Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سورة البقرة
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالأمر بالتقوى والخصية منه فقال:
«واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين).
أى. اتقوا الله وراقبوه فى الانتصار لأنفسكم، وترك الاعتداء فيما لم
يرخص لكم فيه، واعلموا أن الله مع الذين يمتثلون أمره ويجتقبون نهيه
بالنصر والرعاية والتأييد .
ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين ببذل المال من أجل إعلاء كلمته، ونصرة
دينه، فقال: (( وإنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)).
قال الإمام الرازى: الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح، فلذلك
لا يقال فى المضيع: إنه منفق. فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله، فالمراد به
-طريق الدين، لأن السبيل هو الطريق، وسبيل الله هو دينه، فكل ما أهر
الله به فى دينه من الإنفاق فهو داخل فى الآية سواء أكان إنفاقاً فى حج أو فى
صلة رحم أو غير ذلك، إلا أن الأقرب فى هذه الآية - وقد تقدم ذكر
الجهاد - أنه يراد به الإنفاق فى الجهاد، وقوله ((فى سبيل الله، كالتنبيه على العلة
فى وجوب هذا الإنفاق، وذلك لأن المال مال الله فيجب انفاقه فى سبيله ،
ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال)) (١).
و ((قلقوا، من الإلفاء وهو طرح الشىء من اليد .
قال الجمل. والباء فى قوله ((بأيديكم، تحتمل وجهان: أحدهما أنها زائدة
-فى المفعول به لأن ألقى بتعدى بنفسه، قال - تعالى- «فألقى عصاه، والثانى:
أن يضمن ألقى معنى فعل يتعدى بالباء فيتعد تعديته فيكون المفعول به فى
الحقيقة هو المجرور بالباء تقديره، ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة كقوله:
.(١) تفسير الفخر الرازى = ٥ ص ١٤٨ بتصرف وتلخيص.

٥٤٢
الجزء الثانى
أفضيت بجنبى إلى الأرض أبى: طرحته على الأرض، (٢).
والمراد بالأيدى: الأنفس، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل، لأن
أكثر ظهور أفعال النفس تكون عن طريق اليد .
والتهلكة : الهلاك والموت. أو كل شىء قصير عاقبته إليه. معدد
هلك يهلك ملكاً وهلاكاً وتهلكة .
والجملة الكريمة معطوفة على جملة «وقاقلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم .. ».
ألخ، لأنهم لما أمروا بقتال عدوهم، وكان أوفر منهم عدة وعدداً، كلفهم.
بالاستعداد له عن طريق إنفاق الكثير من أموالهم فى سبيل إعلاء كلمة الله.
لأن هذا الإنفاق من أقوى الوسائل التى توصل إلى النصر .
والمعنى : عليكم ، أيها المؤمنون - أن تقاتلوا فى سبيل الله من قاقلكم،
وأن تنفقوا من أجل إعلاء كلمة الله أموالكم، ولا تلقوا أنفسكم فيما فيه.
هلا ککم فى دين أو دنيا ، بسبب تر كـكم الجهاد ومخلكم عن الإنفاق فيه
مع القدرة على ذلك .
ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه الترمذى وغيره عن أبى عمران قال : كنا
بمدينة الروم القسطنطينية - فأخرجوا إلينا صفا عظيماً من الروم. فخرج
إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى
دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة !!
فقام أبو أيوب الأنصارى فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤ ولون هذه الآية هذا
التأويل ، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله الإسلام ..
وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً - دون رسول الله - عَالة -
إن أمو الناقد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقناء
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٠١٥٥

٥
٥٤٣
سورة البقرة
فى أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله - تعالى - على نبيه يرد علينا ما
قلناه ,وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة،. فكانت التملكة
الإقامة على الأموال ، وإصلاحها، وتركنا الغزو .
قال الراوى : فمازال أبو أيوب شاخصاً فى سبيل الله حتى دفن.
بأرض الروم .
فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يبذلوا أموالهم فى الجهاد فى سبيل الله.
بصفة خاصة ، وفى كل موطن من مواطن الخير بصفة عامة ، لأن عدم.
البذل فى سبيل الخير يؤدى إلى ضعف الأمة واضمحلالها .
ثم ختم - سبحانه - الآية بالترغيب فى الإحسان فقال: ((وأحسنوا
إن الله يحب المحسنين، أى: أحسنوا كل أعمالكم وأتقنوها،"لأنه
- سبحانه - يحب المحسنين فى كل شئونهم ، ويشيهم على ذلك بما يسعدهم فى
دينهم ودنياهم .
هذا، وتأمل معى - أيها القارىء الكريم - فى هذه الآيات تراها قد
رسمت أحكم منهاج وأعدله فى شأن الحرب والسلم .
إنها تأمر المؤمنين أن يجاهدوا أعداءهم الذين بدأوهم بالقتال، وأن
يقتلوهم حيث وجدوهم، ويخرجوهم من حيث أخرجوهم، كما قأمرهم
أن يبذلوا أموالهم فى سبيل الله بدون إمساك أو بخل، وهذا من أقوى أنواع.
الحض على الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله .
ولكنها فى الوقت نفسه تنهاهم عن الاعتداء، وتنهاهم عن القتال فى
الأشهر الحرم وفى الأماكن المقدسة إلا إذا قاقلهم المشركون فيها ، كانتهاهم.
عن قتالهم إذا ما انتهوا عن عدوانهم وكفرهم، لأن شريعة القرآن تستجيب.
الداعى السلم متى كف المعتدون عن العدوان، وأحترمواكلمة الإسلام ..
وبذلك نرى أن القتال فى الإسلام ليس من أجل الغنائم، أو الاستغلال.

٥٤٤
الجزء الثانى
أو الاستعباد، أو التباهى .. كلا ليس لأجل شىء من هذا، وإنما هو من
أجل الدفاع عن الحق وأهله ، حتى تكون كلمته هى العليا وكلمة الباطل هى
السفلى، وبهذا قسعد الإنسانية، وتنال ما تصبو إليه من عزة وفلاح.
وبعد هذا الحديث المحكم عن القتال فى سبيل الله، وبيان أحكامه بالنسبة
للاشهر الحرم وللبيت الحرام، ساق القرآن فى بضع آيات جملة من الأحكام
والآداب التى تتعلق بفريضة الحج، إذ القتال جهاد لحماية الأمة الإسلامية
من الخارج، والحج جهاد لتهذيب النفس وحماية الأمة من الداخل عن طريق
تجميع أبنائها على اختلاف ديارهم فى مكان واحد ليشهدوا منافع لهم،
وليتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. استمع إلى سورة
البقرة وهى تحدثك عن بعض أحكام الحج وآدابه فتقول :
وَأَثُواْالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَلِِّ فَإِنْ أُحْصِرُمْ فَ أَسْتَرْ
مِنَ أَلْهَدْيِّ وَلَا تَحْلِقُواْ رُ وَسَكُمْ حَى يَبْلُغَ الْمَدْىُ عَلَهُ فَمَنْ كَانَ
مِنْكُم مَرِ يضًا أَوْ بِهِةَ أَذَّى مِّنْ رَأْسِهِ، فَفِدَيَةٌ مِّنْ صِيَامِ أَوْ صَدَةٍ
أَوْ نٍُّ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَتَعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ
أْمَدْيُّ فَنْ لَمْيَجِدْ فَصِيَامُ ثَةٍ أٍَّ فِى الْحَجْ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعُمْ
تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ
أَحَرَمْ وَأَنَّقُواْ اللّهَوَاعْلَمُواْ أَنَّ الَهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

٥٤٠
سورة البقرة
الْحَجْ أَشْهُرٌ
أَمَعْلُومَنْتَ فَنَ فَرَضَ فِيِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ،
فِى الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ بَعْلَتْهُ اللهُ وَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
(التَّقْوَنَّ وَأَنَّقُونِ يَأُوْلِآلْأَلْبَبِ ﴿) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن
تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُ مِنْ عَرَفَتِ فَاذْ كُرُواْ اللّهَ
عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَِّ وَاذْكُوُ كَّ هَدَ ثَكُمْ وَ إِن كُنتُ مِّنْ فَيْلِهِ لَمِنٍ
الضَّالِينَ ﴿ه ◌ُثُمَّ أَفِضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْاللّهَ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(٤٦) فَإِذَا قَضَبْتُ مََّسِكَكُمْ فَاذْ كُرُواْ الهَ كَذِكْ
ءَبَاءَ كُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِ كَا فِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآءَ اتِنَا فِ الدُّنْيَا
وَ لَهُ فِ اْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ (﴾ وَمِنْهُ مَّنْ يَقُولُ رَبَّآءَاتِنَا فِ
الَُّا حَسَنَّهُ وَفِ آْآَخِرَةِ حَسَنَةٌ وَقِنَا عَذَابَ النَّرِ بِ أَوْلَئِكَ لَهُمْ
نَصِيبُ ◌ِمَ كَسَبُواْ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿يَ وَذْ كُوا اللَّهِ فِ أَيٍَّ
مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِ يَوْمَّنِ فَلَ إِلَ عَلَيْهِ وَمَن تَأْثّرَ فَلَا إِلَّ
عَلَّهْ لِمَنِ أَنٍَّ وَتَّقُوا اللهَ وَأَعْلَمُواْأَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُخْتَرُونَ (3)
1
(٢ - ٣٥ البقرة)

٥٤٦
الجزء الثانى
تعتبر هذه الآيات الكريمة من أجمع الآيات التى وردت فى القرآن الكريم
مبينة ما يتعلق بأحكام الحج وآدابه ، وستحاول - بعون الله - أن نبين
ما اشتملت عليه من آداب سامية، وتوجيهات حكيمة، بأسلوب هو إلى
الإيجاز أقرب منه إلى الإسهاب والإطناب، قاصدين عدم التعرض لتفريعات ..
الفقها. واختلافاتهم إلا بالقدر الذى يقتضيه المقام .
والحج فى اللغة : القصد يقال حج فلان الشىء : إذا قصده مرة ..
بعد أخرى .
وفى الشرع: القصد لزيارة بيت الله الحرام فى وقت مخصوص بأفعاله ..
مخصوصة ، وبكيفية مخصوصة، بينتها الشريعة الإسلامية .
والعمرة فى اللغة: الزيارة ، مأخوذة من العمارة التى هى ضد الخراب.
ثم أطلقت على الزيارة التى يقصد بها عمارة المكان .
وفى الشرع: زيارة بيت الله الحرام للتقرب إليه، وقد بين النبى - صلى الله ..
عليه وسلم - أركانها وشروطها وكيفيتها .
وقد كانت شعيرة الحج والعمرة معروفتين عند العرب قبل الإسلام »
ولكن بأفعال وبكيفية فيها الكثير من الأباطيل والأوهام، فجاءت شريعة
الإسلام فوضعت لهما أفضل الأحكام، وأسمى الآداب، وأمر النبى - صلى أقضيه.
عليه وسلم - المسلمين أن يسيروا فى أدائهما على الطريقة التى سار عليها
فقال: (( خذوا عنى مناسككم )).
قال ابن كثير: وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر
أربع عمر كلها فى ذى القعدة عمرة الحديبية فى ذى القعدة سنة ست »
وعمرة القضاء فى ذى القعدة سنة سبع ، وعمرة الجعرانة فى ذى القعدة سنة ..
ثمان، وعمرته التى مع حجته أحرم بهما معاً فى ذى القعدة سنة عشر .
وما اعتمر فى غير ذلك بعد هجرته)) (١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢٣٠

٥٤٧
١
سورة البقرة
وقد اختلف العلماء فى المقصود من الإتمام فى قوله - تعالى -«وأتموا
الحج والعمرة لله، فبعضهم يرى أن المراد بإتمامهما: إقامتهما وإيجادهما
وإنشاؤهما فيكون المعنى: أقيموا الحج والعمرة لله: أى أدوهما وانتوا
بهما. فالأمر فى ((أتموا)) منصب على الإنشاء والأداء. فهو كقوله
- تعالى - (( ثم أتموا الصيام إلى الليل، وأصحاب هذا الرأى يرون أن العمرة
واجبه كالحج، لأن الله - تعالى - أمر بهما معاً، ولأن الرسول - ◌َّ -
قال: ((تابعوا بين الحج والعمرة .. ))
وإلى هذا الرأى اتجه سعيد بن جبير ، وعطاء، وسفيان الثورى ،
والشافعية .
ويرى كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء كالأحناف والمالكية -
أن المراد باتمامهما: الإتيان بهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله
- تعالى - وأن على المسلم إذا شرع فيهما أو فى أحدهما أن يتمه ويأتى به
كاملا، كما فعل النبي - صَ لّهِ - وأصحابه فى عمرة القضاء.
فيكون المعنى: ائتوا بالحج والعمرة كاملى الأركان والشروط والآداب
خالصين لوجه الله - تعالى -.
فالأمر على هذا الرأى منصب على الإتمام لا على أصل الأداء.
وأصحابه يرون أن العمرة ليست واجبة كالحج لعدم قيام الدليل على
وجوبها، وليس فى الآية ما يفيد الوجوب ، بل فيها ما يفيد وجوب الإتمام
أن شرع فيهما أو فى أحدهما. وفرضية الحج إنما ثبتت بقوله - تعالى -((والله.
على الناس حج المات من استطاع إليه سبيلا)). وأيضاً، فإن أركان العمرة
وأفعالها تدخل فى ثنايا أفعال الحج وأركانه، ولذلك وردفى الحديث الصحيح
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «دخلت العمرة فى الحج إلى يوم
القيامة ، إلى غير ذلك من الأدلة التى ساقها كل فريق لتدعيم رأيه .
ومجمل القول أن فرضية الحج مجمع عليها بين العلماء، وأما فرضية

٥٤٨
الجزء الثانى
العمرة ففيها خلاف، انتصر كثير من العلماء فيه الرأى القائل بأنها ليست
فرضاً كالحج، بل هى سنة .
وقد كانت فرضية الحج فى السنة التاسعة من الهجرة على أرجح
الروايات . ويرى بعض العلماء أن الحج قد فرض قبل ذلك ، إلا أن تنفيذه
لم يتم إلا فى السنة التاسعة عندما أرسل النبى - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر
أميراً على الحج، وكان ذلك تمهيداً لحجه - صلى الله عليه وسلم - سنة عشر.
وقد أمر - سبحانه - بإنمام الحج والعمرة لله دون غيره لأن العرب كانت
تقصد الحج للاجتماع والتظاهر، والتفاخر، وقضاء الجوانج، وحضور
الأسواق، دون أن يكون لله - تعالى - فيه حظ يقصد، ولا قربة تعتقد،
فأمر - سبحانه - المسلمين أن ينزهوا عباداتهم - وخصوصاً الحج - عن
الأقوال السيئة ، والأفعال القبيحة، وأن يقصدوا بأداء ما كلفهم الله به
الإخلاص والطاعة له - سبحانه - .
وبعد أن أمر الله - تعالى - عباده بأن يتموا الحج والعمرةله،أردف ذلك
ببيان ما يجب عليهم عمله فيما لو حال حائل بينهم وبين إتمامهما فقال :
«فإن أحصر تم فما استيسر من الهدى، والإحصار والحصر فى اللغة: بمعنى
الحبس والمنع والتضييق سواء أ كان بسبب عدو أو مرض أو جور ساطان
أو ما يشبه ذلك. قال - تعالى - فى شأن قتال المشركين: «فإذا انسلخ
الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وأحصروهم (١)
أى: ضيقوا عليهم المنافذ . ويقال الذى لا يبوح بسره : حصر؛ لأنه خبس
نفسه عن البوح بسره .
ويرى بعض علماء اللغة أن الإحصار يكون الحبس والمنع فيه من ذات
الشخص كالمرض وذهاب النفقة، وأما الحصر فيكون الحبس والمنع فيه
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢٣٠
(٢) سورة التوبة، الآية م.

٥٤٩
سورة البقرة
لا من ذات الشخص ، بل بسبب أمر خارجى كالعدو ونحوه .
والهدى : - بتخفيف الياء وتشديدها - مصدر بمعنى المفعول، أى: المهدى
والمراد به ما يهدى إلى بيت الله الحرام من الإبل والبقرة والشاة ليذبح تقرباً.
إلى الله - تعالى - .
و («استيسر، هنا بمعنى يسر وتيسر أى: ما أمكن تحصيله من الهدى
بدون مشقة أو تعب .
والمعنى: أتموا - أيها المؤمنون - الحج والعمرة لله متى قدرتم على ذلك،
فإن ((أحصرتم، أى، منعتم بعد الإحرام من الوصول إلى البيت الحرام.
بسبب عدو أو مرض أو نحوهما، فعليكم إذا أردتم التحلل من الإحرام أن
تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى .
وبعض العلماء - كالشافعية والمالكية - يرون أن المراد بالإحصار فى الآية
ما كان بسبب عدو، كما حدث للمسلمين فى صلح الحديبية ، أما إذا كان
الإحصار بسبب مرض، فإن الحاج أو المستمر على إحرامه حتى يبر أمن مرضه
ثم يذهب إلى البيت فيطوف به سبعاً، ويسعى بين الصفا والمروة ، وبهذا
يتحلل من عمرته أو حجه ، ولا يتحلل بالذبح ، إذ التحلل بالذبح عندهم
لا يكون إلا فى حالة الإحصار بسبب العدو . أما الأحناف فيرون أن
الإحصار سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو ما يشبههما فإنه يسيخ التحلل
بالذبح، إذ الآية عندهم تعم كل منع ، وعلى من أحصر أن يقضى الحج
أو العمرة فيما بعد .
وفى هذه الجملة الكريمة تقرير المبادئ التى جاءت بها شريعة الإسلام،
تلك المبادئ التى تتوخى فى كل شئونها التيسير لا التعسير، والرفق لا التشديد.
قال - تعالى - «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (١) وقال - تعالى -
(( ما جعل عليكم في الدين من حرج،(٢).
(١) سورة البقرة الآية ١٨٥
(٢) سورة الحج الآية ٧٨

٥٥٠
الجزء الثانى
ثم قال - تعالى - ((ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله)).
حلق الرأس أو تقصيرها علامة الانتهاء من الإحرام، كما أن القسليم
علامة الانتهاء من الصلاة ، أو علامة قطعهما عند الاضطرار إلى ذلك .
والحلق بالنسبة للرجال أفضل من التقصير، فقد أخرج الشيخان عن أبى
هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: اللهم اغفر للمحلقين.
قالوا: يا رسول الله والمقصرين. قال: اللهم اغفر للمحلقين . قالوا:
يارسول الله والمقصرين. قال: والمقصرين (١). أما بالنسبة للنساء فيكفى التقصير.
والمحل: اسم لزمان الحلول أو مكانه . يقال: بلغ الدين محله إذا حل
وقت أدائه، كمايقال: بلغ الشخص عله إذا وصل إلى المكان الذى ينزل به.
قال الالوسى : وكون المراد بالمحل هنا المكان هو الظاهر فى الآية .
والمعنى: أنموا الحج والعمرة لله، فإن منعتم من إتمامهما وأقتم محرمون
فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى ، ولا تتحللوا
من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذى
يجب أن يراق فيه دمه ، وهو الحرم .
وهذا رأى الأحناف، فقد قرروا أن المراد بالمحل البيت الحرام ، فهو
اسم مكان، لأن الله - تعالى - قد قال في آية أخرى: ، ثم محلها إلى البيت
العتيق)) (٢)، عليه فلا يجوز للمحصر أن يحلق ويتحلل إلا بعد أن يصل الهدى
الذى يرسلة إلى البيت الحرام ويذبح .
أما جمهور الفقهاء فيرون أن محل الهدى للمحصر هو المكان الذى حدث
فيه الإحصار، ودليلهم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم-قد نحر هو وأصحابه
هديهم بالحديبية وهى ليست من الحرم، وذلك عندما منعه المشر كون من
دخول مكة .
(١) الترغيب والترهيب للمنذرى جـ ٢ ص ٠٢٠٨
(٢) سورة الحج الآية ٣٣.

٥٥١
سورة البقرة
وقد أجاب الأحناف على ذلك بأن محصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
كما يقول الآلوسى - (١) كان فى طريق الحديبية بأسفل مكة ، والحديبية
متصلة بالحرم.
وعلى رأى جمهور الفقهاء يكون المعنى: ولا تتحللوا من إخرامكم بالحلق
حتى تذبحوا الهدى فى الموضع الذى أحصرتم فيه؛ فإذا تم الذبح فاحلقوا
.. وتحللوا. والخطاب على كلا المعنيين يكون للمحصرين، لأنه أقرب مذكور
ويرى المحققون من العلماء أن رأى جمهور الفقهاء أكثر اتفاقاً مع السنة.
النبوية، وفيه تسهيل على المحصرين، والمناسب لهم هو التيسير لا التعسير،
ولا شك أن ذبحهم لديهم فى مكان إحصارهم أيسر لهم، وحملوا قوله
- تعالى -((ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله، على أنه خطاب
عام لجميع المكلفين لا فرق بين محصر وغير محصر ، وأن المقصود من الجملة
الكريمة هو البيان العام لمكان التحلل وزمانه، أما مكان الذبح عند الإحصار
-فقد بينه النبى - صلى الله عليه وسلم - بذبحه لهديه فى الحديبية وهى ليست
من الحرم عند المحققين .
قال الإمام الرازى : ومنشأ الخلاف البحث فى تفسير هذه الآية ، فقد
.. قال الشافعى وغيره: المحل فى هذه الآية اسم الزمان الذى يحصل فيه التحلل
.. وقال أبو حنيفة: إنه اسم للمكان ، (٢).
وبعد أن بين - سبحانه - أن الحلق لا يجوز للمحرم ما دام مستمراً على
إحرامه، أردفى ذلك ببيان بعض الحالات التى يجوز فيها للمحرم أن يحلق
رأسه مع استمراره على إحرامه فقال - تعالى -: ((فمن كان منكم مريضاً
أو به أذى من رأسه، فقدية من صيام أو صدقة أو نسك،.
أى: فمن كان منكم - أيها المحرمون - مريضاً بمرض يضطر معه إلى
(١) تفسير الآلوسى ج ٢ ص ٠٨١
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٠١٦٣

٥٥٢
الجزء الثانى
الحلق، أو كان به أذى من رأسه كجراحة وحشرات مؤذية، فعليه إن حلق ..
فدية من صيام أو صدقة أو نسك .
وقوله (( فقدية ، مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . أى: فعليه فدية، ..
وأيضاً ففيه إضمار آخر والتقدير : فحلق فعليه فدية .
والفدية : هى العوض عن الشىء الجليل النفيس . ولا ريب أن محرمات ..
الحج والعمرة أمور لها جلالها وعظمها .
وعبر - سبحانه - هنا بالفدية دون الكفارة ، لأن الذى به مرض.
أو أذى من رأسه لم يرتكب ذنباً أو إثماً حتى يكفر عنه .
قال القرطبى: والنسك: جمع نسيكه، وهى الذبيحة ينسكها العبد لله ..
- تعالى - وتكون من الإبل والبقر والغنم ـ ويجمع - أيضاً - على نسائك.
والنسك: العبادة فى الأصل، ومنه قوله - تعالى -: ((وأرنا مناسكنا)، أى :.
متعبداتنا . وقيل : أصل النسك فى اللغة الغسل، ومنه فسك ثوبه إذا غسله)، ..
فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة. وقيل: النسك سبائك ..
الفضة التى خلصت من الخبث ، كل سبيكة منها نسيكة ، فكأن العابد خلص
نفسه من دفس الآثام وسبكها ، (١) .
وقوله - تعالى - ((من صيام أو صدقة أو نسك)) بيان لجنس الفدية ..
وقد بين النبى - صلى الله عليه وسلم - مقدار هذه الفدية ، فقد روى.
الشيخان عن كعب بن عجرة الأنصارى قال: حملت إلى النبى - صلى الله
عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهى فقال: ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ
بك هذا ... أما تجد شاة؟ قلت: لا !! قال: صم ثلاثة أيام وأطعم
سرعة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام وأحلق رأسك . فنزلت فى ..
خاصة وهى لكم عامة ».
(١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٠٣٨٦

٠٥٥٣
سورة البقرة
فقد بين النبى - صلى الله عليه وسلم - مقدار الفدية فى هذا الحديث ».
وعامة العلماء يرون أن المحرم احذر كهذا خير فى هذا المقام، إن شاء صام ..
وإن شاء قصدق وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الماكين .
قال ابن كثير : ولما كان لفظ القرآن فى بيان الرخصة جاء بالأسهل
فالأسهل، ولما أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - كعب بن عجرة بذلك أرشده.
أولا إلى الأفضل فقال: أما تجد شاه؟ فكل حسن فى مقامه)) (١).
وبعد أن بين - سبحانه كيفية التحلل عند الإحصار، وكيفية التحلل.
الجزئى من بعض المحرمات عند المرض، عقب ذلك ببيان كيفية التحلل.
فى حالة الأمن فقال: (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر
من الهدى، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، قلك ..
عشرة كاملة )) .
وقوله ((فإذا أمنتم) الأمن ضد الخوف. أى: فإذا زال خوفكم و ثبت
أمتكم والجملة معطوفة على قوله ((أحصرتم)) وجىء إذا لأن فعل الشرط.
وهو ((أمنتم ، مرغوب فيه.
وقوله (، فمن تمتع) جواب إذا. والتمتع فى اللغة - كما قال الإمام.
الرازى - التلذذ. يقال: تمتع بالشىء إذا تلذذ به. والمتاع كل شىء يتمتع به،
وأصله من قولهم : حبل ماتع، أى: طويل . وكل من طالت صحبته مع.
الشی. فهو متمتع به )،(٢).
والمراد بالتمتع فى الآية المعنى الشرعى بأن يجمع المسلمبين العمرة الحج فى
عام واحد فى أشهر لحج ، بأن يحرم بالعمرة أولا ثم بالحج .
وسمى هذا النوع من الإحرام تمتعاً، لأن المحرم به يجمع بين متعة الروح.
ومتعة الجسد . لأنه يحرم بالعمرة أول ويقوم بمناسكها وذلك متعة روحية
1
وبعد الانتهاء من أدائها يتحلل فيجوز له أن يقرب النساء ومس الطيب حتى.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢٣٣
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ١٦٧ طبعة عبد الرحمن محمد:

٠٥٤
الجزء الثانى
يحرم بالحج وتلك متعة بدنية .
وهناك نوعان آخران من الإحرام. أحدهما: الإفراد ومعناه: أن محرم
بالحج فقط ولا يجمع معه العمرة، وإنما يأتى بها فى وقت آخر .
وثانيهما: القران ومعناه: أن يجمع بين العمرة والحج فى إحرام واحد،
بأن يبقى على إحرامه بعد أدائها ويأتى بمناسك الحج بالإحرام نفسه .
والمعنى: فإذا ثبت أمنكم - أيها المسلمون - عند أدائكم للحج والعمرة،
فمن تمتع منكم بالعمرة إلى الحج، بأن أحرم بها فى أشهر الحج، ثم بعد
الانتهاء من أعمالها تحلل بأن حلق رأسه ، وباشر أهله إن كانوا معه ، وانتظر
متحللا إلى وقت الإحرام بالحج وصار من حقه أن يفعل كل ما يفعله من "
ليس محرماً ، فعليه فى هذه الحالة أن ينبح ما تيسر له من الهدى من غنم
أو بقر أو إبل ليكون هذا الذبح شكراً فته حيث وفقه - سبحانه - للجمع بين
النسكين مع التمتع بينهما بأفعال المتحلل، فمن لم يجد ما يذبحه فعليه أن
بصوم ثلاثة أيام فى وقت الحج وأن يصوم سبعة أيام بعد فراغه منه .
وقوله (( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام .... معطوف على ((فمن تمتع
بالعمرة ... )، لأن ((فمن تمتع)) مع جوابه وهو. فما إستيسر ... )) مقدر فيه
معنى فمن تمتع واجداً الهدى، فعطف عليه فمن لم يجد أى الهدى .
وقد جعل - سبحانه - الصيام بدلا عن الهدى زيادة فى الرخصة والرحمة
. وزيادة فى الرفق والتيسير فقد جعله على مرحلتين: إحداهما - وهى الأقل-
تكون فى وقت الحج، ويفضل كثير من الفقهاء أن يصوم سادس ذى الحجة
وسابعه وثامنه، وثانيتهما - وهى الأكثر - تكون بعد الرجوع إلى أهله
حيث يطمئن ويستقر وقذهب مشقة السفر فيصوم سبعة أيام.
وبعض الفقهاء يرى جواز الصيام عند الأخذ فى الرجوع بعد الفراغ من
أعمال الحج، ويرجح الوجه الأول ما رواه الشيخان من حديث أن عمر
.وفيه: ((فمن لم يجد هدبا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى

٥٥٥
سورة البقرة
أهله)، (١).
والإشارة فى قوله - تعالى - , تلك عشرة كاملة، إلى الثلاثة والسبعة.
وميز العدد محذوف أى: أيام. والجملة مؤكدة لما أفاد قوله (( فصيام ثلاثة
أيام وسبعة إذا رجعتم)) وفائدة هذا التأكيد دفع توهم أن الواو بمعنى أو ،
أو أن السبعة كناية عن مطلق كثرة العدد، وبذلك بتقرر الحكم نصاً،
ويتبين أن الذى يحل محل النسك إنما هو العشرة الكاملة وليس بعضها .
ووصف العشرة بأنها كاملة ، للتنويه بأن هذا الصوم طريق الكمال لأعمال
الحج، وأن الحاج إذا فى بعضها لا يكون حجه قاما حتى يصوم ما أمره
الله - تعالى - به.
وقوله (« ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، الإشارة فيه
تعود إلى التمتع المفهوم من قوله - تعالى- «فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ... ألخ.
أى: ذلك التمتع الذى يجمع فيه المحرم بين النسكين، إنما هو الشخص
الذى ليس أهله من المقيمين فى مكة وماحولها، لأن المقيمين فى مكة وماحولها
يفردون ولا يجمعون ، إذ العمرة فى إمكانهم أن يؤدوها طول أيام السنة.
وقد شرع - سبحانه - التمتع ليكون تيسيراً ورفقاً المقيمين بعيداً عن مكة
-هذا رأى الأحناف .
ويرى الشافعية : أن أهل مكة وما حولها يقرأون ويتمتعون كغيرهم من
أهل الآفاق ، وأن اسم الإشارة فى الجملة الكريمة يعود إلى النسك وما يقوم
.. مقامه من الصوم لأنه أقرب مذ كور .
وعلى رأيهم يكون المعنى: ذلك الذبح لما تيسر من الهدى والصيام لمن لم
يتيسر له الهدى إنماهو على سكان الآفاق، لا على سكان مكة وما حولها، لأن
سكان مكة وما حولها قد أحرموالتمتعهم من الميقات فلا يجب عليهم شىء.
والمراد بحاضرى المسجد الحرام: أهل مكة وأهل الحل الذين منازلهم.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢٣٤

٥٥٦
الجزء الثانى
داخل المواقت عند الحنفية . وال المالكية: هم أهل مكة خاصة . وقال
الشافعية: هم أهل مكة ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
ولمكل أدلته المفصلة فى كتب الفقه .
ثم ختم - سبحانه - الآية بالأمر بتقواه وبالتحذير من عقابه فقال:
((واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب)).
أى: واتقوا الله فى كل ما يأمركم به وينها كم عنه، واعلموا أن الله.
شديد العقاب لمن لم يخشه ولم يلتزم حدوده .
وفى هذا الأمر بالتقوى فى ختام هذه الآية التى تحدثت عن الحج إشعار
بأن هذه الفريضة ليست العبره فيها بما تعمله الجوارح وإنما العبرة بما تتركهـ
فى القلوب من قوبة صادقة ، وصيانة للنفس عن اقتراف المحارم.
وفى قوله (( والموا، اهتمام بالخبر، وتحقيق لمضمونه، وترهيب من
العقاب مع الترغيب بالثواب ، فقد جرت عادة الناس أنهم يصلحون
بالثواب والعقاب .
هذا، وقد إشتملت هذه الآية الكريمة على بعض الأحكام التى
تتعلق بالحج والعمرة، والمتدبر فى هذه الأحكام يراها قد أمتازت بأحكم
ضروب التوجيه ، وأيسر أنواع التكليف .
ثم بين - سبحانه - وقت الحج وماز يجب على المسلم عند أداته لهذه
الفريضة من آداب فقال: ((الحج أشهر معلومات)).
أى: وقت الحج أشهر معلومات أو أشهر الحج أشهر معلومات فحذف.
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .
وجعلت النسبة إلى الحج نفسه لا إلى وقته، للإشعار بأن هذه الأشهر
لكونها تؤدى فيها هذه الفريضة قد اكتسبت تقديساً وبركة منها، حتى.
لكان هذه الإشهر هى الفريضة نفسها .
قال القرطبى ما ملخصه: وأشهر الحج هى شوال وذو القعدة والعشرة

٥٥٧
سورة البقرة
الأولى من ذى الحجة . وقيل هى شوال وذو القعدة وذو الحجة كلة وفائدة
"الفرق تعلق الدم؛ فمن قال: ان ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دماً فيها
يقع من الأعمال بعد يوم النحر، لأنها فى أشهر الحج. ومن قالى بأن الحج
بنقضى بالعشرة الأولى من ذى الحجة بوجب الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره
عن وقته . ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث، لأن بعض
*شهر ينزل منزلة كله، كما يقال: رؤيتك سنة كذا ولعله إنما رآه فى ساعة
منها)، (١) .
وعبر - سبحانه - عن هذه الأشهر بأنها معلومات ، لأن العرب كانوا
يعرفون أشهر الحج من كل عام مند عهد إبراهيم - عليه السلام. وقد جاء
الإسلام مقرراً لماعرفوه، أو المراد بكونها معلومات أنها مؤقتة بأوقات معينة
لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها عنها، وهو يتضمن بطلان النسىء الذى كان
يفعله الجاهليون تبعاً لأهوائهم .
وقوله «فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج،
بيان لما يحب أن يتحلى به المسلم من فضائل عند أدائه لهذه الفريضة .
قال الإمام الرازى: ومعنى ((فرض)) فى اللغة ألزم وأوجب}. يقال:
فرضت عليك كذا، أى أوجبته. وأصل معنى الفرض فى اللغة الحز الذى
يقع فيه الوتر ، ومنه فرض الصلاة وغيرها لأنها لازمة للعبد كلزوم الحز للقدح
ففرض هنا بمعنى أوجب وألزم ... )، (٢).
والرفت فى الأصل : الفحش من القول. والمراد به هنا الجماع. أو الكلام
المتضمن لما يستقبح ذكره من الجماع ودواعيه .
قال القرطبى: وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد
الحج وعليه حج قابل والهدى .
(١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٠٤٠٥
(٢) تفسير الفخر الرازى ج ٥ ص ٠١٧٨

٥٥٨
الجزء الثانى
والفسوق: الخروج عن طاعة الله بارتكاب المعاصى، ومن ذلك السباب
وفعل محظورات الإحرام، وغير ذلك ما نهى الله عنه ،
والجدال على وزن فعال من المجادلة وهى مشتقة من الجدل وهو الفتل
منه زمام مجدول ز.
وقيل: هى مشتقة من الجدالة التى هى الأرض . فكان كل واحد من ..
الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه، فيكون كمن ضرب به الجدالة.
والمراد النهى عن المجاراة والمنازعة التى تؤدى إلى البغضاء وتغير القلوب ..
والمعنى: أوقات الحج أشهر معلومات فمن نوى وأوجب على نفسه.
فيهن الحج وأحرم به فعليه أن يجتنب الجماع للنساء ودواعيه ؛ وأن يبتعد
عن كل قول أو فعل يكون خارجاً عن آداب الإسلام، ومؤدياً إلى التنازع.
بين الرفقاء والإخوان، فإن الجميع قد اجتمعوا على مائدة الرحمن: فعليهم أن
يجتمعوا على طاعته، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان ...
روى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال: من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )).
قال الآلوسى، وقال - سبحانه - ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى ..
الحج)) بالإظهار ولم يقل فيه مع أن المقام يقتضى الإضمار ، لإظهار كمال
الاعتناء بشأنه ، وللإشعار بعلة الحكم ، فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها.
إلى الله - تعالى - من موجبات ترك الأمور المذكورة المدنسة لمن قصد.
السير والسلوك إلى ملك الملوك. وإيثار النفى للمبالغة فى النهى، والدلالة على.
أنها حقيقة بأن لا تكون فإن ما كان منكراً مستقبحاً فى نفسه منهياً عنه مطلقاً.
فهو للمحرم بأشرف العبادات وأشقها أفكر وأقبح (١))).
(١) تفسير الآلوسى = ٢ ص ٦

٥٥٩
سورة البقرة
والضمير فى قوله «إفيهن) للاشهر، لأنه جمع لغير العاقل فيجرى على
التأنيث .
وجملة , فلا رفث .. )، إلخ فى محل جزم جواب من الشرطية والراط
بين جملة الشرط والجواب ما فى معنى ((فلا رفت)) من ضمير يعود على
(((من))، لأن التقدير فلا يرفث.
ويجوز أن تكون جملة ((فلا رفث .. )) وما عطف عليها فى محل رفع.
خبر لمن على أنها موصولة .
وقد أخذ الشافعية من هذه الآية أنه لا يجوز الإحرام بالحج في غير أشهر
الحج لأن الإحرام به فى غير أشهره يكون شروعاً فى العبادة فى غير وقتها فلا تصح.
ويرى الأحناف والحنابلة ، أنه يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره ولكنه
مع الكراهة: والإمام مالك لا يرى كراهة فى ذلك .
ويبدو أن رأى الشافعية هذا أرجح، لأن قوله - تعالى - ((فمن فرض
فيهن الحج .. ، يشهد لهم، فقد جعل - سبحانه - هذه الأشهر وعاء لهذه.
الفريضة؟ وظرفاً لها .
وقوله (( وما تفعلوا من خير يعلمه الله، حض على فعل الخير عقيب
النهى عن فعل الشر .
أى: اتركوا الأقوال والأفعال القبيحة، وسارعوا إلى الأعمال الصالحه ..
خصوصاً فى تلك الأزمنة والأمكنة المفضلة، والله - تعالى- لا يخفى عليه شئ.
من أعمالكم ، وهو - سبحانه - سيجازيكم على فعل الخير بما تستحقون ..
من جزاء .
ثم قال - تعالى - ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)).
قال الإمام الرازى : فى هذه الجملة الكريمة قولان ، أحدهما : أن المراد.
وتزودوا من التقوى - أى الأعمال الصالحة - والدليل عليه قوله بعد ذلك ..
(((فإن خير الزاد التقوى)) وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران: سفر فى.

٥٦٠
٦
الجزء الثانى
الدنيا وسفر من الدنيا، فالسفر فى الدنيا لا بدله من زاد وهو الطعام والشراب
والمال .. الخ. والسفر من الدنيا لا بد له أيضاً من زاد وهو معرفة الله ومحبته
والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لأن زاد الدنيا
يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم .. قال
الأعشى مقرراً هذا المعنى :
إذا أنت لم ترحل زاد من التقى ولا قيت بعد الموت من قدتزودا
قدمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد بما كان أرصدا
والقول الثانى: أن هذه الآية نزلت فى أناس من أهل اليمن كانوا يحجون
بغير زاد ويقولون إنا متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس ، وربما ظلموا
الناس وغضبوهم فأمرهم الله - تعالى - أن يتزودوا بالمال والطعام الذى
يغنيهم عن سؤال الناس (١) .. )).
والذى نراء أن الجملة الكريمة تسع القولين. فهى تدعو الناس إلى أن
يتزودوا بالزاد المعنوى النفسى الذى يسعدهم ألا وهو تقوى الله وامتثال
أو امره واجتناب نواهيه والاكثار من العمل الصالح وفى الوقت نفسه هى
تأمرهم - أيضاً - بأن يتزودوا بالزاد المادى الحقيقى الذى يغنيهم عن سؤال
الناس ، ويصون لهم ماء وجوههم .
وبذلك نكون قد استعملها الفظ فى حقيقته ومجازه، وهو استعمال
شائع مستساغ عند كثير من العلماء .
ثم ختم - سبحانه - الآية بتأكيد أمر التقوى ووجوب الإخلاص فقال:
«واقفون يا أولى الألباب، والألباب: جمع لب وهو العقل واللب من كل
شىء: هو الخالص منه. وسمى به العقل، لأنه اشرف ما فى الإنسان.
أى: أخلصوا لى با أصحاب العقول السليمة، والمدارك الواعية، لأنكم
(١) تفسير الفخر الرازى = ٥ ص ١٨٤ بتلخيص.