Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ الجزء الثالث وفى جعل قلوبهم مقراً للزيغ مبالغة فى عدوهم عن سنن الرشاد، وإصرارهم على آشر والفساد . وفى تعليل الاتباع - كما يقول الألوسى - بابتغاء تأويله دون نفس تأويله وتجريد التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقيقة. إيذان بأنهم ليسوا من أهل التأويل - فى عير ولا نفير ولا قبيل ولا دبير - وأن ما يبتعونه ليس بتأويل أملا لا أنه تأويل غير صحيح قد بعذر صاحبه)،. وقد ذم النى - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء الذين تمبعون ما تشابه من القرآن طلبا الفتنة والتأويل الباطل، وحذر منهم فى أحاديث كثيرة . ومن ذلك ما رواه البخارى وصلم وأبو داود والترمذى عن عائشة -رضى الله عنها- قالت: تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ... إلخ الآيه». قالت: قال رسول الله - صلى عليه وسلم - فإذا رأيت الذين يتعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرم (١) . وقد استجاب الصحابة . رضى الله عنهم - لوصايا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكانوا يتباعدون عن الذين فى قلوبهم زيغ، وزجرونهم ويكثفون عن باطيلهم ١ قال القرطبى: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضى ، قال : أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم . عن سليمان بن يسار أن صبيغ أبن عسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء : فبلغ ذلك عمر - رضى الله عنه - فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل. فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. فقال عمر. وأنا عبد الله عمر. ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه ، ثم (١) أخرجه البخارى فى كتاب التفسير ج ٦ ص ٤٢ طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٣٤٥ م. ٤٢ سورة آل عمران تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال حسبك يا أمير المؤمنين !! فقد واقه ذهب ما كنت أجد فى رأسى ، (١) ثم بين - سبحانه - أن تأويل المتشابه مرده إلى الله - تعالى-، وأن الراسخين فى العلم يعلمون منه ما يوفقهم الله لمعرفته فقال: وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عندربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ،. وقوله - تعالى - والراسخون فى العلم، من الرسوخ وهو الثبات والتمكن وأصله فى الأجرام، أن يرسخ الجبل والشجر فى الأرض، واستعمل فى المعانى ومنه رسخ الإيمان فى القلب. أى ثبت واستقر وتمكن . والألباب، جمع لب وهو - كما يقول الراغب - العقل الخالص من الشوائب وسمى بذلك لكونه خالص ما فى الإنسان من معانيه، كاللباب والب من الشىء، وقيل هو مازكى من العقل ، فكل لب عقل وليس كل عقر لبا، ولهذا علق الله - تعالى - الأحكام التى لا تدركها إلا العقول الزكية بأولى الألباب (٢). قال الآلوسى وقوله ((وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم، فى موضع الحال من ضمير بقبعون باعتبار العلة الأخيرة. أى يتبعون المتعابه لابتغاء تأويله - تأويلا فاسدا - والحال أن التأويل المطابق للواقع - كما يشعر به التعبير بالعلم والإضافة إلى الله تعالى - مخصوص به - سبحانه - وبمن وفقه - عز شأنه - من عباده الراسخين فى العلم. أى الذين ثبتوا وتمكنوا في ولهم يتزلزلوا فى مزال الأقدام، ومداحض الأفهام، حيث إنهم بمعزل عن ذلك الرقبة. هذا ما يقتضيه الظاهر فى تفسير الراسخين .... (٢). (١) تفسير القرطبى ج ٤ ص ١٤. (٢) المفردات فى غريب القرآن الراغب الأصفهانى ص ٦٤٤ (٢) تغير الالوسى ج ٣ ص ٨٣ ٤٣ الجزء الثالث , وقوله. يقولون آمنا به كل من عند ربنا، جملة موضحة لحال الراسخين فى العلم ، ومبينة لما هم عليه من قوة الإيمان وصدق اليقين . أى يقول الراسخون فى العلم عندما يقرءون ما تشابه من آيات القرآن آمنا به وصدقنا وأذعنا، فنحن لا نشك فى أن كلا من الآيات المتشابهة والآيات المحكمة من عند الله وحده، فهو الذى أنزلها على نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى حمكمته ومشيئته . وقوله , وما يذكر إلا أولو الألباب، معطوف على جملة. يقولون .. )) وقد ختم به - سبحانه - هذه الآية على سبيل المدح لهؤلاء الراسخين فى العلم. أى. وما يدرك هذه الحقائق الدينية ويعتبر بها ويتذكر ما اشتمل عليه القرآن من أحكام وآداب وهدايات وتشريعات إلا أصحاب العقول السليمة ، والألباب المستنيرة التى لا تتأثر بالأهواء والشهوات، ولا تر كن إلى البدع الزائفة ، والأفكار الفاسدة . قال ابن كثير. وقوله - تعالى - ((وما يعلم تأويله إلا الله , اختلف القراء فى الوقف هنا . فقيل الوقف على لفظ الجلالة ، فقد ورد عن ابن عباس. أنه قال. التفسير على أربعة أنحاء ، فتفسير لا يعذر أحد فى فهمه ، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها. وتفسير يعلمه الراسخون فى العام، وتفسير لا يعلمه إلا الله .. وعن أبى مالك الأشعرى أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول. لا أخاف على أمتى إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المـ ل فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغى تأويله ((( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به .. الآ ية)، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يسألون عنه » . وحكى ابن جرير أن قراءة عبد الله بن مسعود إنتأويله إلا عند أنه ، والراسخون فى العلم يقولون آمنا به . واختار هذا القول ابن جرير - وهو مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم خصوصا أهل السنة. ٠ ٤٤ سورة آل عمران ومنهم من يقف على قوله ((والراسخون في العلم)» وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا الخطاب بما لا يفهم بعيد. وقد روى عن ابن عباس أنه قال. أنا من الراسخين الذين يعدون تأويله. وروى عن مجاهد أنه قال والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. وفى الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا لابن عباس فقال: ((اللهم فقه فى الدين وعلمه التأويل .. )). والذى نراه أنه إذا فر المتشابه بما استأثر الله - تعالى - بعده كقيام الساعة، وحقيقة الروح، كان الوقف على لفظ الجلالة. وكانت الواو فى قوله (والراسخون، للاستئناف. والراسخون مبتدأ، وجملة ((يقولون)) خبرعنه. أى والراسخون فى العلم يقولون آمنا به ويفوضون علمه إليه - سبحانه ولا يقتحمون أسواره، كأهل الزبع والضلال الذين أولوه تأويلا فاسدا ... وإذا فسر المتشابه بما لا يتبين معناه إلا بعد نظر دقيق بحيث يتناول المجمل ونحوه كان الوقف على لفظ العلم. وكانت الواو فى قوله ,والراسخون الرأسخون للعطف . أى، لا يعلم تأويل المتشابه تأويلا حقا سلما إلا الله والراسخون فى العلم، أما أولئك الذين في قلوبهم زيغ فهم أبعد ما يكونون عن ذلك . ويجوز الوقف على هذا الرأى أيضاً على لفظ الجلالة ، لأنه لا يعلم تأويل هذا المتشابه علماً كاملا إلا الله. أولا يعلم كنهه وحقيقته أحد سواه. وإدا فسر المتشابه بما قام الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد ، مع عدم قيام الدليل على تعيينه، كمتشابه الصفات أو ما يسمى بآيات الصفات مثل قوله - تعالى - ((الرحمن على العرش استوى)). جاز الوقف والعطف عند من يؤولون هذه الصفات تأويلا يليق بذاته - تعالى -. وهم جمهور علماء الخلف. ووجب الوقف على لفظ الجلالة عند من يفوضون معانى هذه المتشابهات إلى الله - تعالى - مع تنزيهه عن ظواهرها المستحيلة وهم جمهور علماء السلف وهذه المسألة من المسائل التى أفاض القول فيها الباحثون فى علم الكلام . ٤٥ الجزء الثالث هذا وقد ذكر العلماء حكما متعددة لاشتمال القرآن على المحكم والمتشابه، منها : الابتلاء والاختبار ، لأن الراسخين في العلم سيؤ منون به وإن لم يعرفوا تأويله ، ويخضعون لسلطان الربوبية . ويقرون بالعجز والقصور وفى ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة . وأما الذين فى قلوبهم زيغ فيؤولو ه تأويلا باطلا طلبا لإضلال الناس وتشكيكهم فى دينهم . ومنها : رحمة الله بهدا الإنسان الضعيف الذى لا يطيق معرفة كل شىء، فقد أخفى - سبحانه - على الناس معرفة وقت قيام الساعة كينز يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها، وكيلا بفتك بهم الخوف فيما لو أد كوا بالتحديد قرب قيامها .. ومنها .. كما يقول الفخر الرازى ..: أنه منى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب. ومنها أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى. الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص من ظدة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبنة . أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية، فينئد يبقى فى الجهل والتقليد. ومنها أن اشتماله على المحكم والمتشابه يحمل الإنسان على تعلم علوم كثيرة كعلم التغة والنحو وأصول الفقه وغير ذلك من أنواع العلوم. ومنها: أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو فى أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوام فى أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولامشار إليه، ظن أن. هذا عدم وففى فوقع فى التعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ د الة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه ، وبذلك يكون مخلوطا بما يدل على الحق الصريح ، فالقسم الأول وهو الذى يخاطبون به فى أول الأمريكون من المتشابهات، والقسم الثانى وهو الذى يكشف هم فى آخر الأمر هو المحكمات )، (١). (١) تفسير الكبير للفخر الرازى ج ٧ ص ١٨٤. بتلخيص بسير. ٤٦ سورة آل عمران ومنها - كما يقول الجمل نقلا عن الخازن -: فإن قبل القرآن نزل الإرشاد الناس فهلا كان كله محكما؟ فالجواب أنه نزل بألفاظ العرب وعلى أسلوبهم. وكلامهم على ضربين الموجز الذى لا يخفى على سامع هذا هو الضرب الأول. والثانى المجاز والكايات والإشارات والتلويحات وهذا هو المستحسن عندهم، فأنزل القرآن على ضربين ليتحقق عجزهم فكأنه قال: عارضوه بأى الضربين شقتم، ولو نزل كله محكما لقالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا)، (١). قال بعض العلماء: والذى يستخلص من مصادر الشريعة ومواردها، أن الآيات المتشابهة لا يمكن أن يكون موضوعها حكما تكليفيا من الأحكام التى كلف عامة المسلمين أن يقوموبها، وأنه لا يمكن أن تكون آية من آيات الأحكام التكليفية قد انتقل النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى دون أن يبينها، ولا تشابه بينها بعد أن بينتها السنة النبوية، لأن اله - تعالى - يقول: (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين الناس ما نزل إليهم)، ولاشك أن من أول بيان مانزل إليهم بيان الأحكام التكليفية . لذلك نقول عازمين: إنه ليس فى آيات الأحكام آية متشابهة، وإن اشتبه فهمها على بعض العقول، لأنه لم يطلع على موضوعه، فليس ذلك لأنها متشابهة فى ذاتها ، بل لاشتباه عند من لا يعلم واشتباه من لا يعلم لا يجعل آية فى القرآن متشابهة .(١). وبعد أن بين - سبحانه - موقف الناس من محكم القرآن ومتشابهة، شرع فى بيان ما يتضرع به المؤمنون الصادقون الذين يؤمنون بكل ما أنزله الله - تعالى - وقال : (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص٢٤٢. (٢) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محم- أو هرة بمجلة لواء الإسلام العد التاسع - السنة الثامنة . ٤٧ الجزء الثالث ((وَبََّ لاَ تَزِ غْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَ مِنْ لِدُنْكَ رَْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّبُ (٨) رَبََّ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ الّهَ لاَ يُخْلِفُ الميعادَ (٩))). اشتملت هانان الآيتان على دعوات طيبات ، ويرى بعض العلماء أن هذه الدعوات من مقول الراسخين فى العلم، فهم يقولون: «آمنا به كل من عند ربنا (( ويقولون أيضاً, ربنا لا تزغ قلوبنا ..... ويرى بعضهم أن هذا كلام جديد، وهو تعليم من الله - تعالى - لعباده لبكثروا من التضرع إليه بهذه الدعوات وأمثالها والزيغ - كما أشرنا فى الآية السابقة - الميل عن الاستقامة، والانحراف عن الحق، يقال: زاغ بزيغ أى مال ومنه زاغت الشمس إذا مالت. والمعنى: نسألك ياربنا ونضرع إليك ألا تميل قلوبنا عن الهدى بعد إذ ثبتنا عليه ومكنتنا منه . وأن تباعد بيننا وبين الزبغ الذى لايرضيك، وبين الضلال الذى يفسد القلوب، ويعمى البصائر. (( وهب لنا من لد نك رحمة. أى وامنحنا من عندك ومن جهتك إنعاما وإحسانا تشرحبهما صدورنا. وتصلح بهما أحوالنا .. إنك أنت الوهاب ، لاغير، فأنت مالك الملك وأنت القائل « ما يفتح الله للناس من رحمة فلايمسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده .. ))(١) . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد تضمنت سؤال المؤمنين ربهم ثبيت الإيمان فى قلوبهم، ومنحهم المزيد من فضله وإنعامه وإحسانه. (١) سورة فاطر الآية ٢. ٤٨ سورة آل عمران ة ل الفخر الرازى - ما ملخصه -: وقال - سبحانه - ((رحمة، ليكون ذلك شاملا لجميع أنواعها التى تتناول حصول نور الإيمان والتوحيد والمعرفة فى القلب ، وحصول الطاعة فى الأعضاء والجوارح . وحصول سهولة أسباب المعيشة والأمن والصحة والكفاية فى الدنيا ، وحصول سهولة سكرات الموت عند حضوره، وحصول سهولة السؤال فى القبر، وغفران السيئات والفوز بالجنات فى الآخرة، وقوله (( من لدنك، يتناول كل هذه الأقسام، لأنه لما ثبت بالبراهين الباهرة أنه لا رحيم إلا هو. أكد ذلك بقوله (( من لدنك، تنبيها العقل والقلب والروح على أن هذا المقصود لا يحصل إلا منه - سبحانه -... ثم قال: (( إنك أنت الوهاب) كأن العبد يقول: إلهى هذا الذى طلبته منك فى هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلى، حقير بالنسبة إلى كمال كرمك ، فأنت الوهاب أذى من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها وماهياتها ووجوداتها، فكل ما سواك فمن جودك وإحسانك فلا تخيب رجاء هذا المسكين ، ولا ترد دعاءه واجعله أهلا لرحمتك ... (!) هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير وغيره بعض الأحاديث النبوية عند تفسيرهم لهذه الآية ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائى وابن مردويه عن عائشة - رضى الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان إذا استيقظ من الليل قال: «لا إله إلا أنت سبحانك أستغفرك لدفى واسألك رحمك. اللهم تدنى علما، ولا تزغ قلبى بعد إذ هديتنى، وهب لى من لد نك رحمة إنك أنت الوهاب،(٢). وروى الترمذى عن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة: يا أم ؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان عندك؟ (١) التغير الكبير الفخر الرازى = ٧ ص ٠١٩ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٣٤٨ ٤٩ الجزء الثالث قالت: كان أكثر دعائه ((يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك، فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دمائك يا مقلب القلوب ثبت قلى على دينك ؟ قال : يا أم سلمة إنه ليس آدمى إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ، فتلا معاذ - أحد رجال سند هذا الحديث - ((ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديقنا ، (١). وعن أنس - رضى الله عنه - قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيراً ما يقول: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قلنا: يا رسول أقه قد آمنا بك، وصدقنا بما جئت به، أفيخاف علينا ؟ قال: نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها تبارك وتعالى)). ثم حكى - سبحانه - ضراعة أخرى تضرع بها المؤمنون إلى خالقهم فقال: « ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه،. أى : يا ربنا إنك جامع الناس: محسنهم ومسيتهم ، مؤمنهم وكفرهم، ليوم لاشك فى وقوعه وحصوله وهو يوم الحساب والجزاء، لتجازى الذين أساؤا بما عملوا وتجازى الذين أحسنوا بالحسنى، فأنت - سبحانك - لم تخلق الخلق عبنا. ولن تتركهم سدى، وإنما خلقتهم الرسالة عظمى هى عبادتك وطاعتك، فمن استجاب لك تفضلت عليه بالثواب العظيم ، ومن أعرض عن طاعتك عاقبته بما يستحقه . وقوله « إن الله لا يخلف الميعاد، تعليل لمضمون الجملة المؤكدة أو لانتفاء الربب فى وقوع يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب . أى إنك يا مولانا لا تخلف ما أخبرت به عبادك من أن هناك يوما لاشك فى وقوعه، تجازى فيه الماس على أعمالهم بمقتضى إرادتك ومشيئتك. (١) تفسير القرطبى ج ٣ ص ٠٢٠. (٤ - سورة آل عمران) مور ٥٠ سورة آل عمران وفى هذه الآية الكريمة إشعار بأن نهاية أمل المؤمنين أن يظفروا بالجزاء الحسن من خالقهم يوم القيامة. لأنهم بعد أن سألوه تثبيت الإيمان وسعة الرحمة. توجهوا إليه بالمقصود الأعظم وهو حسن الثواب يوم القيامة. فكلهم قالوا - كما يقول الرازى - : ليس الغرض من تلك الدعوات ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها فانية؛ وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا تعلم أنك يا إلهنا جامع الناس الجزاء فى يوم القيامة ، وفعلم أن وعدك لا يكون خلفا . وكلامك لا يكون كذبا فمن زاغ قلبه بقى هناك فى العداب أبد الآباه، ومن أعطيته التوفيق والهداية وارحمة وجعلته من المؤمنين ، بقى هناك فى السعادة والكرامة أبد الآبدين. فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة(١). وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على دعوات كريمات بطيغات ، من شأنها أن تسعد الناس فى دينهم ودنياهم. والله نسأل أن ينفعنا بها إنه مجيب الدعاء، وأرحم الراحمين . وبعد هذا الدعاء الجامع الحكم الذى حكاه الله - تعالى - عن عباده المؤمنين عقب ذلك بالحديث عن الكافرين. وعن أسباب كفرهم وغرورهم، وعن سوء عاقبتهم فقال - تعالى -: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُقْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلَادُهُ مِنَ اللهِ شَيْثًا، وَأُولَئِكَ هُ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبٍ آلٍ فِرْ عَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَ، فَأَخَذَمَ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَديدُ المِقَبِ (١١) قُلْ للَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغَبُونَ وَتَخْشَرُونَ إِلى جَهََّ وبْسَ المهَدِ (١٢) قَدْ كَانَ لِكُمْ آيَةٌ فِى فَتَيْنِ الثّقْتَ، فَتَّةٌ تُقَتِلُ فى سَبِيلِ اللهِ وأُخْرَى (١) التفسير الكبير للفخر الرازى ج ٢ ص ١٩٥ ٥١ الجزء الثالث كافِرَةٌ يَرَوْنَهِمْ مِثْلَيْهِمْ رَأَى العَيْنِ، وَالُهُ يُؤْيِّدُ بِنَصْرِه مَنْ يَشّاء، إِنَّ فِى ذَلِكَ لِمِبْرَةٌ لأولِ الْأَبْصَار (١٣) )) . الوقود - بفتح الواو - هو ما توقد به النار كالحطب وغيره. وأصله من وقدت لنار تقد إذا اشتعلت. والوقود - بضم الواو - هو المصدر عند أكثر اللغويين . والمعنى: إن الذين كفروا بالحق لما جاءهم وعموا وصمرا عن الاستجابة له، لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة، ولن تدفع عنهم شيئا من عذاب الله اذى استحقوه بسبب كفرهم، واغتراريم بكثرة المال ، وعزة النفر، وقوة العصبية وقد أكد- سبحانه. هذا الحكم ردا على مزاعمهم الباطلة من أن ذلك -ينفعهم فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: «نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)). فين - سبحانه - أنه بسبب كفرهم الذى أصروا عليه ، لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم أى نفع من وفرع عذاب الله عليهم . ومن° فى قوله «من الله) لابتداء الغاية، و«شيئا، منصوب على المصدرية. أى شيئًا من الإغناء، أو النفع، لأن هدى ينفع الناس يوم القيامة إنما هو إيمانهم وعملهم الصالح . : والإشارة فى قوله ((وأولئك هم وقود النار، لأولئك الكافرين الذين غرهم بالله الغرور. أى: وأولئك الكافرون ادبن غزوا بأموالهم وأولادهم ولم يعيروا أسماعهم أى ثقفات إلى الحق هم وقود الفار أى خطبها. أى أن: النار بعد اشتصاح فيهم حتى لكأنهم هم مانها لى بها تفقد وتشتعل. وجىء بالإشارة فى قوله ((وأولئك، لاستحضارهم فى الأذهان حتى لكأنهم بحيث يشار إليهم، والتنبيه على أنهم أحرياء بما سيأتى من الخبر وهو قوله ((هم وقود النار)) وكانت الإدارة البعيد، الاشعار بعنوهم فى الكفر، وانغماسهم فيه إلى منتهاه . ولذلك كانت العقوبة شديدة . ٠٢ سورة آل عمران وقوله «وأولئك، مبتدأ، وهم ضمير فصل والخبر قوله , وقود النار)) والجملة مستأنفة مقررة لعدم الإغناء . وفى هذا التذييل تهديد شديد للكفار الذين اغتروا بأموالهم وأولادهم ببيان أن ما اغتروا به لن يحول بينهم وبين الخلود فى النار . قال الفخر الرازى ما ملخصه: أعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عن الانسان كل ما كان منتفعا به . ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة . أما الأول فهو المرادبقوله « لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، وذلك لأن المرء عند الخطوب والشوائب فى الدنيا يفزع إلى المال والولد ... فبين الله - تعالى - أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا. ونظير هذه الآية قوله - تعالى -« يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)). وأما القسم الثانى من أسباب العذاب فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة ، وإليه الإشارة بقوله: ((وأولئك هم وقود النار، وهذا هو النهاية فى العذاب، فإنه لاعذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها فى الحطب اليابس)»(١). أ ثم بين - سبحانه - أن حال الكافرين بالحق الذى جاءهم به النبى - صلى الله عليه وسلم - كحال الذين سبقوهم فى الجحود والعناد فقال - تعالى -: «كداب آل فرعون والذين من قبلهم ... ». الدأب: أصله الدوام والاستمرار . يقال: دأب على كذا يداب داًبا ود با ود.وبا، إذا دوام عليه وجد فيه وتعب . ثم غلب استعماله فى الحال والشأن والعادة ؛ لأن من يستمر فى عمل أمدا طويلا يصير عادة من عاداته، وحالا من أحواله . فهو من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. وآل فرعون : هم أعوانه ونصراؤه وأشياعه الذين استحبوا العمى على الهدى واستمروا على النفاق والضلال حتى صار دينا لهم . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٩٨ ٥٣ الجزء الثالث قال الراغب: الآل مقلوب عن الأهل . ويصغر على أهيل إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون المنكرات ودون الأزمنة والأمكنة . يقال آل فلان ولا يقال آل رجل ... ولا يقال آل الخياط بل يضاف إلى الأشرف والأفضل، فيقال آل الله وآل السلطان والأهل يضاف إلى الكل فيقال أهل اللّه وأهل الخياط كما يقال أهل زمن كذا ... )،(١). والمعنى : حال هؤلاء الكافرين الذين كرهوا الحق الذى جئت به - يا محمد - ولم يؤمنوا بك. حالهم فى استحقاق العذاب، كحال آل فرعون والذين من قبلهم من أهل الزيغ والضلال، كفروا بآيات الله، وكذبوا بما جاءت به من هدايات، فكانت نتيجة ذلك أن أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر حيث أهلكهم بسبب ما ارتكبوه من ذنوب، واقه .. تعالى. شديد العقاب لمن كفر بآياته والجار والمجرور وهو قوله ((كدأب آل فرعون)) فى موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف. أى شأن هؤلاء فى تكذيبك يا محمد كشأن آل فرعون والذين من قبلهم فی تکنیبهم لأنییائم . والمقصود بآل فرعون هو وأعوانه وبطانته لأن الآل يطلق على أشد الناس التصاقا واختصاصا بالمضاف إليه. والاختصاص هنا فى المتابعة والتواطؤ عَلى الكفر؛ ولأنه إذا وجد العناد فى التابع فهو فى الغالب فى المتبوع أشدوأ كبر، ولأنهم هم الذين حرضوه على الشرور والآثام والطغيان ، فلقد حكى القرآن عنهم ذلك فى قوله - تعالى - : وقال الملأ من قوم فرعون أنذر موسى وقومه ليفسدوا فى الأرض ويذرك وآلهتك؟ قال: سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم . وإنا فوقهم قاهرون)،(٢). وخص القرآن آل فرعون بالذكر من بين الذين سيقوم فى الكفر (١) مفردات القرآن للراغب الأستهانى ص ٣٠ (٢) سورة الأعراف الآية ١٢٧ ٥٤ سورة آل عمران لأن فرعون كان أشد الطغاة طفيانا؛ وأكبرهم غروراو بطرا وأكثرهم استهانة بقومه، واحتقاراً لعقولهم وكيانهم ، ألم يقل لهم - كما حكى القرآن - « أنا ربكم إلا على، (١) ألم يبلغ به غروره أن يقول لهم: «أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون (٢)، ألم يقل لوزيره: «يا مامان ابنى لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب. أسباب السموات فأطلع إلى إله مومى وإنى ﴾ لأظنه كاذبا ... ،(٢) . ولقد وصف الله - تعالى - قوم فرعون بهوان الشخصية، وتفاهة العقل، والخروج عن كل مكرمة فقال: «فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين ،(٤)، لأن الأمة التى تترك الظالم وبطانته يعيدون فى الأرض فساداً لا تستحق الحياة، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران. وجملة «كذبوا بآياتنا)) تفسير لصنيعهم الباطل، ودأبهم على الفساد. والضلال. والمراد بالآيات ما يعم المتلو فى كتب الله - تعالى -، والبراهين والمعجزات الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم. وفى إضافتها إلى الله - تعالى - تعظيم لها، وتنبيه على قوة دلالتها على الحق والخير. وقوله (( فأخذهم الله بذنوبهم)) بيان لما أصابهم بسبب كفرهم وتكذيبهم للحق، وفى التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العقوبة، فهو - سبحانه- قد أخذهم كما يؤخذ الأسير الذى لا يستطيع فكا كا من آسره. والياء للسببية أى أخذم بسبب ما اجترحوه من ذنوب. أو للملابسة والمصاحبة وأى أخذهم وهم متليسون بذنوبهم دون أن توبوا منها أو يقلموا (١) سورة المنازعات الآية ٢٤ (٢) سورة الزخرف الآية ٥١ (٣) سورة غافر الآية ٣٦ (٤) سورة الزخرف الآية ٥٣ - الجزء الثالث منها. والجملة على الوجهين تدل على كمال عدل الله - تعالى -، لأنه ما عاقبهم لا لأنهم استحقوا ذلك . وأصل الذقب الأخذ بذَنَبِ الشىء، أى بمؤخرته . ثم أطلق على الجريمة لأن مرتكبها يعاقب بعدها. وفى قوله: ((والله شديد العقاب، إشارة إلى أن شدة العقاب سببها شدة الجريمة، وتعليم الناس بأن كل فعل له جزاؤه، إن خيراً غير وإن شراً فشر، وتقرير وتأكید لمضمون ما قبلها . ثم أنذر الله - تعالى - الكافرين بسوء المصير، وبشر المؤمنين بحسن العاقبة فقال - تعالى -: ((قل الذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ،. وقد وردت روايات فى سبب نزول هذه الآية والتى بعدها من أشهرها: ما ذكره ابن إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أصاب من قريش ما أصاب فى غزوة بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود فى سوق بنى قينقاع وقال: « يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر قبل أن ينزل بكم مانزل بهم ، فقد عرفتم أنى بنى مرسل تجدون. ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك انك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً(١) لاعلم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة. إنك والله لو قائلنا لعرفت أنا نحن النامر. فأنزل الله - تعالى -، قل للذين كفروا ستغلبون ... إلى قوله - تعالى - لعبرة الأولى الأبصار)) (٢). والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود وأمثالهم من المشركين الذين يدلون بقوتهم، ويفترون بأموالهم وأولادهم وعصبيتهم ... فل لهم ستغلبون وتمزمون فى الدنيا على (١) الأعمار: جمع غمر - بضم النين - وهو الجاهل الذى لم يجرب الأمور (٢) تفسيرابن كثير جـ ١ ص ٠ ١٣٥ ٥٦ سورة آل عمران أيدى المؤمنين ، وتحضرون يوم القيامة ثم تسافون إلى جهنم لتلقوا فيها مصيركم المؤلم، ((وبئس المهاد) أى بمس المكان الذى هيؤوه لأنفسهم فى الآخرة سبب سوء فعلهم. والمهاد: المكان المعهد الذي ينام عليه كالفراش وقـ أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتولى الرد عليهم، وأن يواجههم هذا الخطاب المشتمل على التهديد والوعيد، لأنهم كانوايتفاخرون عليه بأموالهم وبقوتهم، فكان من المناسب أن يتولى - صلى الله عليه وسلم - الرد عليهم ، وأن يخبرهم بأن النصر سيكون له ولأصحابه ، وأن الدائرة ستدور عليهم . وقوله ((ستغلبون)) إخبار عن أمر يحصل فى المستقبل، وقدوقع كما أخبر به انه - تعالى -، فقد دارت الدائرة على اليهود من بنى قينقاع والنضير وقريظة وغيرهم ، بعد بضع سنوات من الهجرة، وتم فتح مكة فى السنة الثامنة بعد الهجرة. وقوله (( وبئس المهاد)) إما من تمام ما يقال لهم، أو استئناف لتهويل. شأن جهنم ، وتفظيع حال أهلها . ثم ساق القرآن مثلامشاهداً يدل على نصراته - تعالى - لأولياء، وخذلانه لأعدائه، فقال: «قد كان لكم آية فى فئتين التقتافئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأى العين » . والمراد بالآية هنا . العلامة والبرهان والشاهدعلى صدق الشىء المخبر عنه. والفئة - كما يقول القرطبى - الجماعة من الناس. وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء إليها، أى يرجع إليها فى وقت الشدة . ولا خلاف فى أن الإشارة بهاتين الفئتين هى إلى يوم بدر. ثم قال: ويحتمل أن يكون المخاطب يهذه الآية جميع المؤمنين ، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار ، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة ؛ وبكل احتمال منها قد قال قوم. وفائدة الخطاب ٠٧ الجزء الثالث للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها جنى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع (١) » . والمعنى: قد كان لكم أيها الناس علامة عظيمة، ودلالة واضحة على أن الكافرين سيغلبون والمؤمنين سينصرون بما جرى فى غزوة بدر ، فقد رأيتم كيف أن الله - تعالى - قد نصر المؤمنين مع قلة عددهم وُعُدّدم، وهزم الكافرين مع كثرة عددهم وعددهم . ولقد كان المؤمنون يرون أعداءهم أكثر منهم عددا أو عدة ومع ذلك لم يها بوهم ولم يجبفوا عن لقائهم، بل أقدموا على قتالهم بإيمان وشجاعة فرزقهم الله النصر على أعدائهم . ووصف - سبحانه - الفئة المؤمنة بأنها تقاتل فى سبيل الله، على سبيل المدح لها، والإعلاء من شأنها، وبيان الغابة السامية التى من أجلها قاقلت، ومن أجلها تم لها التصرفهى لم تقاتل لأجل عرض من أعراض الدنيا، وإنما قاتلت لإعلاء كلمة الله ونصرة الحق .. ووصف الفئة الأخرى بأنها كافرة، لأنها لم تؤمن بالحق ، ولم تقبع الطريق المستقيم ، بل كفرت بكل ما يصلحها فى دينها ودنياها . ولم يصفها بالقتال كما وصف الفئه المؤمنة، إسقاطا لقتال تلك الفئة الكافرة عن درجة الاعتبار، وإيذانا بأن الرعب الذى ألقاه الله فى قلوبهم عند لقائهم للمؤمنين ، جعلهم بأنهم ليوا أهلا لأن يوصفوا بالقتال. هذا وللعلماء أقوال فى المراد من قوله - تعالى - «يرونهم مثليهم رأى العين وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه الأقوال فقال . « يرونهم مثليهم، أى : يرى المشركون المسلمين مثلى عدد المشركين أى قريبا من ألفين ، أو مثلى عدد المسلمين أى ستمائة وفيفا وعشرين. أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليها بوهم ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مدداً لهم من الله كما أمدهم بالملائكة. (١) تفسير القرطبى حـ ص ٢٥ ٠٨ سورة آل عمران والدليل عليه قراءة نافع: (ترونهم) بالتاء ، أى ترون يامشركي قريش المسلمين مثلى فعتكم الكافرة، أو مثلى أنفسهم. فإن قلت: فهذا مناقض لقوله فى سورة الأنفال ( ويقللكم فى أعينهم)؟ قلت: قللوا أولا فى أعينهم حتى إجترؤا عليهم ، فلما لاقوهم كثروا فى أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير فى حالين مختلفين ... وتقليلهم تارة وتكثيرهم تارة أخرى فى أعينهم أبلغ فى القدرة وإظهار الآية. وقيل: يرى المسلمون المشركين مثلى المسلمين على ماقرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الإنتين فى قوله ( فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين). بعد ما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة فى قوله - تعالى - ( إن يمكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ... )(١) والذى نراه أن الرأى الذى عبر عنه صاحب الكشاف بقوله : وقيل : (يرى المسلمون المشركين مثلى المسلمين ... الخ،هذا الرأى هو أقرب الأقوال إلى الصواب، لأن المسلمين فى غزوة بدر كانوا أقل عددا وعدة من المشركين ولأن التعبير بقوله - تعالى - ( رأى العين ) يفيد أن رؤية هذه الكثره من المشركين كانت رؤية بصرية بالمشاهدة، وليست بالتقدير أو التخيل ، وهذا يتحقق فى رؤية المؤمنين للمشر كين . فإن قيل : إن المشركين فى بدر كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين تقريبا - كما حكى لنا التاريخ - ولم يكونوا مثليهم أى ضعفهم؟ فالجواب على ذلك أن هذا التقدير للمشر كين من جانب المؤمنين كان تقديرا تقريبيا وليس تقديرا عدديا، فثلاثه الأمثال قد ترى رأى العين مثلين أو نقول: إن المراد بكلمةمثلين مجرد التكرار وليس المراد بها التقنية على الحقيقة ، كمافى قوله - تعالى - ( فارجع البصر هل ترى من فطور . ثم أرجع - (١) تفسير الكشاف حـ ١ ص ٣٤١. ٥٩ الجزء الثالث البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير، فالمراد تكرار النظر مرة ومرات وليس التحديد بكرتين . وقد رجح ابن جرير الطبرى هذا الرأى، فقد قال بعد سرده لجملة من أقوال العلماء: وأولى هذه القراءات بالصواب: قراءة من قرأء «يرونهم، بمعنى: وأخرى كافرة يراهم المسلمون مثليهم، يعنى: مثلى عدد المسلمين ، لتقليل الله إياهم فى أعينهم فى حال ، فكان حزرهم إياهم كذلك ... ثم قال : وأما قوله : ((رأى العين)) فإنه مصدرَ رأيته. يقال رأيته رأيا ورؤية، ويقال: هو منى رأى العين ورأى العين - بالنصب والرفع - يراد حيث يقع عليه بصرى ... فمعنى ذلك: يرونهم حيث تلحقهم أبصارهم وتراهم عيونهم مثليهم، (١). وقوله - تعالى -,قد كان لكم آبة .. الخ )) من تمام القول المأمور به جىء به لتقرير وتحقيق ما قبله. و((كان)، هنا ناقصة، ورآية، إسمها وترك التأنيث فى - كان - لوجود الفاصل بينها وبين إسمها، ولأن المرفوع بهاوهو إسمها مجازى التأنيث أو باعتبار أن الآية برهان ودليل. وقوله (( لكم، خبر كان. وقوله «فتة، خبر لمبتدأ محذوف أى. إحداهما فئة تقاتل فى سبيل الله وقوله ((وأخرى، نعت لمقدرأى وفئه أخرى كافرة. والجملة مستأنفة لتقرير ما فى الفئقين من الآية، ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله «والله يؤيد بنصره من يشاء إن ذلك لعبرة الأولى الأبصار)». أى: والله - تعالى - يؤيد بنصره من يشاء نصره وفوزه، فهو القادر على أن يجعل الفئة القليلة تغلب الفئة الكبيرة، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه وإن الذين يغترون بقوتهم وحدها، ويغترون بما بين أيديهم من أموال وعتاد ورجال ، ولا يعملون حسابا للقدر الذى يجزيه الله على حسب مشيئته وإرادته (١) تفسير ابن جرير حـ ٢ ص ١٩٨ - بتصرف وتلخيص. ٦٠ سورة آل عمران . هؤلاء الذين غرهم باقه الغرور ، تداهمهم الهزيمة من حيث لا يحتسبون، وقد يفجؤهم الخسران والخذلان من الطريق الذى توهموا فيه الكسب والانتصار لذا أمر الله - تعالى - عبادة بالاعتبار والاتعاظ فقال: (إن فى ذلك لعبرة الأولى الأبصار، وإسم الإشارة (ذلك) يعود إلى المذكور الذى رأوه وشاهدوه وهو أن الفئة القليلة المؤمنة غليت الفئة الكثيرة الكافرة . والعبرة - الاعتبار والاتعاظ وأصله من العبور وهو النفور من أحد الجانبين إلى الآخر، وسمى الاتعاظ عبرة، لأن المعتبر المتعظ يعبر من الجهل إلى العلم . ومن الهلاك إلى النجاة. أى: إن فى ذلك الذى شاهده الناس وعاينوه من انتصار الفئة القليلة التى. تقاتل فى سبيل الله، على الفئة الكثيرة التى تقاتل فى سبيل الطاغوت، العبرة عظيمة ، ودلالة واضحة، لأصحاب المدارك السليمة، والعقول الواعية التى تفهم الأمور على حقيقتها، ونؤمن بأن الله - تعالى - قادر على كل شىء ، أما أصحاب القلوب المطموسة، والنفوس المغرورة بقوتها، فهى عن الاعتبار الاتعاظ بمعزل . قال تفخر الرازى ما ملخصه: وأعلم أن العلماء ذكروا فى تفسير كون تلك الواقعة آية بينه وعبرة واضحة - وجوها منها: أناالمسلمين كان قد إجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور منها قلة العدد ، وأنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا، ومنها قلة السلاح، ومنها أنها كانت إبتداء غارة فى الحرب لأنها أول غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعانى من الكثرة والتأهب وغير ذلك ومع هذا فقد إنتصر المؤمنون ، ولما كان ذلك خارجا عن العاده كان معجزا (١) . (١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٢٠٣