Indexed OCR Text
Pages 121-140
- ١٢١ - والاستفهام فى قوله ((أنأخذونه بهتانا وإنما مبنيا، للإنكار والتوبيخ ، والبهتان: هو الكذب الذى يدهش ويحير لفظاعته . ويطلق على كل أمر كاذب يتخير العقل فى إدراك سببه أولا يعرف مبررا لوقوعه، كمن يعتدى على الناس ويتقول عليهم الأقاويل، مع أنه ليست هناك عداوة سابقة بينه وبيهم . قال صاحب الكشاف : والبهتان: أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بری. منه , لأنه یبهت عند ذلك . أی يتحير . والإثم: هو الذقب العظيم الذى يبعد صاحبه عن رضا الله - تعالى - ٢ حينًا: ىء الواضح الذى يعلن عن نفسه بذون لبس أو خفاء ، وقوله (« بهتانا وإنما، مصدران منصوبان على الحالية بتأويل الوصف، أى : أنأخذون ما زيدون أخذه منهن باهتين ، أى فاعلين فعلا تنحير العقول فى سببه ، وآثمين بفعله إنما واضحا لا لبس فيه ولا خفاء؟! ويصح أن يكون المصدران مفعولين لأجله ، ويكون ذلك أشد فى التوبيخ والإفكار، إذ يكون المعنى عليه: أنأخذونه لأجل البهتان والإثم المبين الذى يؤدى إلى غضب الله عليكم؟! إن إيمانكم يمنعكم من إرتكاب هذا الفعل الشنيع فى قبحه . قالوا : كان الرجل فى الجاهلية إذا أراد الزوج بأمرأة أخرى، بهت التى تحته - أى رماها بالفاحشة التى هى بريئة منها - حتى يلجتها إلى أن تطلب طلاقها منه فى نظير أن تترك له مالها عليه من صداق أو غيره ، فهوا عن ذلك . ثم كرر - سبحانه - توبيخه لمن يحاول أخذ شىء من صداق زوجته التى خالطته فى حياته مدة طويلة فقال: «وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا )). - ١٢٢ - وأصل أفضى - كما يقول الفخر الرازى - من الفضاء الذى هو السعة يقال: فضأ يفضو فضوا وفضاء إذا اتسع. ويقال: أفضى فلان إلى فلان أى : وصل اليه وأصله أنه صار فى فرجته وفضائه . والمراد بالإفضاء هنا: الوصول والمخالطه: لأن الوصول إلى الشىء قطع للفضاء الذى بين المتواصلين . والإستفهام فى قوله ((وكيف تأخذونه ... ، للتعجب من حال من بأخذ شيئا مما أعطاه لزوجته بعد إنكار ذات الأخذ . والمرار بالميثاق الغليظ فى قوله ((وأخذن منكم ميثاقا غليظا، هو ما أخذه الله للنساء على الرجال من حسن المعاشرة أو المفارقة بإحسان كما فى قوله - تعمالى -: ((فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)). وليس أخذ شىء مما أعطاه الرجال للنساء من التسريح بإحسان، بل يكون من التسريح الذى صاحبه الظلم والإساءة . والمراد بالميثاق الغليظ الذى أخذ كلمة النكاح المعقودة على الصداق ، والتى بها تستحل فروج النساء ، ففى صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال فى خطبة حجة الوداع: (( استوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذ تموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)) (١) والمعنى: بأى وجه من الوجوه تستحلون يامعشر الرجال ان تخلذوا شيئا من الصداق الذى أعطيته وه لنسائكم عند مفارقتهن؛ والحال أنكم قد إختلط بعضكم ببعض ، وصار كل واحد منكم لباسا لصاحبه، وأخذن منكم عمداً وثيقا مؤكدامزيد تأكيد؛ لا يحل لكم أن تنقضوه أو تخالفوه !! ؟. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد منع الرجال من أخذ شيء من الصداق الذى اعطوه لنسائهم لسببين : (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٦٧ -١٢٣ - أحدهما : الإفضاء وخلوص كل زوج لنفس صاحبه حتى ضارا : كأنهما نفس واحدة . وثانيهما: الميثاق الغليظ الذى أخذ على الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة كريمة. والضمير فى قوله ((واخذن)) للنساء. والآخذ فى الحقيقة إنما هو الله -. تعالى - إلا أنه سبحانه - نسبه إليهن المبالغة فى المحافظة على حقوقهن، حتى جعلهن كأنهن الآخذات له . قال بعضهم: وهذا الإسناد بجاز عقلى، لأن الآخذ للعمد هو الله. أى: وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن وبسبيهن. فهو مجاز عقلى من الإسناد إلى السبب ) (١) . ووصف - سبحانه - الميثاق بالغلظة لقوته وشدته. فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة. فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟! هدا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة ما يأتى: ١ - تكريم الإسلام للمرأه، فقد كانت فى الجاهلية مهضومة الحق، يعتدى عليها بأنواع من الاعتداء، فرفعها الله - تعالى - بما شرعه من تعاليم إسلامية من تلك الهوة التى كانت فيها، وقررلها حقوقها، ونهى عن الاعتداء عليها ... ومن مظاهره ذلك أنه حرم أن تكون موروثة كما يورث المال . وكذلك حرم عضلها وأخذ شىء من صداقها إلا إذا أنت بفاحشة مبينة. وأمر الرجال بأن يعاشروا النساء بالمعروف، وأن يصبروا على أخطاتهن رحمة بهن ... ٢ - جواز الإصداق بالمال الكثير: لأن الله - تعالى- قال:« وآقيتم إحداهن قنطارا ... ، والقنطار: المال الكثير الذى هو أقصى ما يتصور من مهور . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٣٦٩ - ١٢٤ - قال القرطى ما ملخصه: قوله - تعالى - ,وآتيتم إحداهن قنطارا، دليل على جواز المغالاة فى المهور، لأن الله - تعالى - لا يمثل إلا بمباح، وخطب عمر - رضى الله عنه - فقال: ألا لاتغالوا فى صدقات النساء ، فإنها لو كانت مكرمة فى الدنيا أو تقوى عند الله، لمكان أولا كمبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط أمرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنى عشرة أوقية . فقامت اليه أمر أة فقالت: يا عمر. يعطينا الله وتحرمنا !! أليس الله تعالى - يقول: ((وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئا ... ؟ فقال عمر : أصابت أمرأة وأخطأ عمر ... وفى رواية أنه أطرق ثمقال: أمرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإنكار ثم قال القرطبى: وقال قوم: لا تعطى الآية جواز المغالاة فى المهور، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة: كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذى لا يؤتيه احد ... ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم لإبن ابى حدرد - وقد جاءه يستعين فى مهره فسأله عنه فقال ، مائتين ، فغضب - صلى الله عليه وسلم - وقال : كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة ، أى من ذلك المكان الذى به حجارة نخرة سود - فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة فى المهور ..... (١) والذى نراه ان الآية الكريمة وإن كانت تفيد جواز الإصداق بالمال الجزيل ، إلا أن الأفضل عدم المغالاة فى ذلك ، مع مراعاة أحوال الناس من حيث الغنى والفقر وغيرهما . ولقد ورد ما يفيد الندب إلى التيسير فى المهور. فقد أخرج أبو داود (١) تفسير القرطبى = ٥ ص ٩٩ بتصرف وتلخيص . - ١٢٥ - والخاكم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( خير الصداق أيسره)، (١) . ٣ - أن الرجل إذا أراد فراق امرأته . فلا يحل له أن يأخذ منهـ، شيئا ما دام الفراق بسببه ومن جانبه : كما أنه لا ينبغى له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه إياها إذا كان الفراق بسببها ومن جانبها . ٤ - انفق العلماء على أن المهر يستقر بالوطء. واختلفوا فى استقراره بالخلوة المجردة . قال القرطى والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. قالوا : إذا خلا بها خلوةصحیحة يجب كمال المهر والعدة .دخلبها أو لم يدخل بها . لما رواه الدارقطنى عن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى أقله عليه وسلم - ((من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق). وقال مالك: إذا طال مكثه معها السنة ونحوها . واتفقاعلى ألا مسيس. وطلبت المهر كله كان لها ... )،(٢). ٠٠٠ وبعد أن نهى - سبحانه - عن ظلم المرأة فى حال الزوجية . وعن ظلها بعد وفاة زوجها . وعن ظلمها فى حالة فراقها . وأمر بمعاشرتها بالمعروف ... بعد كل ذلك بين - سبحانه - من لا يحل الزواج بهن من النساء ومن يحل الزواج بهن حتى تبقى للأسرة قوتها ومودتها فقال - تعالى - : (١) أخرجه أبو داود فى باب ((من تزوج ولم يسم صداقا حتى مات ((من کتاب النكاح × ٢ ص ٢٣١ (٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١٠٢ - ١٢٦ ٠ ((ولا تَنكِيحوا ما نَكَحَ آبَاؤُ كُم مِن النساء إلا ما قَدْ سَلِفَ ، إِنَّهُ كَانَ فاحشةً ومقتً وساء سبيلاً (٢٢) حُرُّمَتْ عليهمُ أُمََّانُكُم وبنَتُكُم وأخْوَاتُكُم وعماتَكُم وخالاتكُم وبناتُ الأخ وبناتُ الأخت ، وأمهاتكم اللَّى أرضنكُم وأخْوَاتَكُمْ منَ الرُّضَعةِ. وأُمهاتُ أسائِكُمْ وَرَبَئِكُم اللَّتى فى مُجُورِثُم من نسائِكُمْ اللَّبِ دخلْتُمْ بهن، فإنْ لم تكونوا دخلْتُمْ بهِنَّ فلا جُنَاحَ عليكُم، وحلائِلُ أبنائِكُم الذينَ مِنْ أَصْلاَبِكُم، وأَنْ تَجْعُوا بَيْنَ الْأخْتَبْنِ إِلاَّ ما قدْ سلفَ إنَّ اللهَ كَانَ غفُورًا رحيما (٢٣) والمُحْصَنَتُ مِنَ النساء إلاَّ ما مَلَكَتْ أَيَنكُم كِتابَ الله عليهم، وَأُحِلَّ لكم ما وَرَاءَ ذلكَم أَنْ تَبْتَغُوا بأمْوَالِكُم مُخْصِنَ غَيْرَ مسافحينَ فَا اسْتَعْتُمْ بِهِ مِنهن فآتوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فريضةً، ولا جُنَحَ عليكُم فيما تراضَيْتَمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الفريضةِ، إِنَّ اللهُ كانَ عليماً حكيماً (٢٤))). أورد المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - (ولا تنكحوا مافكح آباؤكم من النساء .... الآية). ومن هذه الروايات مارواه ابن أبى حاتم - بسنده - عن رجل من الأنصار قال: لما توفى أبو قيس - يُعنى ابن الأسلت - وكان من صالحى الأنصار، خطب ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدك ولدا لى وأنت من صالحى قومك، ولكنى آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأستأمره. فأنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يارسول الله إن أبا قيس توفى . فقال: (( خيرا)). ثم قالت إن ابنه قيماخطبنى وهو من صالحى -١٢٧- قومه، وإنما كنت أعده وبدا لى فماذا ترى؟ فقال لها: « ارجعى إلى بيتك، فنزلت: ولا تنكحوا مانكح آباؤكم من النساء إلا ماقد سلف ... )، (١) وقال القرطبى: قوله - تعالى -: ((ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ... )) يقال: كان الناس يتزوجون امرأة الأب رضاها بعدنزول قوله - تعالى - : ((يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرما .... حتى نزلت هذه الآية . . ولا تنكحوا مانك آباؤكم ... ، فصار حراما فى الأحوال كلها ، لأن النكاح يقع على الجماع والنزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها يغير نكاح حرمت علی ابنه . ... . ثم قال. وقد كان فى العرب قبائل قداعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه. وكانت هذه السيرة فى الأنصار لازمة ، وكانت فى قريش مباحة على التراضى ... ، فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة)،(٢)) . وقوله (( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم .... الخ، معطوف على قوله. ((لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها .... )، و((ما)، فى قوله ((ما فكح آباؤكم موصول اسمى مراد به الجنس . أى لا تنكحوا التى نكح آباؤكم . وقوله ((من النساء، بيان لـ « ماء الموصولة. ويرى بعضهم أن ((ما، هنا مصدرية فيكون المعنى. ولا تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم الفاسد الذى كانوا يفعلونه فى الجاهلية . قال الآلوسى. وإنما خص هذا النكاح بالفهى، ولم ينظم فى سلك نكاح المحرمات الآتية ((مبالغة فى الزجر عنه. حيث كان ذلك ديد نالهم فى الجاهلية،(٣) فالآية الكريمة تحرم على الأبناء أن يتزوجوا من النساء اللائى كن أزواجا لآبائهم . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٦٨ (٢) تفسير القرطى = ٥ ص ١٠٣ بتصرف وتلخيص. (٣) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٢٤٤ - ١٢٨ - وكلمة «آباؤكم، فى قوله ولا تفكخوا ما نكح آباؤكم، تشمل كل الأصول من الرجال . أر: تشمل الأجداد جميعا سواء أكانوا من جهة الأب أم من جهة الأم والاستثناء فى قوله (( إلا ماقد سلف) استثناء منقطع. والمعنى: لا تنكحوا فيها المؤمنون ما نكح آبائ كم من النساء. لأنه من أفعال الجاهلية القبيحة ، لكن ماقد سلف ومضى منه قبل نزول هذه الآ يةفلا تؤ اخذون عليه، فمن كان متزوجا من امرأة كانت زوجة لأبيه من النسب أو من الرضاع، فإنها تصير حراما عليه من وقت نزول هذه الآية الكريمة، ويجب عليه أن يعارقها أما مامضى من هذا النكاح القبيح فلا تثريب عليكم فيه، وتثبت به أحكام النكاح من النسب وغيره من الأحكام . ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا متصل مايستلزمه النهى، وينوجيه مباشرة المنهى عنه من العقاب. فكأنه قيل: ولا تنكحوا مانسكح آباؤكم من النساء فإنه قبيح ومعاقب عليه من الله - تعالى -، إلا ماقد سلف ومضى، فإنه محفو عنه . وقد وجه صاحب الكشاى الاستثناء بوجه آخر فقال: فإن قلت: كيف استثنى ماقد سلف ما نكر آباؤهم ؟ قلت : كما استثنى («غير أن سيوفهم)، من قول الشاعر : ((ولاعيب فيهم، غير أن سيوفهم بهن فلول من قراح الكتائب بعنى: إن أمكنكم أن تنكحوا ماقد سلف فانكجوه، فإنه لا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن والغرض المبالغة فى تحريمه، وسد الطريق إلى إباحته كما يعلق بالمحال فى التأييد نحو قولهم: حتى بيض الفأر. وحتى يلج الجمل فى سم الخياط(١). (١) تفسير الآلوسي ج ٤ ص ٠٢٤٤ - ١٢٩ - ثم ختم - سبحانه- الآية الكريمة بيبان أن هذا النوع من النجاح فى نهاية السوء والقبح فقال: « إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا)). أى : إن هذا النوع من النكاح كان أمراً زائداً فى القبح شرعا وخلقاً ، لأنه يشبه نكاح الأمهات ، ويتنافى مع ما للآباء من وقار واحترام، وما يجب من حسن الصحبة وكان «مقتا، والمقت مصدر بمعنى البغض والكراهية . أى: إن هذا النوع من النكاح كان خصله بالغة الحد فى القمح والفحش، وكان بمقوتا مبغوضا عنداته، وعندذوي المروءات والعقول السليمة من الناس. قال صاحب المكشاف : كانوا ينكحون روابهم - أى زوجات آبائهم جمع رابة وهى امرأة الأب - وكان ناس منهم من ذوى مروءاتهم بمقتونه - لفظا عنه وبشاعته - ويسمونه نكاح المقت. وكان المولود عليه يقال له المقتى - أى المبغوض - ومن ثم قيل ((ومقتا، كأنه قيل: هو فاحشة فى دين الله بالغة فى القبح. قبيح ممقوت فى المروءة. ولامزيد على ما يجمع القبحين(١). وقوله ((وساء سبيلا)) أى بنس طريقا طريق ذلك النكاح، إذ فيه متك حرمة الأب . وتقطيع للرحم التى أمر الله بوصلها . وقوله ((وساء» هنا بمعنى بئس، وفيه ضمير يفسره ما بعده. والمخصوص بالذم محذوف تقديره ذلك ؛ أى ساء سبيلا سبيل ذلك النكاح . قال الفخر الرازى : اعلم أنه - سبحانه ۔۔ قد وصف هذا النكاح بأهور ثلاثة : أولها : أنه فاحشة لأن زوجة الأب تشبه الأم فباشرتها من أخش الفواحش. وثانيها: المقت: وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار ... وثالثها: قوله ((وساء سبيلا)). وأعلم أن مراقب القبح ثلاثة: القبح فى العقول وفى الشرائع وفى العادات (١) الكشاف حـ ١ ص ٤٩٣ ( ٩ - صورة السماء ) - ١٣٠ =٠ فقوله - تعالى - «إنه كان فاحشة، إشارة إلى القبح العقلى. وقوله (( ومقتأ)، إشارة إلى القبح الشرعى. وقوله (( وساء سبيلا)) إشارة إلى القبح فى العرف والعادة، ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية فى القبح،(١). وقال الإمام ابن كثير ، فمن تعاطى هذا النكاح بعد ذلك - أى استباح تعاطيه - فقد أرتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيتا لبيت المال . لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده ، فأمره أن يقتله ويأخذ ماله . وفى رواية عن البراء قال ، مربى عمى الحارث بن عمير ومعه لواء قد عقده له النبى - صلى الله عليه وسلم - فقلت له، أى عم، أين بعثك النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال، بعثنى إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرنى أن أضرب عنقه »(٢) . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك من يحرم نكاحهن من الأقارب فقال . تعالى (( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت)، وليس المراد بقوله (( حرمت)) تحريم ذاتهن، لأن الحرمة لا تتعلق بالذوات وإنما تتعلق بأفعال المكلفين . فالكلام على حذف مضاف أى حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم ... الخ وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله، معنى ((حرمت عليكم أمهاتكم .. ، تحريم نكاحهن اقوله، ((ولا تنكحوا مافكح آباؤكم من النساء .. ، ولأن تحريم نكاحهن هو الذى يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها. ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله،(٣) . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٢٤. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٤٦٨ (٣) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٩٤؟ - ١٣١ - وقد ذكر - سبحانه - فى هذه الجملة الكريمة أربع طوائف من الأقارب يحرم نكاحهن، أما الطائفة الأولى فهى طائفة الأمهات من النسب. أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم من النسب ، ويعم هذا التحريم أيضا الجدات سواء أكن من جهة الأب أم من جهة الأم، لأنه إذا كان يحرم نكاح العمة أو الخالة فن الأولى أن يكون نكاح الجدة محرما، إذ الأم هى طريق الوصول فى القرابة إلى هؤلاء. وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاح الجدات . والطائفة الثانية هى طائفة الفروع من النساء ، وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله ((وبناتكم، بالعطف على أمهاتكم. أى حرم الله عليكم نكاح أمهاتكم ونكاح بنائكم. والبنت هى كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أم بواسطة فتشمل حرمة النكاح البنات وبنات الأبناء وبنات البنات وإن نزلن . وقد أنعقد الإجماع على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهن . والطائفة الثالثة هى طائفة فروع الأبوين. وقد عبر القرآن عن ذلك بقوله ((وأخواتكم، ثم بقوله، ((وبنات الأخ وبنات الأخت)) بالعطف على (( أمهاتكم)). أى وحرم الله عليكم فكاح أخواتكم سواءأ كن شقيقات أم غير شقيقات وحرم عليكم أيضا فكاح بنات إخوانكم وبنات أخواتكم من أى وجه يكن. والطائفة الرابعة هن طائفة العمات والخالات . وقد ثبت تحريم نكاحهن بقوله - تعالى - ((وعمانكم وخالاتكم، بالعطف على ((أمهاتكم)). أى حرم الله عليكم نكاح عماتكم وعالاقكم كما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم ... والعمة : هى كل امرأة شاركت أباك مهما علافى أصليه أو فى أحدهما . والخالة: هى كل امرأة شاركت أمك مهما علت فى أصليها أو فى أحدهما . - ١٣٢- وإذن فالعمات والخالات يشملنعمات الأب والأم، وخالات الأب والأم، وعمات الجد والجدة، وخالات الجد والجدة. لأن هؤلاء يطلق عليهن عرظ اسم العمة والخالة . تلك هى الطوائف الأربع اللاتى يحرم نكاحهن من الأقارب، وإن هذا التحريم يتناسب مع الفطرة التى فطر الله الناس عليها، ويتفق مع العقول السليمة التى تحب مكارم الأخلاق ، وذلك لأن شريعة الإسلام قد نوهت بمنزلة القرابة القريبة للإنسان ، وأضفت عليها الكثير من ألوان الوقار والاحترام ؛ والزواح وما يصاحبه من شهوات ومداعبات ورضا وإختلاف .... يتنافى مع ما أسبغه الله - تعالى - على هذه القوابة القريبة من وقار ومن عواطف شريفه ... ولأن التجارب العلمية قد أثبتت أن التلاقح بين سلائل متباعدة الأصول غالبا ماينتح نسلا قويا ، أما التلاقح بين السلائل المتحدة فى أصولها القريبة فإنه غالبا ما ينتج نسلا ضعيفا . ثم بين - سبحانه - النسائى اللائى يحرم الزواج بهن لأسباب أخرى سوى القرابة فقال - تعالى - , وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخوانكم من الرضاعة )). أى : وحرم اقه - عليكم نكاح أمهاتكم اللاتى أرضعنكم ، وحرم عليكم - أيضا - نكاح أخراتكم من الرضاعة . والأم من الرضاع: هى كل امرأة أرضعتك ؛ وكذلك كل امرأة انتسبت. إلى تلك المرضعة بالأمومة من جهة النسب أو من جهة الرضاع. والأخت من الرضاع: هى التى التقيت افت وهى على قدى واحد . قال القرطبى: وهى الأخت لأب وأم . وهى التى أرضعتها أمك بلبان - ١٣٣ - أبيك ، سواء أرضعتها معك أو رضعت قبلك أو بعدك والأخت من الأب دون الأم ، وهى التى أرضعتها زوجة أبيك . والأخت من الأم دون الأب، وهی التی أرضعتها امك بلبان رجل آخر ، (١) هذا، وظاهر قوله - تعالى - ((وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة، يقتضى أن مطلق الرضاع محرم للنكاح . وبذلك قال المالكية والأحناف : ويرى الشافعية والحنابلة أن الرضاع المحرم هو الذى يبلغ خمس رضعات. وإستدلوا بما رواه مسلم وغيره عن عائشة - رضى أنته عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- قال: لا تحرم المصة ولا المصتان)، وفى رواية عنها أنه قال: لا تحرم الرضعه والرضعتان، والمصة والمصتان)، (٢). كذلك ظاهر هذه الجملة الكريمة يقتضى أن الرضاع يحرم النكاح ولو فى سن الكبر، إلا أن جمهور العلماء يرون أن الرضاع المحرم هو ما كان قبل بلوغ الحولين أما ما كان بعد بلوغ الحولين فلا يحرم ولا يكون الرضيع إبنا من الرضاعة وذلك لقوله - تعالى - ،والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ... ). وأخرج الترمذى عن أم سلمة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- (( لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام». قال إبن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى -: وأمهاتكم اللاتى أرضعتكم وأخواتكم من الرضاعة)). أى: كما يحرم عليك نكاح أمك التى ولدتك كذلك يحرم عليك نكاح أمك التى أرضعتك. (١) تفسير القرطى ج ٥ ص ١١١ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٤٦٩ - ١٣٤ - ولهذا ثبت فى الصحيحين عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم. قال: ((إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة، وفى لفظ لمسلم: ((يحرم من الرضاعة ما تحرم من النسب)) (٢١) ومن الحكم التى ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة: أن المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التى أرضعته فيسكون جزءاً منها، كما أنه جزء من أمه التى حملته. وإذا كانت هذه قد غذته بدمها وهو فى بطنها فإن تلك قد غذته بلبانها وهو فى حجرها، فكان من التكريم لهذه الأم من الرضاع أن تعامل معاملة الأم الحقيقية ، وأن يعامل كل من التقيا على ثدى امرأة واحدة معاملة الإخوة من حيث التكريم وحرمة النكاح بينهم . هذا ، ومن أراد المزيد من المعرفة لأحكام الرضاع فليرجع إلى كتب الفقه ثم ذكر - سبحانه - نوعا ثالثا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال: ((وأمهات نسائكم)). " أى: وكذلك حرم الله عليكم نكاح أمهات زوجاتكم سواء أكن أمهات مباشرات أم جدات، لأن كلمة الأم تشمل الجدات، ولإجماع الفقهاء على ذلك . قال الألوسى: والمراد بالنساء المعقود عليهن على الإطلاق ، سواء أكن مدخولا بهن أم لا . وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة ، لكن يشترط أن يكون النكاح صحيحا. أما إذا كان فاسدا فلا تحرم الأم إلا إذا وطى. أبنتها . فقد أخرج البيهقى فى سننه وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « إذا نكح الرجل المرأة (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٤٦٩ فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالإبنة أو لم يدخل. وإذا تزوج الأم ولم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الإبنة (١))) . ثم بين - سبحانه - فوعا رابعا من المحرمات لغير سبب القرابة فقال تعالى - «وربائيكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن، فإن لم تكونوأ دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) وقوله ( وربائبكم) جمع ربيبة . وهى بنت أمرأة الرجل من غيره . وسميت بذلك لأن الزوج فى أغلب الأحوال يربها أى يربيها فى حجره. ويعطف عليها . والحجور : جمع حجر - بالفتح والكسر مع سكون الجيم - وهو ما يحويه مجتمع الرجلين للجالس المتريع."والمراد به هنا معنى مجازى وهو الحضانة والكفالة والعطف . يقال : فلان فى حجر فلان أى فى كنفه ومنعته ورعايته . ومقتضى ظاهر الجمله الكريمة أن الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج أمها إلا بشرطين: أولهما : كونها فى حجره، وثانيهما: أن يكون الزوج قد دخل بأمها . أما عن الشرط الأول فلم يأخذ به جمهور العلماء، وقالوا : إن هذا الشرط. خرج مخرج الغالب والعادة، إذ الغالب كون البنت مع الأم عند الزوج ، لا أنه شرط فى التحريم فهم يرون أن نكاح الربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت فى حجره أم لم تكن قالوا: وفائدة هذا القيد تقوية علة الحرمة أو أنه ذكر التشنيع عليهم ، إد أن نكاحها محرم عليهم فى جميع الصور إلا أنه يكون أشد قبحا فى حالة وجودها فى حجره هذا رأى عامة الصحابة والفقهاء . ولكن هناك رواية عن مالك بن أوس عن على بن أبى طالب أنه قال : (١) تفسير الآلوسي جـ ٤ ص ٢٥٧. ٠٠٠ الربيبة لا يحرم نكاحها على زوج الأم إلا إذا كانت فى حجر، أخذا بظاهر الآية الكريمة . وقد أخذ بذلك داود الظاهرى وأشياعه. وأصحاب الرأى الأول لم يعتدوا بهذه الرواية المروية عن على - رضى الله عنه - وأما عن الشرط الثانى - وهو أن يكون الزوج قد دخل بأم الربية - فقد أخذ به العلماء إلا أنهم إختلفوا فى معنى الدخول فقال بعضهم : معناه الوطء والجماع. زقال بعضهم: معناه التمتع كاللمس والقبلة، فلو حصل منه مع الأم ما يشبه ذلك حرم نكاح إبنتها من غيره عليه . قال القرطبى ما ملخصه: إتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الريبة فى حجره وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا : لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون فى حجر المتزوج بأمها . ثم قال وقوله - تعالى - (فان لم تكونوا دخلتم بهن) يعنى الأمهات (فلا جناح عليكم) يعنى فى نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له فكاح إبنتها . وإختلفوا فى معنى الدخول بالأمهات الذى يقع به التحريم الربائب. فروى عن ابن عباس أنه قال: الدخول : الجماع. واتفق مالك والثورى وأبو حنيفة على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت على الأب والإبن، وهو أحد قولى الشافعى ... ) (١). والحكمة فى تحريم الربائب على أزواج أمهاتهن أنهن حينئذ يشبهن البنات الصلبيات بالنسبة لهؤلاء الأزواج، بسبب ما يحدنه منهم من رعاية وتربية فى العادة ، ولأنه لو أبيح للرجل أن يتزوج بينت امرأته التى دخل بها، لأدى ذلك إلى تقطيع الأرحام بين الأم وإبنتها . ولأدى ذلك أيضا إلى الإنصراف عن رعاية هؤلاء الربائب خشية الرغبة فى الزواج بواحدة منهن . (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ١١٢ - ١٢٧ - ثم بين - سبحانه - نوعا خامسا من المحارم فقال تعالى -: ((وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم،. ز والحلائل: جمع حليلة وهى الزوجة. وسميت بذلك لحلها الزوج وحل الزوج لها ، فكلاهما حلال لصاحبه . ويقال المزوج خليل . أى: وحرم الله - تعالى - عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين هم من أصلابكم . أى: من ظهوركم . وقال - سبحانه - ((وحلائل أبنائكم، بدون تقييد بالدخول. للاشارة إلى أن حليلة الإبن تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها. قال القرطبى: أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء. وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء أكان مع العقد وطء أو لم يكن : لقوله - تعالى - :، ولا تنكحوا مافكح آباؤكم من النساء وقوله - تعالى -: ((وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) ... وقيد الله الأبناء بالذين هم من الأصلاب . ليخرج الابن المتبنى. فهذا قحل زوجته للرجل الذي تبناه. وقد كان العرب يعتبرون الإبن بالتبنى كأولادهم من ظهوره، ويحرمون زوجة الإبنابالتبنى على من تبناه. وقدسمى القرآن الأبناء بالتبنى أدعياء فقال. ((وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل . أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعدوا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم ... ، ثم أبطل القرآن ما كان عليه أهل الجاهلية فى شأن الإبن المتبنى، فأباح للرجل أن يتزوج من زوجة الإبن الذى تبناه بعد فراقه عنها . وقد أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج بزينب بنت جحش بعد أن طلقها زوجها زيد بن حارثة ، وكان زيدقد تبناه النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال المشركون: تزوج محمد امرأة ابنه فأنزل الله - ١٣٨ ... - تعالى- ,فلما قضى زيد منها وطرازوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولا)). فإن قيل: إن قيد((من أصلابكم. يخرج الإبن من الرضاع كما أخرج الإبن بالتنبى ؟ فالجواب على ذلك: أن الإبن بالرضاع حرمت حليلته على أبيه من الرضاع بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب . ثم بين - سبحانه - نوعاساد سامن المحر مات فقال - تعالى -: ((وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحما)). قال ابن كثير والمعنى: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا فى التزويج. إلا ما كان منكم فى جاهليتكم فقد عفوما عنه وغفر ناه . فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل لأنه استثنى مما سلف ... وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين فى النكاح. ومن أسلم وتحته أختان خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة، فقد روى الإمام أحمد عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: أسلمت وعمدى امر أتان أختان فأمرنى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن أطلق إحداهما، ... (١) وكما أنه يحرم الجمع بين الأختين فى عصمة رجل واحد ، فكذلك يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها لنهى النبى- صلى اللّه عليه وسلم - عن ذلك فقد جاء فى صحيح مسلم وفى سنن أبي داود والترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها ولا على ابنه أختها ، . وفى رواية الطبرانى أنه قال: «فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أر حامكم،(٢) والسر فى تحريم هذا النوع من النكاح أنه يؤدى إلى تقطيع الأرحام - كما جاء فى الحديث الشريف - إذ من شأن الضرائر أن يكون بينهن من (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٤٧٢ (٢) تفسير الالوسى ج٤ ص٠٤٦١ -- ١٣٩ - الكراهية وتبادل الأذى ماهو مشاهد ومعلوم .. وكان من رحمه أذ بعباده أن حرم عليهم هذه الأنواع من الأنكحة السابقة صيانة للأسرة من التمزق. والتشتت، وحماية لها من الضعف، الوهن، وحمواً بها عن مواطن الريبة والغيرة والفساد وقد عفا - سبحانه - عما حدث من هذه الأنكحة الفاسدة فى الجاهلية أو قبل نزول هذه الآية الكريمة بتحريمها، لأنه - سبحانه - كان ومازال غفارا للذنوب ، ستارا للعيوب ، رحيما بعباده ، ومن رحمته بهم أنه لا يعذبهم من غير نذير، ولا يؤاخذهم على مااكتسبوا إلا بعد بيان واضح. ثم بين - سبحانه - نوعا سابعا من المحرمات فقال: ((والمحصفات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم .... وقوله (( والمحصنات)، من الإحصان وهو فى اللغة بمعنى المنع. يقال: هذه درع حصينه، أى مانعة صاحبها من الجراحة . ويقال : هذا موضع حصين ، أى مانع من يريده بسوء. ويقال امرأة حصينة أى مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو حريتها أو زواجها . قال الراغب : ويقال حصان للمرأة العفيفة ولذات الحرمة . قال - تعالى -: ((ومريم ابنة عمران التى أحصنت فرجها .. وقال - تعالى-, فإذا أحصن)) أى تزوجن. وأحصن زوجن. والحصان فى الجملة: المرأة المحصنة إما بعفتها أو بتزوجها أو مانع من شرفها وحريتها)،(١) والمراد بالمحصنات هنا: ذوات الأزواج من النساء . وقوله ((والمحصنات من النساء)) معطوف على قوله ((وأمهاتكم، فى قوله - تعالى -: فى آية المحرمات السابقة ((حرمت عليكم أمهاتكم إلخ،. والمعنى: وكما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم إلخ ، فقد حرم عليكم - أيضا - نكاح ذوات الأزواج من النساء قبل مفارقة أزواجهم لهن، لكى لا تختلط المياه فتضيع الأنساب. (١) المفردات فى غريب القرآن ص ١٢١ للراغب الأصفهانى. - ١٤٠ - وقوله (( إلا ما ملكت أيمانكم)، استثناء من تحريم نكاح ذوات الأزواج والمراد به: النساء المسبيات اللاتى أصابهن السي ولهن أزواج فى دار الحرب، فانه يحل لم لكهن وطؤهن بعد الاستبراء، لارتفاع النكاح بينهن وبين أزواجهن بمجرد السبى . أو بسبيهن وحدهن دون أزواجهن . أى: وحرم الله - تعالى - عليكم نكاح ذوات الأزواج من النساء، إلا ما ملكتموهن بسبى فباؤكم لهن مادم النكاحهن السابق فى دار الكفر، ومبيح لكم نكاحهن بمد استبرائهن . قال القرطبى ما ملخصه: فالمراد بالمحصفات ها هنا ذوات الأزواج . أى هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبى من أرض الحرب ، فإن تلك حلال الذى تقع فى سهمه وإن كان لها زوج، وهو قول الشافعى فى أن السباء يقطع العصمة . وقاله ابن وهب وابن عبد الحكيم وروياه عن مالك ، وقال به أشهب يدل عليه ما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث جيشا يوم حنين إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا. فكان ناس من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - قد تحرجوا من غشيانهن من أجمل أزواجهن من المشركين . ((أنزل الله - عز وجل - فى ذلك ,والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم )، أى فمن لكم حلال إذا انقضت عدتين، وهذا نص صحيح صريح فى أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - عن وطء المسببات ذوات الأزواج فأنزل الله فى جوابهم , إلا ما ملكت أيمانكم )). وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعى وأحمد وإسحق وأبو ثور، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى -... ))(١) . وقيل أن المراد بالمحصنات هنا: ذوات الأزواج - كما تقدم -، (١) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٠١٢١