Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ الجزء الثالث قال الآلوسي ما ملخصه: ((والمحراب - على ماروى عن ابن عباس - غرفة بنيت لها فى بيت المقدس ، وكانت لايصعد إليها إلا بسلام. وقيل المراد به المسجد إذ قد كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وقيل المراد به أشرف مواضع المسجد ومقدمها وهو مقام الإمام من المسجد. وأصله مفعال: صيغة مبالغة - كطعان - فسمى به المكان، لأن المحار بين نفوسهم کثیرون فیه و « كلما ، ظرف على أن «ما، مصدرية، والزمان محذوف أو فكرة موصوفة معناها الوقت، والعائد محذوف والعامل فيها جوابها . والمعنى: كل زمان دخل عليها أو كل وقت دخل عليها فيه ((وجد عندها وزقا ، أى أصاب ولقى بحضرتها ذلك أو وجد ذلك كائنا بحضرتها. أخرجه ابن جرير عن الربيع قال : إنه كان لا يدخل أحد سوى زكريا فكان بحد عندما فاكهة الصيف فى الشتاء، وفاكهة الشتاء فى الصيف ، والتنوين فى «رزقاً، للتعظيم ... (١). وهذا دليل على قدرة الله - سبحانه - على كل شىء، وعلى رعايته لمريم، فقد رزقها - سبحانه - من حيث لا تحتسب، ودليل على وقوع الكرامة لأولیائه. تعالى .. ولقد كان وجود هذا الرزق عند مريم دون أن يعرف زكريا - عليه . السلام - مصدره، مع أنه لا يدخل عليه أحد سواء، كان ذلك محل عجبه، لذا حكى القرآن عنه أنه: «قال يامريم أنى لك هذا، أى: من أين لك هذا الرزق العظيم الذى لا أعرف سببه ومصدره. و((أنى، هنا بمعنى من أين. والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر، كأنه قبل: فماذا قال زكريا عند مشاهدة هذا الرزق؟ فكان الجواب: قال يامريم من أين لك هذا. ولقد كانت إجابة مريم على زكريا تدل على قوة إيمانها ، وصفاء نفسها. (١) تفسير الألوسى ج ٣ ص ١٣٩. ١٢٢ سورة آل عمران فقد أجابته بقولها - كما حكى القرآن عنها - ((قالت هو من عند الله، أى: قالت له إن هذا الرزق من عند الله - تعالى - فهو الذى رزقنى إياه وساقه إلى بقدرته النافذة . وقوله - تعالى - ((إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) جملة تعليلية. أى إن الله - تعالى - يرزق يشاء أن يرزق رزقا واسعا عظيما لايحده حد، ولا تجرى عليه الأعداد التى تنتهى، فهو . سبحانه - لا يحاسبه محاسب، ولا تنقص خزائنه من أى عطاء مهما كثر وعظم . وهذه الجملة الكريمة يحتمل أنها من كلام الله - تعالى - فتكون مستأنفة، ويحتمل أنها من كلامها الذى حكاه القرآن عنها ، فتكون تعليلية فى محل نصب. داخلة نحت القول . هذا، وفى تلك الآيات التى حكاها القرآن عن مريم وأمها زى كيف يعمل الإيمان عمله فى القلوب فينقيها ويصفيها ويحررها من رق العبودية لغير الله الواحد القهار، وكيف أن الله - تعالى - يتقبل دعاء عباده الصالحين، وينبتهم نباتا حسنا، ويرعاهم برعايته . ويرزقهم من حيث لا يحتسبون . ولقد كان مارآه زكريا - عليه السلام - من أحوال مريم من الأسباب التى جملته - وهو الشيخ الهرم - يتضرع إلى الله أن يرزقه الذرية الصالحة، وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال - تعالى -: ((هُنَلِكَ دعاَ ذكرِ يًّا رَبَّهُ، قَالَ رَبُّ هَبْ لَى مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيّةً طِيْبَةً إِنَّكَ سَميعُ الدَّعَاءِ (٣٨) فَتَادَتَهُ المَائِكَةُ وهُوَ قَأْمٌ يُصَلِّى فى المحرَّابِ أَنَّ الله يُبَشِّرُكَ بِيَحْيِ مُصَدِّقًا بَكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وحَصُوراً ونَبِيًّا مِنَ الصَّالِينَ (٣٩) قَالَ رَبٌ أَنَّى يَكونُ لى غُلاَمٌ، وقد بَلَغَنِىَ الكِبَرُ واْرَأَ فِى عَقِرُ؟ قَالَ كَذَلِكَ اللّه يَفْعَلُ ما يشاء (٤٠) ١٢٣ الجزء الثالث = قالَ رَبِّ اجْعَلْ لى آيةً قَالَ آينُكَ أَلَّ تَكُلِّم الناسَ ثلاثةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً، واذكرْ رَبُّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِىِّ والإِبْكَارِ (٤١)» . قوله - تعالى -,هنالك دعا زكرياربه ... ، كلام مستأنف ، وقصة مستقلة، سيقت فى تضاعيف قصة مريم وأنها لما بينهما من قوة الارتباط ، وشدة الاشتباك، مع ما فى إيرادها من تقرير ما سيقت له قصة مريم وأمها من بيان اصطفاء آل عمران . و((هنا)، ظرف بشاربه إلى المكان القريب كما فى قوله - تعالى -، إنا هنا قاعدون، وتدخل عليه اللام والكاف («هنالك، أو الكاف وحدها, هناك، ، فيكون للبعيد . وقد يشار به للزمان إنساعاً. والمعنى فى ذلك المكان الطاهر الذى كان يلتقى فيه زكريا بمريم ، ويرى من شأنها مايرى من فضائل وغرائب، تحركت فى نفس زكريا عاطفة الأبوة وهو الشيخ الكبير الذى وهن عظمه وإشتعل رأسه شيبا، وبلغ من الكبر حتياً - فدعا الله - تعالى - بقلب سليم، وبنفس صافية، وبجوارح خاشعة، أن يرزقه الذرية الصالحة . ولقد حكى القرآن دعاءه بأسلوبه المؤثر فقال: ((قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء)). أى، قال زكريا مناجيا ربه: يارب أنت الذى خلقتنى، وأنت الذى لا يقف أمام قدر تك شىء ، وأنت الذى جعلتنى أرى أحوال مريم ما يشهد بقدرتك النافذة، وفضلك العميم، فهب لى يا خالقى من عندك ذرية صالحة تقربها مينى، وتكون خلفا من بعدى « إنك سميع الدعاء»-أى إنك عليم بدعانى علم من يسمع قريب الإجابة لمن بدعوك. فأن أجبت لى سؤالى فيفضلك، وإن لم تجبه فبعدلك وحكمتك . فأنت ترى فى هذا الدعاء الذى صدر عن زكريا - عليه السلام - أسمى ألوان الأدب والخشوع والإنابة، فقد رفع أكف الضراعة فى مكان مقدس طاهر، وفى التعبير بقوله «دعا ربه إشارة إلى تسليمه له وإلى شعوره ١٢٤ سورة آل عمران ٠ بقدرة الله على كل شىء، فهو الذى خلقه ورباه وتولاه برعايته في كل أدوار حياتة . وفى قوله (( هب لى من لدنك)، إشعار بأنه يريد من خالقه - عز وجل - أن یعطیه هذه الذرية بلا سبب عادى، ولکن بإرادته وقدر ته لأنه لو كان الأمر فى هذا العطاء يعود إلى الأسباب والمسببات العادية لكان الحصول على الذرية مستبعداً، إذ هو قد بلغ من الكبر عتيا، وزوجته قد تجاوزت السن التى يحصل فيها الإيجاب فى العادة . أى حب لى من عندك لا من عندى، لأن الأسباب عندى أصبحت مستبعدة. وفى تقييد الذرية بكونها طيبة، إشارة إلى أن زكريا لقوة إيمانه، رفقاء سريرتة، وحسن صملته بربه، لا يريد ذرية فحسب ، وإنما يريد ذرية صالحة يرجى منها الخير فى الدنيا والآخرة . وجملة (( إنك سميع الدعاء)) تطيلية، أى أنى ما التجأت اليك يا إلهى إلا لأنك مجيب الدعاء غير مخيب للرجاء قال القرطى ما ملخصه: دات هذه الآية على طلب الولد وهى سنة المرسلين والصديقين، قال الله - تعالى -: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية، ... وقد ترجم البخارى على هذا (( باب طلب الولد، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة حين مات إبنه (( أعر ستم الليلة، قال نعم قال: بارك الله لكما فى غابر ليلتكما، فقال رجل من الأنصار. فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن ...... والأخبار فى هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد لما يرجوه الإنسان من نفعه فى حياته وبعد مماته . قال - صلى الله عليه وسلم - إذا مات أحدكم إنقطع عمله الا من ثلاث: فذكر منها(أوولد صالح يدعوله)) ولولم يكن الا هذا الحديث لكان فيه كفاية (١) (١) تفسير القرطبى - ٤ ص ٠٧٣ ١٢٠ الجزء الثالث هذا، وقد حكى لنا القرآن فى سورة مريم دعاء زكريا بصورة أكثر تفصيلا فقال: ( ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا. قال رب إنى وهن العظم منى وإشتعل الرأس شيباولم أكن بدعائك رب شقيا. وإنى خفت الموالى من ورائى وكانت أمر أتى عاقرا فهب لى منلدنك و لياً . بر ثنى وبرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً . هذا هو دعاء زكريا حكاه الله - تعالى - فى أكثر من موضع فى كتابه الكريم، فماذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع، والتضرع الخالص ؟ لقد كانت نتيجته الإجابة من القه - تعالى - لعبده زكريا، فقد قال - تعالى -: فنادته الملائكة وهو قائم يصفى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى :. أى؛ فنادت الملائكة زكريا - عليه السلام - وهو قائم يصلى فى المحراب، يناجى ربه، ويسبح بحمده، بأن الله قد إستجاب دعاءك، ويبشرك بغلام إسمه يحي، لكى تقر به عينك ويسر به قلبك .. والتعبير بالفاء فى قوله ((فنادته، يشعر بأن الله - تعالى - فضلا منه وكرما - قد إستجاب لزكريا دعاءه بعد فترة قليلة من هذا الدعاء الخاشع، إذ الغاء تفيد التعقيب . ويرى فريق من المفسرين أن الذى ناداه هو جبريل وحده ، ومن الجائر فى العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع . قال ابن جرير: کما يقال فى الكلام: خرج فلانعلى بغال البرید،وإنما ر کب بغلا واحد، وركب السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وكما يقال: من سمعت هذا؟ فيقال: من الناس. وإنما سمعه من رجل واحد، وقد قيل: إن من قوله - تعالى - ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ... ) والقائل كان فيما ذكر واحد ... (١). ويرى فريق آخر منهم أن الذى نادى زكريا وبشره بمولوده بحي، جمع من الملائكة لأن الآية صريحة فى أن هذا النداء قد صدر (١) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ٢٤٩ ١٢٦ سورةآل عمران من جمع لا من واحد، ولأن صدوره من جمع يناسب هذه البشاره العظيمة، فقد جرت العادة فى أمثال هذه البشارات العظيمة أن يقوم بها جمع لا واحد، ولا شك أن حالة زكريا وحالة زوجه تستدعيان عددا من المبشرين لإدخال السرور على هذين الشخصين اللذين كادا يفقدان الأمل فى إنجاب الذرية . وقد رجح هذا الإتجاه ابن جرير فقال: ( وأما الصواب من القول فىأو بله فأن يقال: إن الله - جل ثناؤه - أخبر أن الملائكة نادته، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون الواحد. وجبريل واحد ، فلا يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل فى أسن العرب دون الأفل ما وجد إلى ذلك سبيلا، ولم تضطر نا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد. فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفى من الكلام والمعافى)(١). وقوله ( وهو قائم ) جملة حالية من مفعول النداء ، و ( يصلى ) حال من المستكن فى قائم أو حال آخرى من مفعول النداء على القول بجواز تعدد. الحال. وقوله ( فى المحراب ) متعلق يصلى. والمراد بالمحراب هنا المسجد ، أو المكان الذى يقف فيه الإمام فى مقدمة المسجد. وقرأ جمهور القراء ( أن الله يبشرك) - بفتح همزة أن - على أنه فى محل جر بباء محذوفه. أى: نادته الملائكة بأن الله يبشرك بيحيى. وقرأ ابن عامر وحمزة: (إن الله يبشرك) - بكر الهمزة - على تضمين النداء معنى القول، أى : قالت الملائكة إن الله يشرك بيحبى. وقوله ( بيحيى) متعلق بيبشرك ، وفى الكلام مضاف أى يبشرك بولادة يحيى، لأن الذوات ليست متعلقا للبشارة . وفى إقتران التبشير بالتسميه بيحيى، إشعار بأن ذلك المولود سيحى اسمه (١) تفسير ابن جرير ج ٣ ص ٢٥٠ ١٢٧ الجزء الثالث وذكره بعد موته، وبذلك تتحقق الإجابة لدعاء زكريا تحققا تاماً، فقد حكى القرآن عنه فى سورة مريم أنه قال: «يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله وب رضيا، قال الجمل: و((يحيى، فيه قولان: أحدهما وهو المشهور عند أهل التفسير أنه منقول من الفعل المضارع، وقد سموا بالأفعال كثيرا نحو يعيش ويعمر ... وعلى هذا فهو منوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، نحو يزيد ويشكر وتغلب. والثانى أنه أعجمى لا إشتقاق له، وهذا هو الظاهر، فامتناعه العلمية والعجمة ... (١). ثم وصف الله - تعالى - يحمى - عليه السلام - بأربع صفات كريمة فقال: « مصدقا بكلمة من أمه. وسيداً. وحصورا، وفبيا من الصالحين». + ، فالصفة الأولى من صفات بحى - عليه السلام - أنه كان , مصدقا بكلمة من الله، وللعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة إتجاهان. أما الإتجاه الأول فيرى أصحابه - وهم جمهور العلماء - أن المراد بكلمة الله هو عيسى - عليه السلام - لأنه كان يسمى بذلك أى أن يحى كان مصدقا بعيسى ومؤمنا بأنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. وقد كان يحى معاصراً لعيسى. وكانت بينهما قرابة قوية إذ أن والدة يحي كانت أختا لأم مريم وقيل إن أم يحي كانت أختا لمريم. وأما الإتجاه الثانى فيرى أصحابه أن المراد بكلمة الله كتابه ، أى أن يحيى من صفاته الطيبة أنه كان مصدقا بكتاب الله وبكلامه ، وذلك لأن الكلمة قد تطلق ويراد منها الكلام . والعرب تقول أنشد فلان كلمة أى قصيدة ، وقال كلمة أى خطبة . ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب، لأن القرآن قد وصف عيسى بأنه کلمه اله فی أ کثر من موضع فیه ومن ذلك قوله - تعالى - م یا أهل (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٢٦٧. ١٢٨ سورة آل عمران الكتاب لا تغلو فى دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى. ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ... وقوله - تعالى - «يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم.» ولأن فى التعبير عن عيسى الذى صدقه يحيى - بأنه كلمة من الله. إشعاراً بأن ولادتهما متقاربة من حيث الزمن ، وإيماء إلى أن زكريا - عليه السلام - قد أوتى علما بأن المسيح عهده قريب، وأن يحيى - عليه السلام - سيعيش حتى يدرك عيسى . وقوله ((مصدقاً)) منصوب على الحال المقدرة من يحيى، أى على الحال التى سيكون عليها فى المستقبل، والمراد بهذا التصديق الإيمان بعيسى - كماسبق أن أشرنا -. قبل: هو أول من آمن بعيسى وصدق أنه كلمة الله وروح منه(1). و((من) فى قوله «من الله، للابتداء. والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة الكلمة ، أى مصدقا بكلمة كائنة من الله - تعالى -. والصفة الثانية من صفات يحيى عبر عنها القرآن بقوله(، وسيدا)) والسيد- كما يقول القرطبى - الذى يسود قومه وينتهى إلى قوله. وأصله سيود يقال: فلان أسود من فلان على وزن أفعل من السيادة ، ففيه دلالة على تسمية الإنسان سيداً . وفى الحديث أن رسول أقه - صلى الله عليه وسلم - قال لبنى فريضة. عندما دخل سعد بن معاذ - « قومو اإلی سیدکم، وفىالصحیحین أنه قال فىالحسن (إن ابنى هذا سيد ولعل أنه يصلح به بين فئتين عظيمتين من الحدين)(٢). والمراد أن يحيى - عليه السلام - من صفاته أنه سيكون سيداً، أى يفوق غيره فى الشرف والتقوى وعفة النفس ، بأن يكون مالكالزمامها ، ومسيطرا على أهوائها . (١) تفسير الآلومى جـ ٣ ص ١٤٧. (٢) تفسير القرطبى - بتصرف يسير - ج ٤ ص ٧٧ ١٢٩ الجزء الثالث والصفة الثالثة: من صفاته عبر عنها القرآن بقوله. (وحصورا) وأصل لمصر. المنع والحبس. يقال حصر فى التى. وأحصرفى إذا حبسنى ... ٠ والمراد أن يحى - عليه السلام - من صفاته أنه سيكون حابسا نفسه عن شهوات، حتى لقد قيل عنه إنه امتنع عن الزواج وهو قادر على ذلك زهادة )) واستخفافا، وليس صحيحا ما قيل من أنه كان لا يأتى النساء لعدم قدرته لى ذلك . وقال ابن كثير : وقد قال القاضى عياض فى كتابه الشفاء : أعلم أن ثناءاته لى يحيى بأنه كان (حصورا) معناه أنه معصوم من الذنوب، أى لا يأتيها كأنه :صور عنها. وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات، وقيل ليست له شهوة فى النساء قد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص ، وإنما الفضل فى كونها وجودة ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى أو بكفابة من الله - تعالى - كيحيى - عليه سلام - ثم هى فى حق من قدر عليه وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه : رجة عليا وهى درجة فبينا - صلى الله عليه وسلم الذى لم تشغله كثرتهن عن بادة ربه ، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وهدايته لهن ... والمقصود أن دح يحيى بأنه حصور ليس معناه أنه لا يأتى النساء ، بل معناه أنه معصوم من فواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن إيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: هب لى من لدنك ذرية طيبة كأنه قال ولدا له ذرية ونسل وعقب)(١) . أما الوصف الرابع من أوصاف يحيى - عليه السلام - فهو قوله - تعالى - وفبيا من الصالحين ) وفى هذا الوصف بشارة ثانية لزكريا بأن ابنه سيكون ن الأنبياء الذى اصطفاهم الله لتبليغ دعوته إلى الناس ، وهذه البشارة أسمى أعلى من الأولى التى أخبره الله فيها بولادة يحمى، لأن النبوة منزلة لا تعد لها نزلة فى الشرف والفضل . (١) تفسير ابن كثير بتصريف بسير جـ ١ ص ٣٦١ (٩ - سورة آل عمران) ١٣٠ سورة آل عمران ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله زكريا بعد أن ساقت له الملائكةـ تلك الإشارات السارة فقال - تعالى -: ((قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغنى الكبر وأمرأتى عاقر، أتى هنا بمعنى كيف. و«عاقر، أى عقيم لا تلد لكبر منها من العقر وهو العقم . يقال عقرت المرأة تعقر عقراً وعقراً فهى عاقر إذا بلغت سن اليأس من الولادة . * أى قال زكريا عنى سبيل التعجب بعد أن نادته الملاتکه و بشر ته ما بشرة به . يارب كيف يكون لى غلام والحال أننى قد أدر كنى الكبر الكامل الذی أضعفن،وفوق ذلك فإن امر أتی عاقر أىعقيم لا تلد لشيخو ختها وبلوغها العمر الذى ينقطع معه الن؟ ! قال بعضهم: وإما قال ذلك استفهاماً عن كيفية حدوث الحمل. أو استبعادا من حيث "مادة، أو استعظاماً وتعجبا من قدرة الله - تعالى - لا استبعادا أو إنكاراً فلايرد. كيف قال زكريا ذلك ولم يكن شاكا فى قدرة الله - تعالى -(١). والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر، كأنه قيل . فماذا قال زكريا عندما بشرته الملائكة؟ فكان الجواب قال رب أنى يكون لى غلام ... وقد خاطب زكرياربه مع أن التداءله صدر من الملائكة، للإشعار بالمبالغة فى التضرع وأنه قد طرح الوسائط واتجه إلى خالقه مباشرة بشكره ويظهر التعجب من قدرته لأنه سبحانه - أعطاه ما لم تجر العادة به . قال الآلوسی: وقوله (( يكون، يجوز أن تكون من كان التامة فیکون فاعلها هو قوله (( غلام)) ويكون الظرف ، أنى، والجار والمجرور)) لى، متعلقان بها. وبحوز أن تكون من كان الناقصة ولى، متعلق بمحذوف وقع حالا لأنه لو تأخر لكان صفة. وفى الخبر حينئذ وجهان: أحدهما (( أنى، لأنها بمعنى كيف أو من أين والثافى الخير الجار و «أفى منصوب على الظرفية، (٢). (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٢٦٨ (٢) تفسير الآلوسي ج ٣ ص ١٤٨. ١٣١ الجزء الثالث وقوله , قد بلغنى الكبر، جملة حالية من ياء المتكلم، أى أصابنى الكبر ادر کنی فأضعفنى وأفقدنی قوتی . والكبر مصدر، كبر الرجل إذا أسن. وقد قال زكريا ،وقد بلغنى الكبر)) لم يقل وقد بلغت الكبر للإشارة إلى أن الكبر قد تابعه ولازمه حتى أصابه الضعف والآلام والأسقام . وقوله ((وامر أتى عاقر، جملة حالية أيضا إما من ياء (( لى، أو ياء («بلغنى، فأنت ترى أن زكريا - عليه السلام - قد أظهر التعجب عندما بشرته لملائكة بغلامه بحى، لأنه كان شيخا مسنا، ولأن امر أنه كانت عقما لافلد ما لكبر سنها - أيضا - وإما لأنها من الأصل كانت على غير استعداد الحمل والإنجاب . قال ابن عباس: كان زكريا يوم: بشر يحيى ابن عشرين ومائة سنة. وكانت مرأته بنت ثمان وتسعين سنة(١). ثم حكى القرآن أن الله - تعالى - قد رد على زكريا بمايزيل عجبه ويمنع جبرته فقال - تعالى - قال كذلك الله يفعل ما يشاء)). أى قال - سبحانه -: مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذى رأيته من أن يكون لك غلام وأنت شيخ كبير وأمر أتك عاقر مثل ذلك الفعل يفعل الله ما يشاء أن يفعله، لأنه - سبحانه - هو خالق الأسباب والمسببات، ولا يعجزه شى. فى هذا الكون، وبقدرته أن يغير ماجرت به العادات بين الناس. فالجملة الكريمة بجانب قضمنها إقناع زكريا وإزالة عجبه ، تتضمن أيضا تقرير قضية عامة ، وهى أن الله - تعالى - يفعل ما يشاء أن يفعله بدون تقيد بالأسباب والمسبيات والعادات ، فهو الفعال لما يريد . ثم حكى القرآن أن زكريا - لشدة لهفته على تحقق البشارة - سأل ربه أن يجعل له علامة تكون دليلا على تحقيق الجمل عند زوجته فقال - تعالى -: 1 (( قال رب اجمك لى آية،. (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٤٢ ٠١٣٢ سورة آل عمران أى قال زكريا مناجيار به: يا رب إنى أسألك أن تجعل لى «آية، أى علامة تدلنى على حصول الحمل عند زوجى: لأبادر إلى القيام بشكر هذه النعمة شكراً جزيلا ، ولأقوم بحقها حق القيام . وقد أجابه - سبحانه - إلى طلبه فقال: ((قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ). أى قال الله - تعالى - لعبده زكريا: آيتك أى علامتك ألاتقدر على كلام الناس من غير آفة فى لسانك لمدة ثلاثة أيام إلا «ومزا، أى إلا عن طريق الإيجاء والإشارة . وأصل الرمز الحركة . يقال أرتمز أى تحرك، ومنه قيل للبحر الراموز. وفعله من باب نصر وضرب ثم أطلق الرمز على الإيماء بالشفتين أو بالحاجبين وعلى الإشارة باليدين ، وهو المراد هنا . قال صاحب الكشاف: قال الله - تعالى - لز كريا آيتك ألا تقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام: وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة ، مع إبقاء قدرته على التكلم بذ كراه ، ولذلك قال: (( واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والإبكار، يعنى فى أيام معجزك عن تكليم الناس وهى من الآيات الباهرة ، فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس ؟ قلت: ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بخيره، توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها الذى طلب الآية من أجله ، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر . وأحسن أجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا منه «إلا رمزا) أى إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما(١). وعلى رأى صاحب الكشاف يكون احتباس لسان زكريا عن كلام الناس اضطراريا وليس عن اختيار منه . (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٦١. ١٣٣ الجزء الثالث ويمكن أن يقال: إن المراد بقوله - تعالى., قال آبتك ألا تكلم الناس ثثة أيام إلارمزاً ... ، أن زكريا - عليه السلام - عند ماطلب آية يعرف بها زوجته قد حملت بهذا الغلام الذى بشره الله به. أخبره - سبحانه - أن العلامة ، ذلك أن بوفق إلى خلوص نفسه من شواغل الدنيا حتى أنه ليجد نفسه جها إتجاها كليا إلى ذكر الله وتمجيده وتسبيحه، دون أن يكون عنده أى فع إلى كلام الناس أو مخالطتهم مع قدرته على ذلك ، وعلى هذا يكون نصرأف زكريا - عليه السلام - عن كلام الناس اختياريا وليس إضطراريا يرى صاحب الكشاف . ثم أمره الله - تعالى - بالإكثار من ذكره وتسبيحه فقال: ((واذكر بك كثيراً وسبح بانعشى والإنكار ، . و«"مشى، جمع عشية وقيل: هو واحد، وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب وأما, الإبكار، فمصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر فى أول النهار .. ومنه الباكورة لأول الثمرة. والمراد به هنا الوقت الذى يكون من طلوع الفجر إلى الضحى . أی علیك أن تکثر من ذ کر الله - تعالی ۔ و من تسبيحه فى أول نهار. : فى آخره وفى كل وقت لاسيما فى تلك الأيام الثلاثة شكراً لله - تعالى- على بالأعطاك من نعم جليلة لا تحصى، فقد وهبك الذرية بعد أن بلغت من الكبر فنيا، وجعل هذا المولود من أنبياء الله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته. وفى هذا الأمر الإلهى لزكريا حض لكل عاقل على الإكثار من ذكر الله ومن تسبيحه وتمجيده لأن ذكر الله به تطمئن القلوب، وتسكن النفوس وتغسل الخطايا والذنوب ويكفى للدلالة على فضل الذكر أن الله - تعالى - أمربه حتى فى حالة الحرب فقال: ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)). ١٣٤ سورة آل عمران وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من قصة زكريا - عليه السلام - فيه الكثير من العبر والعظات لقوم يعقلون. وبعد أن بين - سبحانه - ما يدل على مظاهر قدرته فى ولادة بحبى - عليه السلام حيث وهبه لوالديه بعد أن بلغا مبلغا كبيرا من العمر يستبعد معه فى العادة الإنجاب ... بعد أن بين كل ذلك ساق قصة أخرى أدل على قدرة الله. ونفاذ إرادته من قصة ولادة يحى، وهذه القصة هى قصة ولادة عيسى - عليه السلام - من غير أب. وقد مهد القرآن لولادة عيسى بيان أن الله - تعالى - قد اصطفى مريم وطهرها من كل فاحشة، وفضلها على نماء زمانها، وصابها من كل ما يخدش المروءة والشرف . استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول : (( وَإِذْ قَالَتْ الملائِكَةُ بامِرْيَمُ إِنَّ الله اصْطَفَكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ ◌َى نِسَاءِ العَالمِنَ (٤٢) يا مِرْيِمُ اقْذُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدَى وَارَكَمِ مَعَ الرَّاكِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إليكَ، وما كُنْتَ لدَ يْهِمْ إِذْ يْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُهُمْ يَكْفَلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لِدَيْهِمِ إِذْنَخْصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الملائِكَةُ بامريمٌ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرْكِ بَكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الَسِيحُ عيسَى ابنُ مريمَ، وَجِيهاً فى الدُّنْيَاَ والآخرةِ وَمِنَ المَقَرَّبينَ (٤٥) ويُكُلِّ الناسَ فِى الَهْدَ وكَهْلاَ ومِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يكونُ لِى وَلِدٌ وَلَمَ يَمْسَنْنِى بَشَرٌ؟ قَالَ كَذَلِكَ الهُ يَخْلُقُ ما يشَآء إذا قضَى أَمْراً فإِنَّ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) » . وقوله - تعالى -«وإذ قالت الملائكة يامريم .... إلخ، معطوف ١٣٥ الجزء الثالث على قوله ((إذا قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما فى بطنى .. الخ، معطف القصة على القصة، فإن الله - تعالى - بعد أن ذكر ما قالته امرأة عمران عندما أحست بالحمل ، وبعد ولادتها لمريم . وما كان من شأنها وتربيتها وكفالتها بعد أن ذكر ذلك ، بين - سبحانه - ما كان من أمر مريم بعد أن بلغت رشدها واكتمل تكوينها. وجاء بقصة ذكريا بين قصة الأم وابنتها لما بينهما من مناسبة إذ أن دعاء زكرياربه، كان سببه مارآه من إكرامه - سبحانه - لمريم ولأن الكل لبيان اصطفاء آل عمران. والمعنى، واذكر يا محمد للناس وقت أن قالت الملائكة لمريم - التى تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها فبانا حسنا - يامريم . إن الله اصطفاك، أى اختارك واجتباك لطاعته، وقبلك لخدمة بيته ((وظهرك)) من الأدناس والأقذار، ومن كل ما يتنافى مع الخلق الحميد، والطبع السليم، واصطفاك على نساء العالمين) بأن وهب تلك عيسى من أب دون أن يمسك بشر، وجعلك أنت وهو آية للعالمين . فأمك ترى أن الله - تعالى - قد مدح مريم عدخاعظيما بأن شهد لها بالاصطفاء والطهر والمحبة، وأكد هذا الخبر للاعتناء بشأنه، والتنويه بقدره. قال الفخر الرازى ما ملخصه: والاصطفاء الأول إشارة إلى ما اتفق لها من الأمور الجسنه فى أول عمرها بأن قبل الله - تعالى - تحرير ها أى خدمتها لبيته - مع أنها أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى اغيرها من الإناث، وبأن فرغها لعبادته وخصها فى هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة ، وبأن كفاها أمر معيشتها فكان يأيتها رزقها من عند الله ... وأما الإصطفاء الثانى فالمراد به أنه - تعالى - وهب لها عيسى - عليه السلام من غير أب، وجعلها وانها آية للعالمين، (١). . (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٤٦. : ١٣٦ الجزء الثالث ولا شك أن ولادتها لعيسى من غير أب ودون أن يمسها بشر، هو أمر اختصت به مريم ولم تشار كها فيه امرأة قط فى أى زمان أو مكان. فهى أفضل النساء من هذه الحيثية . أما من حيث قوة الإيمان، وصلاح الأعمال، فيجوز أن يحمل اصطفاؤها على نساء العالمين على معنى تفضيلها على عالمى زمانها من النساء. وبعضهم يرى أفضليتها على جميع النساء فى سائر الأعصار . هذا وقد أورد ابن كثير عددا من الأحاديث التى وردت فى فضل مريم وفى فضل غيرها من النساء، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن على بن أبى طالب أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد،. وروى الترمذى عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، وأخرج البخارى عن أبى موسى الأشعري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير ولم يكل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام(١))). وقول الملائكة لمريم: إن الله اصطفاك وطهرك ... إلخ، الراجح أنهم قالوه لها مشافهة، لأن هذا ما يدل عليه ظاهر الآية، وإليه ذهب صاحب الكشاف فقد قال: روى أنهم كلوما شفاها معجزة لزكريا، أو إرهاصا النبوة عيسى - عليه السلام -»(٢). وقال الجمل قوله: ((وإذقالت الملائكة ... ، أى مشافهة لها بالكلام. وهذا (١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٣٦٣. (٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٣٦١ ١٣٧ سورةآل عمران من باب التربية الروحية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال كبرها بعد التربية الجسمانية اللائقة بحال صغرها ، (١). وقيل كان خطابهم لها بالإلهام أو بالرؤيا الصادقة فى النوم . والأول أولى لأنه هو الظاهر من الآية، ولأنه الموافق لأقوال جمهور المفسرين ، ولأنه قد جاء صريحا فى آيات أخرى أن المنّك قد تمثل لها بشراً سويا وكلها، وذلك فى قوله - تعالى - في سورة مريم: ((واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقياً. فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً. قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كـ ت تقيا. قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً .. ، قال الألوسى: واستدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم؛ لأن تكلم الملائكه بقنغنیها ، ومنعها اللقانی وغيره من العلماء ، لأن الملائكة قد كلوا من ليس بنى إجماعا فقد جاء فى الحديث الشريف أنهم كلوا رجلا خرج لزيارة أخ له فى الله، وأخبروه بأن الله يحبه كما أحب هو أخاه، ولم يقل أحد بنبوته - فكلام الملائكة لمريم لا يقتضى نبونها وهو الصحيح -،(٢). ثم حكى "قرآن أن الملائكة أمرت مريم بأن تكثر من عبادة الله - تعالى- ومن المداومة على طاعته شكراً له فقال - تعالى -: ((يامريم افنتى لربك وأسجدى وار كعى مع الراكمين)). القنوت : لزوم الطاعة والاستمرار عليها ، مع استشعار الخشوع والخضوع لله رب العالمين. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٠١٦٩ (٢) تفسير الآلوسى بتصرف يسير - جـ ٣ ص ١٥٤. 7 ١٣٨ سورة آل عمران أى : قالت الملائكة أيضا لمريم: يامريم أخلصى العبادة لله وحدهوداومى عليها، وأكثرى من السجود ته ومن الركوع مع الراكعين ، فإن ملازمة الطاعات والصلوات من شأنها أن تحفظ النعم وأن تزيد الإنسان قربا وحبا من خالقه - عز وجل - . فالآية الكريمة دعوة قوية من الله - تعالى - لمريم والعباد جميعا، بالمحافظة على العبادات ولا سيما الصلاة فى جماعة . قال صاحب الكشاف ؛ أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود؛ لكونهما من هيئة الصلاة وأر كانها، ثم قيل لها ((واركعى مع الزا كمين)) بمعنى ولتكن صلاتك مع المصلين أى فى الجماعة، أو انظمى نفسك فى جملة المصلين وكونى معهم فى عدادهم ولا تكونى فى عداد غيرم(١). فأنت ترى فى هاتين الآيتين أسمى ألوان المدح والتكريم والتهذيب لمريم البتول ، فلقد أخبر - سبحانه - باسطفائها صغيرة وكبيرة، وبطهرها من كل سو.، والإشارة إلى الطهر منا إشارة ذات مغزى ، وذلك لما لاب مولد عيسى - عليه السلام - من خوارق، هذه الخوارق جعلت اليهود يفترون الكذب على مريم، ويتهمونها زورا وبهتانا بما هى بريئة منه، ثم بعد ذلك بأمرها - سبحانه - بمداومة الطاعة والعبادة والخضوع لله رب العالمين. وبذلك يقبين لكل ذى عقل سليم أن الإسلام الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الدين الحق ، لأنه قد قال القول الحق فى شأن مريم وابنها عيسى - عليه السلام - أما أهل الكتاب من البرود والنصارى فقد اختلفوا فى شأنهما اختلافا عظيما أدى بهم إلى الضلال والخسران . ثم بین - سبحانه - أن ما جاء به القرآن فی شان مریم - بل وفى كل شأن (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٦٢. ١٣٩ الجزء الثالث من الشئون - هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل، وهو من أنباء الغيب التى لا يعلمها أحد سواه فقال - تعالى -: ((ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك)). واسم الإشارة (( ذلك)) يعود إلى ماتقدم الحديث عنه من قصة امرأه عمران وقصة زكريا وغير ذلك من الأخبار البديعة. والأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الشأن . والغيب: مصدر غاب، وهو الأمر المغيب المستور الذى لا يعلم إلا من قبل الله - تعالى - . وفوحيه: من الإيحاء وهو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفى ، وبكون بمعنى إرسال الملك إلى الأنبياء وبمعنى الالهام . أى : ذلك القصص الحكم الذى قصصناه عليك يا محمد، فيما يتعلق بما قالته امرأة عمران وماقاله زكريا، وما قالته الملائكة لمريم، وفيما يتعلق بغير ذلك . من شئون، ذلك القصص الحكم هو من أنباء الغيب التى لا يعلمها أحد سوى الله - عز وجل -، وقد أخبر ناك بها لتكون دليلا على صدقك فيما تبلغه عن ربك، ولتكون عبرة وذكرى لقوم يعقلون. وقوله (( ذلك)) مبتدأ وخبره قوله - تعالى - ((من أنباء الغيب، والجملة مستأنفة لامحل لها من الإعراب. وقوله ( نوحيه إليك، جملة مستقلة مبينة الأولى. والضمير فى ((فوحيه، يعود إلى الغيب أى الأمر والشأن أنا نوحى إليك الغيب وتعلمك به، وفظهرك على قصص من تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار . ولذا قال - تعالى ـ,وماكنت لديهم إذا يلقون أفلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون،. والأفلام جمع قلم وهى التى كانوا يكتبون بها التوراة وقيل المراد بها السهام . ١٤٠ سورة آل عمران أى: وماكنت - يا محمد - لديهم أى عندهم معاينا لفعلهم وماجرى من أمرهم فى شأن مريم، ((إذا يلقون أفلامهم)) التى جعلوا عليها علامات يعرف بها من يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون فيما بينهم بسببها. تنافا فى كفالتها . وقد سبق أن ذكرنا ما قاله صاحب الكشاف من أن أم مريم بعد أن ولدتها أمها خرجت بها إلى بيت المقدس فوضعتها عدد الأحبار وقالت لهم : دونكم هذه النذيرة !! فقالوا: هذه ابنة إمامنا عبران - وكان فى حبانه يؤمهم فى الصلاة -، فقال لهم زكريا: ادفعوها إلى فأنا أحق بها منكم فإن خالتها عندى. فقالوا لا حتى تقترع عليها، فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أفلامهم، فتولى كفالتها زكريا - عليه السلام -(1) فالضمير فى قوله (( لديهم) يعود على المتنازعين فى كفالة مريم لأن السیاق قد دل عليهم . والمقصود من هذه الجملة الكريمة ,وما كنت لديهم إذ بلقون .. الخ) تحقيق كون الإخبار بما ذكر إنما هو عن وحى من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن معاصراً لهؤلاء الذين تحدث القرآن عنهم، ولم يقرأ أخبارهم فى كتاب من الكتب ، ومع ذلك فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل الكتاب وغيرهم بالحق الذى لا يستطيعون تكذيبه إلا على سبيل الحسد والجحود، فثبت أن القرآن من عند الله - تعالى -، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً . ثم حكى - سبحانه - ماقالته الملائكة لمريم على سبيل تبشيرها بعيسى - عليه السلام - فقال - تعالى -: «إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم)). (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٥٧ بتصرف يسير.