Indexed OCR Text

Pages 821-840

٨٢١
سورة البقرة
« يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، الغرض منه بيان مباينة أحد الجنين
من الآخر فى استيجاب المدح والتعظيم)) (١).
هذا وقد وردت أحاديث متعددة تمدح المتعففين عن السؤال، وقدم
الملحقين فيه ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول
الله ( صلى الله عليه وسلم): ابسر المسكين الذى ترده اللقمة واللقمان ولا
التمرة والمرقان إنما المسكين الذى يتعفف. اقرؤا إن شئتم: (( لا يسألون
الناس إلحافاً ، .
وروى مسلم فى صحيحه عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن النبى
(صلى الله عليه وسلم) قال: لا تزال المسألة بأحد كم حتى يلقى الله وليس فى
وجه مزعة لحم)).
/ وروى مسلم - أيضاً - فى صحيحه عن عوف بن مالك قال: كنا تسعة
أو ثمانية أوسبعة عند رسول الله فقال: ألا تبايعون رسول اللّه؟ فقلنا
علام نبايعك؟ قال : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً. والصلوات الخمس
وتطيعوا ولا تسألوا الناس. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط -وط
أحدهم فلا يسأل أحداً يناوله إياه)).
والخلاصة أن السؤال إنما يجوز عند الضرورة، وأنه لا يصح لمؤمن
أن يسأل الناس وعنده ما يكفيه، لأن السؤال ذل يرباً بنفسه عنه كل من
يحافظ على مروءته وكرامته وشرفه .
وقوله ((وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم، تحريض للمؤمن على البذل.
والسخاء، وترقية لنفسه على الشعور بمراقبة الله - تعالى - وعلى محبة فعل الخير.
أى: وما تنفقوا من خير سواء أكان المنفق قليلا أم كثيراً سراً أم عاداً
فإن الله يعلمه وسيجازيكم عليه بأجزل الثواب، وأعظم العطاء.
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن النفقة والمنفقين بقوله: «الذين ينفقون
أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفه
(١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٨٧

٨٢٢٠
الجزء الثانى
عليهم ولاهم يحزنون ) .
وقوله « الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية، استئناف
المقصود منه مدح أولئك الذين يعمدون مدقائهم فى كل الأزمان وفى كل
الأحوال فهم بتصدقون على المحتاجين فى الليل وفى النهار، فى الندو وفى
الآصال ، فى السر وفى العلن، فى كل وقت وفى كل حال، لأنهم لقوة
إيمانهم، وصفاء نفوسهم يحرصون كل الحرص على كل ما يرضى الله تعالى.
وقد بين الله - تعالى - فى ثلاث جمل حسن عاقبتهم، وعظيم ثوابهم
فقال فى الجملة الأولى: «فلهم أجرهم عند ربهم، أى فلهم أجرهم الجزيل
عند خالقهم ومربيهم ورازقهم .
والجملة الكريمة خبر لقوله «الذين ينفقون ... ، ودخلت الفاء فى الخبر
لأن الموصول فى معنى الشرط فى الغاء فى خبره جوازاً، وللدلالة على
سببية ما قبلها لما بعدها أى أن استحقاق الأجر متسبب عن الإنفاق فى
سبيل الله .
وقال فى الجملة الثانية ، ولا خوف عليهم)، أى: لا خوف عليهم من
أى عذاب لأنهم فى مأمن من عذاب الله بسبب ما قدموا من عمل صالح.
وقال فى الجملة الثالثة (( ولاهم يحزنون) أى لا يصيبهم ما يؤدى بهم
إلى الحزن والهم، الفم، لأ بم دائماً فى اطمئنان يدفع عنهم الهموم والأحزان
وقد روى المفسرون فى سبب زول هذه الآية روايات منها أن على
((بن أبى طالب كان يملك أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهاراً
وبدرهم سراً، وبدرهم علانية فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) ما حملك
على ذلك؟ فقال: أريد أن أكون أهلا لما وعدنى ربى. فقال (صلى الله
عليه وسلم): لك ذلك فأنزل الله هذه الآية، (١).
والحق أن هذه الرواية وغيرها لا تمنع عمومها، فهى تنطبق على كل من
بذل ماله فى سبيل الله فى عموم الأوقات والأحوال .
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٧ ص ٨٨

٨٢٣
سورة البقرة
أما بعد : فهذه أربع عشرة آبة بدأت من قوله - تعالى - ((مثل الذين
ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أفيقت سبع سنابل ... ) وانتهت
بقوله - تعالى -: ((الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلافية فلهم
٠٠٠٠ .
أجرهم عند ربهم
والذى يقرأ هذه الآيات الكريمة بقدبروتعقل براها قد حضت الناس على
: الإنفاق في سبيل الله بأ بلغ الأساليب، وأحكم التوجيهات، وأفضل الوسائل،
كما يراها قد بينت أحكام الصدقة وآدابها، والآفات التى تذهب بخيرها
- وضربت الأمثال لذلك، كمايراها قد بينت أنواعها، وطريقة أدائها، وأولى
الناس بها ورسمت صورة كريمة للفقراء المتعففين، وكما بدأت الآيات حديثها
بالثناء الجميل على المنفقين فقد ختمه أيضاً بالثناء عليهم وبالعاقبة الحسنى "
(التى أعدها اللّه لهم:
ولو أن المسلمين أخذوا بتوجيهات هذه الآيات لعمتهم السعادة فى دنياهم،
سنولنالوا رضا الله ومثوبته فى أخراهم.
وبعد هذه الصورة المشرقة التى ساقها القرآن عن النفقة والمنفتين أتبعها.
- بصورة مضادة لها وهى صورة الربا والمرابين. ومن مظاهر النضاد والتباين
بين الصورتين أن الصدقة بذل المال فى وجوه الخبر بدون عرض ينتظره
المتصدق، أما الربافهو إخراج المال فى وجوه الاستغلال لحاجة المحتاج
ـمع ضمان استرداد، ومعه زيادة محرمة. وأن الصدقة نتيجتها الر خاء والنماء
والطهارة للمال، وشبوع روح المحبة والتعامل والتكامل والاطمئنان بين
أفراد المجتمع، أما الربا فنتيجه من البركة من المال، وشيوع روح النقاطع
.والتحاسد والتباغض والخوف بين الناس. ولقد نفر القرآن الناس من
تتعاطى الربا تنفيراً شديداً وحذرهم من -و. عافيته تحذيراً مؤكداً

٨٢٤
الجزء الثالث
فقال - تعالى - :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الّبَوْ لَا
أَيَقُومُونَ إِلَّ كَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَّطُ الشَّيْطَئِنُ مِنَ الْمَسَِّّ ذَلِكَ
بِأَهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ آلْرِبَوَأَ وَأَحَلّ اللّهُالْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوَأْ
فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ : إِلَى
اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَعْتَنِبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾
٢٧٥)
(يَمْحَقُ اللهُالَّوْوَيُرْبِ الصَّدَقَتِ وَاللهُ لَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
٢١
W
إِلَهُمْ أَبْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ وَلَا خَوْفٍّ عَلَيْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَذَرُ واْ مَا بَقِيَ مِنَ الْرِبَؤْاْ إِن كُنتُم
يُؤْمِينَ ( يٌ فَإِنْ أَرْتَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحِرْبٍ مِنَ الَّهِ وَ رَسُولِ، وَ إِنْتُبْتُمْ
فَلَكُمْ رُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلُونَ وَلَا تُظْلُونَ () وَ إِن كَانَ ذُوا
عُسْرَةِ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْخَيْ لَّكُمْ إِن كُمْ تَعْلُونَ الْ
وَأَّقُو ◌ْيَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ لُمَّ تُوَقَّ كُلُّ نَفْسٍ مَّ كَسَبَتْ وَهُمْ
٢٨٢
لَا يَظْلَمُونَ
وقوله - تعالى - «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخطبه-

٨٢٥
سورة البقرة
الشيطان من المس ... )، استئناف قصد به الترهيب من تعاطى الربا».
بعد الترغيب فى بذل الصدقة لمستحقيها .
ولم يعطف على ما قبله لما بينهما من تضاد، لأن الصدقة - كما يقول.
الفخر الرازى - عبارة عن تنقيص المال - فى الظاهر - بسبب أمر الله بذلك».
والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهى الله عنه فكانا متضادين.
والأ كل فى الحقيقة . ابتلاع الطعام، ثم أطلق على الانتفاع بالشىء.
وأخذه بحرص وهو المراد هنا. وعبر عن التعامل بالربا بالآكل، لأن.
معظم مكاسب الناس تنفق فى الأكل .
والربا فى اللغة: الزيادة مطلقاً، يقال: ربا الشىء يربو إذا زاد ونما،.
ومنه قوله - تعالى - ((وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت.
وربت ... ، أى : زادت .
وهو فى الشرع : - كما قال الآلوسى - عبارة عن فضل مال لا يقابله ..
عوض فى معارضة مال بمال .
وقوله «يتخبطه)): من التخبط بمعنى الخيط وهو الضرب على غير
استواء واتساق. بقال: خبطته أخبطه خبطاً أى ضربته ضرباً متوالياً على
أنحاء مختلفة. وبقال: تخبط البعير الأرض إذاضربها بقوائمه ويقال الذى يتصرف ..
فى أمر ولا يهندى فيه يخبط خبط عشواء . قال زهير بن أبى سلمى فى معلقته :
رأت المنايا خبط عشواء من تصب ثمته ومن تخطى يعمر فيهرم
والمس: الخيل والجنون يقال: مس الرجل فهو مسوس إذا أصابه الجنون ...
وأصل المس اللمس باليد، ثم استعير للجنون، لأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه.
والمعنى: ((الذين يأكاون الرباء أى يتعاملون به أخذا وإعطاء (لا يقومون)».
يوم القيامة للقاء الله إلا قياماً كقيام المتخبط المصروع المجنون حال صرعه.
وجنونه، وتخبط الشيطان له، وذلك لأنه يقوم قياماً منكراً مفزعاً بسبب
أخذه الربا الذى حرم الله أخذه.
فالآ ية الكريمة تصور المراى بتلك الصورة المرعبة المفزعة، التى تحمل.
كل عاقل على الابتعاد عن كل معاملة يشم منها رائحة الربا.
وهنا نحب أن نوضح أمرين: أما الأمر الأول فهو أن جمهور المفسرين.

٨٢٦
الجزء الثالث
يرون أن هذا القيام المفزع للمرابين يكون يوم القيامة حين يبعثون من
قبورهم كما أشرنا إلى ذلك .
قال الآلوسي: وقيام المرابى يوم القيامة كذلك ما نطقت به الآثار، فقد
خرج الطبرانى عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
((إياك والذنوب التى لاتغفر. الغلول فمن غل شيئاً أتى به يوم القيامة، وأكل
الربافن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنوناً يتخبط ، ثم قرأ الآية وهو ما
لا يحبله العقل ولا يمنعه ، ولعل الله - تعالى - جعل ذلك علامة له یعرف بها
يوم الجمع الأعظم عقوبة له ... ثم قال. وقال ابن عطية: المراد تشبيه
المرابى فى حرصه وتحر كه فى اكتسابه فى الدنيا بالتخبط المصروع كما يقال
لمن يسرع بحركات مختلفة: قد جن، ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف
الأمة ولما روى عن رسول ( صلى الله عليه وسلم ) من غير داع سوى
الاستبعاد الذى لا يعتبر فى مثل هذه المقامات = (١).
والذى قراه أنه لا مانع من أن تكون الآية قصور حال المرابين فى
الدنيا والآخرة، فهم فى الدنيا فى قلق مستمر، وانزعاج دائم ، واضطراب
ظاهر بسبب جشعهم وشرههم فى جمع المال، ووساوسهم التى لا تكادتفارقهم
وهم يفكرون فى مصير أموالهم .... ومن يتتبع أحوال بعض المتعاملين
باأربا براهم أشبه بالمجانين فى أقوالهم وحركاتهم . أما فى الآخرة فقد
توعدهم الله - تعالى - بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم .
وقد رجح الإمام الرازى أن الآية الكريمة تصور حال المرأبى فى الدنيا
والآخرة فقال ما ملخصه: (( إن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات
والاشتغال بغير الله، ومن كان كذلك كان فى أمر الدنيا متخبطاً ... وآكل
هربا بلا شك أنه يكون مفرطاً فى حب الدنيا متهالكا فيها، فإذا مات على
ذلك الحب صار ذاك حجاباً بينه وبين الله - تعالى - ، فالخيط الذى كان
. حاصلا له فى الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط فى الآخرة وأو قعه فى ذل
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٤٩

٨٢٧
سورة البقرة
الحجاب، وهذا التأويل أقرب عندى من غيره)» (١).
وأما الأمر الثانى فهو جمهور المفسرين يرون أيضاً أن التشبيه فى الآية
الكريمة على الحقيقة، بمعنى أن الآية تشبه حال المرابين بحال المجنون الذى
منه الشيطان، لأن الشيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالصرع والجنون .
ولكن الزمخشرى ومن تابعه ينكرون ذلك ، وبرون أن كون الصرع
أو الجنون من الشيطان باطل لأنه لا يقدر على ذلك ، فقد قال الزمخشرى
فى تفسيره : وتخبط الشيطان من زعمات العرب ، يزعمون أن الشيطان
يخبها الإنسان فيصرع. والمس الجنون، ورجل مسوس - أى مجنون ..
وهذا أيضاً من زعمانهم، وأن الجنى يمه فتختلط عقله، وكذلك جن
الرجل معناه ضربته الجن، ورأيتهم لهم فى الجن قصص وأخبار وعجائب،
وإنکار ذلك عندهم کانکار المشاهدات ، (٢).
ومن العلماء الذين تصدوا للرد على الزمخشرى ومن تابعه الإمام القرطبى
فقد قال: ((وفى هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة
الجن وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك فى الإنسان ولا
يكون منه مس . وقد روى النسائى عن أبى اليسر قال : كان رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) يدعو فيقول: اللهم إنى أعوذ بك من الفردى والغرق
والهدم والحريق، وأعوذبك من أن يتخبطنى الشيطان عند الموت ، وأعوذ
بك أن أموت فى سبيلك مديراً وأعوذ بك أن أموت لديغاً، (٣).
وقال الشيخ أحمد بن المنير : ومعنى قول الزمخشرى أن تخبط الشيطان
من زعمات العرب، أى من كذباتهم وزخارفهم التى لا حقيقة لها ، كما يقال
فى الغول والعنقاء ونحو ذلك. وهذا القول من تخبط الشيطان بالقدرية
- أى المعتزلة - فى زعياتهم المردودة بقواطع الشرع، ثم قال: واعتقاد
(١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ٩٦
(٢) تفسير الكشاف الزمخشرى جـ ١ ص٣٢٠
(٣) تفسير القرطبى = ٣ ص ٣٥٥

٨٢٨
الجزء الثالث
السلف وأهل السنة أن هذه أمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشارع عنها ..
والقدرية ينكرون كثيراً ما يزعمونه مخالفاً لقواعدهم .. من ذلك السحر،.
وخبطة الشيطان، ومعظم أحوال الجن. وإن اعتر فوا بشىءمن ذلك فعلى غير
الوجه الذى يعترف به أهل السنة وينبى عنه ظاهر الشرع فى خيط طويل لهم، (١).
والذى نواه أن ماعليه جمهور العلماء من أن التشبيه على الحقيقة هوالحق،
لأن الشيطان قد يمسر الإنسان فيصيبه بالجنون، ولأنه لا يسوغ لناأن تؤول.
القرآن غير ظاهره بسبب إتجاه لا دليل عليه.
وقوله ((من المس، متعلق بيقومون أى لا يقومون من المس الذى ..
حل بهم بسبب أكلهم الربا إلا كما يقوم المصروع من جنونه.
وقوله - تعالى - ,ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله
البيع وحرم الربا، بيان لزعمهم الباطل الذى - وغ لهم التعامل بالربا،
ورد عليه بما يهدمه .
واسم الإشارة « ذلك، يعود إلى الأكل أو إلى العقاب الذى نزل بهم.
والمعنى : ذلك الأكل الذى استحلوه عن طريق الربا، أو ذلك العذاب.
الذى حل بهم والذى من مظاهره قيامهم المتخبط، سببه قولهم أن البيع الذى.
أحله الله يشابه الريا الذى تتعامل به فى أن كلا منهما معارضة.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأن.
الكلام فى الربالافى البيع، فوجب أن يقال إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه
وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل الشىء الذى لا يساوى إلا درهما
بدرهمين جاز، فكذلك إذاباع درهما بدرهمين؟ قلت: جىء به على طريق
المبالغة. وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم فى حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانوناً.
فى الحل حتى شبهوا به البيع ، (٢).
وقوله, وأحل الله البيع وحرم الربا، جملة مستأنفة، وهی رد من
(١) الانتصاف على الكفاف لابن المنير ج ١ ص ٣٢٠ من الكشاف.
(٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٢١

٠ ٨٢٩
سورة البقرة
أنه - تعالى - عليهم، وإنكار لتسويتهم الربا بالبيع.
قال الآلوسى: وحاصل هذا الرد من الله - تعالى - عليهم: أن ماذكرتم
- من أن الربا مثل البيع - قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من
-عمل الشيطان ، على أن بين البابين فرقاً، وهو أن من باع ثوباً يساوى درهما
بدر همين فقد جعل الثوب مقابلا لد همين فلا شىء منهما إلا وهو فى مقابلة
شىء من الثوب. وأما إذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بدون
عوض، ولا يمكن جعل الإمهال عوضاً إذا الإعمال ليس عال فى مقابلة المال((١)
وقوله , فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف وأمره إلى الله.)).
تفريع على الوعيد السابق فى قوله (( الذين يأكلون الربا .. أمخ)).
والجىء بمعنى العلم والبلاغ، والموعظة: ما يعظ الله - تعالى - به عباده
عن طريق زجرهم وتخويفهم وتذكيرهم بسوء عافية المخالفين لأوامره.
أى: فمن بلغه نهى الله - تعالى - عن الربا، فامتثل وأطاع وابتعد عماد
بهاء الله عنه، وقله ما سلف، أى فلهما تقدم قبضته من مال الدما قيل النحيم
.وليس له ما تقدم الإنفاق عليه ولم يقبضه .. لأن الله - تعالى - يقول بعد
ذلك ,وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم.
وقوله ((وأمره إلى الله)) أى أمر هذا المرأبى الذى تعامل بالربا قبل
التحريم واجتنبه بعده، أمره مفوض إلى الله - تعالى - فهو الذى يعامله
بما يقتضيه فضله وعفوه وكرمه .
قال ابن كثير: قوله , فمن جاءه موعظة من ربه ... ألخ، أى من بلغه
نهى الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله،أسلف عن المعاملة لقوله
«عفا الله عما سلف، وكما قال النبى (صلى الله عليه وسلم) يوم فتح مكة:
« وكل ربا فى الجاهلية موضوع تحت قدمى هاتين وأول ربا أضع ربا عمى
العباس»، ولم يأمرهم برد الزبادات المأخوذة فى حال الجاهلية بل عفا عما
(١) تفسير الآلوسى + ٣ ص ٥٠

٨٣٠
الجزء الثالث
سلف كما قال - تعالى -: (( فله ماسلف وأمره إلى الله، أى فله ما كان ..
قد أكل من الربا قبل التحريم، (١).
و((من)) فى قوله ((فمن جاءه موعظة، شرطية وهو الظاهر، ويحتمل أن
تكون موصولة، وعلى التقدير ين فهى فى محل رفع بالإبتداء ، وقوله (« فله.
ما سلف)، هو الجزاء أو الخير، و«موعظة، فاعل جاء، وسقطت التاء من الفعل
للفصل بينه وبين الفاعل وتكون الموعظة هنا بمعنى الوعظ فهى فى معنى المذكر
وقوله,من ربه)، جار ومجرور متعلق بها.ه، أو بمحذوف وقع صفة الموعظة.
وفى قوله «من ربه، تفخيم لشأن الموعظة، وإغراء بالامتثال والطاعة
لأنها صادرة من الله - تعالى - المربى لعباده.
وفى هذه الجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر السماحة فما شرعه الله.
لعباده ، لأنه - سبحانه - لم يعاقب المرابين على ما مضى من أمرهم قبل
وجود الأمر والنهى، ولم يجعل تشريعه بأثر رجعى بل جعله للمستقبل،
إذ الإسلام يجب ماقبله . فما أكله المرانى قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه فيه
وهو ملك له، إلا أنه ليس له أن يتعامل به بعد التحريم، وإذا تعامل به
فلن تقبل قوبته حتى يتخلص من هذا المال الناتج عنه الربا .
وأقد توعد الله - تعالى - من يعود إلى التعامل بالربا بعد أن حرمه الله
- تعالى - فقال ((ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)).
أى ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد أن نهى الله عنه فألتك العائدون ..
هم أصحاب النار الملازم ونلها، والماكثون فيها بسبب تعديهم لمانهى الله عنه
وفى هذه الجملة الكريمة تأكيد للعقاب النازل بأولئك العائدين بوجود
من المؤ كدات منها: التعبير فيها بأولئك التى تدل على البعيد فهم بعيدون
عن رحمة الله، والتعبير بالجملة الاسمية التى تفيد الدوام والاستمرار والتعبير
بكلمة أصحاب الدالة على الملازمة والمصاحبة، وبكلمة ((خالدون)، التى.
تدل على طول المكث.
(١) تفسير ابن کثیر ج ١ ص ٣٢٧

٨٣١
سورة البقرة
ثم بين - سبحانه - سوء عاقية المرابين، وحسن عاقبة المتصدقين.
فقال: ((يمبحق الله الربا ويربى الصدقات)) ..
والمحق: النقصان والإزالة الشىء حالا بعد حال، ومنه محاق القمر ،
أى انتقاصه فى الرؤية شيئاً فشيئاً حتى لايرى، فكأنه زال وذهب ولم
يبق منه شىء .
أى: أن المال الذى يد خله الربا يمحقه الله، ويذهب بركته ، أما
المال الذى يبذل منه صاحبه فى سبيل الله فإنه - سبحانه - يبار كه وينميه
ويزيده لصاحبه .
قال الإم الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: اعلم أنه لما كان.
الداعى إلى التعامل بالربا تحصيل المزيد من الخيرات ، والصارف عن.
الصدقات الاحتراز عن نقصان المال ، لما كان الأمر كذلك بين - سبحانه -
أن الربا، وإن كان زيادة فى الحال إلا أنه فقصان فى الحقيقة، وأن الصدقة
وإن كانت نقصاناً فى الصورة إلا أنها زيادة فى المعنى، واللائق بالعاقل
أن لا يلتفت إلى ما يقضى به الطبيع والحس والدواعى والصوارف، بل يعوله
على ما أمر به الشرع .
ثم قال : واعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون فى
الدنيا وأن يكون فى الآخرة . أما محق الربا فى الدنيا فمن وجوه أحدها:
أن الغالب فى المرأبى وإن كثر ماله أن تؤول عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة
عنه ففى الحديث: الزبا وإن كثر فإلى قل وثانيها: إن لم ينقص ماله فإن عاقبته.
الذم والنقص وسقوط العدالة وزوال الأمانة، وثالثها: إن الفقراء يلعنونه
ويبغضونه بسبب أخذه لأموالهم ... ورابعها: أن الأطماع تتوجه إليه من.
كل ظالم وطماع بسبب اشتهاره أنه قد جمع ماله من الربا ويقولون : إن
ذلك المال ليس له فى الحقيقة فلا يترك فى يده .
وأما أن الربا مسبب للمحق فى الآخرة قلوجوه منها أن الله - تعالى-لا يقبل.
منه صدقة ولا جهاداً ولا صلة رحم - كما قال ابن عباس - ، ومنها)

٨٣٢
الجزء الثالث
أن مال الدنيالا يبقى عند الموت بل الباقى هو العقاب وذلك هو الخسار الأكبر
وأما إرباء الصدقات فى الدنيا فمن وجوه منها: أن من كان الله كان الله
له، ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه وزاده من فضله، ومنها أن
يزداد كل يوم فى ذكره الجميل وميل القلوب إليه، ومنها أن الفقراء يدعون
بالدعوات الصالحة وتنقطع عنه الأطماع .
وأما إرباؤها فى الآخرة فقد روى مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول
الله ( صلى الله عليه وسلم) ((إن الله - تعالى - يقبل الصدقات ويأخذها
بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم مهره، أو فلوه حتى إن اللقمة لتصير
مثل أحد، (١) .
ففى هذه الجملة الكريمة بشارة عظيمة للمتصدقين ، وتهديد شديد المرابين
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((والله لا يحب كل كفار أثيم)).
ود(« كفار، من كفر بمعنى ستر وأخفى وجحد فهى صيغة مبالغة لكافر.
و((أثيم، فعيل بمعنى فاعل فهى صيغة مبالغة من آثم، والأثيم هو
المكثر من ارتكاب الآثام المبطىء عن فعل الخيرات .
أى: أن اللّه - تعالى - لا يرضى عن كل من كان شأنه الستر لنعمه
والجحود لها، والتمادى فى ارتكاب المنكرات، والابتعاد عن فعل الخيرات.
وقد جمع - سبحانه - بين الوصفين للإشارة إلى أن إيمان المرابين
فاقص إن لم يستحلوه وهم كفار إن استحلوه ، وهم فى الحالتين آثمون
معاقبون، بعيدون عن محبة الله ورضاه. وسيعاقب - سبحانه - الناقصين فى
إيمانهم، والكافرين به بما يستحقون من عقوبات .
فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن استحلوا الربا، أو فعلوه مع عدم
استحلالهم له .
(١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ١٠٢

٨٣٣
سورة البقرة
وبعد هذا التهديد الشديد للمتعاملين بالربا، ساق - سبحانه - آية فيها
أحمن البشارات المؤمنين الصادقين فقال - تعالى -:
(( إن الذين آمنوا، أى إيماناً كاملا بكل ما أمر اللهبه ((وعملوا الصالحات))
أى الأعمال الصالحة التى تصلح بها نفوسهم والتى من جملتها الإحسان إلى
المحتاجين، والابتعاد عن الربا والمرابين ((وأقاموا الصلاة)) بالطريقة التى
أمر الله بها، بأن يؤدوها فى أوفانها بخدوع واطمئنان ((وآتوا الزكاة ، أى
أعطوها لمستحقيها بإخلاص وطيب نفس.
هؤلاء الذين لقصفوا بكل هذه الصفات الفاصلة ((لهم أجرهم عند ربهم))
أی لهم ثوابهم الکامل عند خالقهم ورازقهم ومربيهم .
(((ولا خوف عليهم ، يوم الفزع الأكبر ((ولا م يحزنون)، لأى سبب
من الأسباب، لأن ما هم فيه من أمان واطمئنان ورضوان من الله - تعالى-،
مجعلهم فى فرح دائم ، وفى سرور مقيم .
ثم ينتقل القرآن إلى أسلوب الخطاب المباشر المؤمنين فيأمرهم بتقوى الله،
وينهاهم عن التعامل بالربا فيقول: أيها الذين آمنوا اتقوا الله، أى أخشوه
وصوقوا أنفسكم عن الأعمال والأفوال التى تفضى بكم إلى عقابه.
وقوله ((وذروا ما بقى من الربا)، أى: اتركوا ما بقى فى ذمم الذين
عاملة موم بالربا ولا تأخذوا منهم إلا رءوس أموالكم فحسب ، فهذا مقابل
لقوله - تعالى - قبل ذلك (( فله ما سلف، أى عما سلف قبضه من الربا قبل
نزول الآية فهو لكم ، وما لم تقبضوه فأنتم مأمورون بتركه .
وقوله ((من اقرباء متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل «بقى، أى
.اتر كوا الذين بقى حال كونه بعض الربا، ومن للتبعيض. أو متعلق يبقى.
و(«ذروا، فعل أمر ـ بوزن علوا - مبنى على حذف النون والواو
- فاعل، وأصله ((وذروا، فحذفت فاؤه، والماضى منه ((وذر)).
وقوله ((إن كنتم مؤمنين، حض لهم على ترك الربا أى إن كنتم
(م ٥٣ - سورة البقرة)

٨٣٤
الجزء الثالث
مؤمنين حق الإيمان فامتثلوا أمر الله وذروا ما بقى من الرباما زاد على.
رومس أموالكم .
أل ابن كثير : نزل هذا السياق فى بو عمرو بن عمير بن ثقيف، وبنى.
المغيرة من بنى مخزوم كان بينهم ربا فى الجاهلية فلما جاء الإسلام ودخلوا
فيه ، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم فتها وروا. وقالت بنوا المغيرة: لا تؤدى
فى الإسلام، فكتب فى ذلك عتاب بنأسيد فانب مكة إلى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - فترات هذه الآية، فكتب بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
إليه. فقالوا نتوب إلى الله ونذر ما بقى من الربا فتر كوه كلهم . وهذا
تهديد شديد ووعيد أكبد لكل من استمر على تعاطى الربا بعد الإنذار) (١).
ثم حدد الله - تعالى - كل • فى يتعامل بالربا ترديداً عنيفا فقال:، فإن لم تفعلوا"
فأذنوا بحرب من الله ورسوله)).
أى: فإن لم تتركوا الربا وأخذتم منه شيئاً بعد نيكم من ذلك، فكونوا
على علم ويقين بحرب كائنة من الله - تعالى - ورسوله، ومن حاربه الله
ورسوله لا يفلح أبدا .
وقوله (( فأذنوا)) من أذن بالشىء يأذن إذا علمه. وقرىء ((فآ ذنوأ))
من آذنه الأمر وآذنه به، أعلمه إياه: أى أداءوا من لم ينته عز الربا".
حرب من الله ورسوله .
وتفكير (( حرب)، للتهويل والتعظيم أى فكونوا على علم ويتين٠ ز أن
حربا عظيمة ستغزل عليكم من الله ورسوله.
قال بعضهم: والمراد المبالغة فى التهديد دون تفسر الحرب. وقال آخرون :-
المراد نفس الحرب بمعنى أن الإصرار على عمل الربا إز كان من شخص.
وقدر عليه الإمام قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من الحبس والتعزيز إلى
أن تظهر منه التوبة. وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة، حاربه الإمام.؟
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٣٣٠ بتصرف يسير.

٨٣٥
سورة البقرة
كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر الصديق مانعى الزكاة.
وقال ابن عباس : من تعامل بالربا يستتاب فإن قاب فيها وإلاضرب
عنقه (١) .
ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم عند توبتهم عن التعامل بالربا فقال:
((وإن قبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)).
أى: وإن تبتم عن التعامل بالربا الذى يوجب الحرب عليكم من الله
ورسوله ، فلكم رءوس أموالكم أى أصولها بأن تأخذوها ولا تأخذوا
سواها ، وبذلك لا تكونون ظالمين لغرمائكم، ولا يكونون ظالمين لكم،
لأن من أخذ رأس ماله بدون زيادة كان مقسطاً ومتفضلا، ومن دفع ما
عليه بدون إنقاص منه كان صادقا فى معاملته .
ثم أمر الله - تعالى - الدائنين أن يصبروا على المدينين الذين لا يجدون
ما يؤدون منه ديونهم فقال - تعالى -: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى
ميسرة » .
والعسرة: اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال. يقال: أعسر
الرجل إذا صار إلى حالة العسرة وهى الحالة التى يتعسر فيها وجود المال .
والنظرة : اسم من الإنظار بمعنى الإمهال . يقال : نظره وانتظره
وتنظره، تأنى عليه وأمهله فى الطلب .
. والميسرة: مفعلة من اليسر الذى هو ضد الإعسار . يقال: أيسر الرجل
فهو موسر إذا اغتنى وكثر ماله وحسنت حاله .
والمعنى : وإن وجد مدين معسر فأمهلوه فى أداء دينه إلى الوقت الذى
يتمكن فيه من سداد ما عليه من ديون، ولا تكونوا كأهل الجاهلية الذين
كان الواحد منهم إذا كان له دين على شخص وحل موعد الدين طالبه
بشدة وقال له : إما أن تقضى وإما أن تربى أى قدفع زيادة على أصل الدين.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ صفحة ٠١٠٦

٨٣٦
الجزء الثالث
و((كان ، هنا الظاهر أنها تامة بمعنى وجد أو حدث ، فتكتفي بفاعلها
١
كسائر الأفعال. وقيل يجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير مستكن فيها يعود
إلى المدين وإن لم يذكر وقوله (( فنظرة)) الفاء جواب الشرط. ونظرة
خبر لمبتدأ محذوف أى فالأمر أو فالواجب أو مبتدأ محذوف الخبر أى
فعليكم نظرة .
ثم حيب - سبحانه - إلى عباده التصدق بكل أو ببعض ما لهم من ديون
على المدينين المعسرين فقال - تعالى -: ((وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم
مؤمنين )) .
أى: وأن تتركوا للمعسر كل أو بعض ما لكم عليه من ديون وتتصدقوا
بها عليه، فإن فعلكم هذا يكون أكثر ثوابا لكم من الإنظار.
وجواب الشرط فى قوله (( إن كنتم تعلمون)) محذوف. أى إن كتم
تعلمون أن هذا التصدق خير لكم فلا تتباطؤا فى فعله، بل سارعوا إلى تنفيذه
فإن التصدق بالدين على المعسر ثوابه جزيل عند الله - تعالى -.
وقد أورد بعض المفسرين جملة من الأحاديث النبوية التى تحض على
إمهال المعسر، والتجاوز عما عليه من ديون .
ومن ذلك ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن أبى قتادة أن رسول الله
- بَّ - قال: «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان فى ظل العرش
يوم القيامة ».
وروى الطبرانى عن أسعد بن زرارة أن رسول الله - جل طات
قال: (( من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر
أو ليضع عنه ،.
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن
معسر » (١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٣٣١

٨٣٧
سورة البقرة
ثم ساق - سبحانه - فى ختام حديثه عن الربا آية كريمة ذكر الناس فيها
بزوال الدنيا وفناء ما فيها من أموال، وبالاستعداد للآخرة وما فيها من
حساب فقال - تعالى -,واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس
ماكسبت وهم لا يظلمون)).
أى: واحذروا أيها المؤمنون يوماعظيما فى أهواله وشدائده،
وهو يوم القيامة الذى تعودون فيه إلى خالقكم فيحاسبكم على أعمالكم،
ثم يجازى - سبحانه - كل نفس بما كسبت من خير أو شر بمقتضى عدله
وفضله، ولا يظلم ربك أحدا .
فالآية الكريمة تعقيب حكيم يتناسب كل التناسب مع جو المعاملات
والأخذ والعطاء، حتى يبتعد الناس عن كل معاملة لم يأذن بها الله - تعالى -.
قال الألوسى : أخرج غير واحد عن ابن عباس أن هذه الآية هى آخر
ما نزل على رسول الله - صَ ل ـ من القرآن. واختلف فى مدة بقائه
بعدها . فقيل : تسع ليال ، وقيل: سبعة أيام. وقيل: واحدأ وعشرين يوماً.
وروى أنه قال : اجعلوها بين آيات الربا وآية الدين .. ، (١).
هذا، والمندبر فى هذه الآيات التى وردت فى موضوع الربا، يراها
قد نفرت منه تنفيراً شديداً، وتوعدت متعاطيه بأشد العقوبات ، وشبهت
الذين يأكلونه بتشبيهات تفزع منها النفوس، وتشمتز منها القلوب، وحضت
المؤمنين على أن يلتزموا فى معاملاتهم ما شرعه الله لهم، وأن يتسامحموا مع
المعرين ويتصدق واعليهم بما يستطيعون التصدق به.
وقد تكلم الفقها. (٢) وبعض المفسرين عن الربا وأقسامه وحكمة تحريمه
كلاما مستفيضا، قال بعضهم : الرباقسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل .
(١) تفسير الألوسى = ٣ صفحة ٠٥٤
(٢) راجع على سبيل المثال تفسير القر طبى جـ ٣ صفحة ٣٤٧. وتفسير
المنار جـ ٣ صفحة ٠١٠٦

٨٣٨
الجزء الثالث
فربا النسئية: هو الذى كان معروفاً بين العرب فى الجاهلية، وهو أنهم
كانوا يدفعون المال على أن يأخذوه فى موعد معين، فإذا حل الأجل طولب
المدين برأس المال كاملا، فإن تعذر الأداء زادوا فى الحق وفى الأجل .
وربا الفضل : أن يباع درهم بدرهمين ، أو دينار بدينارين ، أو رطل
من العسل برطلين ، أو كيلة من الشعير بكيلتين .
وكان ابن عباس فى أول الأمر لا يحرم إلا ربا النسيئة وكان يجوز ربا
الفضل اعتماداً على ما روى من أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنما
الربا فى النسيئة)) ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبى - صلى الله عليه وسلم-
قال: الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد، رجع عن قوله . لأن قوله - صلى الله
عليه وسلم - ((إنما الربا فى النسيئة)) محمول على اختلاف الجنس فإن
النسيئة حينئذ تحرم ويباح التفاضل كبيع الحنطة بالشعير. تحرم فيه النسيئة
ويباح التفاضل.
ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا فى القسمين : أما ربا النسيئة فقد
ثبت تحريمه بالقرآن كما فى قوله - تعالى - ((وأحل الله البيع وحرم الربا)).
وأما ربا الفضل فقد ثبت تحريمه بالحديث الصحيح الذى رواه عبادة ابن
الصامت أن النبى - عِّ - قال: ((الذهب بالذهب، والفضة
بالفضة، والع بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر. والملح بالملح. مثلا
يمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف
شتم إذا كانت يداً بيد ،.
وقد اشتهرت رواية هذا الحديث حتى صارت مسلمة عند الجميع .
وجمهور العلماء على أن الحرمة ليست مقصورة على هذه الأشياء الستة ، بل
تتعداها إلى غيرها مما يتحد معها فى العلة . وقد فسر بعضهم هذه العلة باتحاد
الجنس والقدر .. ))(١).
(١) تفسير آيات الأحكام - بتصرف وتلخيص - الشيخ محمد على
الساي جـ ١ صفحة ٠١٦١

٨٣٩
سورة البقرة
ومن الحكم التى ذكرت فى أسباب تحريم الربا: أنه يقتضى أخذ مال
الغير بدون عوض، ويؤدى إلى امتناع أصحاب الأموال عن تحمل المشاق
فى الكسب والتجارة والصناعة، وإلى استغلال حاجة المحتاج أسوأ استغلال
وكل ذلك يفضى إلى إشاعة روح التباغض والتخاصم والفحاد بين أفراد
المجتمع - كما سبق أن أشرنا ..
ومن الأحاديث الشريفة التى وردت فى التحذير من تعاطى الربا ما رواه
الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: اجتنبوا
السبع الموبقات - أى المهلكات - قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك
بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل
مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات))
وأخرج مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبيد الله قال : لعن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه)).
وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين أن يسارعوا فى التصدق على المحتاجين،
وأن يجتنبوا الربا والمرابين، وبين لهم أن أموالهم تزكو وتنمو بالإنفاق فى
وجوه الخير ، وتمحق وتذهب بتعاعلى الربا، بعد أن وضح كل ذلك ساق لهم
آية جامعة، متى اتبعوا توجيهاتها استطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل
طريق، وأشرف وسيلة ، وأن بصوفوها عن الهلاك والضياع عندما يعطى
أحدهم أخاه شيئا من المال على سبيل الدين أو القرض الحسن المنزه عن
الربا. استمع إلى القرآن وهو يتكلم عن أحكام الدين وعن أحكام بعض
المعاملات التجارية الحاضرة فيقول :

٨٤٠
الجزء الثالث
بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَا يَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ
مُّسَحُّى فَأَكْبُهُ وَلَيَكْتُبِ بَيْتَكُمْ كَِبٌ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَانِبُّ.
أَنْ يَكْتُبُ كَ عَّهُ اللهُفَلْتَّكُتُبِ وَيُعْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْبَتَّقِ
بالله ◌َُّ وَلَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِىِ عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَاً
أَوْ ضَعِقَاأَوْلَا يَسْتَطِيعُأَنْ يُلَّ هُوَ فَلْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَأَسْتَشْبِدُواْ
ج
مَِّدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَهْرَ أَنَانٍ مِّنْ
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَنْهُمَا فَتُذَكَّ إِحْدَنْهُمَا الْأُخْرَّ
وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآ ءُ إِذَا مَادُعُواْ وَلَا تَسْعَمُواْأَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًّاً
أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجْلِهِ، ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِوَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْفَ
أَنَّاتَرْتَابُواْ إِلَّ أَنْ تَكُونَ فِرَةً حَاضِرَةً ◌ُدِيرُ ونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ.
عَلَيْكُمْ ◌ُنَاحٌ أَلَّا تَكُهَا وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَعْتُمْ وَلَا يُضَارَ كَائِبٌ
وَلَا شَهِيدٌ وَ إِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ وَأَنَّقُواْاللّهُ وَيُعَلِيُ اللهُ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
قال ابن كثير: قوله - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا إذا تد أينتم بدين إلى أجل.
مسمى فاكتبوه، هذا إرشاد منه - تعالى - اعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات.