Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ الجزء الثالث وجدك ومعنى ,ورافعك إلى، ورافعك إلى محل كرامتى فى السماء العطف للتفسير . يقال: وفيت فلاما حقه أى أعطيته إياه وافيا، فاستوفاه وتوفاء أى أخذه كاملا . ٠ قال القرطى : قال الحسن وابن جريج: معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت، مثل توفيت مالى من فلان أى قبضته، (١). أما القول الثاني - وهو قول قلة من العلماء - فيرى أصحابه أن معنى (( إنى متوفيك ورافعك إلى)، أى: يميتك ورافع منزلتك وروحك إلى محل كرامتى ومقر ملائکی کما ترفع أرواح الأنبياء إليه - سبحابه .. فأنت ترى أن أصحاب هذا الرأى يفسرون التوفى بالإمانة ، ويقولون إن هذا التفسير هو الظاهر من معنى التوفى ويفسمون «ورافعك إلى، بمعنى رفع الروح إلى السماء. أى أن الله - تعالى - قد توفى عيسى كما يتوفى الأنفس كلها ، ورفع روحه إليه كما يرفع أرواح النبيين . والذى تسكن إليه النفس هو القول الأول لأمور: أولها : أن قوله - تعالى - فى سورة النساء ((وما قتلوه يقيناً بل رفعه انه إليه ... (٢)، يفيد أن الرفع كان يجسم عيسى وروحه، لأن الإضراب مقابل القتل والصلب الذى أرادوه وزعموا حصوله ، ولا يصح مقابلا لهما رفعه بالروح، لأن الرفع بالروح يجوز أن يجتمع معهما. ومادام الرفع بالروح لايصح مقابلا لها إذن يكون المتعين أن المقابل لهما هو الرفع بالجسد والروح ثانيها: أن هناك أحاديث متعددة، بلغت فى قوتها مبلغ التواتر المعنوى (١) تفسير القرطبى = ٤ ص ٠١٠٠ (٢) تفسير الايتان = ١٥٨٠١٥٧ (١١ - سورة آل عمران) ١٦٢ سورة آل عمران - كما يقول ابن كثير- قد وردت فى شأن نزول عيسى إلى الأرض فى آخر الزمان ليملأ هاعدلا كما ملئت جورا، وليكون حاكما بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يقتل الدجال ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية ، ويفيض المال وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين )(١) . وظاهر هذا الحديث وما يشابهه من الأحاديث الصحيحة فى شأن نزول عيسى، يفيد أن نزوله يكون بروحه وجسده كما رفعه الله إليه بروحه وجسده ١ ثالثاً: أن هذا القول هو قول جمهور العلماء، وهو القول الذى يتناسب مع ما أكرم الله - تعالى - به عيسى - عليه السلام - من كرامات ومعجزات. قال بعض العلماء ما ملخصه: وجمهور العلماء على أن عيسى رفع حيا من غيرموت ولاغفوة بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصيه له - عليه السلام - هى فى رفعه بجسده وبقائه فيها إلى الأمد المقدر له. ولا يصح أن يحمل التوفى على الإماتة لأن إمائة عيسى فى وقت حصار أعدائه ليس فيها ما يسوغ الإمتنان بها ورفعه إلى السماء جثة هامدة سخف من القول. وقد نزه أنه السماء أن تكون قبورا لجثث المونى. وإن كان الرفع بالروح فقط فأى مزيه لعيسى فى ذلك على سائر الأنبياء. والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة. فالحق أنه- عليه السعلام - رفع إلى السماء حيا بجسده. وكما كان - عليه السلام - فى مبدأ خلقه آية للناس ومعجزة ظاهرة، كان فى نهاية أمره آية ومعجزة باهرة. والمعجزات بأسرها فوق قدرة البشر ومدارك العقول ، وهى من متعلقات القدرة الإلهية ومن الأدلة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام-» (٢). (١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٥٧٨ (٢) صفوة البيان لممافى القرآن - ٢١٣،١٠٩ لفضيلة الأستاذ حسنين محمد عارف. ١٦٣ الثالث الجزء هذا، وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى للعلماء فى معنى هذه الآية الكريمة نرى من الخير عدم ذكرما لضفها وخوف الاصالة (١). ومعنى الآية الكريمة: وأذكر أيها الخطاب لتعتبر وتتعظ وقت أن قال الله - تعالى - لنبيه عيسى: «إنى متوفيك)) أى آخذك وافيا بروحك وجسدك من الأرض ((ورافعك إلى) أى ورافعك إلى محل كرامتى فى السماء لقستوفى حظك من الحياة هناك إلى أن آذان لك بالزول إلى الأرض . « وهطهرك من الذين كفروا، بإبعادك عنهم، وبانجانك مما بيتوه لك من مكرمى، وبتبرئتك مما أشاعوه عنك وعن أمك من أكاذيب وأباطيل. , وجاءل الذين إنيعوك، وهم المسلمون الذين آمنوا بك وصدقوك، وصدقوا بكل فى بعثه الله - تعالى - بدون تفرقة أنبيائه ورسله . (((فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، أى جاعل هؤلاء المؤمنين فوق الذين كفروا بك وبغيرك من الرسل إلى يوم القيامه. أى فوقهم بحجتهم، وبسلامة اعتقادهم، وبقرتهم المادية والروحية إلى يوم القيامة . فالمراد بأنباع عيسى هم الذين أخلصوا لله - تعالى - عبادتهم، وأقروا بوحدانيته - سبحانه -، ويزهو ا عيسى عن أن يكون ابن اللّه أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من الأناويل الباطلة. والمراد بالفوقيه ما يتناول الناحيتين الروحية والمادية، أى ثم فوقهم بقوة إيمانهم، وحسن إدراكهم، وسلامه عقولهم، وهم فوقهم كذلك إشجاعتهم وحسن اخذهم لأساب الى شرعها الله - تعالى - كوسائر النصر والفوزولدا قال صاحب الكشاف قوله «فوق الذين كفروا إلى يوم القيامه» (١) تفسير راجع تفسير الآوسى جـ ، ص ١٧٩. وتفسير الفخر الرازى ج ٨ س ٧١ ٠ ١٦٤ سورة آل عمران أى يعلونهم بالحجة وفى أكثر الأحوال بها وبالسيوف. ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه فى أصل الإسلام: إن إختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه والذين كذبوا عليه من اليهود والنصارى ، (١) . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ، ثم إلى مرجعكم وأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون » . أى : ثم إلى الله مرجعكم ومهتيركم أيها الناس فيتولى - سبحانه - الحكم العادل بينكم فيما كنتم تختلفون فيه فى ديناكم من شئون دينية أو دنيوبة . ثم فصل سبحانه - هذا الحكم الذى سيحكم به على عباده يوم القيامة فقال: ((فأما الذين كفروا)، بى وما يجب الإيمان به ((فأعذبهم عذاباً شديدا فى الدنيا والآخرة .. أى فأعذبهم عذابا شديدا فى الدنيا بإيقاع العداوة والبغضاء والحروب بينهم ، وبما يشبه ذلك من هزائم وأمراض وشقاء نفس لا يعلم مقدار ألمه إلا الله - تعالى ، وأما فى الآخر، فيساقون إلى عذاب النار وبئس القرار. وقد أكد - سبحانه - شدة هذا المذاب بعدة تأكيدات منها نسبة العذاب. إليه - سبحانه - وهو القوى القهار الغالب على كل شىء ,ومنها التأكيد بالمصدر ومنها الوصف بالشدة، ومنها الإخبار بأنه لا ناصر لهم ينصرهم من هذا العذاب الشديد فى قوله - تعالى - ((وما لهم من ناصرين، أى ليس لهم من ناصر أيا كان هذا الناصر ، وأيا كانت نصرته ولو كانت نصرة ضئيلة لاوزن لها ولا قيمة. هذا هو جزاء الكافرين، وأما جزاء المؤمنين فقد بينه - سبحانه -بقوله» ((وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم،. أى فسيعطيهم - سبحانه - بفضله وإحسانه بسبب إيمانهم وعملهم الصالح (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٦٧ ١٦٥ . الجزء الثالث أجورهم كاملة غير منقوصة، من ثواب جزيل ، وجنات تجرى من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة، ورضوان من الله أكبر من كل ذلك . ففى هذه الجملة الكريمة بشارة عظمى للمؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا على طريقه . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: «والله لا يحب الظالمين). أى أنه - سبحانه - عادل فى أحكامه، وبكره الظلم والظالمين الذين. لا يضعون الأمور فى مواضعها. ومن أخش أنواع الظلم ما تقوله أهل الكتاب على عيسى - عليه السلام-، فقد زعم بعضهم أنه ابن الله، وزعم فريق آخر أنه ثالث ثلاثة ، وافترى عليه اليهود وعلى أمه مريم البتول المفتريات التى برأهما الله - تعالى - منها. أما الذين آمنوا فقد قالوا فى عيسى وأمه قولا كربما، ولذلك كافأهم الله - تعالى - بما يستحقون من ثواب . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا جابنا من فضائل عيسى - عليه السلام -، وبينت الناس جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين حتى بثوبوا إلى رشدهم ويملكوا الطريق القويم. وبعد أن حكى الله - تعالى - فى الآيات السابقة ولادة عيسى - عليه السلام- وما أجراه على يديه من معجزات، وما أكرمه به من مكرمات ، وكيف كان موقف بنى إسرائيل منه، وكيف أبطل الله مكرهم وخيب سعيهم، إذ رفعه إليه وطهره من أقوالهم الباطلة وأفعالهم الأثيمة، وقوعد أعداءه بالعذاب الشديد، ووعد أتباعه بالثواب الجزيل ... بعد أن حكى القرآن كل ذلك ختم حديثه عن عيسى - عليه السلام - ببيان حقيقة تكوينه ، وبإزالة وجه الغرابة فى ولادته ، وبتلفين النبى - صلى الله عليه وسلم - الرد الصحيح على كل مجادل فى شأن عيسى - عليه السلام - استمع إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه المعجز فيقول : ١٦٦ سورة آل عمران - (( ذَلِكَ نتلوه عَلَيْكَ من الآياتِ والفُ كْرِ الحكيم (٥٨) إذ مثْلَ عِيسَى عند القُهِ كَثَلِ آدَمَ خلقَه مِنْ ترابٍ ثم قالَ لهُ كُنْ فِيكُوذُ (٥٩) الحقُّ مِنْ رَبَّكَ فَلَّ تمكن مِنَّ المتَرِين (٦٠) فَنْ حاجَكَ فيه مِنْ بَعْدٍ ما جاءِكَ منَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَلَوْا ندعُ أَينَءَنَا وَأَبناءَ كُمْ وَنساءناً ونساءً كم وأَنفسَ وأَنْفُسَكُمْ ثم ◌َبَمِلْ فَنَجْمُلْ لَمْتَ الُهِ عَلَى الْكَاذِبِيزَ (٦١) إذَّ هَذا لحُوَّ القَصَصُ الحقُّ وما مِنْ إلىٍ إلاَّ اللهَ وإنَّ اللهَ لَهُوّ العزِيزُ الحكيمُ (١٢). فإِنْ تَوَلَّوا فإنَّ اللهَ عليمٌ بالمفسدينَ (٦٣))). وقوله - تعالى - ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم، اسم الإشارة فيه وهو، ذلك، مشار به إلى المذكور من قصة آل عمران، وقصة مريم وأمها ، وقصة زكريا وندائه لربه، وقصة عيسى وما أجراه الله - تعالى- على يديه من معجزات وما خصه به من كرامات .... أى ذلك القصص الحكيم الذى قصصناه عليك يا محمد « نتلوه عليك، أى نقصه عليك متتابما بعضه تلو بعض من غير أن يكون لك إطلاع سابق عليه. فأنت لم تكن معاصراً لهؤلاء الذين ذكرنا لك قصصهم وأحوالهم ، وهذامن أكبر الأدله على صدقك فيما تبلغة عن ربك . وقوله (( ذلك، مبتدأ، وقوله , فتلوه عليك .. ، خبره . وقوله ((من الآيات)، حال من الضمير المنصوب فى ((قتلوه)). والمراد بالآيات الحجج الدالة على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم -. وقوله (( والذكر الحكيم)) أى والقرآن المحكم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمشتمل على الحكم التى من شأنها أن تهدى الناس إلى ما يسعدهم متى أتبعوها. وقيل المراد بالذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذى: نقلت منه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. ثم بین - سبحانه - أن خلق عيسى من غير أب ليس مستبعدا ١٦٧ : الجزء الثالث . انه - تعالى -، فقد خلق آدم كذلك فقال ــ «إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون». والمثل منا: بمعنى الصفة والحال العجيبة الشأن ، ومحل التمثيل كون كليهما قد خلق بدون أب، والشىء قد يشبه بالشىء متى اجتمعا ولو فى وصف واحد . والمعنى: إن شأن عيسى وحاله الغربية ((عند الله)) أى فى تقديرة وحكمه «كمثل آدم، أى كصفته وحاله العجيبة فى أن كليهما قد خلقه الله - تعالى - من غير أب ، ويزيد آدم على عيسى أنه خلق بدون أم - أيضا - . فالآية الكريمة زد رداً منطقيا حكيما بهدم زعم كل من قال بألوهية المسيح أو اعتبره ابن الله ... وكأن الآية الكريمة تقول لمن أدعى ألوهية عيسى لأنه خلق من غير أب: أنه إذا كان وجود عيسى بدون أب يسوغ لكم أن تجعلوه إلها أو ابن إله: فأدلى بذلك ثم أولى آدم ، لأنه خلق من غير أب ولا أم . ومادام لم يدع أحد من الناس ألوهية آدم لهذا السبب ، فبطل حينئذ القول بألوهية عيسى لانهيار." الأساس الذى قام عليه وهو خلقه من غير أب . ولأنه إذا كان الله - تعالى - قادرا على أن يخلق إنسانا بدون أب ولا أم. فأولى ثم أولى أن يكون قادرا على خلق إنسان من غير أب فقط . ومن أم هى مريم التى قولاها - سبحانه - برعايته وصيانته لها من كل سوء وجعلها وعاء لهذا التى الكريم عيسى - عليه السلام -. قال صاحب الكشاف: وقوله «خلقه من تراب، جملة مفسرة لما قبلها شبه عيسى آدم أى الأمر الذى لأجله كان ذلك التشبيه - أى خلق آدم من تراب ولم يكن نمة أب ولا أم. وكذلك حال عيسى («فإن قلت: کیف شبه بهوقد و جد. هو مز غير أب ووجد آدم من غير أب وأم؟ قلت: هو مثيله فى أحد الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشيهه به لأن المماثلة مشاركا ١٦٨ سورة آل عمران فى بعض الأوصاف، ولأنه شبه به لأنه وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، وهما فى ذلك فظيران، ولأنه الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق العادة من الوجود بغير أب ، فشبه الغريت بالأغرب؛ ليكون أقطع الخصم، وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيم هو أغرب مما استغربه،(١). وقوله ( ثم قال له كن فيكون) تصوير لخلق الله - تعالى -آدم من تراب أى أراد - سبحانه - أن يوجد آدم فصوره من طين ثم قال له حين صوره بشرا فصار كاملا روحا وجدا كما أمر - سبحانه -. فالجملة الكريمة تصور نفاذ قدرة الله، تصويرا بديعا، يدل على أنه - سبحانه - لا يعجزه شيء فى هذا الكون . وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء فى «فيكون ، دون الماضى بأن يقول ((فكان))، لأن التعبير بالمضارع فيه تصوير وإخضار الصورة الواقعة كما وقعت ، ومن جهة أخرى فإن صيغة المضارع فى هذا المقام تنى. عما كان، وتومى. إلى ما يكون بالنسبة لخلق الله - تعالى - المستمر فى المستقبل كما كان فى الماضى . ثم بين - سبحانه - أن ما أخبر به عباده فى شأن عيسى وغيره هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل فقال - تعالى - ,الحق من ربك فلا تكن من الممترين ، . والامتراء: هو الشك الذى يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق . وهو - كما يقول الرازى - مأخوذ من قول العرب مريت الناقة والشاة إذا أردت حلبها ، فكأن الشاك يجتذب بشكل مراء كاللبن الذى يجتذب عند الحلب . يقال: قد مارى فلان فلانا إذا جادله كأنه يستخرج غضب (٢. (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٦٧. (٢) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٨٠. ١٦٩ الجزء الثالث والمعنى: هذا الذى أخبر ناك عنه يا محمد من شأن عيسى ومن شأن غيره هو الحق الثابت اليقينى الذى لا مجال للشك فيه، وما دام الأمر كذلك فأنبت على ما أنت عليه من حق ، ولا تكونن من الشاكين فى أى شىء ما أخبر: ك به. وقد أكد - سبحانه - أن ما أوحاه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - هو الحق بثلاثة تأكيدات: أولها: بالتعريف فى كلمة ((الحق، أى ما أخبر ناك به هو الحق الثابت الذى لا يخالطه باطل . ثانيها: بكونه من عنده -سبحانه.، وكل شىء من عنده فهو صدق لا ريب فيه . ثالثها: بالنهى عن الامتراء والفك فى ذلك الحق، لأن من شأن الأمور الثابتة أن يتقبلها العقلاء بإذعان وتسليم وبدون جدل أو امثراء. قال الآلوسي: وقوله (( فلا تكونن من الممترين.)) خطاب له - صلى الله عليه وسلم - ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه - عليه الصلاة والسلام - بل ذكروا فى هذا الأسلوب فائدتين: إحداهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد فى الثبات على اليقين نورا على أور. وثانيتهما: أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع ويزجز عما يورث الامتراء ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - مع جلالته التى لا تصل إليها الأمانى - إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره ؟ ففى ذلك ثبات له صلى الله عليه وسلم - ولطف بغيره))(١) . ثم لقن الله تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - الجواب الذى يقطع "السلن المجادلين بالباطل في شأن عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى -: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ... ألخ ،: قال الفخر الرازى : اعلم أنه « سبحانه ، بين فى أول هذه السورةوجوها (١) سورة الآلوسي = ٣ ص ٠١٨٧ ١٧٠ سورة آل عمران من الدلائل القاطعه على فساد قول النصارى بالزوجة والولد ، وأنيعها بذكر الجواب على جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام ، وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم، وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين لآدم أن يكون ابنائه فكذلك لا يلزم من عدم الأب البشرى لعبسى أن يكون أبنائقه؛ ولما لم يبعد خلق آدم من التراب لم يبعد أيضا خلق عيى من الدم الذى كان يجتمع فى رحم أم عيسى. ومن أنصف وطلب الحق على أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى. فعند ذلك - قال سبحانه ـ((فن حاجك، بعد هذه الدلائل الواضحة واجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاقد؛ وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة ... ، (١). والفاء فى قوله , فما حاجك، للتفريع على قوله - تعالى - «الحق من ربك ... )، وقوله (( من)) الراجح فيها أنها شرطية. وقوله (( حاجك)) من الحاجه وهى تبادل الحجه والمجادلة بين شخص وآخر . والمعنى: فمن جادلك وخاصرك، يا محمد، من أهل الكتاب , فيه، أى فى شأن عيسى - عليه السلام - بأن زعموا أنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من الأقاويل الكاذبة فى شأنه ، ! وقوله (( من بعد ما جاءك من العلم)، أى فمن جادلك فى شأن عيسى من بعد الذى أنزلناه إليك وقصصناه عليك فى أمره، فلا تبادله المجادلة ، فإنه معاند لا يقنعه الدليل مهما كان واضحا، ولكن قل له ولأمثاله من الضالين: (( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ). وقوله « تعالوا، اسم فعل أمر الطلب القدوم. وهو فى الأصل أمر من تعالى يتعالى ((كترامى يترامى، إذا قصد العلو. فكأنهم أرادوا به فى الأصل (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٠٨٢ ١٧١ الجزء الثالث أمرا بالصعود إلى مكان عال تشريفا للمدعو ، ثم شاع حتى صار لمطلق الأمر بالقدوم أو الحضور . وقوله . ثم نبتهل)) أى تتباهل ونتلاعن. فالاتعال هنا بمعنى المفاعلة أى بأن نقول: بهلة الله على الكاذب منا ومنكم . والبهلة والبهلة - بفتح الباء وضمها - اللعنة. يقال بهله اللّه بيهله بهلا، لعنه وأبعده من رحمته، ثم شاعت فی کل دعاء مجتهد فيه وإن لم یکن التعاما . . والمعنى : فإن جادلك أهل الكتاب فى شأن عيسى من بعد أن أخبرك ربك بما هو الحق من أمر، فقل لهم ((تعالوا، أى أقبلوا أيها المجادلون إلى أمر يعرف فيه الحق من الباطل ، وهو أن ندعو نحن وأنتم الأبناء والنساء ثم مجتمع جميعا فى مكان واحد ، ثم نتضرع إلى الله ونبتهل إليه بأن يجعل لعنته على الكاذبين فى دعواهم المنحر فين عن الحق فى اعتقادهم . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد لقنت النبي - صلى الله عليه وسلم - الجواب الحاسم الذى يخرس ألسنة المجادلين فى عيسى، ويتحدام - إن كانوا صادقين - أن يقبلوا هذه المياهلة، ولكنهم نكصوا على أعقابهم فثبت كدبهم وضلالهم. وهذه الآية الكريمة تسمى بآية المباهلة ، وقد ذكر العلماء أنها نزلت الرد على نصارى نجران الدين جادلوا النبى - صلى الله عليه وسلم - فى شأن عيسى - عليه السلام - . ٠ قال ابن كثير ما ملخصه . وكان سبب نزول هذه المباهلة وماقبلها منأول السورة إلى هنا فى وفد نصارى نجران حين قدموا المدينة ، جعلوا يحاجون فى عيسى وبوعمون فيه مايزعمون من البنوة والألوهية ، فأنزل صدر هذه السورة ردا عليهم ... وكانوا ستين راكبا منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم وم : العاقب أميرهم وأسمه عبد المسيح ، والسيد صاحب رحلهم وأسمه الأبهم ، سورة آل عمران وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم. وفى القصة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما أقاه الخبر من الله - تعالى -، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم. دعام إلى المباهلة فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر فى أمرنا .. ثم خلوا بالعاقب فقالوا. باعبد المسيح ماذا ترى؟ فقال. والله يا معشر النصارى لقد عرفتم إن محمدا لنى مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه مالا عن قوم نيا قط . فيقى كبيرهم ولا فيت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم .... فأتوا النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالوا. يا أبا القاسم قد رأينا أن لا فلاعنك وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، فلم يلا عنهم ـ صلى اللّه عليه وسلم - وأقرم على خراج يؤدونه إليه . وروى الحافظ ابن مردو به عن جابر قال: قدم على النبى - صلى الله عليه وسلم - العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن بلاعناه الغداة. قال: فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأخذ بيد على وفاطمة. والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فابيا أن يحيبا وأقراله بالخراج. قال. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذى بعثنى بالحق أو لاعنا لأمطر عليهم الوادى نارا . ثم قال . وروى البخارى عن حذيفة قال . جاء العاقب والسيد صاحب نجران إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدان أن يلاعناء قال: فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل، فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، ثم قالا للنى - صلى الله عليه وسلم -: إنا نعطيك ما سألتنا، وأبعث معنا رجلا أمينا .. فقال: لأ بعثن معكم رجلا أمينا حق أمين. فاستشرف لها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح: فلما قام قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا أمين هذه الأمة١١). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٦٨. ١٧٣ الجزء الثالث وقال صاحب الكشاف: فإن قلت، ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه رمن خصمه ، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والسماء؟ قلت : ذلك آ كد فى الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمة حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المبادلة. وخص الأبنا والنساء، لأنهم أعر الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل . ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الفاهائن فى الحروب لتمنعهم من الهرب ... وفى الآية دليل واضح على صحة نبوة النى - صلى الله عليه وسلم - لأنه لم يرو أحد من مرافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك ، (١) . ثم أكد - سبحانه - صدق ما أخبر به عن عيسى وغيره فقال: « إن هذا هو القصص الحق ، وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم)). أى أن الذى قصصناه عليك وأخبر ناك به یا محمد من شأن عيسى ومن كل شأن من الشئون لهو القصص الثابت الذى لا مجال فيه لإفكار منكر ، ولا لتشكيك متشكك . وقد أكد -- سبحانه - صدق هذا القصص بحرف إن وباللام فى قوله ((لهو)، وبضمير الفصل «هو، وبالقصر الذى تضمنه تعريف الطرفين وذلك ليكون الرد حاسما على كل منكر ما أخبر الله به فى شأن عيسى - عليه السلام -، وفى كل ماقصه على نبيه - صلى الله عليه وسلم -. (١) تفسير الكشاف = ٣ ص ١٦٩ ١٧٤ سورة آل عمران وقوله ( وما من إله إلا الله .. ، ففى قاطع لأن يكون هناك إله سوى الله - تعالى - وإثبات بأن الألومية الحقه إنما هى لله رب العالمين. وقد أكد - سبحانه - ففى الألوهية عن غيره بكلمة ((من، المفيدة الاستغراق النفى إستغراقا مستمرا نابتا مؤكدا. وقوله(( وما من إله إلا أنته، « ما، مافية، و«إله، فى قوله ((من إله، مبتدأ و((من)) (زبدة فيه، و((إلا الله) خبره والتقدير: وما إله إلا اقه، وزيدت من الاستغراق والعموم . وقوله ((وإن الله لهو العزيز الحكيم، تذييل قصد به تأكيد قصر الألوهية على الله - تعالى - وحده أى وإن الله - تعالى- لهو المنفود بالألوهية وحده ، لأنه هو الغالب الذى يقهر ولا يقهر ؛ الحكيم فى كل ما يحلقه ويدبره . وفى هذا التذييل أيضا رد على أولئك الضالين الذين يزعمون أن المسيح إله ، ويعتقدون مع ذلك أنه صلب ولم يستطع أن يدافع عن نفسه. ثم ختم - سبحانه -- تلك المحاجة بقوله: « فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين». ء أى فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات البينات والحجيج الواضحات التى أخبرناك بها وقصصناها عليك، فانذرهم بسوء العاقبة، وأخبرهم أن الله - تعالى - عليم بهم، وبما يقولونه ويفعلونه من فساد فى الأرض، وسيعاقبهم على ذلك العقاب الأليم . فقوله ((فإن الله عليم بالمفسدين، قائم مقام جواب الشرط، أى فإن قولوا فأخبرهم بأنهم مفسدون وأن لهم سوء العفى لأن الله عليم بإفسادهم ولن يتركهم بدون عقوبة . وهذه الجملة الكريمة تتضمن فى ذاتها تهديدا شديداً لهؤلاء المجادلين بالباطل ١٧٥ الجزء الثالث في شأن عيسى - عليه السلام - ولكل من أعرض عن الحق الذى جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الله - تعالى - ليس غافلا عن إفساد المفدين، وإنما يأخذم أخذ عزيز مقتدر . وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت بأسلوب معجز حكم جانبامن قصة آل عمران حدثقنا عما كان من امرأته أم مريم، وما قالته عندما حملت بها، وما قالته بعد ولادتها، وما أكرم الله به مريم من رعايتها بالتربية الحسنة وبالرزق الحسن ، ثم ما كان من شأن ز كربا وتضرعه إلى الله أن يهبه الذرية الصالحه واستجابة الله له وتبشيره بولادة يحيى ، ثم ما كان من شأن مريم وتبشيرها باصطفاء الله لها وأمرها بالمداومة على طاعته، ثم قبشيرها بعيسى وتعجبها لذلك والرد عليها بما يزيل هذا العجب ، ثم ما كان من شأن عيسى -عليه السلام - وما وصفه به من صفات كريمة، وما منحه من معجزات باهرة تشهد بصدقة فى رسالته، ما جعل الحواريين يؤمنون به ، أما الا كثرون من بنى إسرائيل فقد كفروا به ودبروا له المكايد فأبجاه اله من مكر هم ورفعه إليه وظهره منهم ... ثم بين القرآن أن عيسى عبد الله ورسوله، وأن هذا هو الحق ، وقد تحدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل من تازعه فى ذلك بالمباهلة ولكن المجادلين نكصوا على أعقابهم، فثبت صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه . وبذلك يكون القرآن قد بين الحق فى شأن عيسى - عليه السلام - بيانا يهدى القلوب، ويقنع العقول ، ويحمل النفوس على التدبر والاعتبار، وإخلاص العبادة لله رب العالمين. ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء عاما إلى أهل الكتاب ، دعاهم فيه - فى بضع آيات متواليه - إلى عبادة الله وحده، إلى ترك الحاجة الباطلة فى شأن الأنبياء ١٧٦ سورة آل عمران - عليهم الصلاة والسلام - وإلى الاقلاع عن الكفر بآيات الله وعن تلبيس الحق بالباطل، وعن كنمان الحق مع علمهم بأنه حق ... إستمع إلى القرآن وهو يسوق هذه النداءات داعيا أمل الكتاب إلى كلمة الحق فيقول : (( قُلْ يَا أَهْلَ الكتابِ تعالَوْا إلى كلمةٍ سواءِ بينا وبينكُ، أَلاَّ تَتْهَ إلا اللهَ ولا نُشْرِكُ به شيئاً، ولا يتخِذَ بعضُئاً بعضاً أرباباً من دُونِ اللهِ، فإنْ تولَّوْا فقولُوا اشهدُوا بأنَّا مُسْلِونَ (٦٤) يا أهل الكتابِ لمّ تحاجُّونَ فى إبرامِيمَ وما أُنْزِلَتِ التوراةُ والإنجيلُ إلَّ مِنْ بَعْدِ، أَفَلاَ تعقلونَ (٦٥) ها أَثُ مؤلاء حاجَجْتُم فيما لكُمُ به علمٌّ فِلِمَ تحاجُونَ فيا ليسَ الحُبِه علْمٌّ وَاللهُ يُعلَمَ وأَنتُم لا تعلمونَ (٦٦) ما كانَ إبراهيمُ يهودياً ولا نَصْرَانياً ولكنْ كان حنيفاً مُسْلِماً وما كان من المشْرِكِينَ (٦٧) إنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإبراهيمَ لَلَّذِينَ النَّبُعُوهُ وهذا النبيُّ والذِينَ آمَنُوا، واللهُ ولِيُ المؤمنِنَ (٦٨) وَدَّتْ طائقَةٌ من أهل الكتابِ لو يُضِلونَكُم وما يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهم وما يُشْعُرُونَ (٧٩) يا أهل الكتابِ لم تكفُرُونٌ بآياتِ اللهِ وأَثُم ◌َشْهِدُونَ (٧٠) يا أهل الكتاب لم تلبِسُونَ الحقّ بالباطلِ وتكْتُونَ الحَقِّ وَأَثُم تَعَونَ (٧١))) . فأنت ترى أن القرآن الكريم قد وجه إلى أهل الكتاب أربع نداءات فى هذه الآيات الكريمة، أما النداء الأول فقد طلب منهم فيه أن يتوبوا إلى رشدهم، وأن يخلصوا فته العبادة، فقال، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ... ،. والسواء: العدل والنصفة . أى قل بامحمد لأهل الكتاب: علموا وأقبلوا إلى كلمة ذات عدل وإنصاف بيننا وبينكم. ١٧٧ الجزء الثالث أو السواء: مصدر بمعنى مستوية أى هدوا إلى كلمة لاتختلف فيها الرسل والكتب المنزلة والعقول السليمة لأنها كلمة عادلة مستقيمة ليس فيها ميل عن الحق . ثم بين - سبحانه - هذه الكلمة العادلة المستقيمة التى هى محل إتفاق بين الأنبياء فقال: (( ألا نعيد إلا الله، أى نترك نحن وأنتم عبادة غير الله، بأن تفرده وحده بالعبادة والطاعة والإذعان . ((ولا نشرك به شيئا، أى ولا نشرك معه أحداً فى العيادة والخضوع ، بأن تقول: فلان إله، أو ابن إله، أو أن الله ثالث ثلاثة. (((ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله، أى ولا يطيع بعضنا بعضا فى معصية الله . قال الألومى: ويؤيده ما أخرجه الترمذى وحسنه من حديث عدى بن حاتم أنه لما نزلت هذه الآية قال: ما كنا نعبدهم يارسول الله. فقال - صلى الله عليه وسلم -: أما كانوا تحلون لكم وبحرمون فتأخذون بقولهم ؟ قال: نعم فقال - صلى الله عليه وسلم -: هو ذاك. قيل وإلى هذا أشار - سبحانه - بقوله: ((إنخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً لا إله إلا هو .... (١). فالآية الكريمة قد تهت الناس جميعا عن عبادة غير الله، وعن أن يشرك معه فى الألوهيه أحد من بشر أو حجر أو غير ذلك ، وعن أن يتخذ أحد ١ من البشر فى مهام الرب - عز وجل - بأن يقبع فى تحليل شىء أو بحريمه إلا فيما حلله الله أو حرمه. ، ولقد كانت رسالة الأنبياء جميعامتققة فى دعوة الناس إلى عبادة الله وحده وقد حكى القرآن فى كثير من الآيات هذا المعنى. ومن ذلك قوله - تعالى -: ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت .... (٢) (١) تفسير الالوسى ج ٣ ص ١٩٣ (٢) سورة النحل الآية ٢٦. (١٢ - سورة آل عمران) ١٧٨ سورة آل عمران وقوله - تعالى -: ((وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)، (١). ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى ما يجب عليهم أن يقولوه إذا مالج الجاحدون فى طغيانهم فقال: ((فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون). أى فإن أعرض هؤلاء الكافرون عن دعوة الحق، وإنصرفواعن موافقتكم بسبب ماهم عليه من عناد وجحود، فلا تجادلوهم ولا تحاجوم، بل قولوالهم: أشهدوا بأنا مسلمون مذعنون لكلمة الحق ، بخلا فكم أنتم فقد رضيتم بما أنتم فيه من باطل. قال صاحب الكشاف وقوله ((فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون)، أى لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم. وذلك كما يقول الغالب المغلوب فى جدال أو صراع أوغيرهما : أعترف بأنى أنا الغالب وسلم لى بالقلبة. وبحوز أن يكون من باب التعريض ومعناه: أشهدوا واعترفوا. بانكم كافرون حيث قوليتم عن الحق بعد ظهوره، (٢) .. هذا، وتعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات الى تهدى الناس إلى . طريق الحق بأسلوب منطقى رصين، ولذا كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يكتبها فى بعض رسائله التى أرسلها إلى الملوك والرؤساء ليدعوهم إلى الإسلام فقد جاء فى كتاب النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل - ملك الروم -: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من أنبع الهدى . أما بعد: فإنى أدعوك بدعاية الإسلام . أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. ((ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا الخ الآية» (٣). (١) سورة الأنبياء الآية ٢٥. (٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٣٧١ (٣) تفسير القرطبي ج٤ ص١٠٥ والأربون هم: العمال والفلاحون وعامة الشعب ١٧٩ الجزء الثالث وأما النداء الثانى الذى إشتملت عليه هذه الآيات ، فقد تضمن نهى أهل لكتاب عن الجدال بالباطل فى شأن إبراهيم - عليه السلام -، قال - تعالى - «أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم وما أنزلت التوراة الإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ). ... قال ابن جرير : عن ابن عباس قال: إجتمعت نصارى نجران وأحبار جهود عند رسول الله فتنازعواعنده. قالت الأخبار: ما كان إبراهيم الايهوديا وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فانزل الله - تعالى - فيهم : (يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم .. الآية)) (١). وقوله «تحاجون، من المحاجة ومعناها أن يتبادل المتخاصمان الحجة بأن يقدم كل واحد حجة ويطلب من الآخر أن يرد عليها . والمعنى: لا يسوغ لكم يا معشر اليهود والنصارى أن تجادلوا فى دين إبراهيم وشريعته فيدعى بعضكم أنه كان على الديانة اليهودية، ويدعى البعض الآخرانه كان على الديانة النصرانية، فإن التوراة والإنجيل ما نزلا إلا من بعده بأزمان طويلة، فكيف يكون هوديا يدين بالتوراة مع أنها ما نزلت إلامن بعده ، أو كيف يكون نصرانيا يدين بالإيجيل مع أنه ما نزل إلا من بعده ، بآلاف السنين؟ إن هذه الحاجة منكم فى شأن إبراهيم ظاهرة البطلان واضحة الفساد . وقوله ( أفلا تعقلون)) أى أفلا تعقلون با أهل الكتاب هذا الأمر البدهى وهو أن المتقدم عن شع. الكل أ، يكون تابعا لمشى المتأخر عنه؟ فالاستفهام لتويخهم و خهيلهم فى دعواهم أن إبراهيم - عليه السلام - كان هو دبا أو نصر انيا. ٠١/ قد ان حد حـ ٢ ص ٣٠٥ طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٩٥٤ ١٨٠ سوزة آل عمران ثم بين ـ سبحانه ـ مظهرا آخر من مظاهر مخالفة أهل الكتاب لمقتضيات العقول السليمة وهو أنهم يجادلون فى أمر ليس عندهم أسباب العلم به فقال - تعالى -: « ما أتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس به علم ..... والمعنى: أنتم يا معشر أهل الكتاب جادلتم وبادلتم الحجة - -واء أكانت صحيحة أم فاسدة فى أمر لكم به علم فى الجملة، كجدالكم فيما وجد تموه فى كتبكم من أمر موسى وعيسى - عليهما السلام -، أو كجدالكم فيما جاء فى التوراة والإنجيل من أحكام، ولكن كيف أبحتم لأنفسكم أن تجادلوا فى أمر ليس. لكم به علم أصلا، وهو جدالكم فى دين إبراهيم وشريعته؟ لأنه من البديهى أن إبراهيم ما كان يهودياولا نصر انيا إذ وجوده سابق على وجودهما بأزمان طويلة . وإذن نجدالكم فى شأن إبراهيم هو لون من ألوان جهلكم ومخالفتكم لكل ما تقتضيه العقول السليمة ، والنفوس المستقيمة . وقوله - تعالى - ((ما أنتم هؤلاء حاججتم) ها حرف تنبيه، وأنتم مبتدأ، وهؤلاء منادى بحرف نداء محذوف (وحاججتم ) خبر المبتدأ أنتم . والتقدير : أنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم ... ويرى صاحب الكشاف أن قوله ( أنتم) مبتدأ و ( هؤلاء) خبره. و(حاججتم) جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى. والمعنى : أنتم هؤلاء الأشخاص ألحقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم ( فيما لكم به على) ما نطق به التوراة والإنجيل، (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) ولا ذكر له، فى كتابيكم من دين إبراهيم .. ومعنى الإستفهام التعجب من حافتهم .. )(١). (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٧١