Indexed OCR Text
Pages 61-80
- ٦١ - والمعنى على هذا الرأى: للذكور البالغين نصيب أى حظ مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم كإخوتهم وأخواتهم وأعمامهم وعملتهم ، وللأثاث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن وأمهاتهن وأقاربهن ... الخ. وبهذا تكون الآية الكريمة قد اقتصرت على بيان أن الإرث غير مختص بالرجال كما كان الجاهليون يفعلون ، بل هو أمر مشترك بين الرجال والنساء، ثم جاءت آيات المواريث بعد ذلك فينت نصيب كل وارث . قال الإمام الرازى: ذكر الله - تعالى - فى هذه الآية هذا القدر، - وهو أن الإرث مشترك بين الرجال والنساء - ثم ذكر التفصيل بعد ذلك- فى آيات المواريث -، لأنه - سبحانه - أراد أن ينقلهم عن تلك العادة وهى توريث الرجال دون النساء - قليلا قليلا على التدريج، لأن الانتقال عن المادة شاق ثقيل على الطبع. فإذا كان دفعة عظم وقعه على القلب ، وإذا كان على التدريج سهل . فلهذا المعنى ذكر الله - تعالى- هذا المجمل أولا ثم أردفه بالتفصيل)، (١) ومن العلماء من يرى أن المراد بالرجال الصغار من الذكور ومن النساء الصغار من الإناث ، وعلل مراده هذا بأن فيه عناية بشأن اليتامى، وفيه رد صريح على ما تعوده أهل الجاهلية من توريث الكبار من الرجال دون الصغار سواء أ كانوا ذكورا أم إنانا . ومنهم من عمهم فى الرجال والنساء فجعل المراد من الرجال الذكور مطلقا سواء أكانوا كبارا أم صغارا. وجعل المراد من النساء الإناث مطلقا سواء أكن كباراً أم صغارا . ويكون المعنى: للذكور نصيب مما تركه الوالدان والأقربون من متاع، والإناث كذلك نصيب مما تركه الوالدان والأفربون . وعليه يكون المقصود من الآية الكريمة التسوية بين الذكور والإناث فى أن لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون. (١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ص ١٩٥ - تصرف وتلخيص - ٦٢ ٠٠ ويبدو لنا أن هذا الرأى الثالث أولى، لأنه أعم من غيره، وأشمل فى الرد على ما كان يفعله أهل الجاهلية من عدم توريثهم للنساء مطلقا ولا للصغار وإن كانوا ذكوراً، ولأنه يتمل سنب نزول الآية صا، فقد ذكرنا فى سبب النزول أنها نزلت فى شأن بنات أوس بن ثابت وزوجته . وقد أكد - سبحانه - حق النساء فى الميراث بأن اختار هذا الأسلوب التفصيلى فقال: (( للرجال نصيب ما ترك الوالدان والأقربون والنساء نصيب)». مع أنه كان يكفى أن يقول : للرجال والنساء نصيب ، مما ترك الوالدان والأقربون ... ، وذلك للإيذان بأصالتهن فى استحقاق الإرت، وللإشعار بأنه حق مستقل عن حق الرجال ، وأن هذا الحق قد ثبت لهن استقلالا بالقرابة كما ثبت للرجال ، حتى لا يتوهم أحد أن حقهن تابع لحقهم بأى نوع من أنواع التبعية . ثم أكد - سبحانه - هذا الحق مرة أخرى بقوله (( مما قل منه أو كثر، أى أن حق النساء ثابت فيما تركه المتوفى من مال سواء أكان هذا المتروك قليلا أم كثيراً، لأن الذكور والإناث يتساويان فى أن لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون حتى ولو كان هذا المتروك شيئاً قليلا . فتقوله (( مما قل منه أو كثر)) عطف بيان من قوله (( مما ترك الوالدان)) لقصد التعميم والتنصيص على أن حق النساء متعلق بكل جزء من المال الذى تركه الوالدان والأقربون ثم أكد - سبحانه - حق النساء فى الميراث مرة ثالثة بقوله «نصيبا مفروضا)) لأن قوله (( نصيبا، منصوب على الاختصاص، والاختصاص يفيد العناية . أى أن لكل من الرجال والنساء نصيبا فيما تركه الوافدان والأقربون، وهذا النصیب قد فرضہ اقه - تعالی - فلا سبيل إلى التهاون فيه، بل لا بد من ٠٠ ٦٣ -٠ إعطائه لمن يستحقه كاملا غير منقوص؛ لأن الله هو الذى شرعه، ومن خالف شرع الله كان أهلا للعقوبة منه - سبحانه - . قال صاحب الكشاف: وقوله: ((نصيبا مفروضا، نصب على الاختصاص بمعنى: أعنى نصببا مفروضا مقطوعا واجبا لابدلهم من أن يحوزوه ولا يستأثر به - بعضهم دون بعض -. ويجوز أن ينتصب اغتصاب المصدر المؤكد كقوله: (( فريضة من أبته، كأنه قيل: قسمة مفروضة))(١). هذا، وقد استدل الأحناف بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام؛ لأن العمات والخالات وأولاد البنات ونحوهن من الأقربين ، فوجب دخولهم تحت قوله - تعالى -: ((للرجال نصيب ما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب. الآية)، وثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فمستفاد من آيات أخرى كما هو الشأن فى غيرهم . أما المخالفون الأحناف فيما ذهبوا إليه فيرون أن المراد من الأقربين الوالدان والأولاد ونجوهم وحينئذ لا يدخل فيهم ذوو الأرحام. وعلى رأى هؤلاء المخالفين يكون عطف الأقربين على الوالدين من باب عطف العام على الخاص . كذلك استدل الأحناف بهذه الآية على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه - قبل استحقاقه - لم يسقط حقه(٢). ثم أمر الله - تعالى - عباده بالتعاطف والتراحم ، ولاسيما عند تقسيم الميرات وإعطاء كل ذي حق حقه فقال - تعالى - : (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٤٧٦ (٢) تفسير الآلوسى ج ٤ ص ٠١١٢ - ٦٤ - (( وإذَا حضَرَ القِسْمةَ أُولُوا القُرْبَى واليتامى والمساكينُ، فَارْزُ قوهُ مِنْهُ وَقَوْ لُوا لَهُم قولاً معروفاً (٨)) والمراد بالقسمة : التركة التى تقسم بين الورثة . والمراد بذوى القربى هنا - عند جمهور المفسرين -: الأقارب الذين لاميراث هم فى التر كة . والمراد باليتامى والمساكين : الأجانب الذين لاقرابة بينهم وبين الورثة. والمعنى: وإذا حضر قسمة التركة ذوو القربى ممن لا نصيب هم فى الميراث، واليتامى الذين فقدوا العائل والنصير، والمساكين الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم وصاروا فى حاجة إلى العون والمساعدة ((فارزقوهم منه، أى فأعطوهم من الميراث الذى تقتسمونه شيئا يعيتهم على سد حاجتهم، تفريج ضائقتهم ((وقولوا لهم قولا معروفاً، أى قولوالهم قولا جميلا يرضاه الشرع، ويستحسنه العقل، بأن تقولوا لهم - مثلا - : خذوا هذا الشىء بارك الله لكم فيه، أو بأن تعتذروا لمن لم تعطوه شيئا ... والآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة عليها وهى قوله - تعالى - ((للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ... الخ). وليس المراد من حضور ذوى القربى واليتامى والمساكين أن يكونوا مشاهدين للقسمة ، جالسين مع الورثة، لأن قسمة الأموال لا تكون عادة فى حضرة هؤلاء "ضعفاء، وإنما المراد من حضورهم العلم بهم من جانب الذين يقتسمون التركة، والدراية بأحوالهم ، وأنهم فى حاجة إلى العون والمساعدة . وقدد ذوى القربى على اليتامى والمسا كين، لأنهم أولى بالصدقة لقرابتهم، ولأن إعطاءهم بجانب أنه صدقة، فهو صلة الرحم التى أمر الله - تعالى -بصلتها. وقدم اليتامى على المساكين ؛ لأن ضعف اليتامى أكثر ، وحاجتهم أشد . ز الضمير المجرور فى قوله ((فارزقوهم منه)، يعود إلى ماترك الوالدان - ٦٥ - والأقربون . أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها لا باعتبار لفظها. أى أرزقوهم من هذا الميراث أو المال المقسوم. والأمر فى قوله: ((فارزقوهم ) يرى بعض العلماء أنه الوجوب، لأنه هو المستفاد من ظاهر الأمر ، وعليه فمن الواجب على الوارث الكبير وعلى ولى الصغير أن يعطيا لذوى القربى واليتامى والمساكين شيئا من المال تطيب به نفوسهم . ومن أصحاب هذا الرأى من قال: إن من الواجب على الوارث الكبير أن يعطى هؤلاء المحتاجين شيئا من المال المقسوم. أما إذا كان الورثة صغارا فعلى الولى أن يعتذر لهؤلاء المحتاجين، بأن يقول لهم: إنى لا أملك هذا المال المقسوم، لأنه لهؤلاء الصغار وعندما يكبرون فسيعرفون لكم حقكم وهذا هو القول المعروف. ويرى كثير من العلماء أن هذا الأمر بالإعطاء للندب لا للوجوب، وأن هذا الندب إنما يحصل إذا كان الورثة كبارا ، أما إذا كافوا صغارا فليس على أوليائهم إلا القول المعروف . ومن حجج هؤلاء القائلين بأن هذا الأمر للندب والاستحباب : أنه لو كان لأولئك المحتاجين من ذوى القربى واليتامى والمساكين حق معين لبينه الله - تعالى - كما بين سائر الحقوق، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب. وأيضا لو كان واجبا لتوفرت الدواعى على نقله ؛ لشدة حرص الفقراء والمساكين على تقديره ، ولو كان الأمر كذلك لثبت نقله إلينا ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه غير واجب . وقد رجع القرطبى كون الأمر الندب لا الوجوب فقال: والصحيح أن هذا على الندب؛ لأنه لو كان فرضا لمكان إستحقاقا فى التركة ومشاركة فى ( ٥ - سورة النساء ) الميراث، لأحد الجهتين معلوم، والآخر مجهول . وذلك مناقض للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع . ثم قال: وذهبت فرقة إلى أن المخاطب والمراد فى الآية المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية لا الورثة . فإذا أراد المريض أن يفرق ماله بالوصايا وحضره من لايرث ينبغى له ألا يحرمه. وهذا - والله أعلم - يتنزل حيث كانت الوصية واجبة، ولم تنزل آية الميراث. والصحيح الأول - وهو أن الآية فى قسمة التركة وأن المخاطبين بها هم المقتسمون التركة - وعليه المعول ))(١) . هذا، ومن العلماء من قال: إن هذه الآية قد نسخت بآية المواريث التى بعدها وهى قوله - تعالى - ((يوصيكم الله فى أولادكم ... الخ)). وقد حكى هذا القول - أيضا - ورد عليه الإمام القرطى فقال ماملخصه: بين الله - تعالى - فى هذه الآية أن من لم يستحق شيئا وحضر القسمة وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا إن كان المال كثيراً ؛ والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ - أى العطاء القليل -... فالآية على هذا القول محكمة . قاله ابن عباس . وامتثل ذلك جماعة من التابعين : عروة بن الزبير وغيره . وأمر به أبو موسى الا شعرى . وروى عن ابن عباس أنها منسوخة نسخها قوله - تعالى - ((يوصيكم الله فى أولادكم ... )). وممن قال إنها منسوخة : أبو مالك وعكرمة والضحاك . والأول أصح؛ فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرم ... (١) تفسير القرطى = ٥ ص ٤٩ - ٦٧ -. وفى البخارى عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية : هى محكمة وليست منسوخة . وفى رواية قال: إن ناسايزعمون أن هذه الآية نسخت ، لاوالله مانسخت، ولكنها مما تهاون به الناس)،(١). وقال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصدیق قسم میر اث أبيه عبد الرحمن ، وعائشة حية . فلم يدع فى الدار مسکینا ولاذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه وتلا هذه الآية: ((وإذا حضر القسمة أولوا القربى ... الخ)، (٢). والخلاصة، أن الذى تطمئن إليه النفس هو قول من قال: إن الآية محكمة وليست بمنسوخة ، لأنه أثر عن بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلون ذلك ويأمرون به، ولأن الروايات القائلة بأنها منسوخة روايات مضطربة ، بخلاف الروايات القائلة بأنها محكمة فهى ثابتة فى صحيح البخارى؛ ولأن الآية الكريمة لا تتعارض مع آبة المواريث لأنها إنما تأمر بما يؤدى إلى التعاطف والتراحم بين الناس، وهذا أمر لا ينسخ ، بل هو ثابت فى كل زمان ومكان . ورى كذلك أن الأمر فى قوله ((فارزةوهم منه، على سبيل الندب والاستحباب ، لا على سبيل الفرض والإيجاب - كما سبق أن بينا -. ثم أمر الله - تعالى - عباده بتقواه، وبالتمك بالأقوال السديدة فقال - تعالى - : ((وَلْيَخْشَ الذينَ لو تركُوا مِنْ خَلْفِمِ ذُرِّيَةً ضِعَفًاَ خافُوا عَلَيْهِم ، فَلِيثَّقوا اللهَ وَلَقُولُوا قَوْلاً سديداً (٩))» ... (١) تفسير القرطبي جـ ٥ ص ٤٩ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٥٥ هـ ٦٨٠٠ - والمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال أولها : أن الآية الكريمة أمر الأوصياء بأن يخشوا الله - تعالى - ويتقوه فى أمر اليتامى، فيفعلوا بهم مثل ما يحبون أن يفعل بذريتهم لضعاف بعد وفاتهم . فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال فى قوله- تعالى - ((وليخش الذين لو تركوا ... الخ)). يعنى بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة ، ويخاو بعده ألا يحسن إليهم من يليهم يقول: فإن ولى مثل ذريته صنعافا يتامى، فليحسن إليهم ولا يأكل أموالهم إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا ... (١). قال الآلوسي: ((والآية الكريمة على هذا الوجه تكون مرتبطة بما قبلها؛ لأن قوله - تعالى-((إرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ... الخ)) فى معنى الأمر للورثة. أى أعطوهم حقهم دفعا لأمر الجاهلية، وليحفظ. الأوصياء ما أعطوه ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم(٢). وعلى هذا الوجه يكون المقصود من الآية الكريمة حض الأوصياء على المحافظة على أموال اليتامى بأبلغ تعبير ، لأنه - سبحانه - قد نبههم بحال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها ويعرفوا مكان العبرة فيها ، ولا شك أن ذلك من أقوى الدواعى والبواعث فى هذا المقصود ؛ لأنه - سبحانه - كأنه يقول لهم : افعلوا باليتامى الفعل الذى تحبون أن يفعل مع ذرياتكم الضعاف من بعدكم . جمل - سبحانه - من شعورهم بالحنان على ذرياتهم باعثا لهم على الحنان على أيتامهم. هذا، ومن المفسرين الذين استحسنوا هذا القول الإمام ابن كثير، فقد قال بعد أن حکی هذا القول : وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد فى أكل أموال اليتامى ظلما(٣). (١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٧٢ (٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٥٦ (٢) تفسير الآلوسي ج ٤ ص ٢١٣ - ٦٩ - أما القول الثاني فيرى أصحابه: أن الآية الكريمة أمر لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم ؛ فيوصوا المريض فى أولاده خيراً ويشفقوا عليهم كما يشفقون على أولاده . وقد وضح هذا القول الإمام الرازى فقال : إن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون له: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا ، فأوص بمالك لفلان وفلان. ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شىء أصلا. فقيل لهم: كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم فى الضعف والجوع من غير مال ، فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله . وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك ، فلا ترضه لأخيك المسلم . فعن أنس قال: قال النبى - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، (١) وقد رجح هذا الوجه الإمام ابن جرير فقال : وأولى التأويلات بالآية قول من قال: تأويل ذلك : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم العيلة لو كانوا فرقوا أموالهم فى حياتهم، أو قسموها وصية منهم الأولى قرابتهم ، وأهلى اليتم والمسكنة ، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العيلة عليهم من بعدهم ، فليأمروا من حضروه وهو يوصى لذوى قرابته وفى اليتامى والمساكين وفى غير ذلك بماله بالعدل ، وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا، وهو أن يعرفوه ما أباحه اله له من الوصية ، وما اختاره المؤمنون من أهل الإيمان بالله وبكتابه وسفته ... , (٢) والقول الثالث يرى أصحابه أن الخطاب فى الآية للموصين ، وأن الآية تأمرهم بأن يشفقوا على ورثتهم، فلا يسرفوافى الوصية لغيرهم ؛ لأن الإسراف فى ذلك يؤدى إلى ترك الورثة فقراء. ولقد قال النبى - صلى الله عليه وسلم - (١) تفسیر الفخر الرازى -٩ص١٩٨ (٢) تفسير ابن جرير حمص٢٧٢ - ٧٠ - لسعد بن أبى وقاص: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس » . والذى نراه أن الأمر بالخشية من الله يتناول جميع الأصناف المتقدمة: من الأوصياء، وعواد المريض ، والموصين وغيرهم ممن هو أهل لهذا الخطاب؛ لأن هؤلاء جميعا داخلون تحت الأمر بالخشية من الله - تعالى - ، وبالقول السديد الذى يحبه - سبحانه - ويرضاه. وقوله - تعالى - ((وليخش، فعل مضارع مجزوم بلام الأمر . ومفعوله .. محذوف لتذهب نفس السامع فى تقديره كل مذهب، فينظر كل سامع بحسب الاهم عنده ما يخشى أن يصيب ذريته . والجملة الشرطية وهى قوله - تعالى - ((لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم، صلة الموصول وهو قوله (( الذين)). وجملة (( خافوا عليهم ، جواب (( لو)). قال صاحب الكشاف : فإن قلت : مامعنی وقوع «لو تر كوا، وجوابه صلة للذين ؟ قلت: معناه: وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا من خلفهم ذرية ضعافا - وذلك عند احتضارهم - خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسیهم ... ،(١) قال صاحب الانتصاف: وإنما لجأ الزمخشرى إلى تقدير ((تركوا)) بقوله. شارفوا أن يتركوا؛ لأن جوابه قوله ((خافوا عليهم، والخوف عليهم إنما يكون قبل تركهم إياهم . وذلك فى دار الدنيا . فقد دل على أن المراد بالترك الإشراف عليه ضرورة ، وإلالزم وقوع الجواب قبل الشرط وهو باطل . ونظيره ((فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أوسر «وهن بمعروف) أى. شارفن بلوغ الأجل . (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٤٧٨ - ٧١ - ثم قال : ولهدا المجاز فى التعبير عن المشارفة على الترك بالترك سر بديع. وهو التخويف بالحالة التى لا يبقى معها مطمع فى الحياة، ولا فى الذب عن الذرية الضعاف. وهى الحالة التى وإن كانت من الدنيا ، إلا أنها لقربها من الآخرة، واصوقها بالمفارقة ، صارت من حيزها ، ومعبرا عنها بما يعبر به عن الحالة الكائنة بعد المفارقة من الترك . (١) وقوله («ضعافا)، صفة لذرية. وفى وصف الذرية بذلك بعث على الترحم وحض على أمتثال ما أمر الله به . والفاء فى قوله (( فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا)) لترتيب ما بعدها على ما قبلها. فقد ر تب الأمر بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا أمريز متقاربين لأن الأمر الأول لما عضد بالحجة - وهى الخوف على ذربتهم - أعتبر كالحاصل فصح التفريع عليه . والمعنى: فليتقوا الله فى كل شأر من شئونهم وفى أموال اليتامى فلا يعتدوا عليها. وليقولوا لغيرهم قولا عاد لا قو بما مصيبا للحق وبعيدا عن الباطل. قال الآلوسى وقوله (( وليقولوا)) أى لليتامى أو المريض أو لحاضرى القسمة ، أو ليقولوافى الوصية ((قولا سديدا، فيقول الوصى للمقيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادى له إلى حسن الاداب ومحامن الأفعال . ويقول عائد المريض للمريض : ما يذكره بالتوبة وحسن الظن بالله، وما يصده عن الإسراف فى الوصية وتضييع الورثة . ويقول الوارث لحاضر القسمة: مايزيل وحشته أو يزيد مسرته. ، يقول الموصى فى إيصائه: مالا يؤدى إلى تجاوز الثلث. ثم قال ، والسديد : المصيب العدل الموافق الشرع . يقال : سدقوله يد. بالكسر - إذا صار سديدا .... والسداد - بالفتح - الاستقامة والصواب. وأما السداد - بالكسر - فهو ما يسد به الشىء .... )، (٢) (١) هامش تفسير الكشاف جـ ١ ٤٧٨ ٠ (٢) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٠٢١٤ - بتصرف وتلخيص - - ٧٢ - قال بعض العلماء: وفى الآية الكريمة ما يبعث الناس كلهم على أن يغضبوا للحق من الظلم، وأن يأخذوا على أيدى أولياء لسوء ، وأن يحرسوا أموال اليتامى، ويبلغوا حقوق الضعفاء إليهم ، لأنهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم، أموالهم مثل ذلك . وأن يأكل قويهم ضعيفهم ؛ فإن اعتياد السوء ينسى الناس شناعته، ويكسب النفوس ضراوة على عمله، (١). ٠ ٠ ٠ ثم توعد - سبحانه - الذين يعتدون على حقوق اليتامى بأشد أنواع الوعيد فقال - تعالى - : إنّ الذينَ يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظلماً، إنما يَأْ كَلونَ فى بُطُونِهِم ناراً وسَيَصْلَونَ سعيراً (١٠))). وقوله: (( إن الذين يأكلول أموال اليتامى ظلما ... ، إستئناف مسوق لتقرير مافصل من الأوامر والنواهى السابقة التى تتعلق بحقوق اليتامى. قال الفخر الرازى: اعلم أنه - تعالى - أكد الوعد فى أكل مال اليتيم ظلما ، وقد كثر الوعيد فى هذه الايات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك كـقوله: وآقوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ... ، وكقوله ((وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا .... )). ثم ذكر بعدها هذه الآيه مفردة فى وعيد من يأكل أموالهم ، وذلك كله رحمة من الله - تعالى - باليتامى؛ لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة. وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة وحمته وكثرة (١) تفسير التحرير والتنوير ج٤ص ٢٥٣ للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور - ٧٣ - عفوه وفضله ؛ لأن اليتامى لم! بلغوا فى الضعف إلى الغاية القصوى، بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى)،(!). وقوله ((ظلما)) أى يأكلونها على وجه الظلم سواء أ كان الآكل من الورثة أو من أولياء السوء أو من غيرهم. وقال - سبحانه - ((ظلما، الكمال التشنيع على الآكلين؛ لأنهم يظلمون اليتامى الضعفاء الذين ليس فى قدرتهم الدفاع عن أنفسهم . أو أنه - سبحانه - قيد الأ كل بحالة الظلم، للدلالة على أن مال اليتيم قد يؤكل ولكن لا على وجه الظلم بل على وجه الاستحقاق كما فى حالة أخذ الوالى الفقير أجرته من مال اليتيم أو الاستقراض منه فإن ذلك لا يكون ظلما ولا يسمى الآكل ظالما. قال - تعالى - ((ومن كان غنيا فليستعفف ، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف)). وقوله ((ظلما، حال من الضمير فى (يأكلون، أى يأكلونها ظالمين. أو مفعول لأجله . أى يأكلونها لأجل الظلم . قال القرطبى : روى أن هذه الآية نزلت فى رجل من غطفان يقال له: مرثد ابن زيد ، ولى مال ابن أخيه وهو يقيم صغير فأكله ؛ فأنزل الله - تعالى - فيه هذه الآية . ولهذا قال الجمهور: إن المراد الأوصياء الذين يأكلون مالم يبح لهم من مال اليتيم(٢))). وقوله: ((إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سيرا)) بيان لسوه مصيرهم ، وتصوير لأضرار الأكل عليهم . والمفسرين فى تفسير قوله - تعالى - ((إنما يأكلون فى بطونهم ناراً، اتجاهان . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٠١٠٠ (٢) تفسير القرطبي جـ ٥ ص ٠٥٣ - ٧٤ - أولهما : أن الآية على ظاهرها ، وأن الآكلين لمال اليتامى ظلما سيأكلون نار يوم القيامة حقيقة . وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه على صحة ماذهبوا إليه بآثار منها ارواه ابن حبان فى صحيحه و ابن مردويه وابن أبى حاتم عن أبي برزة أن سول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم جج أفواههم نارا. قيل يارسول الله من هم؟ قال: ألم تر أن الله قال: «إن ذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .... الآية،١١). ورى ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدرى قال: قلنا يارسول الله مارأيت بلة أسرى بك؟ قال : انطلق بى إلى خلق من خلق الله كثير . رجال كل رجل هم له مشفر كمشفر البعير، وهم موكل بهم رجال يفكون لجاء أحدهم، ثم داء بصخرة من نار فتقذف فى أفواههم حتى تخرج من أسفلهم ولهم جوار صراح. قلت : ياجبريل من هؤلاء؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون أموال يتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا(٢))). ثانيهما يرى أصحابه أن الكلام على المجاز لاعلى الحقيقة وأن المراد إنما أكلون فى بطونهم المال الحرام الذى يفضى بهم إلى النار . وعليه فكلمة ((نارا، مجاز مرسل من باب ذكر المسبب وإرادة السبب. والمراد بالأكل فى قوله (( إن الذين يأكلون، مطلق الأخذ على سبيل ظلم والتعدى . وإنما ذكر الأكل وأراد به مطلق الإتلاف على سبيل الظلم؛ لأن الأكل عن طريقه تكون معظم تصرفات الإنسان ، ولأن عامة مال اليتامى فى ذلك. لوقت هو الأنعام التى تؤ كل لحومهاوتشرب ألبانها خرج الكلام على عادتهم، .لأن فى ذكر الأكل تشنيعا على الآكل لمال اليتيم ظلما، إذ هو أبشع الأحوال. (٢،١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٥٦ - ٧٥ - التى يتناول مال اليتيم فيها؛ ولأن فى ذكر الأكل مناسبة للجزاء ؛ لمذ كور فى قوله (( إنما يأكلون فى بطونهم نارا)) حيث يكون الجزاء من جنس العمل. قال (( فى بطونهم، مع أن الأكل لا يكون إلا فى البطن، إما لأنه قد شاع فى استعمالهم أن يقولوا: أكل فلان فى بطنه يريدون ملء بطنه فكأنه قيل: إنما يأكلون ملء بطونهم نارا حتى يبثموا بها. ومثله وقد بدت البغضاء من أفواههم، أى شرقوا بها وقالوها بمل. أفواههم، ويكون المراديذكر البطون تصوير الأكل للسامع حتى تتأكد عنده بشاعة هذا الجرم بمزيد قصور. وإما أن يكون المراد بذكر البطون التأكيد والمبالغة كما فى قوله - تعالى -: ((ولا طائر يطير بجناحيه، والطيران لا يكون إلا بالجناح. والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة . وقوله ((وسيصلون سعيرا: تأكيد لو« عاقبتهم يوم القيامة. و ((يصلون، مضارع صلى كرضى إذا قاسى حر النار بشدة . وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ((وسيصلون)) بضم ياء المضارعة والباقون بفتحها . والسعير : هو النار المستعرة . يقال: سعرت النار أسعرها سعرا فهى مسعورة إذا أو قدتها وألهبتها . وإنما قال ((سعيرا، بالتنكير لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف، غاية شدتها إلا الله - تعالى - : أى: وسيدخلون نارا هائلة لا يعلم مقدار شدتها إلا الله - عز وجل .. أخرج أبو داود والنسائى والحاكم وغيرهم أنه لما نزلت هذه الآية انطلق من كان عنده يقيم عنده فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه . جعل يفضل له - ٧٦ -٠ الشىء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد. فاشتد عليهم ذلك . فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - تعالى - «ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم .. الآية، خلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم (١). قال الفخر الرازى : ومن الجهال من قال: صارت هذه الآية منسوخة بتلك. وهو بعيد، لأن هذه الآية فى المنع من الظلم . وهذا لا يصير منسوخا . بل المقصود أن مخالطة أمرال اليتامى إن كانت على سبيل الظلم فهى من أعظم أبواب الإثم كما فى هذه الآية ، وإن كانت على سبيل التربية والإحسان فهى من أعظم أبواب البركما فى قوله. تعالى - ((وإن تخالطوهم فإخوانكم،(٢. وبعد : فهذه عشر آيات من سورة النساء، تقرؤها فتراها تكرر الأمر صراحة برعاية اليتيم وبالمحافظة على ماله فى خمس آيات منها . فأنت تراها فى الآية الثانية تأمر الأولياء والأوصياء وغيرهم بالمحافظة على أموال اليتامى ، وأن يسلموها إليهم عند بلوغهم كاملة غير منقوصة ، وتحذرهم من الاحتيال على أكل هذه الأموال عن طريق الخلط فتقول : « وآنوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولاتأ كلوا أموالهم إلى أموالكم ، إنه كان حوباً كبيرا)). وتزاما فى الآية الثالثة تبيح لأولياء النساء اليتامى أن يتزوجوا بغيرهن إذا لم يأمنوا على أنفسهم العدل فى أموال اليقيمات ، وحسن معاشرتهن ، وتسليمهن حقوقهن كاملة إذا تزوجوهن فتقول : (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٧. ٠ (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٢٠٢ - ٧ - ((وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع .... الآية، وتراها فى الآية السادسة قأمر الأولياء بأن يختبروا تصرفات اليتامى وأن يسلموا إليهم أموالهم عند بلوغهم وإيناس الرشد منهم فتقول : ((وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا .... الآية. وتراها فى الآية الثامنة تأمر المتقاسمين للتركة أن يجعلوا شيئا منها للمحتاجين من الأقارب واليتامى والمسا كين فتقول: ((وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوم منه ... الآ ية )). ثم تراها فى الآية العاشرة تتوعد الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما بأشد ألوان الوعيد فتقول !: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم ناراً ، وسيصلون سعيراً)). وقد أمر القرآن أتباعه فى كثير من آياته بالعطف على اليقيم ، وبحسن معاملته ، وبالمحافظة على حقوقه، ومن ذلك قوله - تعالى - : ((ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا)،(١) . وقوله - تعالى - متنا على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - «ألم يحدك يتيما فآوى . ووجدك ضالا فهدى. ووجدك عائلا فأغنى. فأما اليتيم فلا تتمهر .... وقوله - تعالى - ((ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيروان تخالطوم فاخر انكم ... (٢) (١) سورة الإمراء الآية ٣٤. (٢) سورة البقرة الآية ٢٢٠ - ٧٨ ٠ وعندما نقرأ أحاديث النبى - صلى الله عليه وسلم - نراه فى كثير منها بأمر نا برعاية اليتيم، وبالعطف عليه، وبإكرامه وعدم قهره وإذلاله، ويبشر الذين يكرمون اليتيم بأفضل البشارات ، فقد روى البخارى وغيره عن سهل بن سعد عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا. وقال باصيعيه السبابة والوسطى) - أى: وأشاروفر ج.بين إصبعية السبابة والوسطى - . وإنما اعتنى الإسلام برعاية اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه، ولأن عدم رعايته ستؤدى إلى شيوع الفاحشة فى الأمة ؛ ذلك لأن اليتيم إنسان فقد العائل والنصير منذ صغره، فإذا نشأ فى بيئة ترعاه وتكرمه وتعوضه عما فقده من عطف أبيه، شب محبا لمن حوله وللمجتمع الذى يعيش فيه. وإذا نشأ فى بيئة تقهره وتذله وتظلمه نظر إلى من حوله وإلى المجتمع كله نظرة العدو إلى عدوه، وصار من الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون؛ لأنه سيقول لنفسه: إذا كان الناس لم يحسنوا إلى فلماذا أحسن إليهم؟وإذا كانوا قدحرمونى حتى الذى منحه الله لى . فلماذا أعطيهم شيئا من خیری وبری؟ لهذه الأسباب وغيرها أمر الإسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه وصيانة حقوقه من أى اعتداء أوظلم . ٥٠٥ وبعد أن يبين - سبحانه - ما يجب على الرجال نحو النساء من إعطائهن حقوقهن ، وما يجب على الجميع نحو اليتامى من إكرامهم والمحافظة على أموالهم .... بعد أن بين - سبحانه - ذلك ، شرع فى بيان حقوق أكثر الوارثين ، بعد أن أجملها فى قوله - تعالى - ((للرجال نصيب ماترك الولدان والأقربون ... فقال - تعالى : - ٧٩ - ( بُوصِيكُمُ اللهُ فى أولادِكِم ، لِلذَّ كَر مِثلُ حَظِّ الْأَنْنَيْنِ ، فإن كُنَّ نساءَ فوقَ اثْنَتَيْنِ فلَهُنَّ ثُلثا ما تركَ، وإنْ كانتْ واحدةً فَلَهاَ النِّصْف، ولأوَيْهِ لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ مِمَّا تركَ إنْ كانَ لهُ ولَدٌ ، فإنْ لم يكنْ لهُ ولدٌ رَوَرِثَهُ أبواهُ فِلِمَّهِ الثّلث، فإنْ كانَّ لهُ إخْوَةٌ فَلِمَّهِ السُّدُسُ مِنْ بعدِ وصيَّةٍ يُوصِى بها أو دَيْنٌ ، آبَؤُ كُم وأبناؤُ كُمْ لا تَدْرُونَ أَيْهِم أَفْربُ السُكُمْ نَفْعَ فريضةٌ من الله، إنَّ اللهَ كان عليماً حكيماً (١١) ولكمْ نِصْفُ ما ترك أزواجُكُم إذْ لم يكنْ ◌َهُنَّ ولدٌ، فإنّ كان لهنَّ ولدٌ فلكم الرُّبعُ مِمَّا تَرَكَنَ مِنْ بعدِ وصيةٍ يوصينَ بِها أو دَيْنِ، ولَهَنَّ الرَّبِعُ ممّ تركتم إنْ لم يكنْ لِكُمْ وَلَدٌ، فإِنْ كان لكُم وَلِدٌ فَلَهُنَّ الثُّمن يِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ بعدٍ وصيةٍ تُوصونَ بها أو دَيْن ، وإن كان رجلٌ بورَثُ كَلاَلَةً أو امرأةٌ وله أخٌ أو أُختُ فلكل واحدٌ منهما الشّدُس ، فإنْ كانُوا أكثر منْ ذلكَ فهم شركاء فى الثُّلُثِ مِنْ بعد وصيةٍ يُوصَى بها أو دَيْنٍ غيرَ مُضارِّ وصيةً من اللهِ، واللهُ عليمٌ حليمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللهِ، ومَنْ يُطِعِ اللّهَ ورسولَهُ يُدْخِلُهُ جناتٍ تَجْرِى مِنْ تحتها الأنهار خالدينَ فيها ، وذلكَ الفوزُ العظيمُ (١٣) ومَنْ يَعْصِ الله ورسولَهُ ويتعدَّ حدودَهُ يُدْخِلُهُ ناراً خالداً فيها ولهُ عذابُ مُهِينَ (١٤))) قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لقوله - تعالى - (يوصيكم فى أولادكم .... الآية )): = ٨٠ - « هذه الآية الكريمة والتى بعدها والآية التى هى خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض. وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة فى ذلك مما هو كالتفسير لذلك .... وقدورد الترغيب فى تعليم الفرائض فقد روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -. قال: العلم ثلاثة وماسوى ذلك فهو فضل: آية محكمة - أى غير منسوخة . أو سنة قائمة - أى ثابته - أو فريضه عادلة - أى عادلة فى قسمتها بين أصحابها ... وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تعلموا الفرائض وعلموه الناس؛ فإنه نصف العلم. وهو أول شىء ينسى . وهو أول شىء ينزع من أمتى)). ثم قال ابن كثير : وقال البخارى عند تفسير هذه الآية : عن جابر ابن عبد اللّه قال: عادفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فى بنى سلمة ماشيين فو جد فى النبى - صلى الله عليه وسلم - لا أعقل شيئا . فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش على فأفقت . فقلت: يارسول الله ما تأمر فى أن أصنع فى مالى؟ فنزلت ( يوصيكم الله فى أولادكم ... الآية)). وفى حديث آخر رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه عن جابر قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع بابفتبها من سعد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يارسول الله !! هاتان ابنتا سعد بن الربيع. قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا . وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً. ولا تنكحان إلا ولهما مال. فقال: ((يقضى اللّه فى ذلك، فنزلت آية الميراث. فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمهما فقال: أعط ابنتى سعد الثلثين، وأمهما الثمن ، ومابقى فهو لك)). ثم قال ابن كثير : والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتى، فإنه إنما كان له إذذاك أخرات ولم يكن له