Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
الجزء الثالث
ثم قال: واختلف أهل التأويل فى المعنى الذى أمراقه نبيه - صلى الله عليه
سلم - أن يشاور فيه أصحابه فقالت طائفة: ذلك فى مكاند الحروب ، وعند
أذ العدو، تطبيباً لنفوسهم ورفعا لأقدارهم، وإن كان الله - تعالى - قد
ناه عن رأيهم بوحيه .....
وقال آخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وحى ، فقد قال الحسن: ما أمر الله
تمالى _ نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أرادأن يعلمهم ما فى المشاورة
، الفضل ، ولتقتدى به أمته من بعده .
ثم قال: والشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، والذى لا يستشير
بل العلم والدين - والخبرة - فعزله واجب. وهذا مما لا خلاف فيه.
وقد استشار النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فى كثير من الأمور،
قال ((المستشار مؤتمن، وقال « ماندم من استشار ولا خاب من استخار،
قال: (( ما شقى قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأى)).
وقال البخارى: ((وكانت الأثمة بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - يستشيرون
؟مناه من أهل العلم فى الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها .. )) (١).
وقال الفخر الرازى ما ملخصه : «اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحى
ن عند الله لم يجز للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يشاور فيه الأمة، لأنه
:١ جاء النص بطل الرأى والقياس ، فأما ما لا نص فيه فهل تجوز المشاورة
، فى جميع الأشياء أو لا ؟
قال بعضهم: هذا الأمر مخصوص بالمشاورة فى الحروب، لأن الألف
للام فى لفظ، الأمر)) تعود على المعهود السابق وهو مايتعلق بالحروب - إذ
كلام فى غزوة أحد .
(١) تفسير الفرطى ج ٤ ص ٢٤٩ بتصرف وتلخيص

٤٢٢
سورةآل عمران
وقال آخرون: اللفظ عام خص منه مانزل فيه وحى فتبقى حجته فى الباقى
وظاهر الأمر فى قوله «وشاورهم، للوجوب. وحمله الشافعى على الندب .. (١)
والحق أن الشورى أصل من أصول الحكم فى الإسلام ، وقد استشار التى
- صلى الله عليه وسلم - أصحابه فى غزوات بدر وأحد والأحزاب وفى غير ذلك
من الأمور التى تتعلق بمصالح المسلمين، وسار على هذا المنهج السلف الصالح
من هذه الأمة .
ولقد كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- يكتب لعماله بأمرهم بالتشاور
ويتمثل لهم فى كتبه بقول الشاعر :
خليلى ليس الرأى فى صدر واحد أشيرا على بالذى زبان
وقد تمدح الحكماء والشعراء بفضيلة الشورى وما يتر تب عليها من خير ومنفعة
ومن ذلك قول بشار بن برد :
1
براى نصيح أو نصيحة حازم
إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن
فإن الخوافى قوة للقوادم
ولا تحسب الشورى عليك غضاضة
والحكام العقلاء المنصفون المتحرون للحق والعدل هم الذى يقيمون
حكمهم على مبدأ الشورى. ولا يعادى الشورى من الحكام إلا أحد اثنين :
إما رجل قد أصيب بداء الغرور والتغالى، فهو يتوهم أن قوله هو الحق
الذى لا يخالطه باطل ، وأنه ليس محتاجا إلى مشورة غيره وإما رجل ظالم مستبد
بجانب للحق، فهو ينفذ ما يريده بدون مشورة أحد لأنه يخشى إذا استشار
غيره أن يطلع الناس على ظلمه وجوره ونجوره.
هذا ومتى تمت المشورة على أحد الوجوه وأصلحها، واستقرت الأمور
على وجه معين ، فعنى العاقل أن يمضى على ما استقر عليه الرأى بدون تردد أو
تخاذل ولذاقال - سبحانه - ((فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين»
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ٦٧.

٤٢٣
الجزء الثالث
أى فإذا عقدت نبتك على إتمام الأمر وإمضائه بعد المشاورة السليمة وبعد
أن تبين لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فبادر بتنفيذ ما عقدت العزم على
تنفيذه، و((توكل على الله، أى اعتمد عليه فى الوصول إلى غايتك، فإن الله
تعالى - يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إليه مع مباشرة الأسباب
التى شرعها لهم لكى يصلوا إلى مطلوبهم.
فالجملة الكريمة قأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتأمر كل من يأتى له الخطاب
بأن يبذل أقصى جهده لمعرفة ماهو صواب، بأن يستشير أهل الخبرة كل فى
مجال تخصصه ، فإذا ما استقر رأيه على وجهة نظر معينة - بعد أن درسها
دراسة فاحصة واستثمار العقلاء الأمناء فيها - فعليه أن يبادر إلى تنفيذها بدون
تردد فإن التردد يضيع الأوقات، والتأخر كثيرا ما يحول الحسنات إلى سيئات
وعليه مع حسن الاستعداد أن يكون معتمدا على الله، مظهرا العجز أمام قدرته
سبحانه -، لأنه هو الخالق الأسباب والمسببات وهو القادر على تغييرها.
وكم من أناس اعتمدوا على قوتهم وحدها ، أو على مباشرتهم للأسباب
وحدها دون أن يجعلوا للاعتماد على الله مكانا فى نفوسهم ، فكانت نتيجتهم
الفشل والخذلان وكانت الهزيمة المنكرة المرة هى النتيجة التى اكتسبوها بسبب
غرورهم ونجورهم وفسوقهم عن أمراقه. ورحم الله القائل.
إذا لم يكن عون من اله للفتى فأول ما يجنى عليه اجتهاده
ولقد أكد الله - تعالى - وجوب التوكل عليه بعد ذلك فى قوله: «إن
ينصركم الله فلا غالب لكم. وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده)»؟
والمراد بالنصر هنا العون الذى يسوقه لعباده حتى ينتصروا على أعدائهم
والمراد بالخذلان ترك العون . والمخذول، هو المتروك الذى لا يعبأ به.
يقال: خذلت الوحشية إذا أقامت على ولدها فى المرعى وتركت
جـ واجباتها.

٤٢٤
سورة آل عمران
والمعنى: إن يرد الله - تعالى - نصركم كما نصركم يوم بدر - ((فلا غالب
لكم، أى فإنه لا يوجد قوم يستطيعون قهركم؛ لأن القه معكم ، ومن كان
الله معه فلن يغلبه أحد من الخلق.
وإن يرد أن يخذلكم ويمنع عنك عونه كماحدث لكم يوم أحد ، فلن
يستطيع أحد أن ينصركم من بعد خذلانه ، لأنه لا يوجد أحد عنده قدرة
يقف أمام قدرة الله - تعالى - ومشيئته.
والاستفهام هنا إنكارى بمعنى النفي، أى لا أحد يستطيع نصركم إن
أراد الله خذلانكم. وهو جواب الشرط الثانى .
وفيه لطف بالمؤمنين. حيث صرح لهم بعدم الغلبة فى الأول، ولم يصرح
لهم بأنهم لا ناصر لهم فى الثانى، بل أتى به فى صورة الاستفهام وإن كان
معناه نفيا ليكون أبلغ ، إذ فى مجيئه على هذه الصورة الاستفهامية توجيه
لأنظار المخاطبين إلى البحث عن قوى تكون قدرته كافية للوقوف أمام إرادة
الله - تعالى .. ولاشك أنهم لن يجدوه، وعندئذ سيعتقدون عن يقين بأن الله
وجده هو الكبير المتعال، وأنه لا ناصر لهم سواء.
وقوله (( وعلى الله فليتوكل المؤمنون)، أى وعلى الله وحده لا على أحد
سواه ، فليجعل المؤمنون اعتمادهم وانكالهم ؛ لأن الذين يعتمدون على أى
قوة سوى الله - تعالى - لن يصلوا إلى العاقبة الطيبة التى أعدها - سبحانه -
لعباده المتقين .
فالآية الكريمة كلام مستأنف ، وقد سيق بطريق تلوين الخطاب ، تشريفا
للمؤمنين الإيجاب التوكل عليه، والترغيب فى طاعته التى تؤدى إلى النصر ،
وتحذير الهم من معصيته التى تفضى إلى الخسران والخذلان .
ثم نهى - سبحانه - عن الغلول، ونزه النبى - صلى الله عليه وسلم - عن
ذلك فقال - تعالى -: ((وما كان لنى أن يغل ، من يغلل يأت بما غل يوم

٤٢٥
الجزء الثالث
القيامة، وقوله («يغل)، من الغلول. وهو الأخذ من الغنيمة خفية قبل قسمتها.
يقال: غل فلان شيئا من المغتم بغل غلولا إذا أخذه خفية. ويقال: أغل الجازر
أو السالخ إذا أبقى فى الجلد شيئا من اللحم على طريق الخفية .
وأصله من الغلل وهو دخول الماء فى خلل الشجر خفية . والغلل: الحقد
الكامن فى الصدر وسميت هذه الخيانة غلولا ، لأنها تجرى فى المال على خفاء
من وجه لايحل .
والمعنى: ماصح ولا استفهام لغى من الأنبياء أن يخون فى المغنم، لأن
الخيانة تتنافى مع مقام النبوة الذى هو أشرف المقامات، ((ومن يغلل، أى
ومن يرتكب شيئا من ذلك، «يأت بما غل يوم القيامة)، أى يأت بما غله يوم
القيامة حاملا إياه ليكون فضيحة له يوم الحشر، وليؤخذ بإثم غلوله وخيانته.
وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه
أبو داود والترمذى عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ((ما كان لنى أن يغل)
فى قطيفة حمراء فقدت يوم بدر. فقال بعض الناس: لعل رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - أخذما، وأكثروا فى ذلك فأنزل الله الآية».
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضاً أن المنافقين اتهموا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشىء "فُقِدَ، فأنزل الله - تعالى - ((وما كان
لنى أن يغل .....
قال ابن كثير - بعد أن ساق هاتين الروايتين - : وهذا تنزيه له
- صلى الله عليه وسلم - من جميع وجوه الخيانة فى أداء الأمانة، وقسمة الغنيمة
وغير ذلك(١) .
وفى ورود هذه الآية الكريمة فى سياق الحديث عن غزوة أحد ، حكمة
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٢١.

٤٢٦
سورة آل عمران
عظيمة ، وتأديب من الله للمؤمنين ، وتحذير لهم من الغلول ، ذلك أن الزماء
الذين تركوا أماكنهم مخالفين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دفعهم
إلى ذلك خشيتهم من أن ينفرد المقاتلون بالغنائم ، ففعلوا مافعلوا. ولقد
روى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال الرماة، أظننتم أنا فغل ولا نقسم
لكم(()).
وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - فى كثير من الأحاديث عن الغلول
ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال: قام فينا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، فذكر الغلول فعظمه وعظم
أمره، ثم قال: لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول
يارسول الله أغثنى، فأقول: لا أملك لك من ألقه شيئاً قد أبلغتك، ولا ألفين
أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يارسول الله أغثنى
فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغك - لا ألفين أحدكم يجىء يوم
القيامة على رقبته شاة لها ثفاء يقول: يارسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك
من الله شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته نفس لها
صياح فيقول: يارسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغك
لا ألفين أحدكم يجى. يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق - أى ثياب - فيقول:
يارسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك من القه شيئاً قد أبلغتك . لا ألفين
أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت - أى ذهب وفضة - فيقول : .
يارسول اللّه أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك».
هذا ، وجمهور العلماء على أن الغال بأنى بما غله يوم القيامة بعينه على سبيل
الحقيقة لأن ظواهر النصوص من الكتاب والسنه تؤيد ذلك ، ولأنه
لا موجب لصرف الألفاظ عن ظواهرها .
(١) تفسير الآلوسي ج ٤ ص ١٠٩

٤٢٧
الجزء الثالث
ومن العلماء من جعل الإتيان بالغلول يوم القيامة مجاز عن الإيمان بإلمه
تعبيراً بما غل عما لزمه من الإثم مجازا
قال الفخر الرازى: واعلم أن هذا التأويل - المجازى - يحتمل، إلا أن
الأصل المعتبر فى علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة، إلا إذا قام
دليل بمنع منه . وهنا لا مانع من هذا الظاهر فوجب إثباته، (١).
ومن المفسرين الذين حملوا الإتيان على ظاهره الإمام القرطى فقد قال
عند تفسيره لقوله - تعالى - ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، أى يأتى به
حاملا له على ظهره ورقبته ، معذباً بحمله وثقله ، ومرعوبا بصوته ، وموجهاً
بإظهار خيانته على رءوس الإشهاد .
وقال بعد إيراده للحديث السابق الذى رواه مسلم عن أبى هريرة: قيل
الخبر محمول على شهرة الأمر. أى يأتى يوم القيامة قد شهر الله أمره كما يشهر
لو حمل بعيراً له رغاء أو فرساً له خمحمة .
قلت. وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والنشبيه، وإذا دار الكلام
بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل - كما فى كتب الأصول - . وقد أخبر
النبي - صلى الله عليه وسلم بالحقيقة ولا عطر بعد عروس، (٢):
ثم نبه - سبحانه - على العقوبة التى ستحمل بالخائن ، بعد أن بين ماسينا له
من فضيحة وخزى فقال .. ثم توفى كل نفس ماكسبت وهم لا يظمون).
أى : ثم تعطى كل نفس يوم القيامة جزاء ما كسبت من خير أو شر وافيا
قاماً ، وهم لا يظلمون شيئاً . لأن الحاكم بينهم هو ربك الذى لا يظلم أحداً.
وهذه الجملة معطوفة على ماقبلها وقوله ((ومن يقلل ... ) وجاء العطف
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ٧٣.
(٢) تفسير القرطبى : ٤ ص ٢٥٧.

٤٢٨
سورة آل عمران
-
ثم المفيدة التراخى ، للإشعار بالتفاوت الشديد بين حمله ماغل وبين جزائه !
وسو. عاقبته يوم القيامة.
وقال - سبحانه - ثم توفى كل نفس .. )) بصيغة العموم ، ولم يقل ثم
((يو فى الغال مثلا - لأن من فوائد ذكر هذا الجزاء بصيغة العموم ، والإعلام
والأخبار للغال وغيره من جميع المكاسبين بأن كل إنسان سيجازى على عمله
سواء أ كان خيرا أو شراً، فيندرج الغال تحت هذا العموم أيضاً فكأنه
قد ذكر مرتین .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: فإن قلت : هلا قيل: ثم
يوفى ما كسب ليتصل به؟ قلت: جى. بعام دخل تحته كل كاسب من الغال
وغيره فاتصل به من حيث المعنى ، وهو أبلغ وأثبت ، لأنه إذا علم الغال
أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزى فوفى جزاءه ، علم أنه غير متخلص من
بينهم مع عظم ما اكتسب(١).
ثم أكد - سبحانه - نفى الظلم عن ذاته فقال: (( أفمن اتبع رضوان الله))
بأن واظب على مايرضيه ، والتزم طاعته ، وترك كل مانهى عنه من غلول
وغيره « كمن باء بسخط من الله)) أى كمن رجع بغضب عظيم عليه من الله
بسبب غلوله وخيانته وارتكابه لما نهى الله عنه من أقوال وأفعال ؟
فالآية الكريمة تفريع على قوله - تعالى - قبل ذلك («ثم توفى كل نفس
ما كسبت وهم لا يظلمون، وتأكيد لبيان أنه لا يستوى المحسن والمسىء
والأمين والخائن .
والاستفهام إنكارى بمعنى الثفى، أى لا يستوى من اتبع رضوان الله
مع من باء بسخط منه .
وقد ساق - سبحانه - هذا الكلام الحكيم بصيغة الاستفهام الإنكارى، .
للتنبيه على أن عدم المساواة بين المحسن والمى. أمر بدهى واضح لا تختلف فيه
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٣٥.

٤٢٩
الجزء الثالث
العقول والأفهام ، وأن أى إنسان عاقل لوسئل عن ذلك لأجاب بأنه لا يستوى
من اتبع رضوان الله مع مَن رجع بسخط عظيم منه بسبب كفره أو فسقه وشبيه
بهذه الآية قوله - تعالى , أفن كان مؤمنا كمن كان فاسقاً، لا يستوون))(١).
وقوله، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض (٢) ... )؟
والفاء فى قوله « أفن أتبع ... ، للعطف على محذوف والتقدير ؛ أمن اتقى
فاتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله؟
ثم عقب - سبحانه - ذكر سخطه بذكر عقوبته فقال .. ومأواه جهنم
وبئس المصير ، أى أن هذا الذى رجع بغضب عظيم عليه من الله تعالى - بسبب
كفره أو فسوقه أو خيانته ، سيكون مثواه ومصيره إلى النار وبئس ذلك
المصير الذى صار إليه وكان له مرجعا ونها ية .
ثم بين - سبحانه - النتيجة التى ترتبت على عدم نساوى المحسن والمسىء
فقال (( هم درجات عند الله، والله بصير بما يعملون)).
والضمير ((هم) يعود على ((من)) فى قوله ((أفمن اتبع رضوان الله .. ،
وفى قوله «كمن باء بسخط من الله، أى على الفريقين. وبعضهم جعل مرجعه
إلى الفريق الأول فقط .
والدرجات : جمع درجة وهى الرقبة والمنزلة ، ومنه الدرج بمعنى السلم
لأنه يصعد عليه درجة بعد درجة .
وأكثر ما تستعمل الدرجة فى القرآن فى المنزلة الرفيعة ، كما فى قوله - تعالى.
((ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات)،(٢). بخلاف الدركة فإنها تستعمل
(١) سورة السجدة . الآية ١٨
(٢) سورة ص. الآية ٢٨.
(٣) سورة الزخرف الآية ٣٢

٤٣٠
سورة آل عمران
فى عكس ذلك، كما فى قوله - تعالى - ,إن المنافقين فى الدرك الأسفل
من النار ، (١) .
٠
ولذا قال الراغب : الدرك كلدرج لكن الدرج يقال اعتبارا بالصعود،
والدرك اعتبارا بالحدور، ولهذا قيل: درجات الجنة ودركات النار. ولتصور
الحدور فى النار سميت هاوية ... ،(٢).
والمعنى: هم أى الأخبار الذين اتبعوارضوان لقه، والأشرار الذين
رجعوا بسخط منه متفاوتون فى الثواب والعقاب على حسب أعمالهم كما
تتفاوت الدرجات وإطلاق الدرجات على الفريقين من باب التغليب للأخيار
على الأشرار والمراد : أن الذين اتبعوا رضوان الله يتفاوتون فى الثواب
الذى بمنحهم الله إياه على حسب قوة إيمانهم، وحسن أعمالهم .
كما أن الذين باءوا بسخط منه يتفاوتون فى العقاب الذى ينزل بهم على
حسب ما اقترفوه من شرور وآ ثام ، فمن أوغل فى الشرور والآثام كان عقابه
أشد من عقاب من لم يفعل فعله ومكدا .
والذين قالوا إن الضمير .هم، يعود على الفريق الأول فقط احتجوا بأن
التعبير بالدرجات يستعمل فى الغالب فى الثواب ، وبأن الله قد أضاف هذه
الدرجات لنفسه فدل ذلك على أن المقصود بقوله «هم، الذين اتبعوا رضوان
اقه ، وبأن هؤلاء الذين اتبعوا رضوان الله قد فضل الله بعضهم على بعض كما
جاء فى بعض الآيات ومنها قوله: ((انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض،
وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا،(٣).
والذى نزاه أن عودة الضمير «هم، على الفريقين أقرب إلى الحق ، لأن
(١) سورة النساء الآية ١٤٥
(٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٦٧
(٣) سورة الإسراء الآية ٢١

٤٢١
الجزء الثالث
تفاوت الدرجات موجود بين الأخبار كما أن تفاوت العقوبات موجود بين
الأشرار، فالذين أدوا جميع ما كلفهم الله به من طاعات ليسوا كالذين اكتفوا
بأداء الفرائض . والذين انحدروا فى المعاصى إلى النهاية ليسوا كالذين وقعوا
فی بعضها .
وقوله (( عند الله، أى فى حكمه وعلمه وهو تشريف لهم والظرف متعلق
بدرجات على المعنى، أو متعلق بمحذوف وقع صفة لها. أى درجات
كائنة عند الله .
وقوله (( والله بصير بما يعملون)) أى مطلع على أعمال العباد صغيرها
وكبيرها ظاهرها وخفيها ، لا يغيب عنهفىء، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه
على حسب عمله، بمقتضى علمه الكامل ، وعدله الذى لا ظلم معه
وبعد أن نزه الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن الغلول وعن كل
نقص ، وبين أن الناس متفاوتون فى الثواب والعقاب على حسب أعمالهم ...
بعد أن بين ذلك اتبعه بيان فضله - سبحانه - على عباده فى أن بعث فيهم
رسولا منهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور فقال - تعالى -: « لقد من أنه
على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ... )).
أ. قال الرازى: قال الواحدى: المن فى كلام العرب معان. أحدها أنه الذى
يسقط من السماء، وهو قوله: ((وأنزلنا عليكم المن والسلوى)). وثانيها: أن
تمر بما أعطيت كما فى قوله (( لاقبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)). وثالثها:
القطع كما فى قوله ((وإن لك لأجراء غير منون)) ورابعها الإنعام والإحسان
إلى من لا تطلب الجزاء منه - وهو المراد هنا -))(١).
والمعنى: لقد أنعم الله على المؤمنين، وأحسن إليهم ((إذ بعث فيهم
رسولا من أنفسهم، أى بعث فيهم رسولا عظيم القدر، هو من العرب أنفسهم،
وهم يعرفون حسبه ونسبه وشرفه وأمانته .
(١) تفسير الفخر الرازى = ٩ س ٨٧

٤٣٢
سورة آل عمران
وعلى هذا المعنى يكون المراد بقوله « من أنفسهم، أى من نفس "عرب،
ويكون المراد بالمؤمنين مؤمنى العرب، وقد بعثه الله عربيا مثلهم، ليتمكنوا
من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع بتوجيهاته.
ويصح أن يكون معنى قوله (( من أنفسهم، أنه بشر مثل سائر البشر إلا
أن الله - تعالى - وهبه النبوة والرسالة، ليخرج الناس - العربى منهم وغير
العربى - من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، وجعل رسالته عامة فقال :
((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين،.
وخص الله - تعالى - منته وفضله بالمؤمنين ؛ لأنهم هم الذين انتفعوا
بنعمة الإسلام، الذى لن يقبل الله دينا سواه، والذى جاء به محمد - عليه
الصلاة والسلام - .
والجملة الكريمة جواب قسم محذوف، والتقدير: والله لقد منّ الله على
المؤمنين .....
ثم بين - سبحانه - مظاهر هذه المنة والفضل ببعثة الرسول - صلى الله عليه
وسلم - فقال: (( يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة،.
والتلاوة: هى القراءة المتتابعة المرتلة التى يكون بعضها تلو بعض.
والتزكية : هى التطهير والتنقية .
أى لقد أعطى الله - تعالى - المؤمنين من النعم ما أعطى، لأنه قد بعث
فيهم رسولا من جفسهم يقرأ عليهم آيات الله التى أنزلها هدايتهم وسعادتهم ،
((ويزكيهم، أى يطهرهم من الكفر والذنوب. أو يدعوهم إلى ما يكونون به
زاكين ظاهرين مما كانوا عليه من دنس الجاهلية، والاعتقادات الفاسدة.
((ويعلمهم الكتاب، بأن يبين لهم المقاصد التى من أجلها نزل القرآن
الكريم، ويشرح لهم أحكامه، ويفسر لهم ماخفى عليهم من ألفاظه ومعانيه
التی قد تخفى على مدار کهم.

٤٣٣
الجزء الثالث
فتعليم الكتاب غير تلاوته، لأن تلاوته قراءته مر تلامفهوما، أما تعليمه
ناه بيان أحكامه وما اشتمل عليه من تشريعات وآداب
وبعليهم كذلك « الحكمة، أى الفقه فى الدين ومعرفة أسراره وحكمه
قاصده الى يكمل بها العلم بالكتاب .
هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عدة صفات من الصفات الجليلة التى
حها الله - تعالى - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - .
ثم بين - سبحانه - حال الناس قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
ال («وإن كانوا من قبل افى ضلال مبين)».
أى : إن حال الناس وخصوصا العرب أنهم كانوا قبل بعثة الرسول
صلى الله عليه وسلم - إليهم فى ضلال بين واضح لا يخفى أمره على أحد
، ذوى العقول السليمة والأذواق المستقيمة . .
وحقا لقد كان الناس قبل أن يبزغ نور الإسلام الذى جاء به - صلى الله
به وسلم - من عند ربه، فى ضلال واضح ، وظلام دامس ، فهم من ناحية
بيادة كانوا يشركون مع الله آلهة أخرى، ومن ناحية الأخلاق تفشت فيهم
ذائل حتى صارت شيئا مألوفا، ومن ناحيه المعاملات كانوا لا يلتزمون
أمق والعدل فى كثير من شئونهم ...
والخلاصة أن الضلال والجهل وغير ذلك من الرذائل ، كانت قد استشرت
العالم بصورة لا تخفى على عاقل .
فكان من رحمة الله بالناس ومنته عليهم أن أرسل فيهم نبيه =مدا - صلى الله
فيه وسلم - لمكى يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان إلى نور
بدايه والاستقامة والإيمان .
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن غزوة أحد، في كات ما قاله ضعاف
(٢٨ - سورة آل عمران).

٤٢٤
سورة آل عمران
الإيمان فى أعقابها، وردت عليهم بما يبطل مقالتهم، وبما يزيد المؤمنين إيمانا
على إيمانهم ، فقال - تعالى -:
((أَولما أصابَتَكُم مصيبةٌ قد أَصَدْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هذَا؟ قلْ
هُوَ مِنْ عند أَنفُسِكُم، إنَّ اللّه عَلَى كُلِّ شىءٍ قديرٌ (١٦٥) وما أَماَبُكُم
يوْمَ الَّقى الجُمَانِ فِيإِذْنِ اللهِ وليعْلَم المؤمنين (١٦٦) وليثلَ الذينَّ نافقُوا
وقبلَ لَهُمْ تمالوْا قاتُلُوا فى سبيل اللهِ أو ادفَعُوا، قالُوا لو نعلَمُ قتالاً
لا تَّعنا لُ، ثم للكُفْرِ يومئذٍ أقربُ منهم للإيمان يقولونَ بأَفْواههم.
ما ليسَ فى قُلوبهم، واللهُ أعلمُ بما يكْتُونَ (١٦٧) الذين قالُوا
لإخوانهم وقعَدُوا، أو أطاعوناَ ما قُتِلِوا، قلْ فاذْرَهُوا عن أنفُسِكُم
الموتَ إنْ كنتُ صادقينَ (١٦٨))).
فقوله - تعالى -: « أو لما أصابتكم مصيبة قد أصينم مثليها قلتم أتى هذا .. الخ).
كلام مستأنف مسوق لإبطال بعض مانشأ من الظنون الفاسدة، إثر إبطال
بعض آخر تقدم الحديث عنه ، فإن من فوائد غزوة أحد أنها كشفت عن
قوى الإيمان من ضعيفه، وميزت الخبيث من الطيب.
وإذا كان إنتصار المسلمين فى بدر جعل كثيرا من المنافقين يدخلون فى
الإسلام طمعا فى الغناء . .. فإن عدم انتصارهم فى أحد قد أظهر المنافقين على
حقيقتهم، ويسر المؤمنين معرفتهم والحذر منهم ٧٠
والهمزة فى قوله « أو لماً ... ) للاستفهام الإنكارى التعجين.
و((الواو، للعطف على محذوف. و((لما، ظرف بمعنى حين مضافة إلى
ما بعدها مستعملة فى الشرط . والمصيبة : أصلها فى اللغة الرمية التى تصيب

٤٣٥
الجزء الثالث
الهدف ولا تخطئه ، ثم أطلقت على ما يصيب الإنسان فى نفسه أو أهله أو
ماله أو غير ذلك من مضار. وقوله (« مثليها، أى ضعفها ، فإن مثل الشىء
ما يساويه ، ومثلیه ضعفه .
والمعنى : أفعلتم ما فعلتم من أخطاء ، وحين أصابكم من المشركين يوم
أحد نصف ما أصابهم منكم قبل ذلك فى بدر تعجبتم وقام ((أنى هذا، أى من
أين لناهذا القتل والخذلان ، ونحن مسلمون نقاتل فى سبيل الله، وفينا رسوله .
- صلى الله عليه وسلم، وأعداؤنا الذين قتلوا منا من قتلوا مشر كون يقاتلون
فى سبيل الطاغوت .
فالجملة الكريمة توبيخ لهم على ما قالوه، لأنه ما كان ينبغى أن يصدر عنهم
إذهم قتلوا من المشركين فى بدر سبعين من صناديدهم ، وأسروا منهم قريبا
من هذا العدد ، وفى أحد كذلك كان لهم النصر فى أول المعركة على المشركين ،
وقتلوا منهم قريبا من عشرين إلا أنهم حين خالفوا وصية رسولهم - صلى الله
عليه وسلم - وقطلعوا إلى الغنائم منع الله عنهم نصره، فقتل المشركون
منهم قريبا من سبعين .
وقوله ((قد أصبتم مثليها، فى محل رفع صفة ((لمصيبة)). وفائدة هذا القول
التنبيه على أن أمور الدنيا لا تبقى على حال واحدة، وإن من شأن الحرب
أن تكون سجالا ، إلا أن العاقبة جعلها الله للمتقين .
وقوله ((قلتم أنى هذا)) هو موضع التوبيح والتعجيب من شأنهم، لأن
قولهم هذا يدل على أنهم لم يحسنوا وضع الأمور فى نصابها، حيث ظنوا أن
النصر لابد أن يكون حليفهم حتى ولو خالفوا أمرقائدهم ورسولهم - صلى الله
عليه وسلم، ولذا فقد رد الله - تعالى - عليهم بما من شأنه أن يعيد إليهم
صوابهم ، وبما يعرفهم السبب الحقيقى فى هزيمتهم فقال: ((قل هو من
عند أنفسكم ،٠

٤٣٦
سورة آل عمران
أى قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا ما قالوا: إن ما أصابكم فى أحد سببه
أنتم لا غيركم.
١٠
.
فأنتم الذين أبيتم إلا الخروج مع أن النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد أن
أشار عليكم بالبقاء فيها .. وأنتم الذين خالفتم وصيته بترككم أما كنكم التى حددها
لكم وأمركم بالثبات فيها . وأنتم الذين تطلعت أنفسكم إلى الغنائم فاشغلتم بها
وتر كتم النصيحة، وأنتم الذين تفر قتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
فى ساعة الشدة والعسرة . فلهذه المخالفات التى نبعت من أنفسكم أصابكم
ما أصابكم فى أحد ، وكان الأولى بكم أن تعرفوا ذلك وأن تعتبروا ، وأن
تقلعوا عن هذا القول الذى لا يليق بالعقلاء، إذ العاقل هو الذى يحاسب
نفسه عندما يفاجئه المكروه ويعمل على تدارك أخصائه. ويقبل على حاضره
ومستقبله بثبات وصبر، مستفيدا بماضيه، ومتعظا بما حدث له فيه .
وما أحوج الناس فى كل زمان ومكان إلى الأخذ بهذا الدرس ، فإن
كثيرا منهم بقصرون فى حق الله وفى حق أنفسهم وفى حق غيرهم ، ولا
يباشرون الأسباب التى شرعها الله للوصول إلى النصر ... بل يبنون حياتهم
على العرور والإعمال ، فإذا ما أصابتهم الهزيمة مسحوا عيوبهم فى القضاء
والقدر ، أو فى غيرهم من النساس ، أو شدهوالهول ما أصابهم - بسبب
تقصيرم - ثم قالوا: أنى هذا ؟ وما دروا - لجهلهم وغرورم - أن الله
- تعالى - قد جعل لكل شىء سببا فمن باشر أسباب النجاح وصل إليها
بإذن أقه، ومن أعرض عنها حرمه الله - تعالى - من عو نه ورعايته .
-
ولقد أكد - سبحانه - قدرته على كل شى. فقال: « إن الله على كل
شىء قدير، أى إن الله - تعالى - قدرته فوق كل شىء، فهو القدير على نصركم
وعلى خذلانكم، وبما أنكم قد خالفتم نبيكم - صلى الله عليه وسلم - فقد
حرمكم الله نصره، وقدر لكم الخذلان، حتى تعتبروا ولا تعودوا إلى ماحدث
من بعضكم فى غزوة أحد، ونتذكروا دائما قوله - تعالى - ((وما أصابكم من

٤٣٧
الجزء الثالث
مصيبة فما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير))(١).
ثم أكد - سبحانه - عموم قدرته وإرادته فقال: (( وما أصابكم يوم
التقى الجمعان فبإذن الله، وليعلم المؤمنين)).
أى: وما أصابكم - أيها المؤمنون - من قتل وجراح وآلام يوم التقى
جمعكم أوجمع أعدائكم فى أحد، ( فبإذن الله، أى فبإرادته، إذما من
شئ يقع فى هذا الكون إلا يتقدير الله وعله. فعليكم أن تستسلموا الإرادة
انه، وأن تعودوا إلى أنفسكم لتهذبوها وتروضوها على تقوى الله وطاعته .
حتی تکو نوا أملا لنصر ته وعو نه
و((ما)، موصولة بمعنى الذى فى محل رفع بالابتداء، وجملة (( أصابكم)
صلة الموصول، وقوله (( فبإذن الله، هو الخبر. ودخلت الفاء فى الخبر لشبه
المبتدأ بالشرط. وقوله ((وليعلم المؤمنين، بيان لبعض الحكام التى من أجها
حدث ماحدث فى غزوة أحد .
والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرر فى الخارج لما قدره - سبحانه - فى
الأزل أى أراد الله أن يحدث ما حدث فى غزوة أحد ليظهر للناس ويميز لهم
المؤمنين من غيرم .
وقوله: ((وليعلم الذين نافقوا، حكمة ثانية لما حدث فى غزوة أحد ..
أى : حدث ما حدث فى غزوة أحد ليعلم - سبحانه - المؤمنين من المنافقين
علم عيان ورؤية وظهور يتميز معه عند النساس كل فريق عن الآخر
تميزا ظاهرا .
إذ أن نصر المسلمين فى بدر فتح الطريق أمام المنافقين للتظاهر باعتناق
الإسلام وعدم إنتصارهم فى أحد، كشف عن هؤلاء المنافقين وأظهرم
(١) سورة الشورى الآية ٣٠
1

٤٣٨
سورةآل عمران
حقيقتهم ، فإن من شأن الشدائد أنها تكشف عن معادن النفوس
وحنايا القلوب .
ثم بين - سبحانه - بعض النصائح التى قيلت لهؤلاء المنافقين حتى يقلعوا
عن نفاقهم، وحكى مارد به المنافقون على الناصحين فقال: « وقيل لهم تعالوا
قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا، قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم)).
أى فعل - سبحانه - ما فعل فى أحد ليميز المؤمنين من المنافقين الذين قيل
لهم من النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن بعض أصحابه: تعالوا معنا لتفاتلوا
فى سبيل الله، فإن لم تقاتلوا فدفعوا أى فانضموا إلى صفوف المقاتلين، فيكثر
عددهم بكم، فإن كثرة العدد نزید فى خوف الأعداء .
أو المعنى: تعالوامعنا لتقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله، فإن لم تفعلوا ذلك
لضعف إيمانكم؛ واستيلاء الشهوات والأهواء على نفوسكم، فلا أقل من أن
تقاتلوا لتدفعوا عن أنفسكم وعن مدينتكم عار الهزيمه.
أى إن لم تقاتلوا طلبا لمرضاةالله، فقاتلوا دفاعا عن أو طائكم وعزتكم
قال الجمل: وهذه الجملة وهى قوله - تعالى -,وقيل لهم تعالوا ... )، نحتمل
وجهين. أحدهما أن تكون مستأنفة، أخبر الله أنهم مأمورون إما بالقتال
وإما بالدفع أى تكثير سواد المسلمين - أى عددهم - والثانى. أن تكون
معطوفة على (( فافقوا، فتكون داخلة فى خبر الموصول . أى وليعلم الذين
حصل منهم. النفاق والقول المذكور وإنما لم يأت بحرف العطف بين تعالوا
وقاتلوا. لأن المقصود أن تكون كل من الجملتين مقصودة بذاتها ، ١١).
وقوله ((قالوا أو نعلم قتالا لاتبعناكم، حكاية لردهم القبيح على من نصحهم
بالبقاء مع المجاهدين .
(١) حاشية الجمل على الجلالین + ١ ص ٣٢٤

٤٢٩
الجزء الثالث
أى قال المنافقون - وهم عبد الله بن أبى وأتباعه .. لو تعلم أنكم تقاتلون
حقا لسرنا معكم، ولكن الذى فعله هو أنكم ستذهبون إلى أحد ثم تعودون
بدون قتال لأى سبب من الأسباب .
أو المعنى - كما يقول الزمخشرى - «لو نعلم ما يصح أن يسمى قدالا
« لاتبعناكم، يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس
بشىء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة، لأن رأى
عبد الله بن أبى كان فى الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج(١).
وقال ابن جرير. خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد فى
ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة. امخزل
عنهم عبد الله بن أبى ابن سلول بثلث الناس وقمل. أطاعهم - أى رسول أنه
- صلى الله عليه وسلم - نخرج وعصانى. والله ما ندرى علام نقتل أنفسنا
فهنا أيها الناس ؟ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق والريب ،
فاتبعهم عند الله بن عمرو بن حرام أخو بنى سلة - يقول لهم. يا قوم أذكركم
الله أن تخذلوانبيكم رقومكم - وقالوا فى سبيل اللّه أو أدفعوا - فقالوا: لو نعلم
أنكم تقاتلون ما أسلناكم، ولكننا لا نرى أن يكون قتال ..
فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عن المؤمنين قال لهم . أبعدكم
انته با أعداء الله فيغنى الله رسوله عنكم، ثم مضى مع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ،(٢) .
هذاهو موقف المنافقين فى غزوة أحد ، وهو موقف يدل على فساد
قلوبهم، وخبث نفوسهم، وجبنهم عن لقاء الأعداء.
ولقد كان المؤمنون الصادقون على نقيض ذلك ، فلقد خرجوا مع رسول
الله - صلى الله عليه وسلم وثبتوا إلى جانبه فكانوا ممن قال الله فيهم: ((من المؤمنين
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ص٠٤٣٧ (٢) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص١٦٨

٤٤٠
سورة آل عمران
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا
تبديلا، ولقد حكى لنا التاريخ أن بعض المؤمنين الذين كانت لهم أعذارهم التى
تسقط عنهم الخروج للجهاد، كانوا يخرجون مع المجاهدين لتكثير عددهم .
فعن أنس بن مالك قال : رأيت يوم القادسية عبد الله بن أم مكتوم
- وكان رجلا أعمى - وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء. فقيل له:
أليس قد أنزل الله عذرك؟ فقال: بلى ولكنى أحب أن أكثر المسلمين بنفسى(١)
هذا، وة- أصدر - سبحانه بـ حكمه العادل على أولئك المنافقين فقال :. م
للكفر يومئذ أقرب منهم الإيمان، يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم والله
أعلم بما يكتمون)).
أى هم يوم أن قالوا هذا القول الباطل قد بينوا حالهم، وهتكوا أستارهم
وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مؤمنون، لأنهم قبل أن يقولوا: «لو نعلم
قتالا لاتبعناكم، كانوا يتظاهرون بالإيمان ، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن
بكفرهم ، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن
الإيمان المظفون بهم واقتربوا من الكفر .
أو المعنى: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأنتقليلهم
سواد المسلين بالانخزال تقوية المشركين .
قال الجمل: وقوله ((هم، مبتدأ، وقوله (( أقرب، خبره، وقوله ((للكفر))
وقوله (( للإيمان، متعلقان بأقرب، لأن أفعل التفضيل فى قوة عاملين: فكأنه
قيل : قربوا من الكفر وقربوا من الإيمان ، وقربهم للكفر فى هذا اليوم
أشد لوجود العلامه وهى خذلانهم المؤمنين)، (٢).
. (١) تفسير القرطبىج ٤ ص ٢٦٦.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٣٣٤ بتصرف يسير