Indexed OCR Text
Pages 1-20
التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سُورَةُ الْحَدَّاللّ دكتوس محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصر العربية الجزء الثالث حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الثانية ١٤٠٧ ٠ - ١٩٨٧ م مَطْبَعَة السَّعَادَة ميدان أحمد ماهر - شارع احداوى رقم ١٢ بست تليفون ٩٠٧٣٧٩ ١١٩٩٧٠ بسم الله الرحمن الرحيمّ مقدمة الطبعة الأولى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: فهذا تفسير مفصل لسورة آل عمران ، حاولت فيه أن أكشف عن بعض ما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات قويمة ، وهدايات جامعة. وإرشادات حكيمة، ووصايا جليلة، وآداب عالية، وحجج باهرة. تقذف حقها على باطل الضالين فتدمنه فإذا هو زاهق ... وقد رأيت من الخير- قبل أن أبدأ فى تفسيرها أن أسوق كلمة بين يديها تكون بمثابة التعريف بها، وبيان فضلها، ومقاصدها الإجمالية، والموضوعات التى اهتمت بالحديث عنها ... والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافما لعباده، إنه أكرم مثول وأعظم مأمول . وما توفيقي إلا بالله عليه توكات وإليه أنيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ المؤلف القاهرة - مصر الجديدة ٢٠ من رجب سنة ٥١٣٩٣ ١٩ أغسطس سنة ١٩٧٣ م محمد سيد طنطاوى تعريفُ بسورة آل عمران سورة آل عمران هى السورة الثالثة فى ترتيب المصحف ؛ إذ تسبقها فى الترتيب سورتا الفاتحة والبقرة. وتبلغ آياتها مائتى آية . وهى مدنية باتفاق العلماء. وسميت بسورة آل عمران، لورود قصة آل عمران بها بصورة فيها شىء من التفصيل الذى لا يوجد فى غيرها . والمراد بآل عمران عيسى، ويحيى ومريم، وأمها. والمراد بعمر ان واد مريم أم عیسی ۔ علیه السلام ۔ ۔ وقد ذكر العلماء أسماء أخرى لهذه السورة منها : أنها قسمى بسورة الزهراء، لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتاب من شأن عيسى - عليه السلام - . وتسمى بسورة الأمان ، لأن من تمسك بها أمن الغلط فى شأنه . ٠٠ وتسمى بسورة الكنز، لتضمنها الأسرار التى تتعلق بعيسى - عليه السلام .... وقسمى بسورة المجادلة ، لنزول أكثر من ثمانين آية منها فى شأن مجادلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لوفد نصارى نجران. وتسمى بسورة طيبة ، لجمعها الكثير من أصناف الطيبين فى قوله - تعالى- (((الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ... )). قال القرطى ما ملخصه: وهذه السورة ورد فى فضلها آثار وأخبار ... فمن ذلك ماجاء فى صحيح مسلم عن النواس بن سمعان الكلابى قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يؤتى بالقرآن يوم القيامة وبأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران - وضرب لهمارسول ٦ سورة آل عمران الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أمثال مانسيتهن بعد قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق - أى ضوء - أو كأنهما فرقان، أى قطعتان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما .... ثم قال : وصدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران، وكانوا قد وفدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إثر صلاة العصر، عليهم ثياب الخبرات (١) ... فقال بعض الصحابة : مارأينا وفداً مثلهم جمالا وجلاله . وحاقت صلاتهم فقاموا فصلوا فى المسجد إلى المشرق . فقال النبي - صلى أنه عليه وسلم -: دعوهم. ثم أقاموا بها أياماً يناظرون رسول - صلى الله عليه وسلم - فى شأن عيسى ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرد عليهم بالبراهين الساطعة ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى فيف وثمانين آية، إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المباهلة(٢) ... أما النصف الثانى من سورة آل عمران فقد كان نزول ما يقرب من ستين آية منه (٣) فى أعقاب غزوة أحد . هذا، ونرى من الخير قبل أن نبدأ فى تفسير هذه السورة الكريمة بالتفصيل أن تذكر على سبيل الإجمال ما اشتملت عليه من توجيهات سامية، وآداب حالية، وأحكام جليلة ، وتشريعات قويمة ... إنك عندما تفتح كتاب الله - تعالى - وتطالع سورة آل عمران تراها. (١) الخبرات: جمع حبرة . وهى ثياب يمانية. (٢) تفسير القرطي ج ٤ ص ٠٣ (٣) من الآية ١٢٤ - ٠١٧٩ ٧ الجزء الثالث فى مفتتحها تثبت أن المستحق للعبادة إنما هو الله وحده ، وتقيم البراهين الساطم: على ذلك ... , ألم الله لا إله إلا هو الحى القيوم. نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه، وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس، وأنزل الفرقان. ثم بعد أن مدحت أصحاب العقول السليمة لقوة إيمانهم، وشدة إخلاصهم وكثرة تضرعهم إلى خالقهم - سبحانه - وبشرتهم بحسن العاقية ... بعد أن فعلت ذلك ذمت الكافرين وتوعدتهم بسوء المصير فقالت: « إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، وأولئك هم وقود الغاز ..... ثم تحدثت عن الشهوات التى زينت للناس ، وبينت ما هو خير منها ، وصرحت بأن الدين الحق الذى ارتضاه الله لعباده هو دين الإسلام، وأن أهل الكتاب ما تركوا الحق الذى جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا بسبب ما استولى على قلوبهم من بغى وجحود، وأنهم بسبب ما ارتكبوه من كفر وجرائم فى الدنيا ، سيكون حالهم يوم القيامة أسوأ حال وسيكون مصيرهم أشنع مصير «فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه، ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ..... ثم تهت السورة الكريمة المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء يلقون إليهم بالمودة، وذكرتهم بأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء فى الأرض ولا في السماء، وأنه - سبحانه - سيحاسب كل نفس بما كسبت ((يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيداً ... .. فإذا ما طالعت - أيها القارئ الكريم - الربعين: الثالث والرابع منها، وجدت فيهما حديثا حكيما عن آل عمران . ٨ سورةآل عمران فقد تحنت السورة الكريمة عما قاله امرأة عمران - أم مريم - عندما أحست بالحمل فى بطنها، وعما قالته عندما وضعت حملها ... ,قالت ربى إنى وضعتها أنثى، والله أعلم بما وضعت، وليس الذكر کالآنی ، وانی سمیتها مريم ...... وتحدثت عن الدعوات الخاشعات التى تضرع بها زكريا إلى ربه ، سائلا إباء الذرية الطيبة، وكيف أن الله - تعالى - أجاب له دعاءه فبشره بيحي مصدقا من اله وسيداً وحصورا ونبياً من الصالحين ... )). وتحدثت عن اصطفاء الله - تعالى - مريم. وتبشيرها بعيسى - عليه السلام وتعجبها من أن يكون لها ولد دون أن يمسها بشر، وكيف أن الله - تعالى - قد رد عليها بما يزيل عجبها . قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسنى بشر؟ قال كدلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ... )). وتحدثت عن الصفات الكريمة، والمعجزات الباهرة التى منحها الله - تعالى - لعيسى - عليه السلام - وعن دعوته الناس إلى عبادة الله وحده ، وعن موقف أعدائه منه ، وعن صيانة الله له من مكرهم وعن تشابه عيسى وآدم فى شأن خلفهما بدون أب.،. وكيف أن الله - تعالى - أمرنبيه - صلى الله عليه وسلم- أن يتحدى كل من يجادله بالباطل فى شأن عيسى فقال : , ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم. إن مثل عيسى عندالله کمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون . الحق من ربك فلا تکن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك فن العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين . إن هذا لهو القصص الحق؛ وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ..... ٩ الجزء الثالث ثم وجهت السورة الكريمة أربع نداءات إلى أهل الكتاب ، دعتهم فيها إلى عبادة الله وحده. وإلى ترك الجدال الباطل فى شأن أنبيائه، وربحتهم على كفرهم وعلى خلطهم الحق بالباطل . (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ... ، يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ... ((يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون)). (( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعملون)، ثم واصلت السورة الكريمة فى الربعين : الخامس والسادس منها حديثها عن أهل الكتاب ، فمدحت الفلة المؤمنة منهم ، وذمت من يستحق الذم منهم . وهم الأكثرون - وحكت بعض الرذائل التى عرفت عن أشرارهم وعلمائهم. ده وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله وما هو من عندالله ، ويقولون على القه الكذب وهم يعلمون . ثم بينت أن انه - تعالى - قدأخذ الميثاق على أنبيائه بأن يؤمنوا بمحمد .. صلى الله عليه وسلم - وأنهم قد أقروا بذلك، وأمرت النى - صلى الله عليه وسلم - بأن يجابه مخالفيه بكلمة الحق التى جاء بها من عند الله، وأن يخبرهم بأن من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه . • قل آمنا باقه وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من رمهم ؛ لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون . ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين . ١٠ سورة آل عمران ثم سافت السورة الكريمة بعض الشبهات التى أثارها اليهود حول ما أحله ألقه وحرمه عليهم من الأطعمة ، وردت عليهم بما يفضحهم ويثبت كذبهم، ووبختهم على كفرهم وعلى صدهم الناس عن طريق الحق ... وحذرت المؤمنين من مسالكهم الخبيثة التى يريدون من وراثها تفريق كلمتهم ، وخصم عرى أخوتهم بالاعتصام بحبل الله. وذكرتهم بنعمة الإيمان التى بسببها نالواما نالوا من الخير, واذكروا نعمة الله عليكم، إذكنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها .... ، ثم بشرت السورة الكريمة المؤمنين بأنهم خير أمة أخرجت للناس ، وأنهم هم الغالبون ما داموا معتصمين بدينهم ... وذكرت بعض العقوبات التى عاقب الله - تعالى - بها اليهود بسبب كفرهم بآياته، وقتلهم لأنبيائه ، وعصيانهم لأوامره .... وأثنت على من يستحق الثناء من أهل الكتاب فقالت: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، ويؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتاب لمكان خير ألهم، منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون أن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون. ضرت عليهم الذلة أينما ثقفوا - إلا بحبل من الله وحبل من الناس - وباؤا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . ليسوا سواء .... وبعد أن أقامت السورة الكريمة - فى عشرات الآيات منها - الأدلة الواضحة، وساقت الحجج الساطعة على صحة دين الإسلام ... انتقلت إلى . الحديث عن معارك السيف والسنان التى دارت بين أهل الحق وأمل الباطل ... فتحدثت فى الربع السابع والثامن والتاسع والعاشر منها عن غزوة أحد ١١ الجزء الثالث وكان حديثها عن هذه الغزوة زاخرا بالتوجيهات الحكيمة والتربية القويمة، والوصايا الحميدة، والعظات الجليلة ، والقشريعات السامية، والآداب العالية .. كان حديثها عنها هاديا المسلمين فى كل زمان ومكان إلى الطريق الذى يوصلهم إلى النصر ليسلكوه، وموضحا لهم طريق الفشل ليجتنبوه ... كان حديثها عنها يدعو المسلمين كافة إلى الاعتبار بأحداث الحياة، وكيف أنها تسير على سنن وقوانين علينا أن نطلبها ونسلك السبيل إلى تعلمها ، وأن أحداث الحياة ليت مجموعة من المصادفات المتوالية، أو التدفق العشوائى، وإنما للنصر قوانين، والهزيمة قوانين ، ومن الممكن أن ينهزم المسلمون فى حرب ولو كان فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ما خالفوا عن أمره، وسلكوا غير سبيل النصر، وأن لهم النصر على عدوهم وإن فاقهم عدداً وعدة إذا ما استطاعوا أن يرتفعوا إلى مافوق فاعلية عدوم إيمانا وعلما وتنظيما ... ) (١) لقد بدأت سورة آل عمران حديثها عن غزوة أحد بتذكير المؤمنين بما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل بدء المعركة من إعداد وتنظيم للصفوف، وبما هم به بعضهم من فشل ، وبما تم لهم من نصر على أعدائهم فى غزوة بدر .. استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول: ((وإذ غدوت من أهلك تبوى المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم . إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما، وعلى الله فليتوكل المؤمنون، ولقد نصركم الله يبدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون ٢٠٠٠٠٠ وفى هذا الربط بين الغزوتين تذكير للمؤمنين بأسباب انتصارم فى بدر . (١) من كتاب ((دروس من غزوة أحد)) ص ١١ الدكتور عبدالعزيز كامل. ١٢ سورة آل عمران وأسباب هزيمتهم فى أحد ، حتى يسلكوا فى مستقبل حياتهم السبيل التى توصلهم إلى الظفر، ويهجروا الطريق لى تقودهم إلى الفشل. ثم وجهت السورة قداء إلى المؤمنين نه تهم فيه عن التعامل بالربا ، وحثتهم على المسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى رضوان الله، لأنه إذا كان أعداؤهم يجمعون المال من كل طريق لحربهم، فعليهم ثم أن يتحروا الحلال فى جمعهم للمال، وأن يتبعوا الوسائل الشريفة التى تبلغهم إلى غايتهم النبيلة ثم حضتهم على الاعتبار بسنن الله فى خلقه، وأمرتهم بالتجلد والصبر، ونهتهم عن الوهن والضعف، وبشرتهم أنهم م الأعلون ، وشجمتهم على مواصلة الجهاد فى سبيل الله فإن العاقبة لهم، وأخبرتهم بأن ما أصابهم من آلام وجراح فى أحد، قد أصيب أعداؤهم بمثلها، وأن الأيام دول ، وأذهزبمنهم فى أحد من ثمارها أنها ميزت قوى الإيمان من ضعيفه، لأن المصائب كثيراً ما تكشف عن معادن النفوس ، وخفايا الصدور .... قال - تعالى - ,قد خلت من قلكم سنن فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ، ولاتهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسكم فرح فقد مس القوم فرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس ، وليعلم الله الذين آمنوا وبتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين .... » ثم بينت السورة الكريمة أن الآجال بيد الله وحده، وأن محمدا-صلى الله عليه وسلم - رسول قد خلت من قبله الرسل ، وسيدركه الموت كما أدركهم . . وأن الأخيار من أتباع الرسل السابقين كانوا يقاتلون معهم بقيات وصبر من أجل إعلاء كلمة الله ... فعلى المؤمنين فى كل زمان ومكان أن يقدموا على الجهاد فى سبيل الله بعزيمة صادقة، وبنفوس مخلصة، لأن الإقدام ١٣ الجزء الثالث لا ينقص شيئا من الحياة، كما أن الإحجام لا يؤخرها، فما، كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا. ، ثم حذرت السورة الكريمة المؤمنين من طاعة الكافرين، لأن طاعتهم تفضى بهم إلى الخسران، وبشرتهم بأن الله - تعالى - سيلقى الرعب فى قلوب أعدائهم، وأخبرتهم بأنه - سبحانه - قد صدق وعده معهم، حيث مكنهم فى أول معركة أحد من الانتصار على خصومهم، وأنهم ما أصيبوا بما أصيبوابه فى أحد إلا بسبب فشلهم وتنازعهم وتطلعهم إلى الغنائم . ومخالفتهم لوصايا رسولهم - صلى الله عليه وسلم -... قال - تعالى - ((ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسُو نهم بإذنه، حتى إذا نشاتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقدعفا عنكم، واقه ذو فضل على المؤمنين ... ، ولقد ذكرت السورة الكريمة المؤمنين بما حدث من بعضهم من فرأر عن المعركة حتى لا يعودوا إلى ذلك مرة أخرى فقالت: ((إِذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فى أخراكم ... » وبينت لهم كيف أن القه - تعالى - قد شملهم برحمته، حيث أنزل عليهم النعاس فى أعقاب المعركة ليكون أمانا لهم من الخوف، وراحة لهم من الآلام التى أصابتهم ... ، وكيف أنه - سبحانه - قد فضح المنافقين ، ورد على أقوالهم وأراجيفهم بما يدحضها ويبطلها ... قال - تعالى - , ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية . يقولون هل لنا من الأمر من شىء، قل إن الأمر كله له، يخفون فى أنفسهم ١٤ سورة آل عمران ما لا يبدون لك، يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلناما هنا، قل لو كنتم فى بيوتكم ابرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم .... » ثم وجهت السورة الكريمة حديثها إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فوصفته بأكرم الصفات وأفضلها، ونزهته عن كل قول أو فعل يتنافى مع منزلته الرفيعة ... وأمرته باللين مع أتباعه وبالعفو عنهم وبالاستغفار لهم، وبمشاورتهم فى الأمر . ثم عادت السورة الكريمة فأكدت للمؤمنين أن ما أصابهم فى أحد كان سببه من عند أنفسهم ، فهم الذين خالفوا ما أمرهم به نبيهم - صلى الله عليه وسلم .، . قال - تعالى -: « أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم .... ن ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن غزوة أحد بيان فضل الشهداء، وما أعده الله لهم من ثواب جزيل، وبالثناء على المؤمنين "صادقين)) الذين إستجابوا فته والرسول من بعد ما أصابهم الفرح ... ، والذين لم يرهبهم قول المرجفين:، إن الناس قد جمعوا لمكم فاخشوهم ، بل إن هذا القول زادهم إيمانا على إيمانهم ، مو جعلهم يفوضون أمورهم إلى الله ويقولون: «حسبنا الله ونعم الوكيل ). ولقد ذكر - سبحانه - أن حكمته قد إقتضت أن يحدث ما حدث فى أحد حتى يتميز الخبيث من الطيب فقال - تعالى -: (( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب، ولكن الله يحتبى من رسله من يشاء، فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وفتقوا فاكم أجر عظيم ). ١٥ الجزء الثالث وبعد هذا الحديث الحكيم المستفيض عن غزوة أحد، عادت السورة المكريمة إلى الحديث عن أهل الكتاب. فذكرت جانبا من رذائل اليهود ، الذين حكى الله - تعالى - عنهم قولهم: (( إن الله فقير ونحن أغنياء)) وأنهم قالوا: (( لن نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار.)). وأنهم قد نقضوا عهودهم مع الله ؛ وباعوا دينهم بد فياهم الفانية . وقد توعدهم الله - تعالى - على إرتكابهم لهذه الرذائل والمنكرات بالعذاب المبين , وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلون)). ثم تحدثت السورة الكريمة فى أواخرها عن صفات أولى الألباب ، وحكت عنهم ما كانوا يتضرعون به إلى الله من دعوات خاشعات ، وإبتهالات طيبات وكيف أنه - سبحانه - قد أجاب لهم دعاءهم بير كة قوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وطهارة قلوبهم . وكانت الآية الخاتمة فيها تدعوا المؤمنين إلى الصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى اله ، لأن المؤمن الذى تتوفر فيه هذه الصفات يكون أهلا للفلاح فى الدنيا والاخرة . قال - تعالى -: ء ((يأيها الذين آمنوا أصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون » . ١ ٠ هذا، ونستطيع بعد هذا العرض الإجمالى لأهم المقاصد التى إشتمات عليها سورة آل عمران أن نستخلص ما يأتى : أولا : أن السورة الكريمة قد احتات بإثبات وجدانية الله - تعالى - وإقامة الأدلة الساطعة على ذلك، وإثبات أن الحق الذى إرتضاء الله - تعالى - لعباده هو دين الإسلام، أرسله نبيه محمداً - عليه الصلاة والسلام - . ١٦ سورة آل عمران وقد سأقت السورة الكريمة لإثبات هذه الحقائق آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: « القه. لا إله إلا هو الحى القيوم ... وقوله - تعالى -: «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام). وقوله - تعالى -: ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به دينا ٠٠٠٠٠] وقوله - تعالى -: ((ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ، وهو فى الآخرة من الخاسرين ... ،. ثانياً : أن السورة الكريمة قد فصلت الحديث عن أحوال أهل الكتاب، بأسلوب مقنع حكيم يحق الحق ويبطل الباطل . فأنت إذا طالعتها بتدبر تراها تارة تتحدث عن الكفر الذى إرتكسوا فيه بسبب إختلافهم وبغيهم ((وما إختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ... )). وقارة تتحدث عن قبذهم لكتاب الله وتحاكمهم إلى غيره. ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ... )). وقارة توبخهم على كفرهم بآيات الله ، وعلى مجادلتهم بالباطل، وعلى سوء أبهم مع أقه - تعالى - وعلى نقضهم لعهودهم ومواثيقهم، وعلى كمانهم لما أمرهم الله باظهاره من حقائق ... وقد توعدتهم السورة الكريمة بسوء العذاب بسبب هذه الرذائل والمنكرات ((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينته للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم و إشتروا به ثمنا قليلا فبئس مايشترون ، ٩٧ الجزء الثالث وقارة تحذر المؤمنين من شرورهم فتقول: « لتبلون فى أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشر كوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ،. ولا تغفل السورة الكريمة عن مدح من يستحقّ المدح منهم، لأن القرآن الكريم لا يذم إلا من يستحق الذم، فقد قال - تعالى - ،ليسوا -- وا. من أهل الكتاب أمة قائمة بتلون آيات الله آ ناء الليل وهم يسجدون .. )). وقال - تعالى - «ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما .. )). وقال - تعالى - ((منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ... )): هذا جانب من حديث سورة آل عمران عن أهل الكتاب، وهو حديث يكشف عن حقيقتهم حتى يكون المؤمنون على بينة من أمرم . وقد تحدثت السورة - أيضا - عن المشركين وعن المنافقين إلا أن حديثها عن أهل الكتاب كان أكثر وأشمل . ثالثا : أن السورة الكريمة قد اهتمت اهتماما بارزا بتربية المؤمنين تربية ينالون باتباعها النصر والسعادة فى الدنيا والفوز والفلاح فى الآخرة فقد وجهت إليهم سبع نداءات أمرتهم فيها بتقوى الله، وبالصبر والمصابرة والمرابطة، ونهتهم عن طاعة الكافرين، وعن التشبه بهم ، وعن اتخاذهم أولياء، كما نهتهم عن تعاطى الربا وعن كل ما يتنافى مع آداب دينهم ٠ وتعاليمه وهذه النداءات السبعة تراها فى قوله - تعالى -: يأيها الذين آمنو اتقوا الله حق تقائه .. (٢ - سورة آل عمران) ١٨ سورة آل عمران يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا .. يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين . يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أية ابكم فتنقلبوا خاسرين .. يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا فى الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا :. يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا :. يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ... وبجانب هذه النداءات التى اشتملت على أسمى ألوان التربية الفاضلة، والتوجيه القويم. ترى السورة الكريمة تسوق لمؤمنين فى آيات كثيرة منها ما يهديهم إلى الخير والرشاد ويبعدهم عن الشر والفساد. فهى تحكى لهم ألوانا من الدعوات التى يتضرع بها الأخيار من الناس لكى يتأسوا بهم . وتبين لهم أن حب الشهوات طبيعة فى الناس إلا أن العقلاء منهم يجعلون حبهم لما يرضى اللّه فوق أى شىء آخر. وتحرضهم على الاعتصام بحبل الله، وتحثهم على المسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى رضا الله. إلى غير ذلك من التوجيهات الحكيمة التى زخرت بها سورة آل عمران والتى من شأنها أن تزيد المؤمنين إيمانا مع إبملتهم، وأن تهديهم إلى الصراط المستقيم . ١ رابعا: أن السورة الكريمة عرضت أحداث غزوة أحد عرضا حكيما زاخر بالعظات والعبر ، وفصلت الحديث عنها تفصيلا لا يوجد فى غيرها من السور ، وساقت ها دار فيها بأسلوب بليغ مؤثر يخاطب العقول والعواطف ، ويكثف عن خفايا القلوب ونوازعها، وطوايا النفوس وخواطرها، ويعالج الأخطاء التى وقع فيها بعض المسلمين حتى لا يعودوا لمثلها، ويشجعهم على المضى ١٩ الجزء الثالث فى طريق الجهاد حتى لا يؤثر ماحدث لهم فى أحد فى عزيمتهم، ويبشرم بأن الله - تعالى - قد عذا عمن فر منهم، ويذكرهم بمظاهر فضل الله عليهم خلال المعركة وبعدها، ويبصرهم بسنن الله التى لا تتخلف، وبقوانينه التى لا تتبدل ، وبتعاليمه التى من سار عليها أفلح وانتصر، ومن أعرض عنها خاب وخسر (( ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)). أما بعد : فهذا عرض إجمالى لسورة آل عمران رأينا أن نسوقه قبل البدء فى التفسير المفصل لآياتها ، ولعلنا بذلك نكون قد قدمنا تعريفاً موجزاً نافعا عن هذه السورة الكريمة يعين على فهم بعض أسرارها ومقاصدها وتوجيهاتها . والله نسأل أن يهدينا جميعا إلى صراطه المستقيم، وأن يجنبنا فتنة القول والعمل ؛ وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه ونافعة لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ ١ (تفسير سورة آل عمران) بسم الله الرحمن الرحيم ((المّ (١) اللهُ لاَ إلهَ إِلَّهُو الحَيُّ القَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ تُقُ مُصَدِّقاً لِمَاَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ الثَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدَى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ القُرْقَنَ. إِنَّ الّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَم (٤) إِنَّاللهَ لاَ يَخْنَى عَلَيْهِ شَىْء فى الأرْضِ وَلاَ فِى السَّمَآءَ (٥) هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُ كُم فى الأزْحَامِ كَيْفَ يَشَاءِ لاَ إلهَ إلاَّهُوَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦))). افتتحت سورة آل عمران ببعض حروف التهجى وهو قوله - تعالى -: , ألم،. ويبلغ عدد السور القرآنية التى افتتحت بالحروف المقطعة نسعا وعشرين سورة . وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعى المقصود من حروف النهجى التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال اختلافهم فى رأيبين رئيسين : ١ الرأى الأول يرى أصحابه: أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهى من المتشابه الذى استأثر ألقه بعلمه . وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى، وسفيان الثورى وغيرهما من العلماء ، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال: (( إن لكل كتاب سرا،