Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ الجزء الثالث وقوله (« يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم، جملة مستأنفة مبينة لحالهم مطلقا لا فى ذلك اليوم لحب . أى أن هؤلاء القوم من صفاتهم الذميمة أنهم يقولون بألسنتهم قولا يخالف ما انطوت عليه قلوبهم من كفر، وما امتلأت به نقوسهم من بغضاء لكم - أيها المؤمنون ... قال صاحب الكشاف: وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم ، وأن إيمانهم موجود فى أفواههم معدوم فى قلوبهم ، بخلاف صفة المؤمنين فى مواطأة قلوبهم لأفواههم، (١) .. وقوله (( والله أعلم بما يكتمون)) تذييل قصد به زجرهم وتوعدم بسوء المصير بسبب نفاقهم وخداعهم . أى واقه - تعالى - أعلم منكم - أيها المؤمنون - بما يضمره هؤلاء المنافقون من كفر ومن كراهية لدينكم ، لأنه - سبحانه - يعلم ما ظهر وما خفى من أمورهم ، وقد كشف الله لكم أحوالهم لكى تحذروم ، وسيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم، وسينزل بهم ما يستحقونه من عذاب مهين. ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من أراجيفهم وأكاذيبهم التى قصدوا من وراثها الإساءة إلى المؤمنين، والتشكيك فى صدق تعاليم الإسلام فقال - تعالى - ((الذين قالوا لإخوانهم وقمدوا. لو أطاعونا ما قتلوا)). أى أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بما ارتكبوه من جنايات قبيل غزوة أحد وخلاطها. بل إنهم بعد انتهاء المعركة قالوا لإخوانهم الذين هم مثلهم فى) المشرب والإتجاه: قالوا لهم وقد قعدوا عن القتال: لو أن هؤلاء الذين (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٣٧ ٤٤٢ سورة آل عمران استشهدوا فى أحد أطاعونا وقعديا معنا فى المدينة لما أصابهم القتل، ولكنهم خالفونا فكان مصيرهم إلى القتل . ويجوز أن تكون اللام فى قوله «لإخوانهم، للتعليل فيكون المعنى: أنهم قالوا من أجل إخوانهم الذين استشهدوا فى غزوة أحد، لو أن هؤلاء الذين قتلوا أطاعونا ولم يخرجوا لبقوا معنا على قيد الحياة ، كما هو حالنا الآن، ولكنهم لم يستمعوا إلى نصحنا وخزجرا للقتال فقتلوا . وعلى كلالتفسير بن فقولهم هذا يدل على خبث نفوسهم، وانطماس بصيرتهم، وجهلهم بقدرة الله ونفاذ إرادته، وشماتتهم فيما حل بالمسلمين من قتل وجراح يوم أحد . ولذا فقد رد الله عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويدحض قولهم، ويكشف عن جهلهم وسوء تفكيرهم فقال - تعالى - ((قل فادر وا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ،، أى قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم الفارغة: إذا كنتم تظنون أنكم دفعتم عن أنفسكم الموت بقعودكم فى بيوتكم، وامتناعكم عن الخروج للقتال، إذا كنتم تظنون ذلك , فادر وا، أى ادفعوا عن أنفسكم الموت المكتوب عليكم ، والذى سيدر ككم ولو كنتم فى بروج مشيدة . فالمقصود من هذه الجملة الكريمة الرد عليهم بما يبطل أقوالهم عن طريق الحس والمشاهدة. ذلك ببيان أن القعود عن الجهاد لا طيل الحياة كما أن الخروج إلى ساحات القتال لا ينقص شيئا من الآجال. فكم من مجاهد عاد من جهاده سالما . وكم من قاعد أناه الموت وهو فى عقر داره . فزعم هؤلاء المنافقين بأن أولئك الذين استشهدوا فى أحد أو أطاءوم ولم يخرجوا للقتال لما أصابهم القتل زعم باطل. وإلا فإن كانوا صادقين فى هذا الزعم فليدفعوا عن أنفسهم الموت الذى سينزل بهم حتما فى الوقت الذى يشاؤه اله . ولا شك أنهم لن يستطيعوا دفعه فثبت كذبهم وافتراؤهم. ٤٤٣ الجزء الثالث وقوله - تعالى , الذين قالوا لإخوانهم .... فى محل نصب بدل من قوله (((الذين نافقوا)). أو فى محل رفع بدل من الضمير فى قوله، يكتمون، فكأنه قيــل واقه أعلم بما يكتم هؤلاء الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ... وقوله ((وقعدوا، حال من الضمير فى ,قالوا، بتقدير حرف قدهاى قالوا ما قالوا والحال أنهم قد قعدوا عن القتال . وجواب الشرط. فى قوله (( إن كنتم صادقين، محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو قوله (( فادر أوا عن أنفسكم الموت)). والتقدير: إن كنتم صادقين فى زعمكم أن الذين قتلوا فى أحد لو أطاءوكم وقعدوا كما قدتم لما أصابهم القتل، إن كنتم صادقين فى هذا الزعم قادره وا عن أنفسكم الموت عند حلوله . قال الآلوسي: والمرادأن ما ادعيتموه سببا للنجاة ليس بمستقيم، ولو فرض إستقامته فليس بمفيد. أما الأول: فلأن أسباب النجاة كثيرة: غايته أن القعود والنجاة وجدا معا وهو لا يدل على السدية . وأما الثانى: فلأن المهروب عنه بالذات هو الموت الذى القتل أحد أسبابه فإن صح ماذكرتم فادفعوا سائر أسبابه، فإن أسباب الموت فى إمكان المدافعة بالحيل وامتناعها سواء، وأنفسكم أعز عليكم وأمرها أم لديكم، (١). وقال ابن القيم: وكان من الحكم التى اشتملت عليها غزوة أحد، أن تكلم المنافقون بما فى نفوسهم، فسمعه المؤمنون ، وسمعوا رد الله عليهم، وجوابه لهم ، وعرفوا مراد النفاق. وما يؤول إليه، كيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة . (١) تفسير الآلوسى ج ٤ ص ١٢٠ ٠ ٤٤٤ سورة آل عمران فكم من حكمة فى ضمن هذه القصة بالغة، وفعمة على المؤمنين سابقة، وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وقفيه. وتعريف بأسباب الخير والشر ومآ لها ومافيتهما (١). وبعد هذا الحديث الكاشف عن طبيعة المنافقين وعن أحوالهم، إنتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الشهداء وفضلهم وما أعده الله لهم من نعيم مقيم فقال - تعالى -: ((ولا تحسَبنَّ الذينَ قُتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عندربهم يرزَقون (١٦٩) فَرِحِينَ بما آتاهُ اللهُ من فضله، ويَبْغِبِشِرُونَ بالذينَ لم يَلحَقُوا بهم مِنْ خَلْفَهم، أَلاَّ خوفٌ عليهم ولا ثُمُ يَحزنَون (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنعمةٍ مِن اللهِ وفضلٍ وأنَّ اللهَ لا يُضِيع أَجْر المؤمنين (١٧١) الذينَ استجابوا لُهِ والرسولِ مِنْ بَعد ما أصابَهِم القَرحُ، للذينَ أحسَنُوا منهم واتَّوْا أَجرٌ عظيمٌ (١٧٢) الذينَ قَالَ لهم النَّاس إنَّ الناسَ قد جِعُوا لِكُم فاغْتَومُ فزادَم إيمانًا وقالُوا حسبنا الله ونعم الوكيل (١٧٣) فانقلبُوا بنعمةٍ من اللهِ وفَضْل لم يمسَسْهُمْ سولا واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ والله ذُو فضلٍ عظيم (١٧٤) إنما ذلكُم الشيطانُ يُخَوِّف أولياء. فلا تخافوُ وغافونِ إِنْ كنتم مؤمنين (١٧٥))). فقوله - تعالى - ((ولا تحسين الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء .. ، كلام مستأنف ساقه الله - تعالى - لبيان أن القتل فى سبيل الله الذى يحذره المنافقون ويحذرون الناس منه ليس ما يحذر، بل هو أجل المطالب وأسناها، (١) زاد المعاد لابن القيم. نقلا عن تقسيم القاسمى ص ٠١٠٣٢ ٠ ٤٤٥ الجزء الثالث إثر بيان أن الحذر لا يدفع القدر، لأن من قدر الله له القتل لا يمكنه الاحتراز عنه، ومن لم يقدر له ذلك لا خوف عليه منه . فهذه الآيات الكريمة رد على شماتة المنافقين إثر الردود السابقة. وتحريض المؤمنين على القتال، وتقرير لحقيقة إسلامية ثابتة هى أن الاستشهاد فى سبيل انه ليس فناء بل هو بقاء . والخطاب فى قوله ((ولا تحسبن، للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من بتأتى له الخطاب . والحسبان: الظن ، والنهى بلا هنا منصب على هذا الظن، أى أنها كم عن أن تظنوا أنهم أموات ، وفون التوكيد فى قوله ((ولا تحسبن، لتأكيد هذا النهى . أى: لا تحسين أيها الرسول الكريم ، أو أيها المؤمن أن الذين قتلوا فى سبيل الله، ومن أجل إعلان كلمته ، لا تحسبهم أمواتا لا يحسون شيئا ولا يلتذون ولا يتنعمون ، بل م أحياء عند ربهم ، يرزقون رزق الأحياء ، ويتنعمون بألوان النعم التى أسبغها الله عليهم، جزاء إخلاصهم وجهادم وبذلهم أنفسهم فى سبيل الله . وقوله (( الذين)) مفعول أول لقوله: «تحسين) وقوله ((أمواتا، مفعوله الثانى وقوله (« أحياء، خبر لمبتدأ محذوف أى بل م أحياء. وقوله ((عند ربهم، يصح أن يكون خبرا ثانيا للمبتدأ المقدر أو صفة لأحياء أو ظرفا له لأن المعنى : يحيون عند ربهم. والمراد بالعندية هنا المجاز عن القرب والإكرام والتشريف، أى م أحياء مقربون عنده، قد خصهم بالمنازل الرفيعة، والدرجات العالية ، و ليس المراد بها القرب المكافى لاستحالة ذلك فى حق الله - تعالى -. ٤٤٦ سورةآل عمران وقوله ((يرزقون)) صفة لقوله, أحياء، أو حال من الضمير فيه أى يحيون مرزوقين . هذا وقد وردت أحاديث متعددة صرح بأن هذه الآيات الكريمة. قد نزلت فى شهداء أحد، ويدخل فى حكمهم كل شهيد فى سبيل الله، ومن هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول انه - صلى الله عليه وسلم - «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة فى ظل العرش . فلما وجدوا عيب ما كلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء فى الجنة ترزق لئلا يزهدوا فى الجهاد، ولا يشكلوا عند الحرب. فقال الله - تعالى -: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل الله هؤلاء الآيات , ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا ٠٠.، الخ الآيات . وأخرج الترمذى وابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال: لقينى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: « يا جابر مالى أراك منكساً مهما، ؟ قلت يا رسول الله استشهد أبى - فى أحد - وترك عیالا وعليه دين فقال : ألا أبشرك بما لقى الله - عز وجل - به أباك ؟ قلت: بلى يارسول الله . قال: إن الله أحيا أباك وكله كفاحاً - أى مواجهة ليس بينهما حجاب - وماكلم أحداً قط إلا من وراء حجاب، فقال له ياعبدى من أعطاك. قال يارب فردفى إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية . فقال الرب - تعالى - إنه قد سبق منى أنهم إليها لا يرجعون . قال: يارب فأبلغ من ورائى فأنزل الله - تعالى - ((ولا تحسين الذين قتلوا فى سبيل الله امواناً ... ، الآية. قال القرطى - بعد أن ساق هذين الحديثين وغيرهما - ما ملخصه: (« فقد أخبر الله - تعالى - فى هذه الآيات عن الشهداء أنهم أحياء فى الجملة برزقون. والذى عليه الكثيرون أن حياة الشهداء محققة. ثم منهم من يقول: ٤٤٧ الجزء الثالث ترد إليهم الأرواح فى قبورهم فينعمون ، كما يحيا الكفار فى قبورهم فيذبون . وصار قوم إلى أن هذا مجاز، والمعنى أنهم فى حكم الله مستحقون للتنعم فى الجنة . وقال آخرون أرواحهم فى أجواف طير خضر وأنهم برزفون فى الجنة ويأكلون ويتنعمون. وهذا هو الصحيح من الأقوال، لأن ماصح به النقل فهو الواقع . وحديث ابن عباس - الذى سقناه قبل قليل - نص يرفع الخلاف ... ، !! ). والذى تطمئن إليه النفس: أن الآية الكريمة تنبه على أن الشهداء مرية خاصه تجعلهم يفضلون الموتى المعروفين لدى الناس ، وهى. أنهم فى حياة سارة ، ونعيم لذيذ، ورزق حسن عند ربهم . وهذه الحياة الممتازة ترفهم عن أن يقال فتهم كما يقال فى غيرهم: أموات. وإن كان المعنى اللغوى للموت - بمعنى مفارقة الروح للجسد فى ظاهر الأمر - حاصلا للشهداء كغيرهم من الموتى. إلا أن هذه الحياة البرز خية التى أحبر الله بها عن الشهداء نؤمن بها كماذ كرها الله - تعالى - ولا ندرك حقيقتها. إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى حـ فقد قال - تعالى - فى آية أخرى: ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون)) أى ولكن لا تحسون ولا تدر كون حال. - هؤلاء الذين قتلوا فى سبيل الله بمشاعركم وحواسكم؛ لأنها من شئون الغيب التى لا طريق العلم بها إلا الوحى. ثم بين - سبحانه - ماهم فيه من مسرة وحبور ققال: «فرحين بما أقام الله من فضله، أى فرحين فرحا عظيما بعد انتفالهم من الدنيا ، بما أعطاهم الله فى حياتهم الجديدة من ضروب النعم المتعددة التى من بينها الثواب العظيم، والنعيم الدائم ؛ والسعادة التى ليس بعدها سعادة وقوله ((فرحين، بصح أن يكون حالا من الضمير فى ((يرزقون)) أو من الضمير فى (أحياء)) وقوله ((من فضله)) متعلق بآ تام. (١) تفسير القرطبي -جـ ٤ ص ٢٦٨ ٤٤٨ سورة آل عمران و ((من)» يصح أن تكون للسببية أى الذى آتاهم متسبب عن فضله. أو لابتداء الغاية وقوله ((ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم)) معطوف على فرحين لتأويله بيفرحون. أو هو حال من الضمير فى « فرحين» ٢٠ وهم يستبشرون ... وأصل الاستبشار : ظلب البشارة وهو الخبر السار الذى تظهر آثاره على البشرة إلا أن المراد به هنا السرور إستعمالا للفظ فى لازم معناه. أى: أن هؤلاء الشهداء فرحين بماآتاهم الله من فضله من شرف الشهادة، ومن الفوز برضا الله، ويسرون بما تبين لهم من حسن مآل إخوانهم الذين تركوهم من خلفهم على قيد الحياة، لأن الأحياء عندما يموتون شهداء مثلهم سينالون رضا الله وكرامته، وسيظفرون بتلك الحياة الأبدية الكريمة كماظفروا ثم بها. فالمراد بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم: وفقاؤم الذين كانو ايجامدون معهم فى الدنيا ولم يظفروا بالشهادة بعد، لأنهم مازالوا على قيد الحياة . ١ وفى هذا دلالة على أن أرواح هؤلاء الشهداء قد منحها الله - تعالى - من الكشف والصفاء ماجعلها تطلع على ما يسرها من أحوال الذين همهم شأنهم فى الدنیا . وقيل: إن معنى ((لم يلحقوا بهم، لم يدر كوا فضلهم ومنزلتهم. وقوله (((من خلفهم)) متعلق بمحذوف حال من فاعل ((يلحقوا، أى لم يلحقوم متخلفين عنهم باقين بعد فى الدنيا. أو متعلق بقوله («يلحقوا، ذاته على معنى أنهم قد بقوا بعدهم وهؤلاء الشهداء قد تقدموم. وقوله (( ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون)) بدل اشتمال من قوله ((الذين لم يلحقوا بهم، مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم. والمعنى : ويستبشرون بما قبين لهم من حال الذين تركوم من خلفهم م ٤٤٩ الجزء الثالث فى الدنيا من رفقائهم المجاهدين، وهو أنهم لاخوف عليهم فى المستقبل ولام يحزنون على ما تركوه فى الدنيا ، بل م سيكونون آمنين مطمئنين بمد فراقهم لدنيا وعندما يبعثون يوم القيامة. وففى عنهم الخوف والحزن. لأن الخوف يكون بسبب توقع المكروه لنازل فى المستقبل . والحزن يكون بسبب فوات المنافع التى كانت موجودة فى الماضى . أبين - سبحانه - أنه لاخوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة ولاحزن لهم فيما فلتهم من متاع الدنيا . وقوله (( يسبقبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين)» ستئناف مبين لما هم عليه من سرور يتعلق بذواتهم ، بعد أن بين - سبحانه - . سرورم بحال الذین لم يلحقوا بهم، والمعنى أن هؤلاء الشهداء يستبشرون أيضاً لأنفسهم بسبب ما أنعم اقه عليهم به من نعم جزيلة . وبسبب ما تفضل به عليهم من زيادة للكرامة ، رسمو المنزلة . وهذا يدل على أن هؤلاء الشهداء لا يهتمون بشأن أنفسهم فقط، وإنما متمون أيضا بأحوال إخوانهم الذين تركوم فى الدنيا ، وفى ذلك ما فيه من صفاء نفوسهم . وطهارة قلوبهم، حيث أحيوا الخير لغيرهم كما أحبوه أنفسهم، بل إن تقديم استبشارهم بحال إخوانهم على استبشارهم بما يتعلق أنفسهم ليشعر بأن اهتمامهم بحال إنخوانهم أشد من اهتمامهم بحال نفسهم. ويرى بعضهم أن الضمير فى قوله «يستبشرون بنعمة ... )) يعود على ] الذين لم يلحقوا بهم ،فتكون جملة ((يستبشرون.)) حالا من الذين لم يلحقوا (٢٩ - سورة آل عمران) ٤٠٠ سورة آل عمران وعليه يكون المعنى! أن هؤلاء الذين لم يلحقوا بهم لاخوف عليهم ولا حزن فهم مستبشرون بنعمة من الله وفضل .. )). وقوله ((وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين)) (معطوف على «نعمة من الله وفضل ، وهذا على قراءة الجمهور بفتح همزة أن على معنى وبان .. والتقدير : يستبشرون بنعمة من الله وفضل وبأن اقه - تعالى - لا يضيع أجر المؤمنين، وإنما سيعطيهم النصر والعزة والكرامة جزاء جهادهم. وقرأ الكسائى ((وإن إنه لا يضيع أجر المومنين، بكسر همزة إن على الاستئناف والمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مؤمن يخاف مقامربه وينهى نفسه عن الهوى، ويجاهد فى سبيل إعلاء كلمة الله فإن الله - تعالى - لا يضيع شيئا من أجره، بل يعطيه من الجزاء الحسن - بفضله وإحسانه ـ أكثر ما يستحق . ثم مدح - سبحانه - المؤمنين الصادقين الذين لم تمنعهم جراحهم وآلامهم عن الاستجابه لأمر رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -: ((الذين استجابوا له والرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ،. قال الفخر الرازى ما ملخصه : اعلم أن الله - تعالى - مدح المؤمنين على غزوتين تعرف إحداهما: بغزوه حمراء الأسد، والثانية: بغزوة بدر الصغرى. وكلاهما متصلة بغزوة أحد . أما غزوة جراء الأسد فهى المرادة من هذه الآية، فإن الأصح فى سبب نزولها أن أبا سفيان وأصحابه بعد أن انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء، ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم ؟ بل الواجب أن ترجع ونستأصلهم ، فهموا للرجوع. فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يرهب الكفار ويربهم من نفسه ومن أصحابه قوة. فندب أصحابه إلى الخروج فى طلب ٤٠١ الجزء الثالث أبى سفيان وقال: لا أريد أن يخرج الآن معى إلا من كان معى فى القتال -فى أحد. خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع قوم من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد . وهى مكان على بعد ثمانية أميال من المدينة . فألقى الله الرعب فى قلوب المشركين فانهزموا . وروى أنه كان فيها من يحمل صاحبه على عنقه ساعة ، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى. وكان كل ذلك الإثنان الجراح فيهم . وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتو كما عليه صاحبه ساعة . وقوله (( استجابوا، بمعنى أجابوا. وقيل: استجابوا، أصلها طلبوا الإجابة لأن الأصل فى الاستفعال طلب الفعل. والقرح: الجراح الشديدة والمعنى: أن الله - تعالى - لا يضيع أجر هؤلاء المؤمنين الصادقين، الذين أجابوا داعى الله وأطاعوا رسوله، بان خرجوا للجهاد فى سبيل عقيدتهم بدون وهن أو ضعف أو استكافة مع ما بهم من جراح شديدة، وآلام مبر حة. ثم بين - سبحانه - جزاءهم فقال: للذين أحتوا منهم وانقوا أجر عظيم)، أى الذين أخسنوا منهم بأن أدوا جميع المأمورات، واتقوا الله فى كل أحوالهم أن صانوا أنفسهم عن جميع المهنيات، هؤلاء أجر عظيم لا يعلم كنهه إلا الله - تعالى - . وقوله (( الذين استجابوا ... ) فى موضع رفع على الابتداء وخبره قوله ( الذین احسنوا ... » وجوز أن يكون فىموضع جر على أنهصفهللمؤمنين فى قوله: ((وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين قال صاحب الكتاب: و((من)) فى قوله ((للذين أحسنوا منهم، للتبين مثلها فى قوله - تعالى، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجر عظيما) . لأن الذين استجابواته والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم .. »(١). (١) تفسير الكثاف : ١ س ٤٠٤ ٤٠٢ سورة آل عمران ثم مدحهم - سبحانه - على ثباتهم وشجاعتهم وحسن اعتمادهم على خالقهم - هز وجل -، بعد أن مدحهم قبل ذلك على حسن إستجابتهم لله ولرسوله فقال - تعالى -: ((الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)). قال الفخر الرازى ما ملخصه : نزلت هذه الآية فى غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان لما عزم على الانصراف إلى مكة فى أعقاب غزوة أحد نادى. يامحمد موعدنا موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت. فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - العمر: قل له بيننا وبينك ذلك إن شاء الله. فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران، فألقى الله الرعب فى قلبه، فبدا له أن يرجع، فلقى نعيم بن مسعود وقد قدم. معتمرا فقال له: يانعيم: إنى وعدت محمداً أن نلتقى بموسم بدر، وإن هذاعام. جدب ولا يصلحنا إلا عام ترعى فيه الشجر، وقشرب فيه اللبن. وقد بدأ لى أن أرجع. ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة علينا، فاذهب إلى المدينة فشبطهم ولك عندى عشرة من الإبل خرج نسيم إلى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم : ماهذا بالرأى. أُتوکم فی دیارکم و قتلوا أ کثرکم فإن ذهبتم إلیہم لم يرجع منكم احد . فوقع هذا الكلام فى قلوب قوم منهم . فلما رأى النبى - صلى الله عليه وسلم- ذلك قال (( والذی تغی بدء لآخر جن إایهم ولو وحدى)). ثم خرج - صلى الله عليه وسلم - فى جمع من أصحابه، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدرا الصغرى - وهى ماء لبنى كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام تمانية أيام - ولم يلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم . وأصحابه أحدا من المشركين . ٤٥٣ الجزء الثالث ووافقوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدما زبيبا، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين. أما أبو سفيان ومن معه فقد عادوا إلى مكة بعد أن وصلوا إلى من ظهران(١) ... وقيل إن الذين قابلهم أبو سفيان عند خروجه من مكا هم جماعة من بنى نبد القيس وقد قال لهم ما قاله لنعيم بن مسعود عندما أزمع العودة إلى مكة بد أن قذف الله الرعب فى فلبه من لقاء المسلمين. وعلى آية حال ففى سبب نزول هذه الآية والتى قبلها أقوال أخرى المفسرين كتفينا بما ذكر ناه خشية الإطالة .. وقوله, الذين قال لهم الناس، بدل من قوله ((الذين استجابوا فه الرسول، أو صفة له: أو فى محل نصب على المذح أى أمدح الذين قال لهم ـاس .. الخ . والمراد بالموصول فى الآيتين طائفة واحدة من المؤمنين وهم الذين لم نعهم الجراح عن الخروج للفتال، ولم يرهبهم قول من قال لهم بعد ذلك ن الناس قد جمعوا لكم. والمراد من الناس الأول وهو قرله (( الذين قال لهم الناس، جماعة بنى بد القيس أو نعيم بن مسعود . قال صاحب الكشاف: فإن قلت كيف قيل ((الناس)) إن كان نعيم هو شبط وحده ؟ قلت : قبل ذلك ؛ لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان ير كب قيل ، ويلبس البرود وما له إلا فرس وأحد وبرد فرد. أو لأنه حين قال (١) تفسير الفخر الرازىج ٩ ص ٩٩. ٠ ٤٥٤ سورةآل عمران ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه ، ويصلون جناح كلامه . ويثبطون مثل تثبيطه(١) . والمراد من الناس الثانى وهو قوله: ((إن الناس قد جمعوا لكم فاحشوهم. أبو سفيان ومن معه. فأل فيهما للعهد، والناس الثانى غير الأول . وقوله - تعالى - حكاية عن هؤلاء المثبطين: ((إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، أى إن أعداءكم المشركين قد جمعوا لكم جموعا كثيرة ليستأسلوكم، فاخشوهم ولا تخرجوا لقتالهم . وحذف مفعول ( جمعوا، فلم يقل: جمعواجيشا كبيرا أو جمعوا أنفسهم وعددهم وأحلافهم وذلك ليذهب الخيال كل مذهب فى مقدار ما جمعوا من رجال وسلاح وأموال، ولكن هذا القول الذى صدر من هؤلاء المثبطين ، لم يلتفت إليه المؤمنون الصادقون المخلصون فى جهادهم وفى اعتمادهم على خالقهم، بل كانوا كما أخبر الله - تعالى - عنهم ,فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا أقه ونعم الوكيل)). أى أن هذا القول الذى قاله المثبطون، زاد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، ويقينا على يقينهم ، وثباتا على ثباتهم ، وجعلهم يقولون للرجفين بثقة واطمئنان: ((حسبنا الله، أى كافينا الله أمر أعدائنا(( ونعم الوكيل، أى فعم النصير خالقنا - عز وجل - فهو الموكول إليه أمرنا ومصيرنا. وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على قوة إيمانهم ، وشدة ثقتهم فى نصر الله - تعالى - لهم، مهما كثر عدد أعدائهم، ومهما تعددت مظاهر قوتهم . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف زادهم نعم أو مقوله إيمانا؟ قلت: لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد ، وأظهروا (١) تسير الكشاف = ١ ص ٤٤١. ٤٥٥ الجزء الثالث حمية الإسلام كان ذلك أثبت ليقينهم، وأقوى لاعتقادهم . كما يزداد الإيقان بقناصر الججج . ولآن خروجهم على أثر قبيطه إلى جهة العدو طاعة عظيمة، والطاءات من جملة الإيمان، لأن الإيمان إعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن عمر: قلنا يارسول الله: إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم . يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه الغار . وعن عمر - رضى الله عنه - أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: قم بنا نزدد إيمانا. وعنه: لو وزن إيمان أبى بكر إيمان هذه الآمة لرجح به(١). وقال ابن كثير: روى البخارى عن ابن عباس: قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم - عليه السلام - حين ألقى به فى النار. وقالها محمد صلى الله عليه وسلم - حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوم . . وعن أبى هريرة - رضى أنه عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إذا وقعتم فى الأمر العظيم فقولوا: ((حسبنا الله ونعم الوكيل))(٢). ثم حكى - سبحانه - ما تم لهؤلاء المجاهدين الذين خرجوا للقاء أعدائهم من عاقبة حسنة وعود حميد فقال - تعالى -: « فانقلبوا بنعمة من القه وفضل لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان اله والله ذو فضل عظيم)). فالفاء فى قوله ، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل .. ، للتعقيب، وهى معطوفة على مقدر دل عليه السياق . ومعنى ((انقلبوا، عادوا ورجعوا . والنعمة : هى العطاء الذى ينفع صاحبه. والفضل: الزيادة فى العطاء ٠ والنعمة . (١) تفسير ج ١ ص ٤٤٢ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٠) ٤٥٦ سورة آل عمران والمعنى: أن هؤلاء المجاهدين الصادقين خرجوا للقاء أعدائهم بدون وهن أو ضعف أو استكانة فلم يجدهم ، فرجعوا إلى ديارهم مصحوبين «بنعمة. عظيمة ,من أمه . - تعالى -، إذ خذل أعداءهم، وسلمهم من شرورهم، ومصحوبين بفضل جليل منه - سبحانه - حيث أغدق عليهم ربحا وفيرا فى تجارتهم: وأجراً جزبلا بسبب قوة إيمانهم ، وإخلاصهم فى دينهم. قال الآلوسي: روى البيهقى عن ابن عباس أن عيراً مرت فى أيام الموسم - أى موسم بدر - فاشتراها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فربح مالا فقسمه بين أصحابه فذلك الفضل » . وأخرج ابن جرير عن السدى قال: أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين خرج فى غزوة بدر الصغرى أصحابه دراهم ابتاءوا بها فى الموسم، أصابوا تجارة - فربحوا فيها _(١): وقوله « بنعمة)) فى موضع الحال من الضمير فى ((فانقلبوا، فتكون الباء للملابسة أو للمصاحبة فكأنه قيل: فانقلبوا مليبسين بنعمة أو مصاحبين لها. وقوله (( من الله، متعلق بمحذوف صفة لنعمة، وهو مؤكد لفخامتها وأنها نعمة جزيلة لا يقدر قدرها . وقوله (( لم يمسسهم سو.، أى لم يصبهم أى أذى أو مكروه عند خروجهم وعودهم . والجملة فى موضع الحال من فاعل ((انقلبوا، أى رجعوا منعمين مبرئين من السوء والأذى . وقوله (( واتبعوا رضوان الله، معطوف على قوله ,فانقلبوا)). أى اتبعوا ما يرضى الله ويوصلهم إلى مثوبته ورحمته، باستجا بتهم الرسولهم - صلى الله عليه وسلم - وخروجهم للقاء أعدائهم بإيمان عميق، وعزم وثيق. (١) تفسير الآلوسي = ٤ ص ١٢٩ ٤٠٧ الجزء الثالث فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أخبر عن هؤلاء المجاهدين المخلصين أنهم قد صحبهم فى عودتهم أمور أربعة : أولها النعمة العظيمة. وثانيها الفضل الجزيل ، وثالثها السلامة من السوء. ورابعها : إتباع رضوان الله . ١ ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله (، والله ذو فضل عظيم)). وهذا كله قد منحه القه لهم جزاء إخلاصهم، ثباتهم على الحق الذى آمنوابه. أى واقه - تعالى - صاحب الفضل العظيم الذى لا يحسده حصر ، ولا يحصيه عد هو الذى تفضل على هؤلاء المؤمنين الصادقين با تفضل به من عطاء كريم . وثواب جزيل . وفى هذا التذييل زيادة تبشير للمؤمنين برعاية الله لهم١، وزيادة تحمير للمتخلفين عن الجهاد فى سبيله - عز وجل -، حيث حرموا أنفسهم عا فاز به المؤمنون الصادقون . ثم أمر الله - تعالى - عباده المؤمنين أن يجعلوا خشيتهم وخوفهم منه وحده، فقال - تعالى -: ((إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوم وخافون إن كنتم مؤمنين ). ١ فالخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين، والإشارة بذلكم إلى المشط بالذات أو بالواسطه . وقوله (( إنما)، أداة حصر، و(ذلكم، مبتدأ و((الشيطان» خبره، وقوله: , يخوف أولياءه، جملة مستأنفة سبينة لشيطنته. وقيل إن، ذلكم، مبتدأ أول، و((الشيطان) مبتدأ ثان. وقوله. يخوف أولياءه، خبر للمبتدأ الثانى، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول . والمراد بالشيطان إبليس لأنه علم بالغلبة عليه ولاءه هو الذى يخوف بالوسوسة . وقيل المراد به أتباعه الذين دسهم لكى يرهبوا المؤمنين من الكافرين وهم جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود المجاشعى . ٤٥٨ سورة آل عمران . إنما ذلكم المبط لكم عن لقاء أعدائكم هو الشيطان ، الذى يوسوس فى قلوبكم بالشر بذاته، أوبواسطة أتباعه الضالين، ومن شأن المؤمنين الصادقين، أنهم لا يتأثرون بهذه الوساوس الكاذبة، وإنما الذين يتأثرون بها هم ضعاف الإيمان: وقوله: يخوف أولياءه) أى يخوف أولياءه المنافقين وضعفاء الإيمان ليقعدوا عن مقاقلة المشركين، أما أنتم أيها المؤمنون الصادقون فإنكم لن يقعدكم تخويفه، لأن هذا التخويف لا أثر له فى قلب من آمن بالله حق الإيمان، واتقاه حق تقاته . وقيل إن معنى « يخوف أوليا .. , يخوفكم بأوليائه فذف المفعول الثانى وحذف الجار. كما فى قوله (( فإذا خفت عليه (ألقيه فى اليم، أى فإذا خفت علبه فرعون . فذف المفعول". وكمافى قوله «لينذر يوم الثلاق، أى لينذركم ييوم التلاقى . وقيل إن المعنى: يخوفكم أولياء. فحذف المفعول الأول كما تقول: أعطيت الأموال. أى أعطيت القوم الأموال . و قوله , فلا تخافوم وخافون إن كنتم مؤمنين ، أی فلا تخافوا أو لها. الشيطان، بل اجعلوا خوفكم منى وحدى، إن كنتم مؤمنين حقا. فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تشجيعهم؛ وتقويتهم، وإهاب شعورم ، إذ الإيمان الحق يستلزم الخوف من الله دون أحد سواه. والمراد بالنهى عن الخوف وهو أمر نفسى: النهى عن أسبابه التى من أهمها حب الدنيا وكراهية الموت. أى خذوا بأسباب القوة التى من أهمها التمسك بتقوى الله فإن ذلك یزیل الخوف من قلوبكم، وفى المقابلة بين النهى عن الخوف من أولياء الشيطان، وبين الأمر بأن يكون خوفهم من الله وحده، فى هذه المقابلة إرشاد إلى العلاج الذى يزيل الخوف والفزع من نفوسهم . لأن الذى يجعل خشيته وخوفه من الله وحده ٥٩ ٤ الجزء الثالث لن يستطيع الشيطان أو أولياؤه أن يبعدوه عن الطريق القويم وصدق الله إذ يقول: إن عبادى ليس لك عليهم سلطان)). وبذلك ترى أن الآيات الكريمة قد رفعت منازل الشهداء إلى أعملا الدرجات ، وصرحت بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ... كما أننت ثناء مستطابا على الذين لبوا دعوة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - حين دعام إلى الجهاد فى سبيل الله، ولم يمنعهم عن إجابة دعوته ما بهم من جراح، أو ما قاله لهم المرجفون من أقوال باطلة ، فرضى الله عنهم وأرضام . ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - عما يراه من كفر الكافرين. وعناد المعاندين، وفى بيان أن كفر الكافر إنما يعود عليه ضرره لاعلى غيره، وأنه - سبحانه - يملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وأن حكمته - سبحانه - تقتضى تمييز الخبيث من الطيب، فقال - تعالى -: (( ولا يَحْزُّنك الذينَ يُسَارِعُونَ فى الكفرِ إنّهم لن يَضُرُّوا الهَ شيئاً يريدُ اللهُ أَلَّ يُحْعَل لهم خَّظًّا فى الآخرةِ ولهم عذابٌ عظيمٌ (١٧٦) إِنَّ الذينَ اشتَروْا الكفرَ بالإيمانِ لن يَضُرُوا اللهَ شيئً ولهم عذابٌ أليمٌ (١٧٧) ولا يحسبن الذين كفرُوا أَنْما نُعلِى لَهُم خيرٌ لْأَنفُسِهِم، إنما ثُعلى لهم لِيَزْدَادُوا إِنمَاَ ولَهُمْ عذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) ما كان اللهُ لَيَذَرَ المؤمنين على ما أَثُ عليهِ حتّى يميزَ الحيثَ مِنَ الطَّيْب، وما كانَ الله لِيُطْلِمَكُم على الغيبِ ، ولكنَّ اللهَ يَخْتَبِى من رُسُلُه مَنْ يِشَاءِ، فَآَمِنُوا باللهِ ورُسُله، وإن تُؤمِنُوا وَتَّقُوا فلكُمْ أَجرٌ عظيمٌ (١٧٩) ولا يحسَبنَ الذينَ يبخُلُونَ بما آتاهُ اللهُ مِنْ فَضْله هو خيراً لهم بل هُو شرٌّ لهم، سيُطَوَّقُونَ ما تَخْلُوا به يومَ القيامةِ ، وله ميراثُ السَّمواتٍ والأرضِ واللهُ بما تعملون خبيرٌ (١٨٠))). ٦٠ ٤ سورةآل عمران الخطاب فى قوله - تعالى -,ولا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر ... للني - صلى الله عليه وسلم - والمقصود منه تسليته وإدخال الطمأنينة على قلبه، حتى لا يتأز بما يراه من كفر الكافرين، وتفاق المنافقين، وفق الفاسقين. أى: لا يحزنك ولا يثر فى نفسك الحسرات يا محمد ، حال أولئك القوم الذين (( يسارعون فى الكفر، أى بتوغلون فيه، وبتعجلون فى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص، ويقعون فيه سريعاً من غير تريث أو تدبر أو تفكير. والمقصود بالنهى عن الحزن النهى عن الاسترسال فيه وفى الأسباب التى تؤدى إليه، كأن يظن - صلى الله عليه وسلم - أن كثرة الضالين ستؤدى إلى انتصارهم على المؤمنين . وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال: ((يسارعون فى الكفر)) يقعون فيه سريعا، ويرغبون فيه أشد رغبة . وهم الذين نافقوا من المتخلفين وقيل: هم قوم ارتدوا عن الإسلام. فإن قلت: فما معنى قوله ((ولا يحزنك)) ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتد؟ قلت: معناه: لا يحز وك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك .... (١). ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بحرف ((فى)، دون حرف ((إلى) الشائع تعديها بهاكما فى قوله - تعالى - «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم .. )). وقوله (( إنهم لن يضروا الله شيئاً، تعليل للشهى عن أن يحزنه تسارعهم فى الكفر أى: لا يحزنك يا محمد حال هؤلاء المارقين الذين يسارعون فى الكفر . وينتقلون فيه من دركة إلى دركة أقبح من سابقتها، فإنهم مهما تمادوا فى كفرم وضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم، فإنهم لن يضروا دين الله أو أوليا .. بشىء من الضرر حتى ولو كان ضرراً يسيراً . ففى الكلام حذف مضاف والتقدير إنهم لن يضروا أولياء الله شيئا . (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٤١.