Indexed OCR Text

Pages 161-180

- ١٦١ ~
((يَأَيُّهَ الّذِينَ آمنوا لاَ تَاكَلُوا أَمْوَالَكُم بَينُكُم بالباطِلْ إلاَّ أَن
تكونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم، وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفسكُ إذَّ الهَ كَانَ
بُكُم رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْواً وظُلَا فَسَوفَ نُصِلِيه
نَراً، وكانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ .) تُنْهَوْنَ عنه
نُكَفِّرْ عَنكُم سيئاتكمٍ وَنُدْخِلْكُم ◌ُدْخلاَ كَرِيماً (٣١))).
والمراد بالأكل فى قوله ( لا تأكلوا أموالكم) مطلق الأخذ الذى يشمل
سائر التصرفات التى فهى الله عنها .
وخص الأكل بالذكر ؛ لأن المقصود الأعظم من الأموال هو التصرف
فيها بالأكل .
والباطل: اسم لكل تصرف لا يبيحه الشرع كالربا والقمار والرشوة
والغصب والسرقة والخيانة والظلم إلى غير ذلك من التصرفات المحرمة .
والمعنى. يأيها المؤمنون لا يحل لكم أن يأكل بعضكم مال غيره بطريقة
باطلة لا يقرها الشرع، ولا يرتضيها الدين ، كما أنه لا يحل لكم أن تتصرفوا فى
الأموال التى تملكونها تصرفا منهيا عنه بأن تنفقوها فى وجوه المعاصى التى نهى
الله عنها ; فإن ذلك يتنافى مع طبيعة هذا الدين الذى آمنتم به.
وناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان، لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم
وإغرائهم بالاستجابة لما أمروا به أو نهوا عنه .
وفى قوله ( أموالكم ) إشارة إلى أن هذه الأموال هى نعمة من الله لنا ،
وأن على الأمة جميعها أن تصون هذه الأسوال عن التصرفات الباطلة التى
لاتبيحها شريعة الله .
وفى قوله ( بيتكم ) إشارة إلى أن تبادل الأموال بين الأفراد والجماعات
يجب أن يكون على أساس من الحق والعدل ولا يكون بالباطل أو بالظلم .
(١١ - سورة النساء )

- ١٦٢ -
والاستثناء فى قوله (( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، استثناء منقطع
لأن التجارة ليست من جنس الأموال المأكولة بالباطل .
والمعنى: لا يحل لكم - أيها المؤمنون - أن تتصرفوا فى أموالكم بالطرق
المحرمة، لكن يباح لكم أن تتصرفوا فيها بالتجارة الناشئة عن تراض فيما
بينكم ؛ لأنه لا يحل لمسلم أن يقتطع مال أخيه المسلم إلا عن طيب نفس منه.
والتجارة: اسم يقع على عقود المعاوضات التى يقصدبها طلب الربح.
وخصت بالذكر من بين سائر أسباب الملك؛ لكونها أغلب وقوعا ولأن
أسباب الرزق أكثرها متعلق بها .
أخرج الأصبهانى عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا
وعدوا لم يخلفوا، وإذا انتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا
باءوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا).
وكلمة ( تجارة) قرأها عاصم وحمزة والكسائى بالنصب على أنها خبر لكان
الناقصة، وإسم كان ضمير يعود على الأموال أى إلا أن تكون الأموال
المتداولة بينكم تجارة صادرة عن تراض منكم .
وقرأما الباقون بالرفع على أنها فاعل لكان التامة أى : إلا أن تقع تجارة
بيتكم عن تراض منكم .
وقوله ( عن تراض منكم) صفة لقوله (تجارة) ولفظ ( عن ) للمجاوزة
أى: إلا أن تكون تجارة صادرة عن تراض كائن منكم.
والتراضى : هو الرضا من الجانبين بما بدل عليه من لفظ أو عرف،وهو
أساس العقود بصفة عامة ، وأساس المبادلات المالية بصفة خاصة ، فلا بيع
ولا شراء ولا إجارة ولا شركة ولاغيرها من عقود التجارة مالم يتحقق
الرضا .
قال بعضهم: وحقيقة التراضى لا يعلمها إلا الله - تعالى - والمراد هاهنا

- ١٦٣ -
أمارته . كالإيجاب والقبول وكالتعاطى عند القائل به ... وقد قال - تعالى-
((إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، فدل ذلك على أن مجرد التراضى
هو المناط . ولابد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كتابة، بأى لفظ وقع
وعلى أى صفة كان، وبأى إشارة مفيدة حصل))(١).
وقال الألوسى : والمراد بالتراضى مراضاة المتبايعين بما تعاقدوا عليه
فى حال المبايعة وقت الإيجاب والقبول عندنا . وعند المالكية والشافعية حالة
الافتراق عن مجلس العقد وقيل التراضى: التخيير بعد البيع ... )(٢).
هذا، وظاهر قوله - تعالى - ((إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم
يفيد إباحة جميع أنواع التجارات مادام قد حصل التراضى بين المتعاقدين ،
ولكن هذا الظاهر غير مراد ؛ لأن الشارع قد حرم المتاجرة فى أشياء معينة
حتى ولو تم التراضى بين المتعاقدين فيها ، وذلك مثل المتاجرة فى الخمر والميتة
ولحم الخنزير، ومثل بيع الغرر والعبد الآبق ونحو ذلك مما نهى عنه الشارع
من العقود والمعاملات .
وقوله, ولا تقتلوا أنفسكم ، معطوف على ما قبله.
وللعلماء فى تأويله اتجاهات : فمنهم من يرى أن معناه: ولا يقتل بعضكم
بعضا ، فإن قتل بعضكم لبعض قتل لأنفسكم. والتعبير عن قتل بعضهم لبعض
بقتل أنفسهم للمبالغة فى الزجر عن هذا الفعل ، وبتصويره بصورة مالا يكاد
يفعله عاقل .
وإلى هذا المعنى اتجه الفخر الرازى فقد قال: اتفقوا على أن هذا نهى عن
أن يقتل بعضهم بعضا. وإنما قال: ((أنفسكم، لقوله -صلى الله عليه وسلم -
المؤمنون كنفس واحدة)). ولأن العرب يقولون: قتلنا ورب الكعبة إذا
(١) تفسير القاسمی <٥ ص٣
(٢) تفسير الآلوسي ج ٥ ص ٠١٦

- ١٦٤ -
قتل بعضهم؛ لأن قتل بعضهم يحرى مجرى قتلهم ... ،(١) .
ومنهم من يرى أن معناه النهى عن قتل الإنسان لنفسه . ومن ذلك
ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً. ومن تحسى
سما فقتل نفسه فسمه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن
قتل نفسه بحديدة حدیدته فی یدہ یجا- أی یطعن - بها فى بطنه فى نار جهنم
خالدا مخلدا فيها أبداً ،(٢).
وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -
برجل قتل نفسه بمشاقص - أى سهام عراض واحدها مشقص - فلم
يصل عليه(٣).
ومنهم من يرى أن معناه: لا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض
وبارتكابكم للمعاصى التى نهى اللّه عنها، فإن ذلك يؤدى إلى إفساد أمركم ،
وذهاب ريحكم، وتمزق وحدتكم، ولا قتل للأمم والجماعات أشد من فساد
أمرها ، وذهاب ريحها .
وقد ذهب إلى هذا المعنى الإمام ابن كثير فقد قال: وقوله : «ولا تقتلوا
أنفسكم، أى بارتكاب محارم الله - وتعاطى معاصيه، وأكل أموالكم
بينكم بالباطل،(٤).
.. والذى نراه أن الجملة الكريمة تتناول كل هذه الاتجاهات، فهى تنهى المسلم
عن أن يقتل نفسه ، كما أنها تنهاه عن أن يقتل غيره ، وهى أيضا تنهاه عن
ارتكاب المعاصى التى تؤدى إلى هلا که .
وقدم - سبحانه - النهى عن أكل الأموال بالباطل على النهى عن قتل
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١٠ ص ٠٧٢
(٢) أخرجه البخارى فى باب شرب السم من كتاب الطب ــ١ ص١٨١،
وأخرجه مسلم فى كتاب الإيمان جـ١ ص ١٨١.
(٣) أخرجه مسلم فى كتاب الجنائز ج٣ صـ٦٦ (٤) تفسير ابن كثير جـ١صـ ٤٨٠

- ١٦٥ -
الأنفس مع أن الثانى أخطر ، للإشعار بالتدرج فى النهى من الشديد إلى الأشد
ولأن وقوعهم فى أكل الأموال بالباطل كان أكثر منهم وأسهل عليهم من
وقوعهم فى القتل .
وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((إن الله كان بكم رحيما)
لبيان أن مانهى الله عنه من محرمات، وما أباحه من مباحات ، إنما هو من
باب الرحمة بالناس ، وعدم المشقه عليهم . فالله - تعالى - رءوف بعباده
ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم إلا بما هو فى قدرتهم واستطاعتهم.
وهذه الآية الكريمة أصل عظيم فى حرمة الأموال والأنفس . ولقد
أكد النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى فى خطبته فى حجة الوداع
حيث قال: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، فى
شهركم هذا ، فى بلدكم هذا ... ) .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يفعل مانهى الله عنه فقال: ((ومن
يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف فصليه ناراً، وكان ذلك على الله يسيراً)).
واسم الإشارة فى قوله ((ومن يفعل ذلك)) يعود إلى المذكور من أكل
الأموال بالباطل ومن القتل . وقيل الإشارة إلى القتل لأنه أقرب مذ كور.
والعدوان : مجاوزة الحد المشروع عن قصد وتعمد .
والظلم: وضع الشىء فى غير موضعه .
والمعنى: أن من يفعل ذلك المحرم حال كونه ذا عدوان وظلم عاقبه الله
على ذلك عقابا شديدا فى الآخرة ، بإدخاله نارا هائلة محرقة ، وكان عقابه
بهذا العذاب الهائل الشديد يسيرا على الله؛ لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء.
وجمع - سبحانه - بين العدوان والظلم ليشمل العذاب كل أحوال
الارتكاب لمحارم الله، وليخرج ما كان غير مقصود من الجرائم، كمن يتلفمال

غيره بدون قصد ، وكمن يقتل غيره بدون تعمد، فإنه يكون ظالما وعليه دفع
عوض معين للمستحق لذلك ، إلا أنه لا يكون مستحقا لهذا العذاب الشديد
الذى توعد الله به من يرتكب هذه الجنايات عن عدوان وظلم .
وبعد هذا الوعيد الشديد لكل معتد وظالم، فتح القرآن الكريم باب الرحمة
للناس حتى لا يقنطوا من رحمة الله فقال - تعالى - ((إن تجتدوا كبائر ماتنهون
عنه فكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريماً ،.
واجتناب الشىء معناه: المباعدة عنه وتركه جانبا بحيث تكون أنت فى
جانب وهو فی جانب آخر ولا تلاقى بينكما .
وكبائر الذنوب: ماعظم منها، وعظمت العقوبة عليه. كالشرك، وقتل
النفس بغير حق ، وأكل مال اليتيم ونحو ذلك من المحرمات .
والسيئات : جمع سيئة وهى الفعلة القبيحة، وسميت بذلك ؛ لأنها تسوم
صاحبها عاجلا أو آجلا .
والمراد بالسيئات هنا : صغائر الذنوب بدليل مقابلتها بالكبائر.
والمعنى: إن تتركوا - يامعشر المؤمنين - كبائر الذنوب التى تمهاكم الشرع
عن اقترافها، (( فكفر عنكم سيئاتكم، أى نسترها عليكم، ونمحها عنكم
حتى تصير بمنزلة مالم يعمل فضلا من الله عليكم، ورحمة بكم .
(((وندخلكم مدخلا كريما)، أى وندخلكم فى الآخرة مدخلا حسنا
وهو الجنة التى وعد الله بها عباده الصالحين . فهى مكان طيب يجد من يحل فيه
الكثير من كرم الله ورضاه .
والمدخل - بضم الميم - كما قرأه الجمهور مصدر بمعنى الإدخال، ومفعول
تدخلكم محذوف أى نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم إدخالا كريما .
ويصح أن يكون اسم مكان منصوبا على الظرفية عند سيبويه ، وعلى
المفعولية عند الأخفش .

-١٦٧ =
وقرأ نافع ((مدخلا)) - بفتح الميم - على أنه اسم مكان للدخول،
ويجوز أن يكون مصدرا ميميا. أى تدخلكم مكانا كريما أو ندخلكم
دخولا كريما .
هذا ، وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن صغائر الذنوب يغفرها
الله - تعالى - لعباده رحمة منهو كرمامتى اجتنبوا كبائر الذنوب ، وصدقوا
فى توبتهم إليه ...
كما استدلوا بها على أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر؛ لأن هذه الآية
قد فصلت بين كبائر الذنوب وبين مايكفر باجتنابها وهو صغار الذنوب المعبر
عنها بقوله - تعالى -: ((نكفر عنكم سيئاتكم)). ولأن الله - تعالى -
يقول فى موضع آخر «ولله مافى السموات ومافي الأرض ليجزى الذين أساؤا
بما عملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى. الذين يحتذيون كبائر الإثم والفواحش
إلا اللهم إن ربك واسع المغفرة ... )، (١)
قال الآلوسى ماملخصه : واختلفوا فى حد الكبيرة على أقوال منها :
أنها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أوسنة ... ومنها:
أنها كل معصيه أوجبت الحد . ومنها: أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث
مرتكبها بالدين ويضعف ديانته ....
وقال الواحدى : الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به ،
وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها. ولكن الله - تعالى -- أخفى
ذلك عن العباد ليجتهدوافى اجتناب المنهى عنه رجاء أن تجتنب الكبائر. ونظير
ذلك إخفاء الصلاة الوسطى ، وليلة القدر. وساعة الإجابة ... )).
وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير ضبط بحد . فعن ابن عباس وغيره
(١) سورة النجم: الآيتان ٠٣٢،١١

- ١٦٨ -
أنها ماذكره الله - تعالى - من أول هذه السورة إلى هنا. وقيل هى سبع
بدليل ماجاء فى الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: وماهن يارسول الله ؟ قال: الشرك بالله - تعالى-
والسحر ، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا،
والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات )).
فإن قيل : جاء فى روايات أخرى أن من الكبائر (( اليمين الغموس))
و((قول الزور)) و((عقوق الوالدين))؟ قلنا فى الجواب: إن ذلك محمول على
أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر ماذكر منها قصدا لبيان المحتاج منها وقت
الذكر وليس لحصره الكبائر فيه - فإن النص على هذه السيع بأنهن كبائر
لا ينفى ماعداهن))(١) .
والذى نراه أن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر ، وأن الصغائر يغفرها
الله لعباده متى اجتنبوا الكبائر وأخلصوا دينهم الله، وأن الكبائر هى ما حذر
الشرع من إرتكابها تحذيرا شديدا، وةوعدم تكبها بسوء المصير، كالإشراك
بالله ، وقتل النفس بغير حق وغير ذلك من الفواحش التى يؤدى ارتكابها إلى
إفساد شأن الأفرادوالجماعات والتى ورد النهى عنها فى كثير من الآيات القرآنية
والأحاديث النبوية . وأن الصغائر، هى الذنوب البيرة التى يرتكبها الشخص
من غير إصرار عليها ولا استهانه بها أو مداومة عليها ، بل يعقبها بالتوبة
الصادقة والعمل الصالح وصدق الله إذ يقول: «وأقم الصلاة طر فى النهار وزلفا
من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى الذا كرين، ولقد فتح الله
- تعالى - لعباده باب التوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها حتى لا يأسوا من
وحمته فقال - سبحانه -: ((والذين لايدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون
النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف
(١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٠١٧

- ١٦٩ -٠
له المذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا
فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيماء (١)
٥٠٠
ثم نهى - سبحانه - عن التحاسد وعن تمنى مافضل الله به بعض الناس على
بعض من المال ونحوه مما يجرى فيه التنافس، وبين - سبحانه - أنه قد جعل
لكل إنسان حقا معينا فيما تركه الوالدان والأقربون فقال - تعالى -:
((وَلاَ تَعَنَّوا مَا فضَّلَ اللهُ بِهِ بَعَضَكُمْ عَلَى بَعضِ للرجالِ نصيبٌ
مما اكْتَبُوا وللنِّسَاءِ نصيبٌ مما اكْتَبنَ، واسألُوا اللهَ مِنْ فَضِلِه
إِنَّ اللهَ كانَ بكلِّ شىءٍ عليماً (٣٢) وَلِكلّ جَعلناً موالِيَ مُمَّا تَركَ
الوَالِدَان والأقربونَ، والذِينَ عقدتْ أَيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نصيبهمْ إنّ
اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهيداً (٣٣))).
روى المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى روايات منها مارواه الإمام
أحمد والترمذى عن مجاهد قال : قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال
ولا نغزو، ولنا نصف الميراث فأنزل الله - تعالى - ((ولا تتمنوا مافضل الله به
بعضكم على بعض ».
وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان، فلما ورثوا
وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لوجعل أنصباؤهن كأنصبا.
الرجال. وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا فى الآخرة
كما فضلنا عليهن فى الميراث فنزلت ((ولا تتمنوا مافضل الله به بعضكم
على بعض ،.
والتمنى المنهى عنه هنا: هو الذى يتضمن معنى الطمع فيما فى يد الغير، والحسدله
(١) سورة الفرقان: الآيات ٦٨، ٦٩، ٠٧٠

- ١٧٠ -
على ما أعطاه الله من مال أو جاه أو غير ذلك مما يجرى فيه التنافس بين الناس
وذلك لأن التمنى بهذه الصورة يؤدى إلى شقاء النفس، وفساد الخلق والدين،
ولأنه أشبه ما يكون بالاعتراض على قسمة الخالق العليم الخبير بأحوال خلقه
ويشئون عباده .
ولا يدخل فى التمنى المنهى عنه ما يسميه العلماء بالغبطة ، وهى أن يتمنى
الرجل أن يكون له مثل ما عند غيره من خير دون أن ينقص شىء مما عند
ذلك الغير .
قال صاحب الكشاف: قوله ((ولاتتمنوا .. )، ثموا عن التحاسد وعن
تمنى مافضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل
قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد ، وبما يصلح
المقسوم له من بسط فى الرزق أو قبض ((ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى
الأرض)). فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم الله له، علماً بأن ما قسم له هو
مصلحته، ولو كان خلافه لسكان مفسدة له ، ولا يحسد أخاه على حظه))(١).
وقوله - تعالى - (( للرجال نصيب مما أكتسبوا وللنساء نصيب مما
اكتسين)) تعليل للنهى السابق . أى لكل من فريقى الرجال والنساء حظ
مقدر مما اكتسبوه من أعمال ، ونصيب معين فيما ورثوه أو أصابوه من
أموال، وإذا كان الأمر كذلك فلا يليق بعاقل أن يتمنى خلاف ماقسم الله
له من رزق، بل عليه أن يرضى بما قسم الله له . فاته - تعالى - هو الذى قدر
أرزاق الرجال والنساء على حسب ما تقتضيه حكمته وعلمه، وهو الذى كلف
كل فريق منهم بواجبات وأعمال تليق باستعداده وتكوينه .
وقوله (( واسألوا الله من فضله)) عطف على النهى. فكأنه قيل: لا تتمنوا
ولا تتطلعوا إلى ما فى أيدى غيركم، ولا تحسدوه على مارزقه الله ، بل اجعلوا
(١) تفسير الكشاف = ١ ص ٠٥٠٤

- ١٧١ -
اتجاهكم إلى أمه وحده، والتمسوا منه ما تشاءون من نعمه الجليلة، ومن
حظوظ الدنيا والآخرة ، فهو القائل «ما يفتح الله للناس من رحمة فلا مك
لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم)).
وحذف المفعول من الجملة الكريمة لإفادة العموم . أى: واسألوا الله
ماشئتم من إحسانه الزائد ، وإنعامه المتكاثر حتى تطمئن نفوسكم، ويبتعد
عنها الطمع والقلق والألم .
قال ابن كثير: قوله ((واسألوا الله من فضله، أى لاتتمنوا مافضلنا
به بعضكم على بعض؛ فإن التمنى لا يجدى شيئاً ، ولكن سلونى من فضلى أعطكم
فإنى كريم وهاب . روى أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل،
وإن أحب عباد الله إلى الله الذى يحب الفرج))(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((إن الله كان بكل شىء عليماء
أى إن الله - تعالى - كان ومازال عليما بكل شىء من شئون هذا الكون ،
وقد وزع - سبحانه - أرزاقه ومواهبه على عباده بمقتضى عليه وحكمته ،
يجعل فيهم الغنى والفقير، فيحتاج بعضهم إلى بعض، وليتبادلوا المنافع التى لاغنى
لهم عنها ، وكلف كل فريق منهم بما يتناسب مع تكوينه واستعداده («صنع
الله الذى أتقن كل شىء إنه خبير بما تفعلون)).
ثم قال - تعالى (( ولكل جعلنا موالى ما ترك الولدان والأقربون)).
والمضاف إلى كل منا محذوف عوض عنه التنوين، والتقدير ولكل إنسان
أو لكل قوم أو لكل من مات، أو لكل من الرجال والنساء.
والموالى: جمع مولى. والمولى لفظ مشترك بين معانى، فيقال للسيد المعتق
لعبده مولى، لأنه ولى نعمته فى عتقه له . ويقال للعبد العتيق مولى الاتصال
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٨٨.

-٠ ١٧٣ -٠
ولاية مولاه فى إنعامه عليه كما يقال لسكل من الحليف والنصير والقريب مولى.
ويقال لمصبة الشخص موالى .
قال الفخر الرازى: والمراد بالموالى هنا العصبة . ويؤكد ذلك مارواه
أبو صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - «أنا أولى
بالمؤمنين. من مات وترك مالا فماله الموالى العصبة. ومن ترك كلا فأناوليه)،
وقال - عليه الصلاة والسلام - «أقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولى
عصبة ذكر )(١) .
هذا ، والمفسرين فى تأويل هذه الآية الكريمة أقوال متعددة منها أن المعنى:
١ - ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا ورثة عصبة، يرثون مما تركه
الوالدان والأقربون من المال .
٢ - أو المعنى: ولكل من مات من الرجال والنساء جعلنا موالى أى
ورثة يقتسمون تركمته عن طريق الإرث ، ولاحق للحليف فيها لأنه ليس من
عصبة هذا الميت .
٣ - أو المعنى: ولكل مال ما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالى أى
ورثة بلونه ويحوزونه بعد أن يأخذ أصحاب الفروض نصيبهم .
وعلى هذه الوجوه يكون الوالدان والأقربون م الذين يرثهم غيرهم من
مواليهم أى عصبتهم .
٤ - قال الفخر الرازى: ويمكن أن تفسر الآية بحيث يكون الوالدان
والأقربون هم الورثة ، فيكون المعنى :
ولكل واحد جملنا ورثة فى تركته. ثم كأنه قيل: ومن هؤلاء الورثة؟
فقيل . هم الوالدان والأقربون . وعلى هذا الوجه لابد من الوقف عند قوله
(( ما ترك،(٢):
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٠٨٤
(٢) تفسير الفخر الرازى ج ١٠ ص ٨٤ - بتصرف وتلخيص -.

١٧٣٠٠ -
هذا وتفسير الآية الكريمة بحيث يكون الوالدان والأقربون هم الذين.
برثم غيرهم من عصبتهم هو الأولى، لأنه هو الظاهر فى معنى الآية، وعليه سار
جمهور المفسرين ، فقد قال ابن جرير: ((فالموالى هاهنا: الورثة. ويعنى بقوله.
(((مما ترك الوالدان والأقربون، مما تركه والداه وأقرباؤه من الميراث. فتأويل
الكلام، ولكل منكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون بها مما ترك والداه وأقر باؤه
من ميرانهم))(١) .
وقال صاحب المكشاف: قوله (مما ترك) تبين لكل . أى: ولكل شىء
مما ترك الوالد ان والأقربون من المال جعلنا موالى أى وارثا يلونه ويحرزونه.
أو ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون. على أن
( جعلنا موالى ) صفة لكل ، والضمير الراجع إلى كل محذوف، والكلام مبتدأ
أو خبر. كما تقول: لمكل من خلقه الله إنسانا من رزق الله. أى حظ من
رزق الله )(١) .
وقال القرطبى: بين الله - تعالى - أن لكل إنسان ورثةوموالى،
فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث ولا يتمن مال غيره)(٣)
وقوله ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) جملة من مبتدأ وخبر.
وجىء بالفاء فى الخير وهو قوله ( فآتوهم ) لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
وقوله ( عقدت) من العقد وهو الشد والربط والتو كيدو التغليظ، ومنه.
قولهم: عقد العهد يعقده، أى : شده وأكده.
والأيمان : جمع يعين والمراد به هنا أيديهم اليمنى، وإسناد العقد إليها على
سبيل المجاز ، لأنهم كانوا عندما يوثقون عقدا يضع كل واحد منهم يده فى يد
(١) تفسير ابن جزير جـ ٥ ضـ ٠٥١
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ - ٥٠٤
(١) تفسير القرطبى جـ ٥ صـ ٠٥١

- ١٧٤ -
الآخر، ليكون ذلك علامة على إبرام العقد وتأكيده . ومن هنا قيل للعقود
الصفقات لأن كل عاقد يصفق بيمنه على يمين الآخر .
ويصح أن يكون المراد بالإيمان هنا الأقسام التى كانوا يقسمونها
ويحلفونها عند التعاقد على شىء يهمهم أمره.
وقد قرأ عاصم وحمزة والكسائى ((عقدت أيمانكم، وقرأ الياتون، عاقدت
أيمانكم، وعلى كلتا القراءتين فالمفعول محذوف أى والذين عقدت حلفهم
أيمانكم أو عاقدتهم أيمانكم .
وللعلماه فى المراد بقوله (والذين عقدت أيمانكم ) أقوال منها:
١ - أن المراد بهم الحلفاء وهم موالى الموالاةو كان لهم نصيب من الميراث
ثم نسخ ، وقد ورد فى ذلك آثار منها ما أخرجه ابن جرير وغيره عن قتادة
قال: قوله تعالى -: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) كان الرجل إماقد
الرجل فى الجاهلية فيقول: دمى دمك، وهدمى مدمك .. أى مهدومى مهدومك
وترثنى وأرئك، وتطلب بى وأطلب بك ، فجعل له السدس من جميع المال فى
الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم. فنسخ ذلك بعد فى سورة الأنفال
فقال الله تعالى - ( واولوا الأرحام بعضهم اولى ببعض فى كتاب الله (١)
٢ - ويرى بعضهم أن المراد بهم الأدعياء وهم الأبناء بالتبنى، وكانوا
يتوارثون بسبب ذلك ، ثم نسخه بآية سورة الأنفال السابقة .
٣ - ويرى فريق ثالث ان المراد بهم إخوان المؤاخاة، فقد كان النبى
- صلى الله عليه وسلم - يؤاخى بين الرجلين من اصحابه وكانت تلك المؤاخاة
سببا فى التوارث ثم نسخ ذلك بآية الأنفال السابقة .
٤ - وقال أبو مسلم الأصفهانى: المرادبهم الأزواج ، إذ النكاح
يسمى عقدا .
(١) تفسير ابن جرير ج ٥ ص ٥٢

- ١٧٥ -
والذى نراه أولى هو القول الأول لكثرة الآثار التى تؤيده، ولأنه هو
الذى رجحه جمهور المفسرين ، وعليه يكون المعنى : والذين عقدت حلفهم
أيمانكم وهم الذين تحالفتم معهم على التناصر وغيره («فآتوم قصبهم، أى
فأعطوهم نصيبهم من الميراث وفاء بالعقود والعهود.
قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة. وأولى الأقوال بالصواب
فى تأويل قوله - تعالى - ((والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نضيهم، قول من
قال: والذين عقدت أيمانكم على المخالفة، وهم الخلفاء، وذلك أنه معلوم عند
جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها : إن عقد الحلف بينها كان يكون
بالإيمان والعهود والمواثيق على نحو ماقد ذكرنا من الروايات فى ذلك ... (١).
وقال ابن كثير: وقوله ، والذين عقدت إيمانكم فيآ قوهم نصيبهم، أى
والذين تحالفتم بالإيمان المؤكدة أنتم وهم فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعد نموهم
فى الإيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم فى تلك العقود والمعاهدات . وقد كان
هذا فى ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك ، وأمروا أن يوفوا من عاقدوا
ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة ... (٢).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله «إن الله كان على كل شىء شهيدا))
أى إن الله - تعالى - كان وما زال عالما بجميع الأشياء، ومطلعا على جليه
وخفيها، وسيجازى الذين يتمسكون بشريعته بما يستحقون من ثواب .
وسيجازى الذين ينحرفون عنها بما يستحقون من عقاب.
فالجملة الكريمة تذبيل قصد به الوعد لمن أطاع الله والوعيد لمن عصاه.
(١) تفسير ابن جرير جه ص٠٥٥
(٢) تفسير ابن كثير ج١ ص ٠٤٨٩

- ١٧٦ -٠
ثم بين - سبحانه - حقوق الرجال وحقوق النساء، وما يجب لكل
فريق نحو الآخر ، ودعا أهل الخير إلى محاولة الإصلاح بين الزوجين إذا
مادب الخلاف بينهما فقال - تعالى - :
((الرِّجَلُ قَوَّاهُونَ عَلَى النساءِ بما فضّل اللهُ بعضهم عَلَى بَعَضِ وبِاَ
أَنفِقُوا مِنْ أَمْوَالهِمْ، فالصالحاتُ قانتاتٌ حافِظَاتٌ للغيب بما حَفِظَاللهُ
واللّبِى تَخَافونَ نُشُوزَهُن فعظوهُنَّ واهجرُ وهُنَّ فى المضاجِعِ واضْرِ بُوهُنَّ
فإنْ أَطَعْكُمْ فَلَ قَبْقُوا عَليهِنَّ سبيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عليًّا كَبِيراً (٣٤)
وإن خِفْتَمَ شِقَاقَ بينهما فابعثُوا حَكَمَاً مِنْ أَهْلِهِ وحكماً مِنْ أَهْلِماً
إِنْ يُرِيدَا إِصلاءً يُوَفِّقَ اللهُ بِينَهُما إنَّ اللهَ كانَ عليماً خَبِيراً (٣٥)) .
[ روى المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - (الرجال
قوامون على النساء ... الآية )).
ومن هذه الروايات ماذكره القرطى من أنها نزلت فى سعد بن الربيع
قشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبى زهير فلطمها ؛ فقال
أبوها: يارسول الله، أفرشته كريمتى فلطمها . فقال - صلى الله عليه وسلم-
( لتقتص من زوجها). فانصرفت مع أبيها لتقتص منه . فقال - عليه
الصلاة والسلام - (ارجعوا هذا جبريل أتانى) فأنزل الله هذه الآية ...!! ).
وقوله (قوامون ) جمع قوام على وزن فعال للمبالغة من القيام على الشىء
يقال: قام فلان على الشىء وهو قائم عليه وقوام عليه ، إذا كان يرعاه
ويحفظه وبتولاه،
(١) تفسير القرطبي ج ٥ ص ١٦٨

- ١٧٧ -
ويقال: هذاقم المرأة وقوامها الذى يقوم بأمرها ويهتم بحفظها وإصلاحها
ورعاية شئونها .
أى : الرجال يقومون على شئون النساء بالحفظ والرعاية والنفقة والتأديب
وغير ذلك مما تقتضيه مصلحتهن .
[ثم ذكر - سبحانه - سبين لهذه القوامة. أولها: وهى وقدبينه بقوله:
(( بما فضل الله بعضهم على بعض)).
أى أن حكمة الله اقتضت أن يكون الرجال قوامين على النساء بسبب مافضل
القه به الرجال على النساء من قوة فى الجسم ، وزيادة فى العلم ، وقدرة على تحمل
أعباء الحياة وتكاليفها وما يستقبع ذلك من دفاع عنهن إذا ما تعرضن لسوء ...
قال الفخر الرازى : واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه
كثيرة : بعضها صفات حقيقية وبعضها أحكام شرعية . أما الصفات الحقيقية
فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين . إلى العلم: إلى القدرة.
ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر. ولاشك أن قدرتهم على الأعمال
الشاقة أكمل ، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء فى العقل والحزم
والقوة .... وإن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى
والجهاد، والأذان، والخطبة ، والولاية فى النكاح .... فكل ذلك يدل
على فضل الرجال على النساء)،(١) .
والمراد بالتفضيل فى قوله (( بما فضل الله بعضهم على بعض)) تفضيل الجنس
على الجنس لا تفضيل الآحاد على الآحاد . فقد يوجد من النساء من هى أقوى
عقلا وأكثر معرفة من بعض الرجال
والباءللسببية، وما مصدرية، والبعض الأول المقصود به الرجال والبعض
الثانى المقصود به النساء، والضمير المضاف إليه البعض الأول يقع على مجموع
الفريقين على سبيل التغليب ،
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٠ ص ٠٨٨
(١٢ - سورة النساء)

- ١٧٨ -
وقال - سبحانه - « بما فضل الله بعضهم على بعض، ولم يقل - مثلا -:
بما فضلهم الله عليهن، للإشعار بأن الرجال من النساء والنساء من الرجال
كما قال فى آية أخرى ((بعضكم من بعض» وللإشارة إلى أن هذا التفضيل هو لصالح
الفريقين، فعلى كل فريق منهم أن يتفرغ لأداء المهمة التى كلفه الله بها بإخلاص
وطاعة حتى يسعد الفريقان .
٠
( وأما السبب الثانى فهو كسبى وقد بينه - سبحانه- بقوله: «وبما أنفقوا
من أموالهم)).
أى أن الله - تعالى - جعل الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل
ألله به الرجال على النساء من علم وقدرة . وبسبب ما ألزم به الرجال من إنفاق
على النساء ومن تقديم المدر هن عند الزواج بهن ، ومن القيام برعايتهن
وصيافتهن ٢٠٠٠
قال الألوسى : واستدل بالآية على أن الزوج تأديب زوجته ومنها
من الخروج . وأن عليها طاعته إلا فى معصية الله - تعالى -. وفى الخبر
((لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأ مرت المرأة أن تسجد لزوجها)). واستدل بها
أيضا من أجاز فسخ النكاح عند الإعمار عن النفقة والكسوة . وهو مذهب
مالك والشافعى ، لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها فقد خرج عن الغرض
المقصود بالنكاح. وعندنا لافسخ لقوله - تعالى: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة
إلى ميسرة)». واستدل بها أيضا من جعل للزوج الحجر على زوجته فى نفسها
ومالها فلا تتصرف فيه إلا بإذنه ، لأنه - سبحانه - جعل الرجل قواما بصيغة
المبالغة. وهو الناظر على الشىء الحافظ له، ١١) .
[ ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل أحوال النساء. وفى بيان كيفية القيام
عليهن بحسب اختلاف أحوالهن ، فقسمهن إلى قسمين : فقال فى شأن القسم
الأول: ((فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله)).
(١) تفسير الآلوسى + ٥ ص ٢٤

٠- ١٧٩ -
أى: فالصالحات من النساء من صفاتهم أنهن ((قاتنات، أى مطيعات لله -تعالى
ولأزواجهن عن طيب نفس وإطمئنان قلب، ومن صفاتهن كذلك أنهن(حافظات
للغيب بما حفظ الله)).
قال صاحب الكشاف : الغيب خلاف الشهادة . أى حافظات لمواجب
الغيب . إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه
فى حال الغيبة من الفروج والأموال والبيوت . وعن النبى - صلى الله عليه
وسلم - أنه قال .. خير النساء أمرأة إن نظرت اليها سرتك، وإن أمرتها
أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها ، ثم تلا الآية الكريمة )
(و(«ما، فى قوله « بما حفظ الله، يحتمل أن تكون مصدرية فيكون المعنى:
أن هؤلاء النساء الصالحات المطيعات من صفاتهن أيضا أنهن يحفظن فى غيبة
أزواجهن ما يجب حفظه بسيب حفظ الله لهن «ورعايته إيا من بالتوفيق العمل
الذى يحبه ويرضاه .
.كون .
[• يحتمل أن تكون موصولة فيكون المعنى: أنهن حافظات لغيبة أزواجهن
فى النفس والعرض والمال وكل ما يجب حفظه بسبب الأمر الذی حفظه الله هن
على أزواجهن حيث كلف الأزواج بالانفاق عليهن وبالإحسان إليهن ، فعليهن
أن بحفظن حقوق أزواجهن فى مقابلة الذى حظفه الله لهن من حقوق
على أزواجهن .
فالجملة الكريمة تمدح النساء الصالحات المطيعات الحافظات لأسرار أزواجهن
ولكل ما يجب حفظه من عرض أو مال أو غير ذلك مما تقتضيه الحياة الزوجية ]
هذا هو القسم الأول من النساء ، أما القسم الثانى فقد قال - سبحانه -
فى شأنه: « واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع
"وأضربوهن)) والمراد بقوله (قشوزهن)) عصيانهن وخروجهن عما توجيه
(١) تفسير الكثاف <١ ض ٥٠٠

- ١٨٠ =
الحياة الزوجية من طاعة الزوجة لزوجها . يقال: نشرت الزوجة نشوزا أى:
عصت زوجها وامتنعت عليه. وأصل النشوز مأخوذ من النشر :معنى الإرتفاع
فى وسط الأرض السهلة المنبسطة ويكون شاذا فيها . فشبهت المرأة المتعالية
على طاعة زوجها بالمرتفع من الأرض .!
والمعنى: هذا شأن النساء الصالحات القانتات الحافظات للغيب بسبب حفظ
الله لهن ، أما النساء اللاتى تخافون (نشوزهن) أى عصيانهن لكم، وترفعن
عن مطاوعتكم، وسوء عشرتن (فظوهن) بالقول الذى يؤثر فى النفس ،
ويوجهن نحو الخير والفضيلة ، بأن تذكروهن بحسن عاقبة الطاعة للزوج.
وسوء عاقبة النشوز والمعصية، وبأن تسوقوا لهن من تعاليم الإسلام وآدابه
وتوجيهاته ما من شأنه أن يشفى الصدور: وبهدى النفوس إلى الخير .
قال ابن كثير: وقوله - تعالى - : ( واللاتى تخافون نشوزهن أى النساء
اللاتى تخافون أن ينشزن على أزواجهن فعظوهن. والنشوزهو الإرتفاع فالمرأة
الناشز هى المرتفعة على زوجها التاركة لأمره ، المعرضة عنه المبغضة له ، فمتى
ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله، فإن الله قد أوجيه
حق الزوج عليها وطاعته ، وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل وقدقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت آمرا أحدا ان يسجد لأحد
لامرت الزوجه أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ... ) ١١)
[ وقوله (واهجروهن فى المضاجع) اى وعليكم إذا لم تنفع الموعظة والنصيحة
معهن ان تتركو من منفردات فى اماكن نومهن .
فالمضاجع جمع مضجع - وهو مكان النوم والإضطجاع .
قال القرطبى: والهجر فى المضجع هو ان يضاجعها -- أى ينام معهافى فراش
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٩٢