Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ الجزء الثالث - تعالى - عليم بأعمالكم ونياتكم عدا كاملا، خبير بما إذطوت عليه نفوسكم، فهو - سبحانه. لا تخفى عليه خافية مهما صغرت، فاتفوه وراقبوه وإتبعوا ما كدفكم به لتغالوا الفوز والسعادة. : ثم ذكرم- سبحانه - ببعض مظاهر لطفه بهم ورحمته لهم. حيث أنزل على طائمة منهم النعاس الذى أدخل الطمأنينة على قلوبهم ، وأزال الخوف والفزع من نفوسهم فقال - تعالى -: , ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نها سايغشى طائفة منكم .. والجملة الكريمة معطوفة على قوله ((ماذابكم)). والآمنة - بفتحتين - مصدر كالأمن. يقال: أمن أمنا وأمانا وأمنة والنعاس: هو الفتور فى أوائل النوم ، ومن شأنه أن يزيل عن الإنسان ١ بعض متاعبه ولا يغيب صاحبه، ولذلك كان أمنة لحم، لأنه لو كان ،وما ● ثقيلا لها جمهم المشركون . أى: ثم أنزل عليكم - أيها المؤمنون - بعد أن أصابكم من الهم والغم ما أصابكم ، أمنا كان مظهره نعاسا أطمأنت معه نفوسكم، وإستراحت معه أبدافكم من غير فزع ولا قلق، وكان هذا الأمان والأطمئنان لطائفة معينة منكم أخلصت جهادها له ؛ وخافت مقام ربها ونهت نفسها عن الهوى . قال ابن كثير : يقول - تعالى - متنا على المؤمنين فيما أنزل عليهم من السكينة والآمنة وهو النعاس الذى غشيهم وهم مشتملون السلاح فى حال همهم وغمهم، والنعاس فى مثل تلك الحال دليل على الأمان ، كما قال فى سورة الأنفال: ((إذ يغشيكم النعاس أمنة منه)). فعن ابن مسعود قال: النعاس فى القتال من الله، وفى الصلاة من الشيطان »: وروى البخارى عن أبى طلحه قال : كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سفط سيفى من يدى مرارا، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه، (١). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٠٣ (٢٦ - سورة آل عمران) L ٤٠٢ سورةآل عمران وقوله (( فعاسا، بدل من ( أمنة، أو عطف بيان . قال الفخر الرازى : وأعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد: أحدها: أن وقع على كافة المؤمنين لاعلى الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة للنبى - صلى الله عليه وسلم -. ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانا مع إيمانهم ، ومتى صاروا كذلك أزداد جدهم فى محاربة العدو، ووثوقهم بأن الله منجز وعده . وثانيها : أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوة والنشاط وإشتداد القوة والقدرة . وثالثها: أن الكفار لما إشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقى منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد خوفهم . ورابعها : أن الأعداء كانوا فى غاية الحرص على قتلهم ، فبقاؤهم فى النوم مع السلامة فى مثل تلك المعركة من أول الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم، وذلك ممايزيل الخوف عن قلوبهم، ويورثهم مزيد الوثوق بوعداقه(١) هذا جانب مما أمتن الله به على المؤمنين من فضل ورعاية، حيث أنزل عليهم النعاس فى أعقاب ما أصابهم من هموم ليكون راحة لأبدانهم وأمانة لنفوسهم. أما غير المؤمنين الصادقين فلم ينزل عليهم هذا النعاس ، بل بقوا فى قلقهم وحيرتهم، وفد عبر الله - تعالى - عنهم بقوله: ((وصائفة قد أممتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية». . وقوله «أهمنهم أنفسهم، حملتهم على ألهم، والهم ما يهتم له الإنسان أو ما يحزنه، يقال أهمنى الأمر أى أقلفنى وأز عجنى، كما يقال: أهمنى الشىء أی جعلتی مهتما به إهتماما شديدا . والمعنى: أن الله - تعالى - أنزل النماس أمانا واطمئنانا المؤمنين الصادقين (١) تفسير الفخر الرازى =٧ ص ٠٤٤ ١ ٤٠٣ الجزء الثالث بعد أن أصابتهم الغموم، وهناك طائفة أخرى من الذين إشتر كوا فى غزوة أحد لم تكن صادقة فى إيمانها ، لأنها كانت لايهمها شأن الإسلام إنتصرأو إنهزم، ولا شأن النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ وإنما الذى كان يهمها هو شىء واحد وهو أمر نفسها وما يتعلق بذلك من الحصول على الغنائم ومتع الدنيا . أو المعنى: أن هذه الطائفة قد أوقعت نفسها فى الهم والحزن بسبب عدم إطمئنانها وعدم صبرها، وجزعها المستمر . وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله:« قد أهمتهم أنفسهم، أى ما بهم إلا هم أنفسهم، لاهم الدين ولا هم الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين. وقد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم فى الهموم والأشجان، فهم فى التشاكى والتباث » (١) . والجملة الكريمة مستأنفة مسوقة لبيان حال ضعاف الإيمان، بعد أن بين - سبحانه - ما أمتن به على أقوياء الإيمان. وقوله، يظنون بالله غير الحق غان الجاهلية ((وصف آخر لسوء أخلاق هذه الطائفة التى ضعف إيمانها، وصارت لا يهمها إلامن يتعلق، بمنافعها الخاصة أى أن هذه الطائفة لم تكتف بما إستولى عليها من طمع وجمع وحب لنفسها، بل تجاوزت ذلك إلى سوء الظن باقه، بأن توهمت بأن امه - تعالى- لن ينصر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن الإسلام ليس دبنا حفا ، وأن المسلمين لن ينتصروا على المشركين بعد معركة أحد ... إلى غير ذلك من الظنون الباطلة التى تتولد عند المرء الذى ضعف إيمانه ، وصار لا يهمه إلا أمر نفسه. (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٤٣٨ ٤٠٤ سورة آل عمران وقوله ((يظنون بالله .. ، حال من الضمير المنصوب فى، أهمتهم، أو إستئناف على وجه البيار لما قبله . وقوله (( غير الحق)) مفعول مطلق وصف لمصدر محذوف، أى يظنون بالله ظنا غير الحق الذى يحب أن يتحلى به المؤمنون؛ إذ من شأن المؤمنين الصادقين أن يستسلموا لقدر الله بعد أن يباشر الأسباب التى شرعها لهم، وأن يصبروا على ما أصابهم وأن يوقفوا: ز ما أسلبهم هو بتقديرالله وبحكته وبإرادته وكل شىء عنده بمقدار)). وقوله (( عن الجاهلية، بدل أو عطف بيان مما قبله. أى يظنون باقه شيئا هو من شأن أهل الجاهلية، الذين يتوهمون أن أقه لاينصر رسله ، ولا يؤيد أولياءة ولا يهزم أعداءه .. ثم بين - سبحانه - ما صدر عنهم من كلام باطل بسبب ظنونهم السيئة فقال - تعالى -: ((يقولون هل لنا من الأمر شيء، والاستفهام للانكار بمعنى النفى , وهم يريدون بهذا القول تبرئة نفوسهم من أن يكونوا سببا فيما أصاب المسلمين من آلام يوم أحد ، وأن الذين تسببوا فى ذلك هم غيرم : أى: يقول بعضهم لبعض ليس لنامن الأمرشيء أى شىء فلسنا مسؤولين عن الهزيمة التى حدثت المسلمين فى أحد، لأنها لم يكن لنا رأى يطاع ولأن الله - تعالى - لو أراد نصر محمد - صلى الله عليه وسلم - لنصره ... وهذ القول قاله عبد الله بن أبى سلول حين أخبروه بمن أستشهد من قبيلة الخزرج فى غزوة أحد . وذلك أن عبد الله بن أبى لما إستشاره النبى - صلى الله عليه وسلم - فى شأن الخروج لقتال المشركين فى أحد ، أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة إلا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خرج لقتال المشركين بناء على إلحاح بعض الصحابة . ٤٠٠ الجزء الثالث فلما أخير ابن أبى بمن قتل من الخزرج قال: هل لنا من الأمر شيء ؟ يعنى أن الشعى - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل قوله حين أشار عليه بعدم الخروج من المدينة . وقد أمر اقه - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد على هؤلاء الظافين بالله ظن السوء بقوله: ((قل إن الأمر كله لله)). أى قل لهم إن تقدير الأمور كلها لله .. تعالى - وحده، وإن العاقبة ستكون للمتقين، إلا إنه - سبحانه - قد جعل لكل شىء سيافمن أخلص قه فى جهاده وباشر الأسباب التى شرعها للنصر نصره الله - تعالى - ، ومن تطلع إلى الدنيا وزينتها وخالف أمر نبيه .. صلى الله عليه وسلم .. أدبه الله - تعالى - بحجب نصره عنه حتى يفى إلى رشده، ويتوب توبة صادقة إلى ربه، ويتخذ الوسائل التى شرعها الله - تعالى - الوصول إلى الفوز والظفر . فالجملة الكريمة معترضة للرد عليهم فيما تقولوه من أباطيل . ثم كشف - سبحانه عما نخفيه نفوسهم من أمور سيئة فقال يخفون فى أنفسهم مالا يبدون لك. يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قيلنا ههنا). أى: أن هؤلاء الذين أهمتهم أنفسهم، والذين يظنون بالله غير الحق يفون فى أنفسهم من الأقوال القبيحة . والظنون السيئة ، أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية ، مالا يستطيعون إظهاره أمامك. وهذه الجملة حال من الضمير فى قوله «يقولون مل لنا.، السابقة. وقوله « يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا» بيان لبعض ما يخفون أو لما يقولونه فيما بينهم . أى يقولون لو كان لنا من الأمر المطاع أو المسموع شىء ما خرجنا من المدينة إلى هذا المكان الذى قتل فيه أقاربنا وعشائرنا . .. مقسمة ٤٠٦ سورة آلعمران فأنت ترى أن القرآن يحكى عنهم أنهم يريدون تبرئة أنفسهم ما زل بالمسلمين بأحد ، وأنهم لو كان لهم رأى مطاع لبقوا فى المدينة ولم يخرجوا منها لقتال المشركين ، وأن التبعة فى كل ما جرى فى غزوة أحد يتحملها النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين الحوا عليه فى الخروج لقتال المشركين خارج المدينة، وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لو كانوا على الحق لانتصروا ... قال ابن جرير: وذكر أن من قال هذا القول -« لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلناها هنا)) - معتب بن قشير من بنى عمرو بن عوف . فعن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال ، والله إنى لأسمع قول معشب بن قشير والنعاس ينشأفى، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لو كان لنا من الأمر شيء ماقتلنا هامنا،(١). وقد أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يدفع أقوالهم الباحالة فقال: « قل لو كنتم فى بيوتكم البرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم،. وقوله ((لبرز)) من البروز وهو الخروج من المكان الذى يستتر فيه الإنسان و«المضاجع، جمع مضجع وهو مكان النوم. والمرادبه هنا المكان الذى استشهد فيه من استشهد من المسلمين . والمعنى. قُ يا محمد لهؤلاء الذين يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتل أقاربنا فى هذا المكان من جبل أحد . قل لهم لو كنتم فى بيوتكم ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم، لخرج لسبب من الأسباب الداعية إلى الخروج، الذين كتب عليهم القتل فى اللوح المحفوظ إلى مضاجعهم أى أماكن قتلهم التى قدر الله لهم أن يقتلوا فيها، لأنه ما من نفس تموت إلا بإذن الله وبإرادته، ولن يستطيع أحد أن ينجو من قدر الله المحتوم، وقضائه النافذ، فإن الحذر لا يدفع القدر ، والتدبير لا يقاوم التقدير . (١) تفسير ابن جرير = ٤ ص ١٤٣. ٤٠٧ الجزء الثالث وفى هذا الرد مبالغة فى إبطال ماقاله هؤلاء الذين يظنون بالله الظنون السيئة حيث لم يقتصر - سبحانه - على تحقيق القتل نفسه متى قدَّره، بل عين مكانه - أيضا -. ثم بين - سبحانه بعض الحكم من وراء ماحدث للمسلمين فى أحد فقال: ((وليبتلى الله ما فى صدوركم، وليمحص ما فى قلونكم، والله عليم بذات الصدور . والابتلاء: الاختبار ، وهو هنا كناية عن أثره، وهو إظهاره للناس ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه . والتمحيص : تخليص الشىء ما يخالطه ما فيه عيب له. والجملة معطوفة على كلام سابق يفهم من السياق. والتقدير . نزل بكم ما نزل من الشدائد فى أحد لتتعودوا تحمل الشدائد والمحن ، وليعاملكم - سبحانه -- معاملة المختبر لنفوسكم ، فيظهر ما تنطوى عليه من خير أوشر، حتى يتبين الخبيث من الطيب، وليخلص مافى قلوبكم ويزيل ماعساه يعلق بها من أدران، ويطهر ها ءما يخالطها من ظنون سيئة - فإن القلوب بخالطها بحكم العادة وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة، وحب الشهوات . مايضاد ما أودع انه فيها من إيمان وإسلام وبر وتقوى . فلو تركت فى عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة. ولم تقمحص من الآثام. فاقتضت حكمة لفه - تعالى - أن ينزل بها من المحن والبلاء ما يكون بالنسبة لها كالدواء الكريه لمن عرض له دواء. وقوله (( والله عليم بذات الصدور، أى عليم باسرارها وضمائرهه الخفية التى لا تفارقها، فهو القائل ((إن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء، (٤). وهو القائل (( وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى،(٢). (١) سورة آل عمران الآية. (٢) سورة طه الآية ٧ ٤٠٨ سورة آل عمران ثم أخبر - سبحانه - عن الذين لم يثبتوا مع النبى - صلى الله عليه وسلم- يوم أحد، وبين السبب فى ذلك، وفتح باب عفوه فقال: ((إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، إنما استزلهم الشيطان ببعض ماكسبوا ((ولقدعفا الله عنهم إن الله غفور حليم)). قوله ((قولوا)) من التولى ويستعمل هذا اللفظ بمعنى الإقبال وبمعنى الإدبار فإن كان متعديا بنفسه كان بمعنى الإقبال كما فى قوله - تعالى - ,ومن بتول الله ورسوله والذين آمنوا)). وإذا كان متعديا بعن أو غير متعد أصلا كان بمعنى الإعراض كما فى الآية التى معنا . والتولى الذى وقع فيه من ذكرهم الله - تعالى - فى الآية التى معنا يتناول الرماة الذين تركوا أماكنهم التى أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالبقاء فيها لحماية ظهور المسلمين . كما يتناول الذين لم يثبتوا بجانب التى - صلى الله عليه وسلم، بل فروا إلى الجبل أو إلى غيره عندما اضطربت الصفوف . ١ ولقد حكى لنا التاريخ أن هناك جماعة من المسلمين ثيقت إلى جانب النبى - صلى الله عليه وسلم - بدون وهن أوضعف، وقد أصيب ممن كان حوله أكثر من ثلاثين ، وكلهم كان يفتدى النبى - صلى الله عليه وسلم - بنفسه ويقول: وجهى لوجهك الفداء، ونفسى لنفسك الفداء، وعليك السلام غير مودع(١). ومعنى(( إستزلهم الشيطان، طلب لهم الزلل والخطيئة، أو حملهم عليها بوسوسته لهم : أن يخالفوا أمر رسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بالثبات فى مواقفهم التى عينها لهم. فكانت مخالفتهم لرسولطم وقائده طاعة للشيطان. -خرمهم الله تأييده وتقوية قلوبهم . قال الراغب: ((استزله إذا تحرى زلته، وقوله - تعالى - ((إنما استزلهم الشيطان ببعض ماكسبوا، أى استجرم الشيطان حتى زلوا : فإن (١) تقدير الفخر الرازى ج ٩ ص ١٤ ٤٠٩ الجزء الثالث الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة السبيل الشيطان على نفسه، والزلة فى الأصل: استرسال الرجل من غير قصد،(١). والمراد بالزلة هنا ما حدث منهم من مخالفة للرسول - صلى الله عليه وسلم- ترتب عليها هزيمتهم. والمعنى: إن الذين تولوا منكم - يا معشر المؤمنين - عن القتال أو تركوا أما كنهم فلم يثبتوا فيها طلبا للغنيمة يوم التقييم بالمشركين فى معركة أجد، ((إنما استزلهم الشيطان) أى طلب منهم الزلل والمعصية، ودعاهم إليها بمكر منه وكان ذلك «بعض ما كسبوا)) أى بسبب بعض ما اكتسبوه من ذنوب ، لأن نفوسهم لم تتجه بكليتها إلى الله ، فترتب على ذلك أن منعوا النصر والتأييد وقوة القلب والثبات. قال ابن القيم:، كما فت أعمالهم جنداً عليهم أزداد بها عدوهم قوة. فإن الأعمال جند للعبد، وجند عليه . ولابد للعبد فى كل وقت من سرية من نفسه تهزمه أو تنصره. فهو يمد عدده بأعماله من حيث يظن أنه يقاتل بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه. فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر، والعبدلا يشعر، أو يشعر ويتعامى . ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله، بعثه له الشيطان واستزله به ،(7) . ثم أخير - سبحانه - أنه قد عفا عن هؤلاء الزالين ؛ حتى تكون أمامهم الفرصة لتطهير نفوسهم . وبعثها على التوبة الصادقة، والإخلاص لله رب العالمين , فقال - تعالى -، ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم)). (١) مفردات القرآن الراغب الأصفهانى ص ٢١٤: (٢) تفسير القاسمى: تفسير سورة آل عمران ص ١٠١٣، ٤١٠ سورة آل عمران أُی۔۔ ولقد عنا - سبحانه- عنهم اصدق قو بتهم و ندمهم على مافرط منهم، لأن فرارهم لم يكن عن نفاق ، بل كان عارضا عرض لهم عندما اضطربت الصفوف، واختلطت الأصوات: ثم عادوا إلى صفوف الثابتين من المؤمنين لکو نوا معهم فى قتال أعدائهم . وقد أكد الله - تعالى - هذا العفو بلام التأكيد، وبقد المفيدة للتحقيق، وبوصفه - سبحانه - لذاته بالمغفرة، فإن هذا الوصف يؤكد أن المفو شأن من شيونه، وبوصفه - سبحانه - لذاته بالحلم، فإن هذا الوصف يفيد أنه لا يعاجل عباده بالعقاب، بل إن ما أصابهم من مصائب فهو بسبب ما اقترفوه من ذنوب وبعدو - سبحانه - عن كثير . وصدق الله إذ يقول: ((ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرما من دابه ، (١) . وقد أكد - سبحانه - شأن هذا العفو، لتذهب عن نفوس هؤلاء الذين استزلهم الشيطان حيرتها ، ولتنخلع عن الماضى، ولتستقبل الحاضر والمستقبل بقلوب عامرة بالإيمان، وبنفوس متغلبة على أهوائها مطيعة لتعاليم دينها ... وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت المؤمنين بعض الأسباب الظاهرة والخفية لما أصابهم فى أحد، وفتحت لهم باب التوبه لتطهير أنفسهم، وأخبرتهم بعفو الله عنهم، وفى ذلك مافيه عن عظات وعبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحداث معركة أحد، وعما تم للمسلمين فى أولها من نصر ، رثم عما جرى لهم بعد ذلك من اضطراب وتفرق بسبب مخالفة بعضهم لوصايا فيهم - صلى الله عليه وسلم -.... بعد كل ذلك وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن التشبه بالكافرين، (١) سورة فاطر الآية ٤٥. ٤١١ أجزء الثالث وعن الاستماع إلى أباطيلهم، وحضهم فيه على مواصلة الجهاد فى سبيل الله ، حتى تكون كلمة الله هي العليا، وأخبرهم بأن الآجال بيداقه، وأن مونهم من أجل الدفاع عن الحق أشرف هم من الحياة الذليلة ... استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعانى بأسلوبه البطيغ فيقول: (يا أيها الذين آمنُوا لاتكونوا كالذينَ كفرُوا وقَالُوا لإخْوانهم إِذَا ضربُوا فى الأرضِ أوْ كَانُوا غُزّى لو كانُوا عِندَنَا ما ماتُوا وِما قُتِلَوا، لِيَجْعَلَ اللهُ ذلك حسرةً فى قُلوبِهِم، واللهُ يُحِي ويميتُ، والهُ بما تعملونَ بَصِيرٌ (١٥٦) ولئنْ قُتِلِتُ فى سبيلِ أو مُثُم لمنفرةٌ من اللهِ ورحمةٌ خيرٌ مَّا تَجْمَعُونَ (١٥٧) ولكنْ مُتْ أو فَتَلِتُمْ لإلَى اللهِ تُحْشَّرُونَ (١٥٨))). فقوله(يأيها الذينآمنوالاتكونواكالذين كفروا وقالوا لإخوانهم .. الخ) كلام مستأنف قصد به تحذير المؤمنين من التشبه بالكافرين ومن الاستماع إلى أقوالهم الذميمة . والمراد بالذين كفروا: المنافقون کعبد الله بن أبي بن سلول وأشباهه من المنافقين الذين سبق للقرآن أن حكى عنهم أنهم قالوا: « لو كان لنا من الأمر شىء ماقتلنا هاهنا .. )). وإنما ذكرهم بصفة الكفر للتصريح بمباينة حالهم لحال المؤمنين، وللتنفير عن بمائلتهم ومسايرتهم. وقيل المراد بهم جميع الكفار . والمراد بإخوانهم: إخوانهم فى الكفر والنفاق والمذهب أو فى النسب وقوله ((إذا ضربوا فى الأرض، أى سافروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا. وأصل الضرب: إيقاع شىء على شىء، ثم استعمل فى السير ؛ لما فيه من ضرب الأرض بالأرجل ، ثم صار حقيقة فيه . وقوله: ((غزى)) جمع غاز كراكع وركع، وصائم وصوم ، وغائم ونوم ٤١٢ ٠ سورة آل عمران والمعنى : یاءن آمنتم باقه واليوم الآخر لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا بفزع وجزع من أجل إخوانهم الذين فقدوهم بسبب سفرهم للتجارة، أو بسبب غزوهم فى سبيل الله ... قالوا على سبيل التفجع : لو كان هؤلاء الذين ماتوا فى السفر أو الغزو مقيمين معنا، وملازمين بيوتهم، ولم يضربوا فى الأرض ولم يغزوا فيها لبقوا أحياء ، ولما ماتوا أو قتلوا. : وقولهم هذا يدل على جبنهم وعجزهم ، كما يدل على ضعف عقولهم، وعدم إيمانهم بقضاء الله وقدره، إذ لو كانوا مؤمنين بقضاء الله وقدره لعلموا أن كل شىء عنده بمقدار، وأن العاقل هو الذى يعمل ما يجب عليه بجد وإخلاص ثم يترك بعد ذلك النتائج الله يسيرها كيف يشاء . ١ وقولهم هذا بجانب ذلك يدل على سوء نيتهم، وخبث طويتهم؛ لأنهم قصدوا به تثبيط عزائم المجاهدين عن الجهاد، وعن السعى فى الأرض من أجل طلب الرزق الذى أخله الله . والنهى فى قوله - تعالى - ((لا تكونوا كالذين كفروا .. ، يشعر بالتفاوت الشديد بين المقامين: مقام الإيمان ومقام المكفران، وأنه لا يليق بالمؤمن أن ينحدر إلى المنحدر الدون وهو التشبه بالكافرين، بعد أن رفعه الله بالإيمان إلى أعلى عليين، وفى هذا تقبيح للمنهى عنه بأبلغ وجه وبأدق تصوير . واللام فى قوله « لإخوانهم، يرى صاحب الكشاف أنها للتعليل فقد قال: قوله: ((وقالوا لإخوانهم، أى لأجل إخوانهم ، كقوله - تعالى - ((وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه، (1) . . وبحوز أن تكون اللام للدلالة على موضع الخطاب، ويكون المعنى: لا تكونوا أيها المؤمنون كهؤلاء الذين كفروا وقالوا لإخوانهم الأحياء : (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٣٠. ١٣ ٪ الجزء الثالث لو كان أولئك الذين فقد ناهم ملازمين لبيوتهم ولم ضربوا فى الأرض ولم يجاهدوا، لما أصابهم ما أصابهم من الموت أو القتل. قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل إن قوله (( قالوا لإخوانهم)) بدل على الماضى، وقوله ((إذا ضربوا فى الأرض، يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما ؟ فالجواب من وجوه: أولها أن. قوله (( قالوا)) تقديره: يقولون، فكأنه قيل: لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا ... وإنما عبر عن المستقبل يلفظ الماضى للتأكيد والإشعار بأن ج. م فى تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، وصار بسبب ذلك الجد لأمر المستقبل كالمكائن الواقع. وثانيها : أن الكلام خرج على سبيل حكايه الحال الماضية . والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا فى الأرض ، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فمن أخبر عنهم بعد ذلك فلا بد أن يقول: قالوا ... وثالثها: قال ((قطرب، كلمة ((إذا)) و((إذا تجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى وهو حسن ، لأنما إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم أولى .... )). وقوله ((أو كانوا غزى، معطوف على ((ضربوا فى الأرض، من عطف الخاص بعد العام ، إعتناء به لأن الغزو هو المقصود فى هذا المقام وما قبله توطئة له ، قالوا : على أنه قد يوجد الغزو بدون الضرب فى الأرض ، بناء على أن المراد بالضرب فى الأرض السفر البعيد، فيكون على هذا بين الضرب فى الأرض ف بین الغزو عموم من وجه . وإنما لم يقل أوغزوا، للإيذان باستمرار إقصافهم إبعنوان كونهم غزاة، أولا نقضاء ذلك، أى كانوا غزاة فيما مضى. (١) تفسير الفخر الرازى - بتصرف وتلخيص - جـ ٩ ص ٥٤ ٤١٤ سورة آل عمران وقوله (( لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فى محل نصب مقول القول. ثم بين - سبحانه - ما ترتب على أقوالهم من عواقب سيئة فقال : , ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم». والحسرة - كما يقول الراغب - هى غم الإنسان على ما فاته، والندم عليه ، كأنه انحسر عنه الجهل الذى حمله على ما ارتكبه ، أو انحسرت قواه - أى انسلخت - من فرط الغم، وأدركه إعياء عن تدارك مافرط ... ، (١) فالحسرة هى الهم المضنى الذى يلقى على النفس الحزن المستمر والألم الشديد. والام فى قوله ((ليجعل ... )) هى التى تسمى بلام العاقبة، وهى متعلقة بقالوا : أى قالوا ما قالوه الغرض من أغراضهم التى يتوهمون من وراثها منفعتهم ومضرة المؤمنين، فكان عاقبة قولهم ومصيره إلى الحسرة والندامة. لأن المؤمنين الصادقين لن يلتفتوا إلى هذا القول، بل سيمضون فى طريق الجهاد الذى كتبه الله عليهم وسيكون النصر الذى وعدهم الله إياه حليفهم ، وبذلك يزدادالكافرون المنافقون حسرة على حسرتهم. وبجوز أن تكون اللام للتعليل ويكون المعنى : أن الله - تعالى - طبع الكفار على هذه الأخلاق السيئة بسبب كفرهم وضلالهم، لأجل أن يحمل الحسرة " فى قلوبهم ، والغم فى نفوسهم، والضلال هذه الأقوال والأفعال فى عقولهم . قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما متعلق ليجعل؟ قلت: قالوا. أى قالوا ذلك واعتقدوه ليكون ((حسرة فى قلوبهم)). على أن اللام مثلها فى «ليكون لهم عدوا وحزنا .. أو لا تكونوا بمعنى: لا تكونوا مثلهم فى النطق بذلك القول واعتقاده، ليجعله الله حسرة فى قلويهم خاصة ويصون منها قلوبكم. فإن قات: ما معنى إسناد الفعل إلى اللّه؟ قلت: معناه أن الله - تعالى - عند اعتقادم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة فى قلوبهم ، ويضيق صدورهم عقوبة لهم .. كما قال - تعالى - ((ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيفاً حرجاً كأنما يصعد فى السماء» . (١). مفردات القرآن الراغب الأصفهانى ص ١١٨ - بتصرف إسبر - ٤١٥ الجزء الثالث وبحوز أن يكون ذلك إشارة إلى مادل عليه النهى ، أى لاتكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة فى قلوبهم، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم)،(١). والجعل هنا بمعنى التصيير. وقوله (( حسرة، مفعول ثان له، وقوله, فى قلوبهم ، متعلق بيجعل . وذكر القلوب مع أن الحسرة لاتكون إلا فيها، لإرادة التممكن والإبذان بعدم الزوال . وقوله ((والله يحي ويميت والله بما تعملون بصير)) رد على قولهم الباطل أثر بيان سوء عاقبته، وحض للمؤمنين على الجهاد فى سبيل الله وترغيب لهم فى العمل الصالح . أى أن الأرواح كلها بيد الله يقبضها متى شاء، ويرسلها منى شا .. فالقعود فى البيوت لا يطيل الآجال، كما أن الخروج للجهاد فى سبيل الله أو للسعى فى طلب الرزق لا ينقصها، ومادام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يسارع إلى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وأن يسعى فى الأرض ذات الطول والعرض ليأكل من رزق الله، وأن يباشر الأسباب التى شرعها الله بدون عجز أو كسل وليعلم أن الله مطلع على أعمال الناس وأفوالهم ، وسيجازيهم عليها يوم القيامة بما يستحقون من خير أو شر . ثم رد الله - تعالى - على أولئك الكافرين بردآخر . فيه شبيت , للمؤمنين، وترغيب لهم فى الجهاد فقال: «ولكن قتلتم اجم) المؤمنون وأنتم تجاهدون «فى سبيل الله أو متم، على فراشكم بدون قتل بعد أن أديتم رسالتكم فى الحياة على أكمل وجه وأطعتم ربكم فيما امركم به أو بها كم عنه لتلتم «مغفرة من الله )) - تعالى - لذنوبكم، واغفرتم برحمته الواسعة التى تسعدكم. وقوله ((خير ما يجمعون)) أى خير مما يجمعه الكفرة من متع الدنيا وشهواتها الزائلة ، بخلاف مغفرة الله ورحمته فإنهما باقيتان ولا كدر معهماً (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٣١ ٤١٦ سورة آل عمران ولا تعب ولاقلق، واللام فى قوله، ولئن قتلتم، موطئه للقسم. أى: واقه لن نتلتم فى سبيل الله أو متم وقوله (( لمغفرة من الله ورحمة، جواب القسم، وجواب الشرط محذوف الدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه . ثم بين - سبحانه - أن مصير العباد جميعاً إليه وحده فقال . . ولثن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون)). أى ونثن متم - أيها المؤمنون - وأنتم فى بيوتكم أو فى أى مكان، أو قتلتم بأيدى أعدائكم وأنتم تجاهدون فى سبيل الله ، فعلی أی وجه من الوحوه كان انقضاء حياتكم، فإنكم إلى الله وحده جمیعا تعودون وتحشرون فيجازيكم على أعمالكم . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أبلغ ألوان الترغيب فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، لأنها قد بينت أن الحياة والموت بيد الله وحده، وأنه سبحانه قد يكتب الحياة المسافر والغازى مع إقتحامهما لموارد الحتوف ، وقد يميت المقيم والقاعد فى بيته مع حيازته لأسباب السلامة. وأن الذين يموتون على الإيمان الحق، أو يقتلون وهم يجاهدون فى سبيل اللّه، فإن هم من مغفرة الله ورحمته ماهو خير مما يجمعه الكافرون من حطام الدنيا . وأن جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم سيعودون إلى الله ايجازيهم على أعمالهم. يوم الدين . قال الفخر الرازى: واعلم أن فى قوله ((لإلى الله تحشرون) دقائق: أحدها: أنه لم يقل: تحشرون إلى الله، بل قال: لإلى اللّه تحشرون، وهذا يفيد الحصر، وهذا يدل على أنه لاحاكم فى ذلك اليوم ولا نافع ولا صار إلا هو. وثانيها : أنه ذكر من أسماء الله هذا الاسم، وهذا الاسم أعظم الأسماء، وهو دال على كمال الرحمة ، وكمال القهر، فهو لد لالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد ؛ ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد. ٤١٧ الجزء الثالث وثالثها: أن قوله (( تحشرون، فعل لم يسم فاعله، مع أن فاعل ذلك عشر هو الله، وإنما لم يقع التصريح به، لأنه - تعالى - هو العظيم الكبير فى شهدت العقول بأنه هو الله الذى يبدى ويعيد، ومنهالإنشاء والإعادة، رك التصريح فى مثل هذا الموضع أدل على العظمة . ورابعها أن قوله , تحشرون)) خطاب مع الكل فهو يدل على أن جميع عاملين، يحشرون إلى الله فيجتمع المظلوم مع الظالم، والمقتول مع القاتل. انه - تعالى - هو الذى يتولى الحكم بينهم ... ، (١). وقبل أن تتمم السورة حديثها مع الذين آمنوا عن أحداث غزوة أحد ومادار فيها من نصر وهزيمة ، وعن الأسباب الظاهرة والخفية لذلك ... أخذت فى بيان حال النبى - صلى الله عليه وسلم ... وماكان عليه من قيادة حكيمة، وأخلاق كريمة، وأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يقابل مخالفة المخالفين له والفارين عنه بالانتقام منهم، وإنزال العقوبات بهم، وإنما قابل ذلك بالحلم واللين والسياسة الرشيدة ، فقال - تعالى - : «فبماَرحمةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لهُم، ولو كنتَ فَّا غليظ القلبِ لاَنفضُّوا مِنْ حَولِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لهم، وشاوِرْمُ فى الأمر ، فإذا عزمتَ فتوكَّلْ عَلَى اللّهِإِن اللّهَ يحبُّ المتوكلين (١٥٩) إِنْ ينصرْ كم اللهُ فلا غالب لكم وإنْ يَخْذُلْجُ فِنْ ذا الذى ينصر كم مِنْ بَعْدِهِ، وعلى اللهِ فليتوكّلِ المؤمنون (١٦٠) وما كان لَنِىِّ أنْ يَغُلَّ ومن يَغْلُلْ يأتٍ بما فَلَّ يوْمَ القيامة، ثم تُوَفَّى كلُّ نفسِ ما كسبتْ وهم يُظْلَون (١٦١) أفَنِ اتّعَ رِضْوانَ اللهِ كَنْ بَاء بِسَخْطٍ مِنَ اللهِ، ومأواهُ جَهَّ وبئسَ المصيرِ (١٦٢) هُمْ درجاتٌ عند اللهِ، واللهُ بصيرٌ بما يعملونَ (١٦٣) 4 (٢٧ - سورة آل عمران) ٤١٨ سورة آل عمران لقد مَنَّ اللهُ عَلَى المؤمنين إذ بعثَ فيهم رسولاً من أَنفُسِهِم بِتُلُو عليهم آيَاتِهِ، ويَزَ كِيهم ويعلِّهم الكتاب والحكمةَ ، وإنْ كانَوا مِنْ قبل لفى ضلالٍ مبين (١٦٤))). فالخطاب فى قوله - تعالى -، فما رحمة من الله انت لهم. ولو كت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ... الخ، للنى - صلى الله عليه وسلم -. والفاء لترتيب مضمون الكلام على ماينوء عنه السياق من إستحقاق الفارين والمخالفين لللامة والتعنيف منه - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى الجبلة البشرية . والباء هنا للسببية. و((ما، مزيدة للتأكيد ولتقوية معنى الرحمة و((النت)) من لان يلين لينا وليانا بمعنى الرفق والسهولة وسعة الخلق و.الفظ، الغليظ الجافى فى المعاشرة قولا وفعلا . وأصل اللفظ - كما يقول الراغب -: ماء الكرش، وهو مكروه شربه بمقتضى الطبيع ولا يشرب إلا فى أشد حالات الضرورة . وغلظ القلب عبارة عن قسوته وقلة تأثره من الغلظة ضد الرقة ، وتنشأ عز هذه الغلظة الفظاظة والجفاء. والمعنى: فبسبب رحمة عظيمة فياضة منحك الله إیاما یامحمد ، کنت لينا مع أنباعك فى كل أحوالك، ولكن بدون إفراط أو تفريط ، فقد وقفت من أخطائهم التى وقعوا فيها فى غزوة أحد موقف القائد الحكيم الملهم، فلم تعنفهم على ماوقع منهم وأنت تراهم قد إستغرقهم الحزن والهم ... بل كنت لينا رفيقا معهم ... وهكذا القائد الحكم لا يكثر من لوم جنده على أخطائهم الماضية، لأن كثرة اللوم والتعنيف قد تولد اليأس، وإنما يلتفت إلى الماضى ليأخذ منه العبرة والعظة لحاضره ومستقبله، ويغرس فى نفوس الذين معه ما يحفز همتهم، ويشحذ ٤١٩ الجزء الثالث هزيمتهم ويجعلهم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم بثقة واطمئنان وبصيرة مستنيرة ... وإن الشدة فى غير موضعها تفرق ولا تجمع، وتضعف ولا تقوى ، ولذا قال - تعالى - ((ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)). أى ولو كنت - يامحمد - كريه الخلق، خشن الجانب ، جافيا فى أقوالك وأفعالك ، قاسى القلب لا تتأثر لما يصيب أصحابك ... لو كنت كذلك (لانفضوا من حولك، أى لتفرقواعنك، ونفروا منك، ولم يسكنوا إليك فالجملة الكريمة تنفى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكون فظا أو غليظا، لأن «لو، قدل على ففى الجواب لنفى الشرط. أى أنك لست - يا محمد فظا ولا غليظ القلب ولذلك التف أصحابك ملى حولك، يفتدونك بارواحهم وبكل مرتخص وغال ، ويحبونك حبا يفوق حبهم لأنفسهم ولأولادهم ولآبائهم ولأحب الأشياء إليهم. ، وقال - سبحانه - ((ولو كنت فظا غليظ القلب ... ، أينفى عنه - صلى الله عليه وسلم - القسوة والغلظة فى الظاهر والباطن، إذ القسوة الظاهرية تبدو أكثر ما تبدو فى الفظاظة التى هى خشونة الجانب ، وجفاء الطبع، والقسوة الباطنية تكون بسبب يبوسة القلب، وغلظ النفس ، وعدم تأرها بما يعيب غيرها . والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان مبرأ من كل ذلك ، ويكفى أن أنّه - تعالى - قد قال فى وصفه: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين ر.وف رحيم»(١). .٠٨ وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ((إنى أرى صفة رسول الله - صلى انه عليه وسلم - فى الكتب المتقدمة. إنه ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح: (٧). (١) سورة النوبة. الآية الاخيرة. (٢) تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٢٠ ٤٢٠ سورة آل عمران ولقد كان من أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - مداراة الناس إلا أن يكون فی المداراة حق مضیعفعن عائشة رضى اله عنها - قالت : قالرسول الله - صلى. اله عليه وسلم -: إن الله أمرنى بمدارة الناس كما أمرفى بإقامة الفرائض،(١). ثم أمر الله الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بما يترقب على الرفق والهشاشة فقال: ((فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم فى الأمر)). فالفاء هنا تفيد ترتيب ما بعدها على ماقبلها. أى أنه يترتب على لين جانبك مع أصحابك، ورحمتك بهم، أن تعفو عنهم فيما وقعوا فيه من أخطاء تتعلق بشخصك، أو ماوقعوافيه من مخالفات أدت إلى هزيمتهم فى أحد ، فقد كانت ئلة منهم وقد أدبهم الله علیها . وأن نلتمس من اقه - تعالى - أن يغفر لهم مافرط منهم، إذ فى إظهارك ذلك لهم تأكيد لعفوك عنهم، وتشجيع لهم على الطاعة والاستجابة لأمرك. وأن تشاورهم فى الأمر أى فى أمر الحرب ونحوه مما تجرى فيه المشاورة فى المادة من الأمور التى تهم الأمة . وقد جاءت هذه الأوامر النبى - صلى الله عليه وسلم - على أحسن نسق، وأحكم ترتيب ، لأن الله - تعالى - أمره أولا بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه، فإذا ما افتهو إلى هذا المقام، أمره بأن يستغفر لهم ما بينهم وبين لقه - تعالى - لتنزاح عنهم التبعات، فإذا صاروا إلى هذه الدرجة، أمره بأن يشاورم فى الأمر لأنهم قد أصبحوا أهلا لهذه المشورة. وقد تكلم العلماء كلاما طويلا عن حكم المشورة وعن معناها ، وعن فوائدها . فقد قال القرطبى ما ملخصه : « والاستشارة مأخوذة من قول العرب: شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها وحالها بحرى أو غيره .. وقد يكون من قولهم شرت العسل واشترته. إذا أخذته من موضعه .. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ س ٤٢٠.