليهم فكرهه الضعفاء
منهم، (١)
٢ - أن المؤمنين لم يعد عنهم ما ذكرت الآية من خوف من القتال،
ومن تمن لعدم حضوره، وإنما المعهود عنهم أنهم كانوا يبادرون اليه كلما
إقتضت الضرورة ذلك ويتسابقون لخوض ساحته دفاعا عن دينهم، وإنتصارا
ممن بغى عليهم ...
ولقد قال المقداد بن عمرو للرسول - صلى الله عليه وسلم . فى غزوة بدر
يارسول الله ، إمض لما أمرك الله فنحن معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو
إسرائيل لموسى: إذهب أنت وربك فقاتلا إناههنا قاعدون. ولكن نقول لك
إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق لو سرت
بنا إلى برك الغماد لجاندفا معك من دونه حتى تبلغه ...
إلى غير ذلك من الأقوال والمواقف التى تدل على شجاعتهم وقوة إيمانهم.
ولقد رجح الإمام القرطى عند تفسيره للآية الكريمة أنها فى المنافقين
فقال: قال مجاهد: هى فى اليهود. وقال الحسن: هى فى المؤمنين لقوله ((يخشون
الناس، أى مشركي مكة ، كخشية الله، فهى على ماطبع عليه البشر من المخافه
لا على المخالفة. وقال السدى: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال فلما فرض
كرهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين . والمعنى: يخشون القتل من المشركين
كما يخشون الموت من الله, أو أشد خشية، أى عندهم وفى إعتقادهم.
ثم قال : قلت وهذا أشبه بسياق الاية لقوله ربنا لم كتبت علينا القتال
لولا أخرتنا إلى أجل قريب ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابى
كريم، يعلم أن الاجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله
ممتثلين سامعين طائعين. يرون الوصول إلى الدار الاجلة خيرا من المقام فى
(١) تفسير المنار جـ ٥ ص ٢٦٣
الدار العاجلة ، على ماهو المعروف من سيرتهم - رضى الله عنهم - المهم
إلا أن يكون قائله من لم يرسخ فى الإيمان قدمه ، ولا اشرح بالاسلام جنابه
فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص، وهو الذى تنفر
نفسه عما تؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وندركه فيه الشدة ، (١) .
والخلاصة : أن الذى تطمئن إليه نفوسنا أن الآية الكريمة تحكى ما كان
عليه المنافقون وضعاف الإيمان، من بعد عن طاعة الله ، ومن جبن فى النفوس
ومن حب الحياة الدنيا وزينتها ....
وأن المؤمنين بعيدون كل البعدعما اشتملت عليه الآية الكريمة من صفات
وأحوال؛ لأن ما عرف عنهم من إيمان وإقدام ينأى بهم عن أن يكونوا من
قال الله فيهم ((فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية
اللّه أو أشد خشية، وعن أن يقولوا: «ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا
إلى أجل قريب ،.
هذا، وقوله - تعالى - ((قل متاع الدنيا قليل والآخرة لمن اتقى
ولا تظلمون فتيلا ، رد على التصرفات الذميمة ، والأقوال الفاسدة التى صدرت
عن المنافقين وضعاف الإيمان! وإرشاد من الله - تعالى - لعباده إلى أن متاع
لحياة الدنيا قليل بالنسبة لما اشتملت عليه الآخرة من نعيم للمؤمنين الصادقين.
والمتاع: اسم لما يتمتع به الإنسان فى هذه الحياة من مال وغيره .
والفتيل: هو الخيط الدقيق الذى يكون فى شق نواة التمرة. ويضرب به
المثل فى القلة والتفاهة .
والمعنى: قل - يا محمد - لهؤلاء الذين يخشون لقاء الأعداء، ويفزعون
من القتال طمعا فى التمتع بزينة الحياة الدنيا ، قل لهم: إن منافع الدنيا ولذاتها
قليلة مهما كبرت فى أعينكم؛ لأنها زائلة فانية، أما الآخرة بما فيها من نعيم دائم
فهى خير ثوابا، وأعظم أجر المن اتقى الله، وجاهد فى سبيله. وإذا كان الأمر
(١) تفسير القرطبي ج ٥ ص !٢٨.
- ٣٠٠ -
كذلك فاجعلوا خشيتكم من الله وحده، وبادروا إلى الجهاد فى سبيل إعلاء
كلمة الله، لكى تفالوا التواب الجزيل من الله دون أن يذهب من ثوابكم شيئا
مهما كان هذا الشى ضئيلا أو قليلا، ودون أن ينقص من أعماركم شيئا ؛لأن
الجبن لا يؤخر الحياة كما أن الإقدام لا ينقص شيئا منها .
ثم بين - سبحانة - أنه لامفر لهم من الموت، وأنهم مهمافروا منه
فإنه سيلقاه آجلا أو عاجلا فقال - تعالى -: ( أينما تكونوا يدرككم الموت
ولو كنتم فى بروج مشيدة)).
والبروج: جمع برج وهو الحصن المنيع الذى هو نهاية ما يصل إليه البشر.
فى التحصن والمنعة. وأصل البروج من التبرج بمعنى الظهور. يقال: تبرجت
المرأة، إذا أظهرت محاسنها . والمراد بها الحصون والقلاع الشاهقة المنيعة.
والمشيدة: أى المحكمة البناء، والعظيمة الارتفاع من شاد القصر إذا
رفعه، والمعنى: إنكم أيها الخائفون من القتال إن ظننتم أن هذا الخوف منه
أو القعود عنه سينجيكم من الموت ((فأنتم هذا الظن مخطئون، لأن الموت حيثما
كنتم سيدرككم، ولو كنتم فى أقوى الحصون، وأمنعها وأحكمها بناء، ومادام
الأمر كذلك فليكن موتكم وأنتم مقبلون بدل أن تموتوا وانتم مدبرون.
والجملة الكريمة لامحل لها من الإعراب، لأنها مسوقة على سبيل الاستئناف
لتب كيت هؤلاء الكارهين للقتال، وتحريض غيرهم من المؤمنين على الإقدام
عليه من أجل نصرة الحق .
ويحتمل أنها فى محل نصب ، فتكون داخلة فى حيز القول المأمور به
الرسول - صلى الله عليه وسلم - أى: قل لهم يا محمد متاع الدنيا قليل ...
وقل لهم أينما تكونوا يدرككم الموت ..
وأين: اسم شرط جازم ظرف مكان يجزم فعلين، و «ما، زائدة للتأكيد،
وتكونوا فعل الشرط ويدرككم جوابه .
والتعبير بقوله ((بدر كمكم)) للإشعار بأن الموت كأنه كائن حى يطلب