Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
سورة البقرة
الكفرة (١)."
وقوله ((ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم)) بيان لفضل الإيمان
على الشرك، لما فى قوله - تعالى - ((ولأمة مؤمنة خير من مشركة ... )
إذا نسبة المؤمن أو المؤمنة إلى هذا الدين الذى ارتضاه الله لعباده أفضل
.. وأجل من الانتساب إلى أى شىء آخر .
ثم بين - سبحانه - علة النهى عن الزواج بالمشركين والمشركات فقال
- تعالى - ((أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه)).
أى: أولئك المذ كودون من المشر كين والمشركات بدعون من بقارتهم
.ويعاشرهم إلى الأقوال والأفعال والعقائد التى تفضى بصاحبها إلى دخول النار
فى الآخرة والله - تعالى - يدعو عباده على ألسنة رسله إلى الأقوال والأعمال
والعقائد التى توصل إلى جنته ومغفرته.
فالمراد بالدعاء إلى النار الدعاء إلى أسبابها وإلى ما يوصل إليها، وكان
الاقتران هؤلاء المشركين والمشركات سببا فى الوصول إليها، لأن الزواج من
شأنه الألفة والمودة والمحبة وشدة الاتصال ، وكل ذلك يجعل المسلم
أو المسلمة بتقبلان ما عليه المشرك أو الشركة من فسوق وعصيان قه - تعالى-
بل ربما بمرور الأيام لا يكتفيان بالتقبل بل يستحسنان فعلها، وبذلك تنحل
عرا الإسلام من نفس المسلم والمسلمة عروة فعروة، حتى لا يبقى منه سوى
الاسم، كما نشاهد ذلك فى كثير من المسلمين الذين تزوجوا بغير مسلمات.
والمقصود من قوله - تعالى - ,والله يدعو إلى الجنة)) إغراء المؤمنين
بالتمسك بتعاليم دينهم، وتنفيرهم من الاقتران بغير من يكون على شاكلتهم
فى الدين، لأن من يخالفهم فى عقيدتهم طريقه يغاير طريقهم ، وهدفه
يخالف هدفهم ، وعاقبته تباين عاقبتهم .
والدعاء إلى الجنة والمغفرة المراد به الدعاء إلى أسبابهما كما فى الجملة
السابقة المقابلة وقيد - سبحانه - الدعاء إلى الجنة والمغفرة بقوله (((بإذنه))
(م - ٤١ البقرة)
(١) تفسير الفخر الرازى = ٦ صفحة ٦٤.

٦٤٢
الجزء الثانى
أى بأمره وإرادته وعلمه، لأنه - سبحانه - هو المالك لكل شىء، ولا يتحج
فى ملكه إلا ما يريده ويقدره .
قال بعض العلماء ما ملخصه: وقد يقول قائل: هذه الدعوة إلى النار ..
قد تكون أيضاً فى زواج المسلم بالكتابية، كما هى فى زواج المسلم بالشركة،
وكان مقتضى هذا أن يحرم زواج المسلم بغير المسلمة مطلقا، كما حرم.
زواج المسلمة بغير المسلم مطلقا، وإن لذلك الكلام موضعه ، واذلك أجمع.
الفقهاء على كرامة زواج المسلم بالكتابية، بل زعم بعض العلماء أن زواج.
المسلم من الكتابية محرم كزواجه من المشركة .
ولكن الجمهور لا يقطعون بالتحريم أمام النص القاطع بالحل، ولا
يعملون العلة ليهمل النص ، بل يرون علة التحريم لا تتوافر فى الكتابية.
توافرها فى المشركة، فإن المشركة لا ترقبط بأى قانون خلقى يعصمها من.
الزلل .. أما الكتابية فإن مجموع الفضائل الإنسانية ... لا تزال باقية فى
تعاليم دينها فيمكن الاحتكام إليها ...
والقرآن فى جدله مع أهل الكتاب كان يلاحظ إمكان التقام معهم؟
على قواعد يمكن حملهم على الإقرار بها كما فى قوله - تعالى - : قل يا أهل.
الكتاب تعالوا إلى كامة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به
شيئا ... الآية)).
وأمرنا أن نجادلهم بالتى هى أحسن فقال: « ولا تجادلوا أهل الكتاب ..
إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم ... الآية)).
فكان من اطراد تلك المعاملة الحسنة المقربة غير المبعدة، أن أباح.
الإسلام الزواج من الكتابيات .
بيد أنه يلاحظ فى إباحة الزواج من الكتابيات أمران :
أولهما : أن النص القرآنى المبيح خاص بالمحصفات منهن، إذ قال ..
سبحانه ((والمحصفات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، والمحصنات - فى

٦٤٣
سورة البقرة
أظهر التفسير - هن العفيفات ، فأولئك الذين يعمدون إلى المنحرفات منهن
فى أخلاقهن وعقولهن ولا يتخيرون، خارجون عن موضع الإباحة فيما
أحسب، لأن الله أجل المحصنات وهم استحلوا المنحرفات.
ثانيهما: أن ولى الأمر إذا رأى خطرا على الدولة الإسلامية أو على
المجتمع الإسلامى له أن بمنع الناس من ذلك الزواج بوضع عقوبات أن يقدم
عليه سدا للذريعة ومنعا للشر، وذلك من باب السياسة الشرعية ، لا من
باب تحريم ما أحل الله، لأن المل قائم على أصله ، والمنع وارد على الضرر
الذى يلحق المسلمين، إذ فى ذلك من الاعتداء على جماعتهم ما فيه، كما أن
أصل الأكل حلال، ولكن اغتصاب أموال الناس لنا كلها حرام، واذلك
سارت الدولة على منع بعض رجالها من الزواج بالأجنبيات، (١).
وقوله - تعالى - فى ختام الآية (( ويين آياته للناس لعلهم يتذكرون))
معطوف على يدعو إلى الجنة . أى أنه - سبحانه - يدعو الناس إلى ما يوصلهم
إلى جنته ومغفر ته ويبين هم آباته وأوامره ونواهيه فى شئون الزواجوفى
غير ذلك من الأحكام لكى يتعظوا ويعتبروا ويتف كرواما أمر م الله به فيعملوه،
وما نهاهم عنه فيتر کوه .
وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد رسمت الناس أقوم السبل، لكى يعيشوا
فى ظل أسرة فاضلة ، نظاما السعادة، ويسودها الأمان والاطمئنان، ويتعاون
أفرادها على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان .
وبعد أن أمر الله - تعالى - المسلم بأن يجعل التدين وحسن الخلق محط
اختياره فى الزواج، أتبع ذلك بإرشاده إلى بعض الآداب التى يجب عليه
أن يسلكها مع زوجه حتى تكون علاقتهما قائمة على ما يقتضيه الطمع السليم
والخلق القويم وحتى تكون فى أعلا درجات التطهر والتنزه والعفاف
فقال - تعالى -:
(١) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة
مجلة لواء الإسلام السنة الخامسة العدد ١٢ سنة ٠١٩٥٢

٦٤٤
الجزء الثانى
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِّ قُلْ هُوَ أَذَّى فَأْتَزِلُواْلِسَاءِ فِي الْمَحِيضِ
وَلَاتَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرَنَّ فَإِذَا تَطَهِرْنَ فَأَنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَّ كُمُ
اللهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِ ينَ (٥) ◌ِسَآ ؤُ كُرْحَرْتُ
تَّكُمْ فَأْتُواأ ◌َرْتَكُ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْلِأَنْفُسِكُمْ وَأَتَّقُواْ لَهُ وَأْلُواْ
أَنَّكُ مُلَقُوهُ وَيَشْرِ الْمُؤْمِنَ (٦)
روى الإمام مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك - رضى الله عنه -
أن اليهود كانوا إذا حاصنت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها فى البيوت
أى لا يسكنون معهن - فسأل الصحابة النبى - صلى الله عليه وسلم - فأنزل]
الله - تعالى -: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى .. الآية، فقال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - اصنعوا كل شىء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود
فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد
بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يارسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا،
أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ظننا أن
قد وجد عليهما - أى غضب - فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبى - صلى الله
عليه وسلم - فأرسل فى آثارهما فقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما)، (١).
والمحيض : الحيض مصدر حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحاداً
ومحيضا فهى حائض، وأصله السيلان. يقال حاض الوادى إذا سال،
....
ومنه الحوض لسیلان الماء إليه.
(١) صحيح مسلم: كتاب الحيض جـ ١ صفحة ٠١٦٩

٦٤٥
سورة البقرة
ثم أطلق الحيض على ما يقذفه رحم المرأة من دم فى أوقات مخصوصة
غلى وجه مخصوص .
والأذى : الشىء الذى يتأذى منه الإنسان ويصيبه الضرر بسببه
والسؤال كان من بعض الصحابة، لأنهم لقوة إيمانهم كانوا يحبون أن
يعرفوا حكم الإسلام فى شئونهم الخاصة والعامة، ولأنهم وجدوا أن اليهود
وغيرهم يعاملون المرأة فى حال حيضها معاملة غير كريمة ، فسألوا رسول الله
( صلى الله عليه وسلم) عن هذا الأمر الذى يتصل بأدق العلاقات بين الرجل
والمرأة وهو حكم مباشرة النساء فى حال الحيض، «أجابهم الله - تعالى -
جواباً شافياً .
والمعنى: ويسألك أصحابك يا محمد عن حكم مباشرة النساء فى حال
الخيض فقل لهم معداً وموجهاً: إن الحيض أى الدم الذى يلفظه رحم المرأة
فى وقت معين أذى يتأذى به الإنسان تأذياً حسياً جسيماً، فرائحته يتأذى
منها من يشلمها ، وهو فى ذاته شىء متقذر تعافه النفوس ، وتنفر منه الطباع
وقوله ، فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، بيان
الحكم المتفرع على تلك الحالة التى ينأذى منها وهى حالة الحيض.
والاعتزال: التباعد ، وهو هنا كناية عن ترك الجماع والمباشرة، كما
أن النهى عن قربهن كناية عن النهى عن جماعهن. يقال: قرب الرجل
أمرأنه إذا جامعها .
و((يطهرز، من الطهر - بعضم الطاء - بمعنى النقاء من الوسخ والقذر.
والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تمتنعوا عن مباشرة النساء فى زمن.
خيضهن، ولاتجامعوهن حتى يطهرن من ذلك، لأن غشيان فى هذه الحالة
يؤذيكم بسبب عدم نقاء المحل الذى يكور فيه الغشيان للمرأة، والمرأة أيضه
تتأذى من مباشرتها فى زمن الحيض لأنها لا تكون فى حالة تستسيغ معها
المباشرة ، فجهازها التناسلى فى حالة اضطراب، وهيئتها العامة فى حالة تجعلها
من شأنها أن تتفر من الجماع، والولد الذى يأتى عن طريق الجماع فى حالة

٦٤٦.
الجزء الثانى
الحيض - على فرض إقيانه فى هذه الحالة - كثيراً ما يأتى مشوهاً ضعيفاً، لأن
النطفة إذا اختلطت بدم الحيض، أخذت البويضات فى التخلق قبل وقت
صلاحيتها للتخلق النافع الذى يكون وقته بعد انتهاء فترة الحيض وقد قال
بذلك الأطباء الثقاة (١)، وعرفه العرب القدامى بالتجربة ، قال أبو كبير
الهزلى .
ومبرأ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء معضل (٢)
وقد أجمع العلماء - كما بينا - على أن المراد بالاعتزال هو اجتناب
المباشرة، إلا أنهم اختلفوا فيها يجب اعتزاله من المرأة بعد ذلك.
فبعضهم يرى اعتزال جميع بدن المرأة، وحجتهم أن الله أمر باعتزال
النساء ولم يخصص من ذلك شيئاً دون شىء .
وبعضهم يرى اعتزال موضع الأذى - أى مكان خروج الدم - لقول
النبى (صلى الله عليه وسلم) (((صنعوا كل شىء إلا النكاح)).
وبعضهم يرى اعتزال ما بين السرة إلى الركبة من المرأة وله ماسوى ذلك،
لقول عائشة: كانت إحدانا إذا كانت حائضة أمرها النبى (صلى الله عليه
وسلم) أن تأنزر ثم يباشرها. وقوله (،ولا تقربوهن حتى يطهرن، تأكيدلحكم
الاعتزال وتقرير له، وتنبيه على أن المراد به عدم جماعهن لا عدم القرب
منهن أومخ لطتهن أو الأكل معين كما كان يفعل اليهود وبعض العرب.
والدليل على ذلك ما جاء فى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها -
قالت: كنت أرجل رأس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنا حائض)،
وروى البخارى عن عائشة - أيضاً - قالت : كان رسول الله ( صلى
الله عليه وسلم) يتكىء فى حجرى وأنا حائض ثم يقرأ القرآن)) (٢).
(١) راجع تفسير («التحرير والتنوير) ج٢ ص ٣٥٠ للشيخ محمد بن عاشور
(٢) غب الحيضة: جمع غبرة وهى آخر الشىء. يريد أن يقول: إن أم
هذا الممدوح لم تحمل به فى آخر مدة الحيض لذا جاء مستقيم الخلقة.
(٣) صحيح البخارى: كتاب الحيض ج ١ ص ٨٢

٦٤٧
سورة البقرة
وروى مسلم عنها أيضاً قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله
النبى ( صلى الله عليه وسلم) فيضع فاه على موضع فىّ فيشرب.
وقوله:حتى يطهرن، بيان لغاية الاعتزال. وقرأحرة الكائى
: ((حتى يطهرن)) بفتح الطاء والهاء مع التشديد.
ومعناه عند جمهور الفقهاء ولا بجامعوهن حتى بغتسان، لأن القراءتين
معناهما واحد، ولأن الله - تعالى - قد علق الإنيان على التطهر فقال:
«فإذا تطهرن فأتوهن، والتظهر هو الاغتسال. فالمرأة إذا انقطع حيضها
لايحمل للزوج مجامعتها إلا بعد الاغتسال.
ويرى الأحناف أن معنى ((حتى يطهرن)) أى حتى ينقطع الدم، لأنه إذا
كانت سبب الأذى هو الدم فائقة طاءه طهور منه، وبناء على ذلك فيجوز للرجل
أن يباشر زوجته قبل أن تغتسل متى انقطع دمها لأقصى مدة الحيض، وهو
عشرة أيام . أخذا بالقراءة المشهورة ((يطرن، بالتخفيف. أما إذا انقطع الدم
قبل ذلك فلا تحل مباشرتها إلا بالتأكيد من زوال الدم بعمل من جافيها وهو
الاغتسال الفعلى، لأن قراءة «يطهرن، بالتشديد عندهم معناها يغنسان.
وقال بعض الفقهاء يكفى فى حلها أن تتوضأ عند انقطاع الدم .
ولكل فريق أدائه المبسوطة فى كتب الفقه .
وفى هاتين الجملتين الكريمتين (فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن
-حتى يطهرن) من سمو التعبير، وبديع الكتابة ما يغرس فى نفس السامع
- حسن الأدب ، ويصون سمعه عن الألفاظ التى يجانى راعها الأذواق
- السليمة، وما أحوج المسدين إلى الناس هذا الأدب الذى يحفظ عليهم
مرومتهم وكرامتهم .
ثم قال - تعالى - ,فإذا تطهرن فأقوهن من حيث أمركم الله، أى:
- فإذا تطهرن من المحيض فجامعوهن فى المكان الذى أمركم الله بتجنبه فى الحيض
وهو القيل ولا تتعدوه إلى غيره .
والأمر فى قوله - تعالى - «فاقوهن) المراد به إباحة المباشرة، لأنه من

٦٤٨
الجزء الثانى
المقرر عند العلماء أن الأمر بعد النهى يكون الإباحة ، خصوصا إذا كان
الموضع موضع حل وإباحة لاموضع تكليف وإلزام، وليس المراد به الحتم
واللزوم، لأن الإفيان مبنى على الرغبة والطاقة وشبه بهذا التعبيرقوله - تعالى ...
((فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض، وقوله,وإذا حللتم فاصطادوا.،» ..
قال الجمل: ومن فى قوله ((من حيث، فيها قولان: أحدهما: أنها
لابتداء الغاية. أى من الجهة التى تنتهى إلى موضع الحيض. والثانى: أن تكون ..
بمعنى فى أى فى المكان الذى نهيتم عنه فى الحيض. ورجح بعضهم هذا بأنه ..
ملائم لقوله (( فاعتزلوا النساء فى المحيض)) (١).
وعلى كلا القولين فالمقصود أن يأتى الرجل زوجته فى المكان الفطرى
الطبعى لتلك العلاقة الجنسية ، وهو القبل إذ هو مكان البذر والإنسال » ..
ولا يخرج عن ذلك إلا الذين أصيبوا بشذوذ فى عقولهم، وضعف فىدينهم ...
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)) ..
والتواب : صيغة مبالغة من قائب بمعنى راجع إلى ربه إذ زل وهفا.
والمتطهر : هو الإنسان المنزه عن الفواحش والأقذار .
أى: إن الله - تعالى - يحب عباده الذين يكثرون الرجوع إليه إذا ما ..
ظلموا أنفسهم بسيئة من السيئات، والذين يصونون أنفسهم وينزهونها عن.
المعاصى والآثام، ويرضى عنهم فى الدنيا والآخرة .
قال الآلوسى: ((إن الله يحب التوابين، ما عسى يندر منهم من ارتكاب )
بعض الذنوب كالإتيان فى الحيض المستدعى لعقاب الله - تعالى - فقد ..
أخرج الإمام أحمد والترمذى والننائى عن أبى هريرة عن النبى - صلى الله
عليه وسلم - قال: من أتى حائضا فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله
عليه وسلم، - وهو جار مجرى الترهيب فلا يعارض ما أخرجه الطبرانى].
عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال :..
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ صفحة ١٧٩.

٦٤٩
سورة البقرة
يا رسول الله، أصبت امرأتى وهى حائض فأمره رسول الله - حق طلة .
أن يعتق نسمة)) وهذا إذا كان الإتيان فى أول الحيض والدم أحمر ، أما
إذا كان فى آخره والدم أصفر فينبغى أن يتصدق بنصف دينار كما دلت ..
عليه الآثار» (١) .
ثم قال - تعالى -: (( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)).
روى الشيخان عن جابر قال : كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل.
امرأته من دبرها في قبلها ثم حملت كان ولدها أحول . فأنزل الله - تعالى -.
قوله : نساؤكم حرث لكم ... ، الآية .
والحرث فى الأصل: تهيئة الأرض بالحراثة لإلقاء البذر فيها . وقد ..
تطلق كلمة الحرث على الأرض المزروعة كما فى قوله - تعالى - ((أن أغدوا
على حرئكم .. )، أى على حد بقتكم لجمع ما فيها من مار .
وشبهت المرأة بالأرض لأن كليهما يمد الوجود الإنسانى بأسباب بقانه ..
فالزوجة تمده بعناصر تكوينه، والأرض تمده بأسباب حياته .
و((أنى شئتم )، بمعنى كيف شنتم، أو متى شئتم فى غير وقت المحيض.
والمعنى : نساؤكم هن مزرع لكم ومنيت للولد، أعدهن الله لذلك.
كما أعد الأرض للزراعة والإنبات ، فأنوهن إذا تطهرن من الحيض فى ..
موضع الحرث كيف شئتم مستلقيات على ظهورهن أو غير ذلك ما دمتم.
تؤدون شهوتكم فى صمام واحد وهو الفرج.
وفى هذه الجملة الكريمة إشعار بأن المقصد الأول من الزواج إنما هو
النسل، ويشير إلى ذلك قوله , نساؤكم حرث لكم)) إذ من شأن الحرث ..
الصالح الإنتاج ، وإشعار كذلك بما شرعه الله بين الزوجين من مؤانسة
ومباسطة ويشير إلى ذلك قوله - تعالى - ((فأتوا حرثكم أنى شئتم)).
ويرى صاحب الكشاف أن التشبيه بين ما يلقى فى الأرحام من النطقة ...
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢ صفحة ١٢٤ وبتلخيص قليل.

٦٥٠
الجزء الثانى
موبين البذر الذى بلقى فى الأرض من حيث أن كلامنهما ينمو فى مستودعه
-ويكون به البقاء والتوالد، فقد قال - رحمه الله - :
((نساؤكم حرث لكم، مواضع الحرث لكم. وهذا مجاز شبهن بالمحارث
تشبيها لما يلقى فى أرحامهن من النطف التى منها النسل بالبذور، وقوله:
(((فأتوا حرئكم أنى شئتم، تمثيل، أى فأتوهن كما قانون أراضيكم التى
تحر ثونها من أى جهة شئتم ، لا تحظر عليكم جهة دون جهة .. والمعنى:
جامعو من من أى شق أردتم بعد أن يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث.
ثم قال: وقوله - تعالى -: ((هو أذى، فاعتزلوا النساء، وقوله («من
حيث أمركم الله، وقوله ((فأقوا حرئكم أنى شئتم، من الكتابات اللطيفة
والتعريضات الحسنة. وهذه وأشباهها فى كلام الله آداب حسنة على المؤمنين
أن يتعلموها ويتأدبوا بها ويتكلفوا مثلها فى محاورتهم ومكانبتهم ...
فإن قلت: ما موقع قوله (( نساؤكم حرث لكم)) ما قبله؟ قلت : موقعه
.. موقع البيان والتوضيح لقوله، فأنوهن من حيث أمركم الله)) يعنى أن المأتى الذى
أمركم الله به هو مكان الحرث ترجمة له وتفسيراً، أو إزالته للشبهه، ودلالة.
على أن الغرض الأصيل فى الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة ،
, فلا تأتوهن إلا من المأفى الذى بتعلق به هذا الغرض .... (١).
ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله: «وقدموا لأنفسكم، واتقوا الله
واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين ، .
أى : عليكم أيها المؤمنون أن تقدموا فى حاضر كم لمستقبلكم من
الأعمال الصالحة ما ينفعكم فى دنيا كم وآخرتكم، بأن تختاروا فى زواجكم
. ذات الدين، وأن تسيروا فى حياتهم الزوجية على الطريقة التى رسمهالكم
خالقكم، وعليكم كذلك أن تتقوه بأن تصوموا أنفسكم عن كل ما نها كم
- عنه، وأن تعلموا علم اليقين أنكم ستلقونه فيحاسبكم على أعمالكم ويجاذبكم
(١) تغير الكشاف جـ ١ صفحة ٠٢٦٦

٦٥١
سورة البقرة
عليها بما تستحقون .
وقوله ((وبشر المؤمنين)) بشارة طيبة لمن آمن وعمل صالحا، وتلقى ما
: كلفه الله - تعالى - بالطاعة والامتثال.
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد أرشدنا المسلم إلى أفضل الوسائل،
وأقوى الدعائم التى يقوم عليها صرح الحياة الزوجية السعيدة، والتى عن
طريقها تأتى الذرية الصالحة الرشيدة، وأن الإسلام فى تعاليمه لا يحاول أن
ينكر أو تحطم غرائز الإنسان وضرورياته، وإنما الإسلام يعترف بغرائز
الإنسان وضرورياته ثم يعمل على تهذيبها وتقويمها بالطرق التى من شأنه
إذا ما اتبعها أن يظفر بالسعادة والطمأنينة فى دنياه وأخراه.
وبعد أن بينت لنا السورة الكريمة حكم المباشرة فى فترة الحيض، تابعت
حديثها عن شئون الأسرة فذكرت حكم الإيلاء أى الحلف بالامتناع عن
المباشرة بعد أن قدمت له بالحديث عن الحلف فى ذاته . استمع إلى السورة
الكريمة وهى تحكى ذلك فتقول :
وَلَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَعْمَتِكُمْ
قـ
أَن تَبَرُّواْ وَنَُّواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِعُ عَلِيمٌ
لُؤَاخِذُ كُ اللهُ بِالَّغْوِ فِىَ أَيْمَئِكُمْ وَلَنْكِن يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا كَسَبَتْ
قُلُوبُكُّ وَاللهُ غَفُورُ حَلِيمٌ (٥﴾ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَاءِمْ تَرَبْصُ
أَرْبَعَةِ أَشْهٍُّ فَإِن فَآءُ و فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (﴾ وَ إِنْ عَمُواْ
الطََّقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٢٧

٦٥٢
الجزء الثانى
العروضة: فعله - بضم العين - بمعنى مفعول كالقبضة والغرقة ، وهى.
أسم لكل ما يعترض الشىء فيمنع من الوصول إليه، واشتقاقها من الشىء الذى.
يوضع فى عرض الطريق فيصير مانعاً للناس من السلوك والمرور يقال فلان.
عرضة دون الخير أى حاجز عنه .
وتطلق كذلك عن النصية التى تتعرض للمهام وتكون هدفا لها . ومنه
قولهم: فلان عرضة الناس إذا كانوا يقعون فيه ويعرضون له بالمكروه .
قال الشاعر :
دعونى أنح وجداً كنوح الحمائم ولا تجعلونى عرضة للوائم
يريد أثركونى أنح من الشوق ولا تجعلونى معرضاً للوم اللوائم.
والأيمان : جمع يمين وتطلق بمعنى أطراف والقسم، وأصل ذلك أن العرب.
كانوا إذا أردوا توثيق عموذهم بالقسم يقسمونه وضع كل واحد من المتعاهدين.
يمينه فى يمين صاحبه. و((قبروا، من البر وهو الأمر المستحسن شرعا.
والمعنى على الوجه الأول : لا تجعلوا الحلف بالله - أيها المؤمنون-
حاجزاً ومانعاً عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، وذلك أن بعض.
الناس كان إذا دعى إلى فعل الخير وهو لا يريد أن يفعله يقول: حلف
بالله ألا أفعله فتهاهم الله - تعالى - عن سلوك هذا الطريق.
وهذا المعنى هو الذى رجحه كثير من المفسرين لأنه هو المناسب لما
يجىء بعد ذلك من قوله - تعالى - ((الذين يؤلون من نساتهم تربص أربعة.
أشهر .. ، ووجه المناسبة أن الله - تعالى - يكره المؤمن أن يجعل الحلف به
مانعاً من رجوعه إلى أهله ؛ ولأن هناك أحاديث كثيرة تحض الحالف على.
ترك أمر من أمور الخير أن يكفر عن يمينه وأن يأتى الأمر الذى فيه خير ،
ومن هذه الأحاديث ما جاء فى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى قال :
قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) إنى والله إن شاء الله، لا أحلف على
يمين فأرى غيرما خيراً منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها، (١).
١
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٦٦

٦٥٣
سورة البقرة
وروى مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ( صلى
الله عليه وسلم): من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن
يمينه وليفعل الذى هو خير)) (١).
وشبه بهذه الآية فى النهى عن الحلف على ترك فعل الخير قوله - تعالى-
فى شأن سيدنا أبى بكر عندما أقسم ألا ينفق على قريبه الذى خاض فى شأن ابنته
عائشة ((ولا يأقل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤقوا أولى القربى والمساكين
والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وايصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم، (٢)
فالآية على هذا الوجه تنهى المؤمن عن المحافظة على اليمين إذا كانت
هذه اليمين مانعة من فعل الخير .
واللام فى قوله «لأيمانكم، متعلق بعرضة، وقوله (( أن تبروا وتتقوا
وتصلحوا ، مفعول لأجله أى: لا نجعلوا الحلف بالله سبباً فى الامتناع عن
عمل البر والتقوى والإصلاح بين الناس .
والمعنى على أن عرضة بمعنى النصبة التى تتعرض للسهام: لا تجعلوا
- أيها المؤمنون - اسم الله - تعالى - هدفا لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف
به فى كل حق وباطل، وذلك لأجل البر والتقوى والإصلاح بين الناس،
فإن من شأن الذى يكثر الحلف أن تقل ثقة الناس به وبأ بمانه، وقد ذم الله
- تعالى - من يكثر الحلف بقوله ((ولا قطع كل حلاف مهين)، وأمر بحفظ
الأيمان فقال: ((واحفظوا أيمانكم ..
قال الإمام الرازى: والحكمة فى الأمر بتقليل الأيمان، أنمن حلف فىكل
خليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك، ولا يبقى اليمين فى قلبه وقع، فلا يؤمن
إقدامه على اليمين الكاذبة، فيختل ما هو الغرض الأصلى فى المين، وأيضاً
كلما كان الإنسان أكثر تعظمالله، كان أكمل فى العبودية، ومن كمال
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٦٦
(٢) سورة النور الآية ٢٢

٦٥٤
الجزء الثانى
التعظيم أن يكون ذكر الله - تعالى - أجل وأعلا عنده من أن يستشهد به فى.
غرض دنيوى ، وأما قوله بعد ذلك « أن قبروا ، فهو علة لهذا النهى .
أى: إرادة أن تبروا والمعنى إنما نهيتم عن هذا - أى عن الإكثار من الحلف .
لما أن توفى ذلك من البر والتقوى والإصلاح، فتكونون بامعشر المؤمنين
بسبب عدم إكثار كم من الأيمان - بررة أتقياء مصلحين)) (١).
وهذا الوجه أيضاً استحسنه كثير من العلماء، ولاتنافى بينهما؛ لأن
الله - تعالى - ينهانا عن أن تجعل القسم به مانعاً من فعل الخير، كما ينهانه.
فى الوقت نفسه عن أن تكثر من الحلف به فى عظيم الأمور وحقيرها.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله (( والله سميع عليم، أى: سميع لأقوالكم
وأيمانكم عند النطق بها، عليم بأحوالكم ونفيأة كم فحافظوا على ما أمر كم.
به ، واتروا عما نهاكم عنه لتنالوا رضاه ومثوبته .
و قوله - تعالى - لا يؤاخذ كم الله باللغو فى أيمانكم ، استئناف بیانی،
لأن الآية السابقة لما أفادت النهى عن التسرع فى الحلف ، أو عن اتخاذ.
الأيمان حاجزاً عن عمل الخير، كانت نفوس السامعين مشوقة إلى حكم.
المين التى تجرى على السنة بدون قصد .
والمؤاخذة : مفاعله من الأخذ بمعنى المحاسبة أو المعاقبة أو الإلزام.
بالوفاء بها .
واللغو من الكلام : الساقط الذى لا يعتد به ولا يصدر عن فكر وروبة.
مصدر لما يلغو ويلغى .
والمعنى . لا يعافيكم الله - تعالى - ولا يلزمكم بكفارة ما صدر عنكم
من الأيمان الاغية فضلا منه - سبحانه - وكرماً.
واليمين اللغو هى التى لا يقصدها الحالف، بل تجرى على لسانه عادة
من غير قصد ، وقد ذكر العلماء صوراً لها منها - كما يقول ابن كثير - :
ما رواه عطاء عن عائشة أنها قالت: « اللغو فى اليمين هو كلام الرجل
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٨٠

٦٥٥"
سورة البقرة
فى بيته كلاوالله وبلى والله، وفى رواية عن الزهري عن عروة عنها أنها قالت:
((اللغو فى اليمين هو ما يكون بين القوم يتدار. ون فى الأمر - أى يقناقشون
ويتذاكرون فيه - فيقول هذا لا والله وبلى والله وكلا والله لا تعقد عليه
قلوبهم، أى تجرى على ألسنتهم ألفاظ المين ولكن بدون قصد يمين : -
ومنها ما جاء عن عروة عنها أنها كانت تتأول هذه الآية يعنى قوله - تعالى-
((لا يؤاخذ كم الله باللغو في أيمانكم، وتقول: هو الشىء يحلف عليه.
أحد كم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه ».
ثم بين - سبحانه - المين التى هى موضع المحاسبة والمعاقبة فقال ::
(((ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم)).
أی : لا يؤاخذ كم الله فی الیمین التی لم تصدر عن رویة و تفکیر ، ولکن.
يؤاخذكم أن يعاقبكم فى الآخرة بما قصدته قلوبكم وتعمدتم فيه الكذب
فى اليمين ، بأن يحلف أحدكم على شىء كذب، ليعتقد السامع صدقه ،
وتلك هی اليمين الغموس - أی التی تغمس صاحبها فى النار - ويدخل فيها
الأيمان التى يحلفها شهود الزور، والكاذبون عند التقاضى ومن يشابهم فه.
تعمد الكذب .
ويرى جمهور العلماء أن هذه اليمين لا كفارة فيها، وإنما كفارتها التوبة:
الصادقة ورد الحقوق إلى أصحابها إن ترتب على اليمين الكاذبة ضياع حق.
أو حكم بباطل .
ويرى الإمام الشافعى أنه يجب فيها فوق ذلك الكفارة .
والباء فى قوله « بماء للسببية، وما مصدرية أى، لا يؤاخذكم باللغو
ولكن يؤاخذكم بالكسب، أو موصوله والعائد محذوف أى ولكن.
يؤاخذ كم بالذى كسبته قلوبكم .
وقوله ((والله غفور حليم، تذييل لتأكيد ممن عدم المؤاخذة فى اللغو.
أى والله غفور حيث لم يؤاخذكم باللغو حليم حيث لم يعاجل المخطئين.
فالعقوبة .

٦٥٦
الجزء الثانى
وبعد بيأن هذه الأحكام فى الإيمان العامة ، عقب - سبحانه - ذلك
ببيان حكم اليمين الخاصة فقال: «الذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة
أشهر فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم».
ويؤلون: من الإيلاء مصدر آلى يؤالى ويؤلى إيلاء بمعنى حلف. قال الشاعر:
وإن سبقت منه الآلية برت
قليل الألایا حافظ لیمینه.
وقد خص الإيلاء فى الشرع بالحلف على ترك مباشرة الزوجة . وكانوا
فى الجاهلية يحلفون الا يقربوا نساءهم السنة والأكثر إضرارا بهن.
و((التربص، التلبث والانتظار والترقب. قال الشاعر.
تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها
و(«فاؤا، معناه رجعوا. والفيء فى اللغة هو رجوع الشىء إلى ما كان
عليه من قبل، ولهذا قيل لما تزيله الشمس من الظل ثم بعود فى .. وقيل لما
رده الله على المسلمين من مال المشركين فى. كأنه كان لهم فرجع إليهم.
قال الشاعر :
ففاءت ولم تقض الذى أقبلت له ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا
و «عزموا، من العزم وهو عقد القلب على الشىء، والتصميم عليه.
يقال: عزم على الشىء يعزم عزما - بالضم - وعزيمة ... إذا عقد
غيته عليه .
و «الطلاق، هو حل عقد النكاح الذى بين الرجل والمرأة، وأصله
من الانطلاق، وهو الذهاب . يقال : طلقت المرأة تطلق - من باب
نصر - طلاقا، إذا أصبحت مخلاة بدون رجل بعد أن كانت فى عصمه
رجل معين .
قال الفخر الرازى : كان الرجل فى الجاهلية لا يريد المرأة ولا يحب أن
بيتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات
جعل والغرض منه مضارة المرأة . ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك
٠

٦٥٧
سورة البقرة
- أيضاً - فأزال الله، تعالى - ذلك، وأمهل للزوج مدة حتى يتروى ويتأمل
-فإن رأى المصلحة فى ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة فى المفارقة
عن المرأة فارقها ، .
ومعنى الآيتين الكريمتين: أن الله - تعالى - جعل الذين يحلفون على ترك
مباشرة أزواجهم مدة يراجعون فيها أنفسهم، وينتظرون فيها ما يستقر عليه
أمرهم، وهذه المدة هى أربعة أشهر، فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك
مباشرة الزوجه، ورأوا أن المصلحة فى الرجوع، فإن الله - تعالى - يغفر لهم
ما فرط منهم . وإن استمروا على ترك مباشرة نسائهم، وأصروا على ذلك بعد
انقضائها فإن شرع الله - تعالى - يحكم بالتفريق بينهما، لأن الحياة الزوجية
لا تقوم على البغض والكراهية والهجران، وإنما تقوم على المحبة والمودة
والرحمة .
وقوله (( للذين يؤلون، متعلق بمحذوف خبر مقدم. وتربص مبتدأ
مؤخر ، وقدم الخبر على المبتدأ الاهتمام بهذه التوسعة التى وسع الله بها عليهم،
فهى مدة كافية لأن يراجع المرء فيها نفسه، ويعود إلى معاشرةزوجه خلالها .
وعدى فعل الإيلاء بمن مع أن حقه أن يتعدى بعلى، لأنه تضمن هنا
معنى البعد كأنه قال : للذين يؤلون متبا عدين من نسائهم .
zے
و((من نسائهم، على حذف المضاف، أو من إقامة العين مقام الفعل
المقصود منه المبالغة أى، للذين يؤلون من مباشرة نسائهم.
وأضيف التربص إلى الظرف ((أربعة أشهر، على الاتساع إذ الأصل
تربسين في أربعة أشهر. وقوله ((فإن الله غفور رحيم، دليل الجواب. أى فإن
.فؤا إلى زوجاتهم وحثوا فى أيمانهم التى حلفوها بالابتعاد عنهن، بأن كفروا
عنها وتابوا إلى ربهم فحشهم مغفور لهم لأنه - سبحانه - غفور لمن تاب من
. چعد ظلمه وأصلح، رحيم بعباده فى كل أوامره وتكاليفه .
وجواب الشرط فى قوله ((وإن عزموا الطلاق) محذوف والتقدير وإن
(م - ٤٢ البقرة)

٦٥٨
الجزء الثانى
عزموا الطلاق فقد وجب عليهم ما اعتزموه، والطلاق منصوب على أز}.
الخافض لأن عزم يتعدى بعلى .
وفى قوله ((فإن الله سميع عليم، وعيد شديد ان يحلف على ترك مباشرة
امرأته أو يمسكها بقصد إيذائها ومضارتها.
أى فإن الله - تعالى - سميع لكل ١٠ كان من الزوج الحالف، عليم بعمله
يقع منه من مضارة أو غيرها، وسيجازيه يوم القيامة بما يستحقه.
قال القرطبى ما ملخصه: وقد جعل أق للزوج مدة أربعة أشهر فى تأدييب
المرأة بالهجر، وقد آلى النبى - صلى الله عليه وسلم - من أزواجه شهرا تأديبه)"
لهن - عندما طالبنه بزيادة النفقة - وقد قيل: الأربعة الأشهر هى التى ..
لا تستطيع أن تصبر عنه أكثر منها، وقد روى أن عمر بن الخطاب - رضى الله.
عنه - سأل بعض النساء عن مقدار صبر المرأة عن زوجها فقان أربعة أشهر،
فجعل عمر مدة الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين.
ووجه يقوم آخرين، وهذا - والله أعلم- يقوى اختصاص مدة الإلاء
بأربعة أشهر ، (١).
/
وعلى أية حال فإن الطبائع تحذف فى مثل هذه الأمور، والأربعة الأشهر
مدة كافية ليختبر الرجل نفسه وميوله، فإما أن يعود إلى معاشرة زوجهـ
بالطريقة التى شرعها الله، وما أن تعاد إلى الزوجة حريتها بالطلاق، ليبدأ"
كلاهما حياة زوجية جديدة مع شخص آخر، فذلك أكرم لازوجة وأعف.
وأصون، وأنفع للرجل كذلك وأشرف . وقد اختار الله هذه المدة وهو
الأعلى بحكمة اختياره فعلينا أن تتقبل ما شرعه لنا طائين خاشعين.
هذا، وجمهور - العلماء على أن العلاق لا يقع بانتها . هذه المدة، وإنك
(١) تفسير القرطبى ج ٣ صفحة ١٠٧ بتعرف وتلخيص.

٦٥٩
سورة البقرة
بانتهائها يأمره الحاكم بالفيئة، فإن تقبل أمر الحاكم بالرضا أمهله مدة يمكنه
الفيئة فيها ، وإن لم يتقبله بالرضا أمره بالطلاق ، فإن طلق فيها وإلا طلقها
الحاكم منه .
وعليه فإن الفاء فى قوله - تعالى - ((فإن فؤا، لترتيب الحكم الذى
يحصل بعد مدة التربص .
وقال الأحناف أن الطلاق يقع بمجرد انتهاء هذه المدة وهى الأربعة
الأشهر، والرجوع إنما يكون خلالها فلا زيادة فوقها، ويكفى فى مراجعته
لنفسه تلك المدة، ومادام لم يرجع إلى معاشرة امراته خلالها فقد آ ثر فراقها،
ولا يصح أن نعطيه أية مهلة من الوقت بعدها. وعليه تكون الفاء عندهم
التفصيل، أى تفصيل ما يحصل من الزوج فى هذه المدة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المسلم عن اتخاذ الحافه
بالله حاجزا بينه وبين فعل الخير ، وأمرته بأن يحفظ اسانه عن الإكثار من
الحلف بالله فى الأمور الصغيرة والكبيرة، وحذرته من تعمد الأيمان الكاذبة
التى تؤدى إلى غضب الله - تعالى -، لأن المين الكاذبة الفاجرة من كبائر
الذنوب ، وحذرته كذلك من أن يهجر زوجته بقصد إيذائها والإضرار بها،
لأن الحياة الزوجية يجب أن تقوم على المودة والرحمة، وأرشدقه إلى أن
أقصى مدة لهجر الزوجة بقصد تأديبها وتهذيبها ودلاج اعوجاجها هى أربعة
أشهر يراجع فيها نفسه، فإما أن يعود إليها ويكفر عن يمينه، وإما أن بقع
بينهما الفراق ,وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته)).
وبهذه الأحكام السامية يكون الإسلام قد شرع الرجل والمرأة ما ينفعهما
ويصون كرامتهما، ويحفظ لهما حريتهما وحمن استمتاعه ما بالحياة.
ثم سافت السورة فى خمس آيات فى أحكام الطلاق، وفصلت أحواله ،

٦٦٠
الجزء الثانى
وبينت مراته، وذكرت ما ينبغى أن يكون عليه من عدل وتسامح حتى
لا يقع ظلم أوجور على أحد الزوجين. استمع إلى القرآن الكريم وهو يبين
ذلك بأسلوبه الحكيم المؤثر فيقول .
*.
وَالْمُطَلِّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِنِّ
ثَلَاثَةَ فُرُوْءٍ وَلَ يَحِلْ نَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُفِىَ أَرْحَامِهِنَّ إِن
كُنَّ يُؤْمِنَّ بِللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِ هِنَّ فِي ذَلِكَ
إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَهًا وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوِّ وَلِ جَالٍ
قـ
عَلَيْنَ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٍ (﴾ الطََُّّ مَنْ تَنِّ فَإِمْسَكٌ
يِمَعْرُوفٍ أَوْتَسْرِيٌ بِإِحْسٍَّ وَلَيَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُ واْبِمََّءَاتَيْتُمُوهُنَّ
شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيَ حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِقْتُمْ أَلََّ يُقِيمَاحُدُودَ
اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَقْتَدَتْ بِهِمُ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا
تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلُونَ (﴾ فَإِنِ
طَلَّقَهَا فَلَا تَعِلُّ لَهُ، مِنْ بَعْدُ حَتّى تَكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِنْ طَقَّهَ فَلَا
◌ُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَرَاجَعَّ إِن ظَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَبِّكَ
٢٣٠
حُدُودُ اللهِيُبَِنُهَ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ