Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
سورة البقرة
فى رمضان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شاء أفطر
فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية , فمن شهد منكم الشهر
فليصمه )).
٢: ويرى بعض العلماء أن قوله - تعالى - ((وعلى الذين يطيقونه .... ))
ألخ ، ليس بمنسوخ بل هو محكم، وأنه نزل فى شأن الشيخ الكبير
الهرم، والمرأة العجوز، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أر يفطر!
وأن يطعمها عن كل يوم مسكينا وأصحاب هذا الرأى يستدلون بما
رواه البخارى عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية: ليست بمنسوخة
هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يضوما فعليهما أن
يطعما مكان كل يوم مسكيناً ، .
٣: وهناك رأى ثالث لبعض العلماء يرى أصحابه أن قوله - تعالى - ((وعلى
الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، ليس بمنسوخ - أيضاً، بل هو محكم،
وأن معنى الآية عندهم : وعلى الذين يطيقونه ، أى : يقدرون على
الصيام بمشقة شديدة إذا أرادوا أن يفطروا أن يطعموا عن كل يوم
بفطرونه مسكيناً . ( بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاع من تمر
أو شعير ، أو قيمة ذلك ) .
ولم يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة المجوز - كما فعل أصحاب
الرأى الثانى - وإنما أدخلوا فى حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة
وتعب المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ومن فى حكمها
ممن يشق عليهم الصوم مشتقة كبيرة .
وأصحاب هذا الرأى يستدلون على ماذهبوا إليه بمنطوق الآية، إذا أنه
الوسع اسم القدرة على الشىء على جهة السهولة، والطاقة اسم القدرة عليه
مع الشدة والمشقة - كما سبق أن بينا -، كما يستدلون - أيضاً - على ما ذهبوا
إليه بقراءة «يطبقونه)) - بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية - أى

٥٠٢
الجزء الأول
يتجشمونه ويتكلفونه بمشقة وتعب. وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأى
بناء على منطوق الآية يؤيده .
كما انتصر بعضهم الرأى الأول بناء على أن الأحاديث الصحيحة
تسانده، وعلى أنه هو الأقرب إلى روح الشريعة الإسلامية فى التدرج فى
تشريع التكاليف التى فيها مشقة على الناس ، كما انتصر بعضهم الرأى الثانى
الذى روى عن ابن عباس .
وهناك أقوال أخرى فى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحاً لضعفها.
وقوله ((فمن تطوع خيراً فهو خير له)) حض من الله - تعالى -
العباد، على الإكثار من عمل الخير .
والتطوع : السعى فى أن يكون الإنسان فاعلا للطاعة باختياه بدون إكراه
والخير: مصدر خار إذا حسن وشرق ، وهو منصوب لتضمين قطوع
معنى أنى، أو على أنه صفة لمصدر محذوف أى تطوعاً خيراً.
والمعنى : فمن تطوع خيراً بأن زاد عل القدر المفروض فى الفدية ،
أو أطعم أكثر من مسكين ، أو جمع بين الإطعام والصوم ، فتطوعه
سيكون خيراً عند الله، لأنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا.
وقوله ((وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون، ترغيب فى الصوم
وتحبيب فيه . أى: وأن تصوموا أيها المطيقون للصوم، أو أيها المكلفون
جميعاً خير لكم من كل شىء سواه، إن كنتم تعلمون فوائد الصوم فى
حياتكم ، وحسن جزائه فى آخرتكم
دوى النسائى وابن خزيمة عن أبى أمامة رضى الله عنه قال : قات
يا رسول الله مرفى بعمل قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له - أى لا يعادل
ثوابه بشىء -، فقلت يا رسول الله مرتى بعمل، فقال: عليك بالصوم
فإنه لا عدل له . فقلت: يا رسول الله مرنى بعمل أدخل به الجنة. فقال:
عليك بالصوم فإنه لا مثل له)، (١).
(١) الترغيب والترهيب للمنذرى ج ٢ ص ٨٥ من ((كتاب الصوم)

٥٠٣
سورة البقرة
وقوله «شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من
الهدى والفرقان، كلام مستأنف لبيان تلك الأيام المعدودات التى كتب
علينا الصوم فيها وأنها أيام شهر رمضان الذى يستحق كل مدح وثناء لتشرفه
بنزول الكتب السماوية فيه .
قال الإمام ابن كثير: يمدح - تعالى - شهر الصيام من بين سائر الشهور
بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، فقد ورد فى الحديث بأنه الشهر
٠(ذى كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء فمن واثلة بن الأسقع أن
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: أفزات صحف إبراهيم فى أول ليلة من
. رمضان، وأفزات التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة
خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان، (١)
و((الشهر، مأخوذ من الشهرة، يقال: شهر الشىء يشهر شهرة وشهراً
" إذا ظهر بحيث لا يتعذر علمه على أحد، ومنه يقال: شهرت السيف إذا سللته
قال بعضهم: وسمن الهلال شهراً لشهرته وبيانه، وبه سمى الشهر شهراً.
( و((رمضان)) اسم لهذا الشهر الذى فرض علينا صيامه، وهو مأخوذ
.- كما قال القرطى - من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش
والرمضاء: شدة الحر، ومنه الحديث: صلاة الأوابين إذا رفضت الفصال،
- أى صلاة الضحى - ، قيل: إن العرب لما فقلوا أسماء الشهور عن اللغة
: القديمة سموها بالأزمنة التى وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر
. فسمى بذلك. وقيل إنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب، أى: يحرقها
. بالأعمال الصالحة .. )، (٢).
وقوله ((شهر رمضان، خبر لمبتدأ محذوف تقديره هى شهر رمضان
"أى: الأيام المعدودات، وقوله (( الذى أنزل فيه القرآن، صفة للشهر
أو لرمضان .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ٥ ٢١٦
(٢) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٢٩١ بتصرف وتلخيص .

٥٠٤
الجزء الأول
ويجوز أن يكون قوله ((شهر)، مبتدأ وخبره الموصول بعده ، أوخبره.
قوله , فمن شهد منكم الشهر فليصمه، وصح وجود الفاء فى الخبر لكون
المبتدأ موصوفاً بالموصول الذى هو شبه بالشرط. وقرىء بالنصب على.
أنه مفعول لفعل محذوف . أى : صوموا شهر رمضان .
و «القرآن» هو كلام الله المعجز المنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) ..
المكتوب فى المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته .
والمراد بإنزال القرآن فى شهر رمضان إبتداء إنز اله فيه، وكان ذلك فى ..
ليلة القدر. بدليل قوله - تعالى - ((إنا أنزلناه فى ليلة القدر، أى بدأناه.
إنزال القرآن فى هذه الليلة المباركة، إذ من المعروف أن القرآن استمر
نزوله على النبى ( صلى الله عليه وسلم) ما يقرب من ثلاث وعشرين سنة.
وقيل المراد بذلك ، أنزل فى فضله القرآن ، قالوا : ومثله أن يقال :.
أنزل الله فى أبى بكر الصديق كذا آية، يريدون أنزل فى فضله.
وقيل المراد أنزل فى إيجاب صومه على الخلق القرآن ، كما يقال : أنزل ..
الله فى الزکاة کذاو کذا ، یرید فى إيجابها وأنزل فىالخمر کفایر یدفی تحريمها ..
قال الآلوسى: وقوله - تعالى - (( هدى للناس وبينات من الهدى.
والفرقان ، حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما أنزل. أى: أنزل.
وهو هداية الناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير، وآيات ..
واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق والفارقة بين الحق
والباطل باشتماله على المعارف الإلهية والأحكام العملية ، كما يشعر بذلك.
جعله بينات منها، فهو هاد بواسطة أمرين، مختص وغير مختصٍ ، فالهدى ..
ليس مكرراً، وقيل: مكرر تنويهاً وتعظيماً لأمره وتأكيداً لمعنى الهداية.
كما تقول: عالم تحرير» (١).
وقوله «فمن شهد منكم الشهر فليصمه، يصح أن يكون شهد بمعنى.4
حضر. كما يقال : فلان شهد بدراً، وشهد المشاهدكلها مع رسول الله (صلى ..
(١) تفسير الآلوسي ج ٢ ص ٦١

٠٠٥
سورة البقرة
الله عليه وسلم) أى: حضرها، فيكون المعنى: فمن حضر منكم دخول ..
الشهر أو حلوله بأن كان مقيما وليس عنده ما يمنعه من الصوم کمرض ونحوه،.
فليصمه؛ لأن صيامه ركن من أركان الدين. وعليه يكون لفظ ((الشهر)
منصوب على الظرفية .
ويصح أن يكون شهد بمعنى علم كقوله - تعالى - , شهد الله أنه
لا إله إلا هو » .
فيكون المعنى : فمن علم منكم هلال الشهر وتيقن من ظهوره فليصمه .
وعليه يكون لفظ «الشهر، منصوب على أنه مفعول به بتقدير المضاف ..
المحذوف و((من، موصولة أو شرطية وهو الأظهر و((منكم) فى محل
نصب على الحال من الضمير فى شهد فيتعلق بمحذوف أى : كائناً منكم .
والضمير فى ((منكم، يعود على الذين آمنوا، أى كل من حضر منكم.
الشهر فليصمه و( أل ) فى الشهر للعهد .
وأعيد ذكر الرخصة فى قوله - تعالى - ومن كان مريضاً أو على سفر
فمدة من أيام أخر ، لئلا يتوهم من تعظم أمر الصوم فى نفسه وأنه خير ،
أنه قد صار متحتماً بحيث لاقتناوله الرخصة بوجه من الوجوه، أو تتناوله.
ولكنها مفضولة، وفى ذلك عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له - تعالى ..
وقوله - تعالى - ديريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، بيان لحكمة الرخصة
أى: شرع لكم - سبحانه - الفطر فى حالتى المرض والسفر، لأنه.
يريد بكم اليسر والسهولة، ولا يريد بكم العسر والمشقة. قال - تعالى-
((يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً، وقال - تعالى-
(( ما جعل عليكم فى الدين من حرج ، وفى الصحيحين أن رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) قال لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى حين بعثهما إلى.
اليمن: يسرا ولا تعرا ولا بشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا)).
وقوله - تعالى - ,ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم.
ولعلكم تشكرون، معطوف على قوله ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم.

٥٠٦
الجزء الاول
"العسر)، إذ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله ((فمن شهد منكم الشهر
فليصمه، إلى قوله (( فعدة من أيام أخر).
والمعنى: شرع لكم - سبحانه - ماشرع من أحكام الصيام، ورخص
لكم الفطر فى حالتى المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر، ولأنه يريد منكم أن تكملوا عدة الشهر بأن تصوموا أيامه كاملة
فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شىء من بركاته ، ومن لم يستطع منكم أداء
الصوم فى هذا الشهر لعذر فعليه قضاء ما فاته منه فى أيام أخر ويريد منكم
أن تكبروه - سبحانه -، أى تحمدوه وتعظموه، فهو وحده الذى هدائم
إلى تلك الأحكام النافعة التى فيها صلاحكم وسعادتكم ويريد منكم أن
تشكروه بأن تواظبوا على الثناء عليه، وعلى استعمال نعمه فيما خلقت له فهو.
- سبحانه - الرءوف الرحيم بعباده، إذ شرع لهم ما فيه اليسر لاما فيه العسر.
وقد دات الآية الكريمة على الأمر بالتكبير إذ جعلته ما يريده انه
- تعالى -، ولهذا جاءت السنة باستحباب التحميد والتسبيح والتكبير بعد
الصلوات المكتوبات، وفى عيدى الفطر والأضحى يكون تكبير الله - تعالى-
هو مظهرهما الأعظم .
١٠
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أكمل بيان وأحكمه فضل
الصوم، وحكمة مشروعيته ومظاهر رحمة الله بعباده فى هذه الفريضة،
. وقد ذكرت أن المسلم له بشأن هذه الفريضة حالة من حالات ثلاث :
الحالة الأولى : إذا كان المسلم فى شهر رمضان كله أو بعضه مريضا
بمرض عارض غير مزمن يرجى الشفاء منه، أو مسافراً تتوفر فيه شروط
الفطر ، فله أن يفطر وأن يقضى بعد رمضان الأيام التى أفطرها بدليل قوله
- تعالى - ((فمن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)).
الحالة الثانية : إذا كان المسلم فى شهر رمضان مريضا بمرض مزمن
لا يرجى شفاؤه والصوم فيه مشقة عليه، أو كان شيخاً كبيراً أو امرأة مجوزا
ـولا يستطيعان الصوم، فقد أباح الشارع لهؤلاء أن يفطروا وأن بطعمواعزكل

٥٠٧
سورة البقرة
يوم مسكيناً، لأن هذه الأعذار لايرجى زوالها، ولا ينتظر أن يكون المبتلى بعذر
منها بعد رمضان خيراً منه فى رمضان ، لذا أوجب الشارع على هؤلاء الفدية
دون القضاء، بدليل قوله - تعالى - ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين))
الحالة الثالثة : إذا كان المسلم فى شهر رمضان سليما مقيما وليس عنده عذر
يمنعه من الصوم، فقد أوجب الله عليه أداء هذه الفريضة بقوله - تعالى -
« فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ويحرم عليه أن يفطر، وإن أفطر لغير
عذر شرعى كان من الخاسرين فى الدنيا والآخرة، ففى الحديث الشريف الذى
رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن
رسول الله - صَ اله - قال: ((من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة
يولا مرض لم يقضه - أى لم يجزه - صوم الدهر كله وإن صامه)) (١).
أى : لو حصل منه صوم طول حياته فلن يدرك ثواب ما ضيع بسبب
خطره بغير عذر شرعى.
والأحاديث فى الترغيب فى صوم شهر رمضان ، وفى الترهيب من الفطر
فيه كثيرة متنوعة .
ثم بين - سبحانه - أن العباد إذا حافظوا على فرائضه ، واستجابوا
"لأوامره، وابتعدوا عن نواهيه}، فإنه - عز وجل - لا يردلهم طلباًولا يخيب
لهم رجاء فقال :
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الَّاعِ إِذَا دَكَانِ
فَلْيَسْتِبُوْلِ وَلَيُؤْمِنُوْ بِ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
ـوب
١٨٦
قال الإمام البيضاوى فى وجه انصال هذه الآية بما قبلها من آيات
الصيام: واعلم أنه - تعالى - لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على
(١) الترغيب والترهيب للمنذرى ج ٢ ص ٠١٠٨

٥٠٨
الجزء الأول
القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم.
سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم ، جاز على أعمالهم تأكيداً له وحثاً عليه،
وروى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما أخرجه
ابن جرير وابن أبى حاتم أن أعرابياً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقال: أقريب ربنا فنتاجيه - أى: ندعوه سرا أم بيعد فنناديه؟ فسكت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله هذه الآية (١).
ومنها ما رواه ابن مردويه - بسنده - عن الحسن قال: سأل بعض الصحابة-
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أين ربنا؟ فأنزل الله -تعالى-هذه الآية(٢).
والمعنى: وإذا سألكعبادی یامحمد عن قربی وبعدى فقلهم : إنی قریب.
منهم بعلى ورحمتى وقدرتى وإجابتى لـ والهم. قال - تعالى -,ولقد خلقا
الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)):
وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى أنه قال : كنا مع النبى ..
- صلى الله عليه وسلم - فى سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبى.
صلى الله عليه وسلم -: ايها الناس إربعوا على أنفسكم -أى أرفقوا بها - فإنكم.
لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم، والذى.
تدهونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)،(٣).
فقوله - تعالى - ((فإنى قريب، تمثيل الكمال علمه - تعالى - بأفعال عباده.
وأقوالهم، واطلاعه على سائر أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم، إذ القرب ...
المكانى محال على الله - تعالى -
وفى الآية الكريمة التفات من خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام، إلى ..
خطاب النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يذكرهم ويعلمهم ما تجب عليهم،
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢١٨.
(٢) تفسير البيضاوى ص ٣٩.
(٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢١٨

٥٠٩
سورة البقرة
مراعاته فى سائر عبادتهم من الإخلاص والأدب والنوجه إلى الله وحده
بالسؤال .
ولم يصدر الجواب بقل أو فقل كما وقع فى أجوبة مسائلهم الواردة فى
فى آيات أخرى، نحو ((ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا)) بل
أولى - سبحانه - جوابهم بنفسه إشعار بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل
سائل بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من
. ذوى الحاجات
والمراد بالعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة م المؤمنون، لأن الحديث
عنهم، ولأن سياق الآيات فى بيان أحكام الصوم وفضائله وهو خاص
بالمؤمنين ، وقد أضيفوا إلى ضمير الجلالة لتشريفهم وتكريمهم.
وقوله - تعالى - ((أجيب دعوة الداع إذا دعان)) تقرير للقرب وتحقيق له،
-ووعد للداعى بالإجابة متى صدر الدعاء من قلب سليم، ونفس صافية،
،وجوارح خاشعة. ولقد ساق لنا القرآن فى آيات كثيرة أمثلة لعباد الله
توجهوا إليه بالسؤال، فأجاب الله سؤالهم، ومن ذلك قوله - تعالى -
((وفوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له ... ، وقوله - تعالى - ((وزكريا
: إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبناله
يحبى وأصلحنا له زوجه ... ، وقوله - تعالى -(,وأيوب إذ نادى ربه أنى
.. مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر .. ».
وورد فى الحديث ما يدل على أن العبد إذا دعا الله - تعالى- بما فيه خير،
. لم يجب عند الله دعاؤه، ولكن لا يلزم أن يعطيه - سبحانه - نفس ما طلبه،
لأنه هو الأعلم بما يصلح عباده. روى الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى أن
النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من مسلم يدعو الله - عز وجل- بدعوة
ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما
"أن يعجل إليه دعوته، وإما أن يدخرها له فى الأخرى، وإما أن يعرف
-عنه من السوء مثلها ،.

٥١٠٠
الجزء الأول
وقوله - تعالى - ((فليستجيبوا لی ولیؤمنوا بی لعلهم يرشدون ، توجيه
منه - سبحانه - إلى ما يجعل الدعاء مرجو القبول والإجابة .
والاستجابة: هى الإجابة بعناية واستعداد، والسين والتاء للمبالغة.
والرشد: الاهتداء إلى الخير وحسن التصرف فى الأمر من دين أودنياً،
يقال : رشد ورشد يرشد ويرشد رشداً ورشداً ، أى اهتدى.
٠٢٠٠
والمعنى : لقد وعدتكم يا عبادى بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتمونى،
وعليكم أنتم أرتستجيبوا لأمرى، وأن تقفوا عند حدودى، وأن تثبتوا على
إيمانكم بى، لعلكم بذلك تصلون إلى ما فيه رشدكم وسعادتكم فى الحياتين
العاجلة والآجلة. وأمرهم - سبحانه - بالإيمان بعد الأمر بالاستجابة ، لأنه
أول مراتب الدعوة، وأولى الطاعات بالاستجابة .
قال الحافظ ابن كثير: وفى ذكره - تعالى - هذه الآية الباعثة على الدعاء
متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الإجتهاد فى الدعاء عند إكمال المدة ،بل.
وعند كل فطر، كماروى أبو داود الطيالسى فى مسنده عن عبد الله بن
عمرو قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: للصائم
عند إفطاره دعوة مستجابة، فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر جمع أهله
وولده ودعا. وروى ابن ماجة عن عبدالله بن عمرو قال: قال النبى - صلى الله.
عليه وسلم - إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد، وكان عبد الله يقول إذا
أفطر: اللهم إنى أسألك برحمتك التى وسعت كل شىء أن تغفر لى)). وروى
الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة قال : قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى.
يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لهله
أبواب السماء ويقول: بعزتى لأنصر نك ولو بعد حين)) (١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢١٩

٥١١
سورة البقرة
هذا والحديث عن الدعاء وعن فضله وعن آدابه وشروطه وفوائده.
وجوامعه وغير ذلك مما يتعلق به قد بسطناء فى غير هذا المكان فليرجع.
إليه من شاء(١).
وبعد هذا الحديث المؤثر عن الدعاء، عاد القرآن إلى الحديث عن ..
أحكام الصيام ، وعن مظاهر رحمة أفقه بعباده فيها شرع لهم.
فقال - تعالى - :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الََّثُ إِلَ نِسَابِكُرْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْوَأَنْتُمْ لِبَسُ نَُّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ
كُمْتَخْتَنُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَبَ عَلَيْكُمْوَعَفَا عَنْكٌُّ فَلْقَلْنَ بَشِرُ وهُنَّ
وَبتَغُوْمَا كَتَبَ الهُ لَكُمْ وَُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيْنَ لَكُ الْخَيْطُ
الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ فُمْ أَمُوْ أَلِصِيَامَ إِلَى الَّيْلِ
وَلَا تَُشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَنْكِفُونَ فِ الْمَسَنِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا
تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ ءَ ايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَّ
روى بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية الكريمة أحاديث تفيد.
أن المسلمين كانوا عند ما فرض شهر رمضان . إذا أفطروا باكاون
(١) راجع كتاب ( الدعاء ) للمؤلف طبع مجمع البحوث : الكتاب.
السادس والخمسون،

٥١٢٠
الجزء الأول
ويشربون ويقربون النساء مالم يناموا ، فإذا ناموا حرم عليهم بعد ذلك
الطعام والشراب وقربان النساء حتى يفطروا من الغد.
ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما أخرجه الإمام أحمد
وابن جرير وابن أبى حاتم عن عبدالله بن كعب بن مالك عن أبيه . قال: كان
. الناس فى رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء
حتى بفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - من عند النبى
(صلى الله عليه وسلم ) ذات ليلة وقد سمر عنده، فأراد امرأته فقالت إنى
- قد نمت، فقال ما نمت ثم واقعها، وصنع كعب مثل ذلك. فندا عمر
. ابن الخطاب إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) فأخبره فنزلت)) (١).
ومنها مارواه البخارى عن البراء قال: كان أصحاب محمد (صلى الله
عليه وسلم) إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل
ليلته ولا يومه حتى يمسى . وإن قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما، وفى
رواية: كان يعمل فى النخيل بالنهار وكان صائما. فلما حضر الإفطار أتى
: أمر أته فقال لها : أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق (أطلب لك وكان
يومه يعمل ، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك . فلما
انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك للنبى (صلى الله عليه وسلم) فنزلت
-هذه الآية (( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، ففرحوا فرحاً
شديداً، ونزات «وكلوا واشربوا حتى بقبين لكم الخيط الأبيض من
"الخيط الأسود من الفجر» (٢).
وجمهور المفسرين - كما يقول الإمام الرازى - على أن هذه الآية
-حن قبيل النسخ ، لأنها قد نسخت ما كان حاصلا فى أول فرضية الصيام
(١) تفسير الآلوسي ج ٢ ص ٦٤
(٢) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٣١٤
-

2
سورة البقرة
٠١٣
"نحن أن الصائم إذا قام بعد فطره لا يحل له الأكل أو الشرب أو الجماع إلى
"أن يفطر من الغد .
ويرى بعض العلماء أن الآية ليست من قبيل النسخ، وإنما هى إرشاد
.. إلى ما شرعه الله - تعالى -لعباده خلال شهر الصوم، من إباحة غشيان أزواجهن
ذليلا، ومن جواز الأكلو الشرب «حتى يتبين لحم الخيط الأبيض من الخيط
الأسود من الفجر، وكأن الصحابة كانوا يتحرجون عن ذلك ظناً منهم أنه
عن تتمة الصوم ، ورأوا أن لاصبر لأنفسهم عن الأكل والشرب والجماع
قليلا، فبين الله لهم أن ذلك حلال لا حرج فيه .
وأصحاب هذا الرأى يستشهدون لذلك بما رواه البخارى عن البراء
قال: ما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان
رجال يخوفون أنفسهم فأنزل الله - تعالى - ,علم الله أنكم كنتم تخانون
أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم (١). فالمقصود من الآية الكريمة عند
هؤلاء رفع مانوهمه بعض الصحابة من أن الأكل أو الشرب أو الجماع لا يجوز
ما داموا قد ناموا بعد فطرم؛ لأن الله - تعالى - ر.وف رحيم بهم،
ولم يشرع لهم ما فيه حرج أو مشقة عليهم .
. وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تسوق لنا لونا من ألوان رحمة الله
-- تعالى - بعباده فيما شرع لهم من فرائض وأحكام.
والمراد بليلة الصيام: الليلة التى يصبح منها الإنسان صائما دون تحديد
طيلة معينة من شهر رمضان، فالإضافة لأدنى ملابسة.
قال الجمل وقوله: ((ليلة الصيام) منصوب على الظرف، وفى الناصب
. له ثلاثة أقوال: أحدهما وهو المشهور عند المعربين أنه أحل، وليس بشىء،
لأن الإحلال ثابت قبل ذلك الوقت .
الثاني : أنه مقدر مدلول عليه بلفظ الرفث تقديره: أحل لكم أن
ترفوا ليلة الصيام .
(م - ٢٣ البقرة)
(١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٣١٤

٠١٤
الجزء الأول
الثالث : أنه متعلق بالرفث وذلك على رأى من يرى الاتساع فى.
الظرف والمجرورات)، (١).
والرفث فى الأصل : الفحش من القول ، وكلام النساء حين الجماع.
كنى به عن المباشرة للزومه لها غالباً. يقال رفث فى كلامه - کنصروفرح.
وكرم - وأرفث، إذا أفحش فيه. والمراد به فى الآية الجماع والمباشرة.
وعدى بإلى - مع أن المستعمل الشائع أن يقال: رفت بالمرأة - لتضمته.
معنى الإفضاء كما فى قوله - تعالى - ((وقد أفضى بعضكم إلى بعض)).
والمعنى : أحل الله لكم فى ليالى صومكم الإفضاء إلى نسائكم ومباشرتمن ..
و قوله - تعالى - هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، وارد مورد ..
المقتضى لإباحة مباشرة النساء فى ليالى الصيام ، ذلك أن كلا من الزوجين ..
يسكن إلى صاحبه، ويكون من شدة القرب منه كالثوب الملابس له وكانت
العرب تسمى المرأة لباساً، وهذه حال تقوى معها الدواعى إلى المباشرة،.
فمن رفقه - تعالى - بعباده أن أحلها لهم ليلة الصيام.
قال الراغب : جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه ستراً لنفسه ولزوجه.
أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستقر عنه أن يبدو منه السوءة .
وقال صاحب الکتاف : فإن قلت : ما موقع قوله «هن لباس لكم )).
قلت: هو استئناف كالبيان السبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم.
وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم).
اجتناين، فلذلك رخص لكم فى مباشرتمن، (٢) .
وفى هذا التعبير القرآنى ما فيه من اللطافة والأدب وسمو التصوير لما.
بين الرجل وزوجه من شدة الاتصال والمودة واستناركل واحد منهما بصاحبه.
وقوله ١- تعالى - على اللّه أنكم كنتم تختافون أنفسكم فتاب عليكم.
وعفا عنكم، جملة معترضة بين قوله ((أحل لكم ليلة الصيام ... )، وبين.
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ١٤٩
(٢) تفسير الكشاف الزمخشرى ج ١ ص. ٢٣٠

1
سورة البقرة
٠١٥
قوله ((فالآن باشروهن ... الخ وقد جىء بها ليبان حالهم بالنسبة إلى
ما فرط منهم ، ولبيان مظهر من مظاهر لطف الله بهم، ورحمته إياهم .
وقوله ((تختانون)) قال الراغب: الاختيان مراودة الخيانة، ولم يقل
تفونون أنفسكم لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان منهم الاختيان، فإن
الاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحرى الخيانة وذلك هو المشار إليه بقوله
- تعالى- ((إن النفس الأمارة بالسوء)) (٢).
والمعنى: علم الله - تعالى - أنكم كنتم تراودون أنفسكم على مباشرة
نسائكم ليلا، وعلى الأكل بعد النوم ، قبل أن يظهر الفجر الصادق، بل
إن بعضكم قد فعل ذلك ، فكان من رحمة الله بكم أن أباح الأكل والشرب
والجماع فى ليالى الصوم ، وأن قبل توبتكم وعفا عنكم، أى : مما أثر
ما فعلتموه من الأكل والجماع قبل أن يأذن لكم بذلك .
وجلة ((فتاب عليكم)) معطوفة على محذوف، والتقدير: فتتم
فعاب عليكم .
والذين لايرون أن الآية ناسخة لحكم سابق عبر عن وجهة نظرهم صاحبه
المنار فقال: وقوله - تعالى - ((علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم، أى:
تتنقصونها بعض ما أحل الله لها من اللذات قوهما أن من قبلكم كان كذلك ،
فيكون بمعنى التخون أبى: النقص من الشىء. أو معناه: تخونون أنفسكم
إذ تعتقدون شيئاً ثم لا تلتزمون العمل به فهو مبالغة من الخيانة التى هى
مخالفة مقتضى الأدلة. ولم يقل تختانون الله كما قال فى آية أخرى ((لا تخونوا
الله والرسول وتخوفوا أماناتكم، للإشعار بأن الله - تعالى - لم يحرم عليهم.
بعد النوم فى الليل ما حرمه على الصائم فى النهار، وإنما ذهب بهم إجتما دهم
إلى ذلك فهم قد خافوا أنفسهم فى اعتقادها ، فكانوا كمن يتغشى امر أته ظاناً
أنها أجنبية، فعصيانه بحسب اجتهاده لا بحسب الواقع ، فهم على أية حال
(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٦٣

٥١٦
الجزء الأول
-
كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى النوبة والعفو ولذلك قال « فتاب
عليكم وعفا عنكم، (١).
وقوله - تعالى - ((فالآية باشروهن)) الأمر فيه للإباحة وهو مرتب
على قوله، أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)).
ولفظ «الآن، يطلق حقيقة على الوقت الذى أنت فيه، وقد يقع على
الماضى القريب منك وعلى المستقبل القريب الوقوع تنزيلا له منزلة الحاضر
وهو المراد هنا .
و((باشروهن)) من المباشرة وأصلها اتصال البشرة بالبشرة، وكفى بها
القرآن عن الجماع الذى يستلزمها .
وقوله - تعالى-((وابتغواما كتب الله لكم)، تأكيد لما قبله. والابتغاء الطلب
والمعنى: لقد أبحنا لكم الإفضاء إلى نسائكم فى ليالى رمضان بعد أن كان
محرماً عليكم فضلا منا ورحمة بكم فالآن باشروهن وأطلبر أمن وراء هذه
المباشرة ما كتبه لكم الله من الذرية الصالحة، ومن التعفف عن إيان الحرام
وفى هذا إشعار بأن النكاح شرع ليبتغى به النسل حتى بتحقق
ما يريده الله - تعالى - من بقاء النوع الإنسانى، ومن صيانة المرء نفسه
عن الوقوع فى فاحشة الزنا .
وقوله - تعالى - ((وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض
من الخيط الأسود من الفجر، معطوف على باشروهن.
والمقصود من الخيط الأبيض: أول ما يبدو من الفجر الصادق
المعترض فى الأفق قبل انتشاره .
والمقصود من الخيط الأسود: ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل.
والمعنى: لقد أبحنا لكم مباشرة النساء فى ليالى الصوم ، وأبخنا لكم
كذلك أن تأكلوا وأن تشربوا فى هذه الليالى حتى يتبين لكم بياض
الفجر من سواد الليل .
(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ١٧٦

٥١٧
سورة البقرة
قال الإمام الرازى: ((والفجر، مصدر قولك: غيرت الماء أفجره
فجراً، وفجرته تفجيراً، قال الأزهرى: الفجر أصله الشق، فعلى هذا
الفجر فى آخر الليل هو انشقاق ظلمة الليل بنور الصحيح .
وقد وردت روايات صحيحة تفيد أن قوله ((من الفجر، قد تأخر نزوله
عن الجمل السابقة له . ففي الصحيحين عن سهل بن سعد قال أنزلت ((وكلوا
واشربوا حتى يدين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل الفجر»
فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم فى رجليه الخيط الأبيض
والخيط الأسود، ولا يأكل حتى يتبين له رؤيتها، فأنزل الله بعده ((من
الفجر ، فعلموا أنه يعنى الليل والنهار، .
وروياً أيضاً عن عدى بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية ( وكلوا
واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، عمدت
إلى عقالين لى أسود وأبيض فجعلتهما تحت وسادتى وجعلت أنظر فى الليل إليهما
فلا يتبين لى ، فعمدت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكرت ذلك
فقال: ((إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار، ونزل قوله - تعالى -((من الفجر»
وشبه بياض النهار وسواد الليل بالخطين: الأبيض والأسود لأن أوله
ما يبدو من الفجر المعترض فى الأفق وما يمتد معه من غبش الليل يكون
كالخيط الممدود .
وفى الإتيان بلغط التفعل فى قوله « حتى يتبين .. ، إشعار بأنه لا يكفى
إلا التبين الواضح لا مجرد النوم ، فقد روى الإمام مسلم فى صحيحه عن
سمرة بن جندب قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) لا يغرنكم
نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر - أوقال - حتى ينفجر الفجر.
وقوله ((من الفجر، بيان الخيط الأبيض. واكتفى به عن بيان الخيط.
الأسود؛ لأن بيان أحدهما بيان للثانى، ويجوز أن تكون ((من)) للنبعيض،
أى : من بعض الفجر .
. وقوله - تعالى - «ثم أتموا الصيام إلى الليل، بيان لانتها. وقت الصيام

٠١٨
الجزء الأول
بعد أن بينت الجملة السابقة بدايته. أى: ابدؤا صومكم من طلوع الفجر
وانتهوا منه بدخول الليل عند غروب الشمس ، إذ الليل لبس بوقت الصيام.
قال الإمام الرازى: كلمة .إلى، لانتهاء الغاية، فظاهر الآية: أن الصوم
ينتهى عند دخول الليل، وذلك لأن غاية الشىء مقطعه ومنتهاه وإنما يكون
مقطعاً ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك. وقد تجىء هذه الكلمة لا الانتهاء كما فى
قوله - تعالى - ((إلى المرافق، إلا أن ذلك على خلاف الدليل)، والفرق بين
الصورتين أن الليل ليس من جنس النهار فيكون الليل خارجاً عن حكم
النهار، والمرافق من جفس اليد فيكون داخلا فيه . .
وفى الصحيحين عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال: قال
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من هنا
وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ، .
وكان من عادته (صلى الله عليه وسلم) تعجيل الفطر، فقدروى الشيخان
عن سهل بن سعد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: لا يزال
الناس بخير ما عجلوا الفطر».
وقد أخذ العلماء من هذه الآية ومن عمل الرسول (صلى الله عليه وسلم)
وقوله، أن من واصل الإمساك عن المفطرات فى الليل فلاثواب له على هذا
الإمساك، لأنه لم يقع فى الوقت الذى رسمه الشارع لعبادة الصوم، بل يعد
هذا المواصل فاعلا محظور ، فلا بد للصائم من تناول شيء من المفطرات
بعد غروب الشمس ولو قليلا من الماء. فقد روى الترمذى عن أنس بن مالك
قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يفطر قبل أن يصلى على رطبات
فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حساحسوات من ماء))
والوصال - بمعنى أن يصوم الشخص اليوم وما بعده من غير أن يتناول
مفطراً فى الليل الفاصل بينهما - وردت فى النهى عنه أحاديث كثيرة، ومن
ذلك ماجاء فى الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبى (صلى الله عليه وسلم)
قالٍ : لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل بارسول اللّه. قال: لست كأحدمنكم

٥١٩
سورة البقرة
: إنى أطعم وأسقى. أو قال: إنى أظل بطعمنى ربى ويسُقينى)).
وروى الإمام أحمد عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت
أن أصوم يومين مواصلة فمنعنى بشير وقال: إن رسول الله (صلى الله
- عليه وسلم) نهى عنه وقال: يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم
الله ثم أتمرا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا ..
وقوله: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد، استثناء من عموم
إباحة المباشرة ، وذلك لأنه لما أطلق فى الجملة السابقة الإذن فى مباشرة
"بالنساء ليلة الصيام بقوله ((فالآن باشروهن، كان هذا الإطلاق مظنة لأن
يؤخذ منه أن المعتكب كالصائم فى أنه يجوز له أن يباشر زوجته ليلا
"لا نهاراً، فين - سبحانه - بهذه الجملة أن المعتكف يحرم عليه أن
: يباشر النساء فى الليل والنهار .
قال القرطى : والاعتكاف فى اللغة: الملازمة، يقال عكف على الشى.
- إذا لازمه مقبلا عليه . قال الشاعر:
وظل بنات الليل حولى عكفا عكوف البواكى بينون صريح
ولما كان المعتكف ملازماً للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم
. وهو فى عرف الشرع : ملازمة طاعة مخصوصة فى وقت مخصوص على
شرط مخصوص فى موضع مخصوص. وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب
. وهو قربة من القرب وقافلة من النوافل عمل بها رسول الله (صلى الله
عليه وسلم) وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه، وبكره الدخول
فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه ..
وأجمع العلماء على أنه لا يكون إلا فى المسجد واختلفوا فى المراد بالمساجد
فى قوله - تعالى - ,فى المساجد، فذهب قوم إلى أن الآبة خرجت على نوع
.. من المساجد وهو ما بناء بنى كالمسجد الحرام والمسجد النبوى وبيت المقدس،
.وقال آخرون لا إعتكاف إلا فى مسجد تجمع فيه الجمعة ، وقال آخرون

٥٢٠
الجزء الأول
الاعتكاف فى كل مسجد جائز)، (١) .
والمشار إليه فى قوله-تعالى - «تلك حدود الله فلا تقربوها، الأحكام).
التى سبق تقريرها من إيجاب وتحريم وإياحة .
والحدود جمع حد، وهو فى اللغة الحاجز بين الشيئين المتقابلين لمنع.
من دخول أحدهما فى الآخر . ومنه سمى الحديد حديداً لأنه يمنع وصول.
السلاح إلى البدن .
وسميت الأحكام التى شرعها الله حدوداً لأنها تحجز بين الحق والباطل
أى: تلك الأحكام التى شرعناها لكم من إيجاب الصوم، وتحريم.
الأكل والشرب والجماع فى نهاره ، وإباحة ذلك فى ليله ، هى حدود الله
التى لا يحل لكم مخالفتها أو مجاوزتها .
وعبر - سبحانه - عن النهى عن مخالفة تلك الأحكام بقوله , فلا"
تقربوها، مبالغة فى التحذير من مخالفتها، لأن النهى عن القرب من الشىء
نهى عن إتيانه بالأولى والآية ترشد بقولها, فلاتقربوها، إلى اجتناب ما فيه شبهة ..
كماترشد إلى ترك الأشياء التى تقضى فى غالب أمرها إلى الوقوع فى حرام.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قيل ((فلا تقربوها، مع قوله
((فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله، قلت: من كان فى طاعة الله والعمل.
بشرائعه فهو متصرف فى حيز الحق فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع فى حيز .
الباطل، ثم يولغ فى ذلك فنهى أن يقرب الحد الذى هو الحاجز بين حيزى.
الحق والباطل لئلا بدانى الباطل ، وأن يكون فى الواسطة متباعداً عن الطرف.
فضلا عن أن يتخطاه كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ((إن لكل
ملك حمى ، وحمى الله محارمه ، فمن وقع حول الحمى يوشك أن يقع فيه »
فالرقع حول الحمى وقربانحزهواحد.ويجوزأن يريد محدود اللهمحارمه وناهيه.
خصوصاً، لقوله - تعالى - ((ولا تباشر وهن)) وهى حدود لا تقرب، (٢)»
(١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٢٣٢ بتصرف وتلخيص.
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٣