Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨٢ سورة آل عمران وففى عنهم - ثانيا - الضعف الذى هو عند القوة، وهو ينتج عن الوهن . وففى عنهم ثالثا - الإستكانة وهى الرضا بالذل وبالخضوع للأعداء ليفعلوا بهم ما يريدون . ٠ وقد نفى - سبحانه - هذه الأوصاف الثلاثة عن هؤلاء المؤمنين الصادقين مع أن واحداً منها يكفى نفيه لنفيها لأنها متلازمة - وذلك لبيان قبح ما يقعون فيه من أضرارا فيما لو تمكن واحدا من هذه الأوصاف من نفوسهم . وجاء ترتيب هذه الأوصاف فى نهاية الدقة بحسب حصولها فى الخارج. فإن الوهن الذى هو خور فى العزيمه إذا تمكن من النفس أنتج الضعف الذى هو لون من الاستسلام والفشل، ثم تكون بعدهما الاستكانة التى يكون معها الخضوع لكل مطالب الأعداء، وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة فى حياته كان الموت أكرم له من الحياة . وقوله ((والله يحب الصابرين)) تذييل قصد به حض المؤمنين على تجمل المكاره وعلى مقاساة الشدائد، ومعاناة المكاره من أجل إعلاء دينهم حتى يفوزوا برضا الله ورعايته كما فاز أولئك الربيون الأتقياء الأوفياء. أى: والله - تعالى - يحب الصابرين على آلام القتال، ومصاعب الجهاد، ومشاق الطاعات ، وتبعات التكاليف التى كلف الله - تعالى - بها عباده. ثم أتبع - سبحانه - محاسنهم الفعلية، ببيان محاسنهم القولية فقال - تعالى - ، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا إغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا فى أمرنا ، وثبت أقدامنا، وإنصرنا على القوم الكافرين،. أى أن هؤلاء الأنقياء الأوفياء الصابرين ما كان لهم من تقول فى مواطن القتال وفى عموم الأحوال إلا الضراعة إلى الله - تعالى - بثلاثة أمور : ٣٨٣ الجزء الثالث أولها: حكاه القرآن عنهم فى قوله: «ربنا أغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا .. أى: إنهم يدعون الله - تعالى - بأن يغفر لهم ذنوبهم ما كان صغيرا منها وما كان كبيراً، وأن يغفر لهم ((إسرافهم فى أمرم) أى ما يجاوزوه من الحدود التى حدها لحم وأمرهم بعدم تجاوزها . وثانيها : حكاه القرآن عنهم فى قوله «وثبت أقدامنا، أى اجعلنا ياربنا ممن يثبت لحرب أعدائك وقتالهم ، ولا تجعلنا ممن يولهم الأدبار. وثالثها: حكاه القرآن عنهم فى قوله (( وانصرناعلى القوم الكافرين ، أى أجعل النصر لنا ياربنا على أعدائك وأعدائنا الذين جحدوا وحدانيتك، وكذبوا نبيك، وضلوا ضلالا بعيدا. وتأمل معى - أخى القارىء- هذه الدعوات الكريمة، تراها قد جمعت ما جمعت من صدق اليقين ، وحسن للتر قيب . فهم قد التمسوا - أولا - من خالقهم مغفرة ذنوبهم، والتجاوز عما وقعوا فيه من أخطاء، وهذا يدل على سلامة قلوبهم، وتواضعهم، وإستصغار أعمالهم مهما عظمت أمام فضل الله وفعمه. ثم التمسوا منه - ثانيا - تثبيت أقدامهم عند لقاء الأعداء حتى لا يفروا من أمامهم.°م التمسوا منه - ثالثا - النصر على الكافرين وهو غاية القتال، لأن الانتصار عليهم يؤدى إلى منع وقوع الفتنة فى الأرض، وإلى إعلاء كلمة الحق . قال صاحب الكشاف: ((قوله، وما كان قولهم ... الخ)) هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين حضما لها وإستقصارا. والدعاء بالإستغفار منها مقدما على طلب تثبيت الأقدام فى مواطن الحرب والنصرة على العدو، ليكون طلبهم إلى ربهم عن ز كاة وطهارة وخضوع. وهو أقرب إلى الاستجابة (١)). (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٤). ٣٨٤ سورة آل عمران و((كان، هنا ناقصة، وقوله ,قولهم، بالنصب خبرها. واسمها المصدر. المتحصل من (أن) وما بعدها فى قوله، إلا أن قالوا .. ، والاستثناء مفرغ. أى: ما كان قولهم فى ذلك المقام وفى غيره من المواطن إلا قولهم لهذا الدعاء أی هو دأبهم ودیدنهم . ١ ثم بين - سبحانه - الثمار التى ترتبت على هذا الدعاء الخاشع، والإيمان الصادق، والعمل الخالص لوجهه - سبحانه - فقال: «فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ، والله يحب المحسنين)). والفاء فى قوله، فآنام، لترتيب ما بعدها على ما قبلها. أى أن هؤلاء الذين آمنوا بالله حق الإيمان، وجاهدوا فى سبيله حق الجهاد، لم يخيب الله - تعالى - سعيهم، ولم يقفل بابه عن إجابة دعائهم، وإنما أعطاهم الله - تعالى - نواب - الدنيا من النصر والغنيمة وقهر الأعداء، وصلاح الحال ... كما أعطاهم حسن ثواب الآخرة بأن منحهمرضو انه ورحمته ومثو بته وإنما. خص ثواب الآخرة بالحسن للتنبيه على عظمته وفضله ومزيته ، وأنه هو المعتد به عنده - تعالى - ، لأنه غير زائل ، وغير مشوب، بتنغيص أو قلق . وقوله ((والله يحب المحسنين)) تذييل مقررلمضمون ما قبله، فإن محبة الله - تعالى - للعبد ميدأ كل خير وسعادة. وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد قررت فى مطلعها حقيقة ثابتة ، وهى أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - بشر من البشر. وأنه يموت كما يموت سائر البشر، وأن رسالته لا تموت من بعده: بل على أتباعه أن يسيرواعلى طريقته وأن يحملوا عبء قبليغ تعاليم الإسلام الذى جاء به من بعده ثم قررت بعد ذلك أن الآجال بيد الله، وأن الحذر لا يمنع القدر؛ وأن أحداً اڼ يموت ٣٨٥ الجزء الثالث قبل تها. أجله، وما دام الأمر كذلك فعلى المؤمنين أن يجاهدوا الكفار والمنافقين وأن يغلظوا عليهم ... ثم ذكرت الناس بعد ذلك بما كان من أتباع الرسل السابقين من إيمان عميق، وجهاد صادق ( وثبات فى وجه الباطل، ودعاء مخلص خاشع ... حتى بتأسی بهم فى أقوالهم وأعمالهم کل ذى عقل سليم . ثم ختمت هذه الآيات ببيان النتائج الطيبة التى منحها الله - تعالى - لعباده المؤمنين الصادقين فى دنياه وآخرتهم ، حتى يسارع الناس فى كل زمان ومكان إلى الأعمال الصالحة التى تكون سببا فى سعادتهم وعزتهم . . وجه القرآن نداء إلى المؤمنين ، نهاهم فيه عن طاعة أعداء الله وأعدائهم، وأمرهم بالتمسك بتعاليم دينهم ، وبشرهم بسوء عاقبة أعدائهم فقال - تعالى -: ((يَأَيَُّ الذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِعُوا الذينَ كفرُوا يردُّوكُمْ عَى أعقابِكم فَتَنْقْلِبِوا خاسِرِين (١٤٩) بَلِ اللهُ مَولاَ كُم وهو خيرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَتُلقى فى قلوبِ الذينَ كفرُوا الرَّعبَ بما أشركُوا باللهِ مالمْ يَنْزِّلْ به سُلطانَاً، ومأواهُ النارُ وبِئْسَ مَثْوَى الظالمينَ (١٥١))). قال الألوسى ما ملخصه: قوله: (( يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ... ، شروع فى زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها، إز تغيبهم فى الاقتداء بأنصار الأنبياء ببيان فضائله. وتصدير الخطاب بالنداء أوالتنبيه ، لإظهار الاعتناء بما فى حيزه. ووصفهم بالإيمان لتذكيرهم بحال ينا فى تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه. والمراد من الذين كفروا إما المنافقون لأنهم هم الذين قالوا المؤمنين عند هزيمتهم فى أحد: ارجعو إلى إخوانكم وأدخلوا فى دينهم ... وإما أبو سفيان وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الاستكانة لهم وطلب الأمان منهم ... وإما اليهود والنصارى لأنهم هم الذين (٢٥ - سورة آل عمران) *... ٣٨٦ سورة آل عمر ان كانوا يلقون الصه فى الدين ويقولون: لو كان محمد نيها حقا لما غله أعداؤه .... وإما سائر الكفار، (١). فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن طاعة الكفار، لأن الكفر والإيمان نقيضان لا يجتمعان . . وجاء التعبير ((بإن)) الشرطية دون ((إذا))، لأن إذا لتحقق الشرط والجزاء، أما إن فإنها لا نفيد التحقيق بل تفيد الشك، وهذا هو المناسب لحال المؤمنين لأن إيمانهم يردهم عن طاعة الذين كفروا ويمنعهم من الوقوع فى ذلك . والنداء متوجه إبتداء للمؤمنين المجاهدين الذين حضروا غزوة أحد، وس واء.اسمعوا من أراجيف أعدائهم، أكاذيبهم. إلا أنه يندرج تحت مضمونه كل مؤمن فى كل زمان أو مكان ، لأن الكافرين فى كل العصور لا يريدون بالمؤمنين إلا خبالا، ولا يتمنون لهم إلا الشرور والمصائب . ثم بين - سبحانه - النتيجة السيئة التى تترقب على طاعة المؤمنين للمكافرين فقال: ((يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين)). أى: إن تطيعوهم يرجعوكم إلى ما كنتم عليه قبل الإسلام من ضلال وكفران، أو يردوكم إلى الحالة التى كنتم عليها قبل مشروعية الجهادوهى حالة الضعف والهوان التى رفعها الله عنكم بأن أذن لكم فى مقالة أعدائكم الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق. وقوله ((فتنقلبواخاسر بن)) أى فترجعوا خاسرين لخيرى الدنيا والآخرة، أما خسر ان الدنيا فيسبب انقيادكم لهم، واستسلامكم لمطالبهم ... وأماخران الآخرة فيسيب ترككم الوصايا دينكم، ومخالفتكم لأوامر خالفكم، وتوجيهات نبيكم - صلى الله عليه وسلم - وكفى بذلك خسارة شنيعة. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن طاعة الكافرين، ٠ (١) تفسير الآلوسي ج ٤ ص ٨٧ ٠ rAV. الجزء الثالث ثم بينت لهم نتيجتين سيئتين تترتبأن على هذه الطاعة، وهما: الرجوع إلى الضلال بعد الهدى ، والخسران فى الدنيا والآخرة . والتعبير بقوله ( فتنقلبوا .. ، يفيد أن إطاعة الكافرين يؤدى بالمؤمنين إلى انقلاب حالهم ، وانتكاس أمرهم، وجعل أعلام أسفلهم ... وفى ذلك مافيه من التنفير عن إطاعة الكافرين والاستماع إلى وساوسهم. ثم أمرهم - سبحانه - بطاعته والاعتماد عليه والاستعانة به وحده فقال («بل الله مولاكم وهو خير الناصرين)). وحرف («بل)) هنا للإضراب الانتقالى، لأنه - سبحانه - بعد أن حذر المؤمنين من إطاعة الكافرين وما يترتب عليها من مضار. إنتقل إلى توجيههم إلى مافيه عدتهم وكرامتهم وسعادتهم. والمولى هنا بمعنى النصير والمعين ، وهذا اللفظ لا يدل على النصرة والعون فقط ، وإنما يدل على كال المحبة والمودة والقرب، والنصرة تجى. ملازمة لهذه المعانى، لأنه من كان اللّه محبا له، كان - سبحانه - ناصراله لا محالة. والمعنى: إنى أنهاكم . أيها المؤمنون - عن إطاعة الكافرين. لأنهم ليسوا أولياء لكم فتطيعوهم؛ بل الله - تعالى- هو وليسكم ومعينكم وهو خير القاصرين ، لأنه هو الذى لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء؛ فأخلصوا له العبادة والطاعة : ثم بشرم - سبحانه - بأنه سيلقى الرعب والفزع فى قلوب أعدائهم فقال - تعالى -: «سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا باقه ما لم ينزل به سطانا ،. والرعب: الخوف والفزع. يقال رعبه يرعبه أى خوفه. وأصله من الملء يقال: سيل راعب ، إذا ملأ الأودية. ورعبت الحوض: ملأته. والسلطان: الحجة والبرهان وسميت الحجة سلطانا لقوتها"ونفوذها: وأصل المادة يدل على الشدة والقوة . ومنها السليط الشديد. واللسان الطويل. ٣٨٨ ١ سورة آل عمران والمعنى : سنملاً قلوب المشركين خوفا وفزعا، بسبب إشراكهم مع الله - تعالى - آلهة لم ينزل الله بها حجة والمراد: أنه لا حجه لهم حتى ينزلها. قال الألوسى: قوله (( ما لم ينزل به، أى بإشراكه، أو بعبادته، و ((ما)) فكرة موصوفة أو موصولة اسميه وليست مصدرية. و((سلطانا، أى حجة والإتيان بها للإشارة بأن المتبع فى باب التوحيد هو البرهان السماوى دون الآراء والأهواء الباطلة ... وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم. أى: لاحجة حتى ينزلها، فهو على حد قوله فى وصف مفازة : لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر إذ المراد: لا ضب بها حتى ينجحر. فالمراد نفيهما جميعا ...!! ). فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين بأن الله - تعالى - سيلقى الرعب والفزع فى قلوب أعدائهم حتى لا يتجاسروا عليهم. ومن مظاهر الرعب التى ألقاها الله - تعالى - فى قلوب المشركين ، أنهم بعد أن انتصروا على المسلمين فى غروة أحد، كان فى قدرتهم أن يوغلوا فى مهاجمتهم وقتالهم ؛ إلا أن الرعب صدهم عن ذلك ... ولقد حاولوا وهم فى طريقهم إلى مكة أن يعودوا للقضاء على المسلمين، إلا أن الخوف داخل قلوبهم، وجعل أحد زعمائهم وهو صفوان بن أمية يقول لهم: «يا أهل مكة لا ترجعوا لقتال القوم، فإنى أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذى كان .. قال الفخر الرازى ما ملخصه: قوله «سنلقي فى قلوب الذين كفروا الرعب .... اختلفوا فى أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد، أو هو عام فى جميع الأوقات؟ (١) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٨٨, ٣٨٩ الجزء الثالث قال كثير من المفسرين: إنه مختص بهذا اليوم، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت فى هذه الواقعة . ثم القائلون بهذا القول ذكروا فى كيفية إلقاء الرعب فى قلوب المشركين فى هذا اليوم وجهين: الأول: أن الكفار لما إستولوا على المسلمين وهزموم أوقع الله الرعب فى قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب .... والثانى : أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة، فلما كانوا فى بعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئا، قتلنا الأ كنزين منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون. إرجعو حتى نستأصلهم بالكلية . فلما عزمو على ذلك ألقى الله الرعب فى قلوبهم . والقول الثانى: أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام. كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة فى يوم أحد، إلا أن الله - تعالى - سيلقى الرعب منكم بعد ذلك فى قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار ، ويظهر دينكم على سائر الأديان . وقد فعل ذلك حتى صار دين الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل. ونظير هذه الآية قوله - صلى الله عليه وسلم - «نصرت بالرعب مسيرة شهر ، (١) . . ثم حتم - سبحانه - الآية ببيان سوء عاقبة هؤلاء الكافرين فقال: ((ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين). والمأوى: إسم مكان من أوى يأوى . وهو المكان الذى يرجع إليه الشخص ، ويعود إليه . والمثوى: إسم مكان - أيضا - يقال: ثوى بالمكان وفيه يثوى أواء ! وثوبا وأثوى به. إذا أطال الإقامة به والنزول فيه . (١) تفسير الفخر الرازى : ٩ ص ٠٣٢ ٠+ سورة آلعمران والمعنى: أن هؤلاء الكافرين سيلقى الله - تعالى - الرعب والفزع فى قلوبهم حتى لا يتجاسروا على المؤمنين ، هذا فى الدنيا ، أما فى الآخرة، المكان الذى يأوون إليه ويستقرون فيه هو النار، لامأوى لهم غيرها، ويشى هذه النار موضع إقامة دائمة لهم. وقد أظهر - سبحانه - الإسم فى موضع الإضمار، فلم يقل: وتش النار مثواهم، بل قال: «وبئس مثوى الظالمين،، للإشارة إلى أن هذا المآل الأليم إنما هو جزاء عادل لهم بسبب ظلمهم، إذهم الذين ظلموا أنفسهم فأضلوها وصدوها عن الحق ، فكانت نها يتهم تلك النهاية المهينة، «وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون)). وفى جعل هذه النار مثواهم بعد جعلها مأواهم . إشارة إلى خلودهم فيها، فإن المشوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذى يأوى إليه الإنسان . وقدم المأوى على المثوى لأن هذا هو الترتيب الوجودى فى الخارج ، لأن الإنسان یأوى إلى المكان ثم يثوى فيه . وبذلك زى أن هذه الآيات الكريمة قد تهت المؤمنين عن إطاعة الكافرين وبينت لهم النتائج الوخيمة التى قترقب على إطاعتهم، ثم دعتهم إلى الاعتصام بدين الله، وبشرتهم بسوء عاقبه أعدائهم فى الدنيا والآخرة . ثم ذكر الله - تعالى - المؤمنين بما حدث لهم فى غزوة أحد ، وكيف أنهم إنتصروا على أعدائهم فى أول المعركة ، ثم كيف أنهم أصيبوا بالهزيمة بعد ذلك بسبب فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم لرسولهم - صلى الله عليه وسلم - ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى هذه المعركة تصويرا بليغا مؤثرا، وحكى أقوال ضعاف الإيمان ورد عليها بما يدحضها . إستمع إلى القرآن الكريم یحکی کل ذلك فيقول : ٢٩١ الجزء الثالث ((ولقد صَدَقَكُم اله وعْدَه، إذْ تَحُونَهُم بِإِذْنِهِ، حتى إذَا فَعِلْتُمْ وتنَزَ عُثُم فى الأمرِ وعصَبْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُم مَا تُحْبُون، مِنَكُم مَنْ يُرِيدُ الدُّنيا ومِنِكُمْ مَن يريدُ الآخِرةِ، ثم صِرَفَكُم عَنْهُمْ لِيبِتَلِكُم، ولقَد عفاَ عنكم، واللهُ ذو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين (١٥٢) إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ والرسولُ يدعولْ فِى أُخْرائم، فَأَتَبُكُمْ غَدَّ بِغَمِّ لكيلاَ تَحزَنُوا عَلَى ما فاتكُم ولا ما أصابكُمْ وَاللهُ خبيرٌ بما تَعملونَ (١٥٣) ثم أنزلَ عليكم مِن بَعْدِ الفَمُّ أَمنةً نُعَساً يغشَى طائفةً منكم، وطائفةٌ قد أهمَّتْهم أَنفُسُهم، يظنُّونَ باللهِ غيرَ الحقُّ ظنَّ الجاهليةِ يقولونَ هَلْ لاَ من الأمْرِ مِنْ شىءٍ؟ قل إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لله، نُخْقُونَ فى أَنْفُسِهِم مالا يُبْدُونَ لك، يقولُونَ لو كانَ لنا من الأمرِشىءٍ ماقُتِناً هَأَهْنَاَ، قَلْ لو كنتُ فى بيوتِكُم لبرزَ الذين كُتِبَ عليهم القْلُ إلى مضاَجِعِهِم، ولَتَبْتَلِىَ اللهُ . افى صُدُورِكم، وليمِّصَ ما فى قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عليمٌ بذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إنّ الذينَ قَولَوْا مِنْكُم يومَ التَّقَى الجمانِ إنما استزّلهم الشُّيطانُ بِيَعْض ما كَبُوا، ولقد عفاَ اللهُ عنهُم إن اللهَ غفورٌ حليمٌ (١٥٥))» . قال القرطبى : قال محمد بن كعب القرظى: لما رجع رسول الله - صلى اله عليه وسلم - إلى المدينة بعد أحد، وقد أصيبرا قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر ؟ !! فنزل قوله - تعالى -,ولقد صدقكم أقه وعده إذ تحسونهم بإذنه ... الآية ). وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء ٣٩٢ سورة آل عمران وكان الظفر إبتداء للمسدين ، غير أنهم إشتغلوا بالغقيمة وترك بعض الرماة أيضا مراكزهم طلبا للغنيمة، فكان ذلك سبب الهزيمة،. وقد روى البخارى عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم أحد ولقينا المشركين، أجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أناسا من الرماة، وأمر عليهم عد الله بن جبير وقال لهم: ((لا تبرحوا من مكانكم . إن رأيتمونا ظهرفا عليهم فلاتبرحوا، وإن رأيتموهم قد ظهر واعلينا فلا تعينونا، قال: فلما لقيناهم هربواحتى رأيت النساء يشتددن فى الجبل .. أى يسرعن الفرار - يرفعن عن سوقهم ، قد بدت خلاخلهن. جعلوا ية ولون - أى الرماة -- «الغنيمة الغنيمة، فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير. أمهلوا. أما عهد إليكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا تبرحوا أماكنكم؟ فأبوا - وإنطلقوا لجمع الغنائم - فلما أتوم صرف الله وجوههم، وقتل من المسلمين سمون رجلا .... (١) . وصدق الوعد معناه: تحقيقه والوفاء به، إذ الصدق: مطابقة الخبر للواقع. والمراد بهذا الوعد، ما وعد الله به المؤمنين من النصر والظفر فى مثل قوله - تعالى - (( يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)(٢) وفى مثل قوله - تعالى - : «سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب ؟! أشركوا باته ما لم ينزل به سلطانا ، (٢). وفى مثل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرماة قبل أن تبدأ المعركة (( لا تبرحوا أماكنكم فلن نزال غالبين مانبتم مكانكم،. ومعنى « تحسونهم، تقتلونهم قتلا شدیدا یفقدون معه حسهم وحر کتهم يقال: حسه حسا إذا قتله. وحقيقته: أصاب حاسته بآ فة فأ بطلها، يقال: كبده وفاده أى : أصاب كبده وفؤاده ومنه جراد محسوس، وهو الذى قتله البرد ، أو مسته النار (فأهلكته. (١) تفسير القر طبى ج ٤ ص ٣ ٢٣ . - بتصرف يسير. (٢) سورة محمد الآية ٧ (٣) سورة آل عمران الآية ١٥١ ٣٩٣ الجزء الثالث والمعنى: ولقد حقق الله - تعالى -. لكم - أيها المؤمنون - ما وعدكم به من النصر على أعدائكم، إذا أيدكم فى أول معركة أحد بعونه وتأييده فصرتم تقتلون المشركين قتلا ذريعا شديدا بإذنه وتيسيره ورعايته. وكان حليفا لكم فى أول المعركة .. و((صدق)) بتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر تقول: صدقت زيداً فى الحديث. وقد يتعدى بنفسه إلى المفعولين كما هنا، إذالمفعول الأول ضمير المخاطبين، والثانى قوله ((وعده». وقوله , إذ تحسونهم » معمول لصدقكم . أی صدقكم فى هذا الوقت وهو وقت قتلهم وقوله (( بإذنه، متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل « نحسونهم، أى تقتلونهم مأذونا لكم فى ذلك. فالجملة الكريمة تذكر المؤمنين بما كان من نصر الله - تعالى - لهم عندما أقبلوا على معركة أحد بقلوب مخلصة، ونفوس ثابتة، وعزيمة صادقة ... ثم بين - سبحانه - أن ما أصابهم من هزيمة بعد ذلك كان بسبب فشلهم وتنازعهم فقال - تعالى -: حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون٠ :. )). والفشل : بمعنى الجبن والضعف . يقال : فشل يفشل فهو فشل وفشل. والتنازع : التخاصم والتخالف . والمعنى: ولقد صدقكم الله وعده فى النصر - أيها المؤمنون - عندما كنتم تقاتلون أعدائكم بإيمان صادق، وإخلاص لله - تعالى - حتى إذا منعفت نفوسكم , وحجزتم عن مقاومة أهوائكم، وتنازعتم فيما بينكم أتتبع الغنائم نجمعها أم تبقى فى أماكننا التى حددها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لنا ، ومال أكثركم إلى طلب الغنائم مخالفا أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم- من بعد ما أراكم الله فى أول المعركة من نصر - مؤزر تحبونه وترجونه ، ومن مغائم تتطلعون إليها بلهفة وشوق ... ٣٩٤ سورة آل عمران ١٠ حتى إذا فعلتم ذلك منع الله - تعالى - عنكم نصره، ونحول نصركم إلى هزيمة وفقدتم أنفسكم وما جمعتموه من غنائم . وهكذا نرى أن ما أصاب المسلمين فى أحد من هزيمة كان بسبب فشل . بعضهم وتنازعهم وعصيانهم أمر رسولهم - صلى الله عليه وسلم - وصدق الله إذ يقول: (( واتقوا فتنة لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة)) (1). ولقد رتب الله - تعالى - ما حدث من بعض المؤمنين فى غزوة أحد ترقببا دقيقا، يتفق مع ما حصل منهم، وذلك لأنهم حدث منهم - أولا - الفشل بمعنى العجز النفسى عن الثبات والصبر، ثم ترتب على ذلك أن تنازعوا فيما بينهم ونتج عن هذا التنازع أن ترك معظمهم مكانه ونزل إلى ميدان المعركة لجمع المغاهم، ثم ترقب على كل ذلك معصيتهم لأمر رسولهم وقائدهم - صلى الله عليه وسلم -. فال الجمل ما ملخصه: وقوله ((حتى إذا فشلتم ... ((حتى) هذه فيها قولان أحدهما أنها حرف جر بمعنى ((إلى)، وفى متعلقها حينئذ ثلاثة أوجه. أحدها: أنها متعلقة بقوله: «تحسونهم، أى تقتلونهم إلى هذا الوقت. والثانى أنها متعلقة « بصدقكم، أى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم. والثالث: أنها متعلقة بمحذوف دل عليه السياق تقديره: دام لكم ذلك إلى وقت فشلكم. والقول الثانى أنها حرف إبتداء داخلة على الجملة الشرطية و((إذا)) على بابها من كونها شرطيه، والصحيح أن جوابها محذوف أى حتى إذا فشلتم وتناز عتم منع الله عنكم نصره)، (٢). وقال الفخر الرازى : فإن قيل ما الفائدة فى قوله، من بعد ما أراكم ما تحبون ، ؟. (١) سورة الأنفال الآية ٢٥ (٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٣٢٤. ٣٩٠ الجزء الثالث فالجواب عنه : أن المقصود منه التنسيه على عظم المعصية ، لأنهم لما شاهدوا أن الله - تعالى - أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية ، فلما أقدمواعليها لاجرم سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم، (١) وقوله ((منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، تفصيل التنازع الذى كان بين الرماة، وبين بعض أفراد المسلمين الذين اشتركوا فى هذه الغزوة . أى : منكم - أيها المسلمون - من يريد الدنيا ومغانمها حتى حمله ذلك على ترك مكانه المخصص له مخالفا نصيحة فائدة ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولو أن هذا البعض منكم خالف هواه، وحارب مطامعه، وأطاع أمررسوله - صلى الله عليه وسلم - لتم لكم النصر، ولاتتكم الدنيا بغنائها وهي صاغرة ... ومنكم من يريد بجهاده وعمله ثواب الآخرة، وهم الذين أطاعوا أمر رسولهم - صلى الله عليه وسلم - وثبتوا إلى جانبه يدافعون عنه وعن عقيدتهم وعن أنفسهم دفاع الأبطال الصامدين، وهؤلاء هم الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم . قال ابن جرير: قال ابن عباس: لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة : أدركوا الناس لا يسبقوكم إلى الغنائم ، فتكون لهم دونكم . وقال بعضهم: لا فريم حتى يأذن لنا النبى - صلى الله عليه وسلم - فنزات: ((منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة». وقال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد, (٢). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ٠٢٧ (٢) ابن جرير ج ٤ ص ١٣٠. ٣٩٦ سورة آل عمران وقوله (( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم)) عطف على جواب ((إذا، المقدر، وما بينهما إعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. والتقدير: منع الله نصره عنكم بسبب فشلكم وتنازعكم ومعصبتكم النبيكم؛ ثم ردكم عنهم دون أن تنالوا ما تبتغون (( ليبتليكم، أى ليعاملكم الله - تعالى - معاملة من يمتحن غيره، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه، وليتبين لكم الصابر المخلص من غيره. وجاء العطف بثم فى قوله (( ثم صرفكم، للاشعار بالتفاوت الكبير بين المقصد الأصلى الذى خرجوا من أجله وهو النصر والحصول على الغنيمة ، وبين النتيجة التى انتهوا اليها وهى العودة مقهورين . وكان التعبير بكلمة («صرفكم) دون كلمة ((هزمتم، لأن ماحدث فى أحد لم يكن هزيمة وإن لم يكن نصرا؛ لأن الهزيمة تقتضى أن يولى المسلمون الأدبار وأن يتحكم فيهم أعداؤهم، وماحدث فى أحد لم يكن كذلك ، وإنما كان زيادة فى عدد الشهداء من المسلمين عن عدد القتلى من المشركين ، لأن بعض المسلمين خالفوا وصية نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وتطلعوا إلى زهرة الدنيا وزينتها بطريقة تتعارض مع ما يقتضيه الإيمان الصادق، فكان من الله - تعالى - التأديب لهم ... وفى هذا التعبير (( ثم صرفكم عنهم ... ، تسلية لهم عما أصابهم، وتخفيف لمصابهم، فكأنه - سبحانه - يقول لهم: إن ما حدث فى أحد إنما هو نوع من الصرف عن الغاية التى من أجلهاخرجتم لحكم من أهمها : تمييز الخبيث من الطيب ، وتربيتكم على تحمل المصائب والآلام، وتأديبكم بالأدب المناسب حتى لا تعودوامرة أخرى إلى مخالفه رسولكم - ص الله عليه وسلم ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يمسح آلامهم، ويذهب الحسرة من قلوبهم - تعالى -، ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين)). أى: ولقد عفا - سبحانه - عما صدر منكم تفضلامنه وكرما، وأنه تعالى هو صاحب الفضل المطلق الدائم على المؤمنين . ٢٩٧ الجزء الثالث ولقد أكد - سبحانه - هذا العفو باللام وبقدو بالتعبير بالماضى، ليفتح أمامهم طريق الأمل ، وليحفزهم على التوبة الصادقة ، والإيمان العميق ، حتى لا ييأسوا من رحمة الله . والتذيل بقوله ((والله ذو فضل على المؤمنين، مؤكد لمضمون ماقبله. قال الآلوسي: إيذان بأن ذلك العفو، ولو كان بعد التوبة، بطريق التفضل لا الوجوب أى: شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو. أو فى جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم، إذ الابتلاء أيضا رحمة، (١). فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المؤمنين بأن الله - تعالى - قد حقق وءه معهم فى أول المعركة ، بأن سلطهم على المشركين يقتلونهم بتأييده ورعايته قتلا ذريعا ، فذما صدر من بعض المؤمنين الفشل والتنازع والعصيان. منع ألقه عنهم عونه ، وصرفهم عن الغاية التى كانوا يتمنونها ليتميز الخبيث من الطيب ، ومع ذلك فقد عفا الله عما صدر منهم من أخطاء ، لأنه هو صاحب الفضل الدائم على المؤمنين . ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بما كان من بعضهم بعد أن اضطربت أحوالهم ، وجاءهم أعداؤهم من أمامهم ومن خلفهم بسبب ترك معظم الرماة لأماكنهم، فقال - تعالى -: ((إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعو كم فى آخر! كم،. وقوله: ((تصعدون)) من الإصعاد وهو الذهاب فى صعيد الأرض والإبعاد فيه . يقال : أصعد فى الأرض إذا أبعد فى الذهاب وأمعن فيه، فهو صعد . قال القرطى : الإصعاد : السير فى مستو عن الأرض وبطوت الأودية والشعاف . (١) تفسير الآلوسي ج ٤ ص ٩٠ ٣٩٨ سورة آل عمران والصعود: الإرتفاع على الجبال والدرج)). وقوله ((تلوون)) من لوى بمعنى عطف ومال، وكثيراً ما يستعمل بمعنى وقف وانتظر ، لأن من شأن المنتظر أن يلوى عنقه. وقوله ((إذ تصعدون )، متعلق بقوله (( صرفكم، أو بقوله (( ليبتليكم، أو بمحذوف تقديره أذكروا. أى اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن كنتم مصعد بن تهرولون بسرعة فى بطن الوادى بعد أن أختلت صفوفكم، واضطرب جمعكم. وصرتم لا يعرج بعضكم على بعض، ولا يلتفت أحدكم إلى غيره من شدة الهرب، والحال أن رسولكم - صلى الله عليه وسلم - ((يدعوكم فى أخراكم، أى بناديكم فى آخركم أو فى جماعتكم الأخرى أو من خلفكم يقال . جاء فلان فى آخر الناس وأخراهم إذا جاء خلفهم وكما يقال: جاء فى أولهم وأولام. والمراد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو المنهزمين إلى الثبات وإلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى معاودة الهجوم عليهم، وهو ثابت لم يتزعزع ومعه نفر من أصحابه . قال ابن جرير : لما اشتد المشركون على المسلمين بأحدفهزموم ، دخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها ، جمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس: إلىّ عباد الله !! فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم فقال: (( إذ تصعدون ولاتلوون على أحد والرسول يدعوكم فى أخر اكم»(١). ففى هذه الجملة الكريمة تصوير بديع معجز لحال المسلمين عندما اضطربت صفوفهم فى غزوة أحد ، فهى تصور حالهم وم مصعدون فى الوادى بدون تمهل أو تثبت، وقصور حالهم وفدأخذ منهم الدهش مأخذه بحيث أصبح بعضهم (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠١٢٣ ٣٩٩ الجزء الثالث لا يلتفت إلى غيره أو يسمع له نداء، أو يجيب له طلبا، وتصور حال النبى - صلى الله عليه وسلم - وقد ثبت كالطود الأشم بدون اضطراب أو جل ومعه صفوة من أصحابه، وقد أخذ بنادى الفارين بقوله: (( إلى عباد الله، إلى عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة» وقوله - تعالى - فأنابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم». بيان للنتيجة التى ترتبت على هذا الإضطراب، وهو معطوف على قوله ((صرفكم)) أو على قوله ((تصعدون ولا تلوون)) ولا يضركونهما مضارعين فى اللفظ لأن إذ المضافة إليهما صيرتهما ماضيين فى المعنى. وأصل الإثابة إعطاء الثواب ، وهو شىء يكون جزاء على عطاء أو فعل، ولفظ الثواب لا يستعمل فى الأعم الأغلب إلا فى الخير والمرادبه هنا العقوبة التى نزلت بهم . وسميت العقوبة التى نزلت بهم ثوابا على سبيل الاستعارة التهكمية كما فى قوله ، فبشرم عذاب أليم)). ويجوز أن يكون اللفظ مستعملا فى حقيقته، لأن لفظ الثواب فى أصل اللغة مهناه ما يعود على الفاعل من جزاء فعله، سواء أ كان خيرا أو شراً. قال القرطبى: قوله - تعالى - ((فأنا بكم غمابغم، الغم فى اللغة التغطية. يقال : غممت الشىء أى غطيته: ويوم غم وايلة غمة إذا كانا مظلمين. قال بجاه وفتاده وغيرهما والغم الأول القتل والجراح والغم الثانى الإرجاو بمقتل النبى - صلى الله عليه وسلم -: وقيل الغم الأول مافاتهم من الظفر والغنيمة، والثانى: إستعلام المشركين عليهم. وعند ذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم لا يَعْلُنَّ علينا)). والباء فى (( بغم، على هذا بمعنى على، وقيل هى على بابها. والمعنى أنهم ٤٠٠. سورة آل عمران غموا النبى - صلى الله عليه وسلم - بمخالفتهم إياه فأنابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم ..... (١) . وبحوز أن يكون الكلام لمجرد التكثير أى جازاكم بغموم وأحزان كثيرة متصل بعضها ببعض بأن منع عنكم نصره، وحرمكم الغنيمة. وأصابتكم الجراح الكثيرة ، وأشيع بينكم أن نيسكم قد قتل ... وكل ذلك بسبب أنكم خالفتم وصية نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، وتغلب حب الدنيا وشهواتها على قلوب بعضكم، فلم تخلصوالله الجهاد، فأصابكم ما أصابكم. وقوله (( لكى لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم، تعليل لقوله ((ولقد عفا عنكم)، أى: ولقد عفا الله - تعالى - عنكم لكلا تحزنوا على ما فاتكم من غنائم ونصر، ولاعلى ما أصابكم من جراح وآلام ، فإن عفو الله - تعالى - يذهب كل حزن، ويمسح كل ألم . ويرى صاحب الكشاف أن معنى ، لكى لا تحزنوا ... )) لنتمر نوا على تجرع الغموم ، فلا تحزنوا فيما بعد على فانت من المنافع ، ولا على مصيب من المضار . ثم قال: ويجوز أن يكون الضمير فى (( فأثابكم، للرسول- أى: فآساكم فى الاغتمام - أى فصار أسوتكم - لأنه كما غمكم .انزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما فقد غمه ما نزل بكم، فأنا بكم غما أى أغتم لأجلكم بسبب غم أغتممتموه لأجله، ولم يثر بكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ايسليكم وينفس عنكم لثلا تحزنوا على مافاتكم من نصرافه ولا على ما أصابكم من غلبة العدد»(٢). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ((والله خبير بما تعلمون)) أى: وانه (١) تفسير القرطى - بتصرف وتلخيص - جـ ٤ ص ٤٤٠. (٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٢٨