Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ سورة البقرة قال الإمام البيضاوى عند تفسيره لهذه الآية: كان فى الجاهلية بين -حيين من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما طول على الآخر، فأقسموا لاقتلن الحر متكم بالعيد، والذكر بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية. وهى لا تدل على أنه لا يقتل الحر بالعيد والذكر بالأنثى، كمالا تدل على عكه، فإن المفهوم يعتبر - حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم،(١). ثم أورد - سبحانه - بعد إيجابه للقصاص العادل - حكماً يفتح باب الفراضى. بين القاتل وأولياء المقتول، بأن أباح لهم أن يسقطوا عنه القصاص إذا شاؤوا ويأخذوا فى مقابل ذلك الدية، فقال - تعالى -: فمن عفى له - من أخيه شىء فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، .. عفى: من العفو وهو الإسقاط، والعفو عن المعصية، ترك العقاب عليها. والذى عفى له هو القائل، و«أخيه، الذى عما هو ولى المقتول. والمراد بلفظ ((شىء، القصاص، وهو نائب فاعل معفى)). والمعنى : أن القاتل عمداً إذا أسقط عنه أخوه ولى دم القتيل القصاص، راضياً أن يأخذ منه الدية بدل القصاص، فمن الواجب على ولى الدم أن يتبع - طريق العدل فى أخذ الدية من القاتل بحيث لا يطالبه بأكثر من حقه، ومن الواجب كذلك على القاتل أن يدفع له الدية بالطريق الحسنى ، بحيث لا يماطله ولا يبخسه حقه. فقوله - تعالى - ((فانباع بالمعروف)) وصية منه - سبحانه -أولى الدم أن يكون رفيقاً فى مطالبته الفاقل بدفع الدية . وقوله (( وأداء إليه إحسان) وصية منه - سبحانه - القائل بأن يدفع الدية لولى الدم بدون تسويف أو مماطلة. (١) تفسير البيضاوى ص ٣٦. (٢ - ٣١ البقرة) ٤٨٢ الجزء الأول وفى هذه الوصايا تحقيق اصفاء القلوب، وشفاء لما فى الصدُّور من آلام». وتقوية أروابط الأخوة الإنسانية بين البشر . وبعضهم فسر العفو بالعطاء. فيكون المعنى: فمن أعطى إله وهو ولى. المقتول من أخيه وهو القائل شيئا وهو الدية ، فعلى ولى المقتول اتباعه. بالمعروف، وعلى القائل أداء إليه بإحسان. وسمى القرآن الكريم القاتل أخالولى المقتول، تذكيراً بالأخوة الإنسانية. والدينية، حتى يهز عطف كل واحد منهما إلى الآخر ، فيقع بيتهم العفو ، والاتباع بالمعروف، والأداء بإحسان. قال صاحب الكشاف : فإن قلت : عفى يتعدى بعن لا باللام فما وجه. قوله ، فمن عفى له،؟ قلت: يتعدى بعن إلى الجانى وإلى الذنب، فيقال: عفوث. عن فلان وعن ذنبه. قال - تعالى -: ((عفا الله عنك)، وقال ((عفا الله عنها)). فإذا تعدى إلى الذنب والجانى معاً قيل: عفوت لفلان عما جنى، كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه. وعلى هذا ما فى الآية، كأنه قيل : فمن .. عفى له عند جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية)) (١). وجاء التعبير بلفظ ((شىء، منكراً، لإفادة التقليل. أى: فمن عفى له من أخيه ما يسمى شيئاً من العفو والتجاوز ولو أقل قليل ، قم العفو وسقط. القصاص، ولم تجب إلا الدية، وذلك بأن يعفو بعض أولياء الدم، لأن القصاص لا يتجزأ. وفى ذلك تحبيب من الشارع الحكيم لولى الدم ، فى العفو وفى قبول الدية ، إذ العفو أقرب إلى صفاء القلوب ، وتجميع النفوس على الإخاء والتعاطف والتسامح. وفيه - أيضاً - إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية من .. التعبير من قبول أخذ الصلح فى قتل العمد ، وعدم ذلك لوناً من بيع دم. المقتول بثمن بخس . قال بعضهم يحرض قومه على النار. (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٠٢٢٢ ٤٨٣ سورة البقرة فلا تأخذوا عقلا من القوم إننى أدى العار يبقى والمعافلتذهب وقال شاعر آخر بذكر قوماً لم يقبلوا الصالح عن قتيل لهم: فلو أن حيا يقبل المال فدية لقنا لهم سيباً من المال مفعماً ولكن أبى قوم أصيب أخوهم رضا العاد فاختار واعلى اللبن الدما ثم بين - سبحانه - أنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم المسر فقال: (( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة)). أى : ذلك الذى شرعناه لكم من تيسير أمر القصاص بأداء الدية إلى ولى القتيل إذا رضى طائعاً مختاراً، أردنا منه التخفيف عليكم. إذ فى الدية تخفيف على القاتل بإبقاء حياته وإنقاذها من القتل قصاصاً، وفيها كذلك نفع لولى القتيل ، إذ هذا المال الذى أخذه نظير عفوه يستطيع أن ينتفع به فى كثير من مطالب حياته . وبهذا نرى أن الإسلام قد جمع فى تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل والرحمة . إذ جعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إذا طالبوا به لا ينازعهم فى ذلك منازع وهذا عين الإنصاف والعدل. وجعل الدية عوضاً عن القصاص إذا رضوا به باختيارهم ، وهذا عين. الرحمة واليسر. وبالعدالة والرحمة تسعد الأمم وتطمئن فى حياتها، إذ العدالة هى التى تكر شره النفوس ، وتغسل غل الصدور، وتردع الجانى عن التمادى فى الاعتداء ، لأنه يعلم علم اليقين أن من وراء الاعتداء قصاص عادل. والرحمة هى التى تفتح الطريق أمام القلوب لكى تلنثم بعد التصدع وتتلاقى بعد التفرق، وتتوادد بعد التعادى، وتقسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو. فلله هذا التشريع الحكيم الذى ما أحوج العالم إلى الأخذ به، والتمسك بتوجيهاته . ثم ختم - سبحانه - الآية بالوعيد الشديد لمن يتعدى حدوده، ويتجاوز تشريعه الحكيم فقال: ((فمن اعتدى بمد ذلك فله عذاب أليم)). ٤٨٤ الجزء الأول أى : فمن تجاوز حدوده بعد هذا التشريع الحكم الذى شرعناه بأن قتل القائل بعد قبول الدية منه، أو بأن قتل غير من يستحق القتل، فله عذاب شديد الألم؛ من الله - تعالى - لأن الاعتداء بعد التراضى والقبول بدل على نكث العهد، ورقه الدين ، وانحطاط الخلق . ثم بين - سبحانه - الحكمة فى مشروعية القصاص اتوطيناً للنفوس على الانقياد له، وتقوية لعزم الحكام على إقامته فقال - تعالى -«ولكم في القصاص حياة ، أى: ولكم فى مشروعية القصاص حياة عظيمة، فالتنوير للتعظيم. ـد قال صاحب الكشاف، وذلك أنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد ، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل. وكان بفتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أى حياة، أو نوع من الحياة وهى الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل الوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص منه ارتدع فسلم صاحبه من القتل وسلم هو من القود فكان القصاص سبب حياة نفسين)) (١). هذا، وقد نقل عن العرب ما يدل على أنهم تحدثوا عن حكمة القصاص ومن أقوالهم فى هذا الشأن: «قتل البعض إحياء للجميع، و(أكثروا القتل ليقل القتل ، وأجمعوا على أن أبلغ الأفوال التى عبروا بها عن هذا المعنى قولهم ((القتل أنفى القتل)) وقد أجمع أولوا العلم على أن قوله - تعالى - ((ولكم فى القصاص حياة، أبلغ من هذه العبارة التى نطق بها حكام العرب، بمقدار ما بين كلام الخالق وكلام المخلوق، وذكروا أن الآية تفوق ما نطق به حكماء العرب من وجوه كثيرة من أهمها : ١ : أن الآية جعلت سبب الحياة القصاص وهو القل على وجه النساوى، أما العبارة العربية فقد جعات سبب الحياة القتل، ومن القتل ما يكون ظناً، (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٢٢٣ ٤٨٥ سورة البقرة فيكون سيا للفناء لا للحياة. وتصحيح هذه العبارة أن يقال: القتل قصاصاً. أنفى للقتل ظلما . ٢ : أن الآية جاءت خالية من التكرار الفظى، فعبرت عن القتل الذى هو سبب الحياة بالقصاص. والعبارة كرر فيها لفظ القتل، فمها بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية . ٣ : أن الآية جعلت القصاص سبباً للحياة التى تتوجه إليها الرغبة مباشرة، والعبارة العربية جعلت القتل سبباً لنفى القتل الذى تترتب عليه الحياة ٤ : الآية مبنية على الإثبات والمثل على النفى، والإثبات أشرف لأنه أول والنفى ثان له . ٥ : أن تنكير حياة فى الآية يفيد تعظيماً، فيدل على أن فى القصاص حياة متطاولة كما فى قوله - تعالى - ((ولتجدنهم أحرص الناس على حياة» ولا كذلك المثل ، فإن اللام فيه للجنس ، ولذا فروا الحياة فيها بالبقاء. ٦: تعريف ((القصاص)) بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على - الضرب والجرح والقتل - وغير ذلك. والمثل لا يشمل ذلك. ٧ : أن الآية مع أفضليتها عن المثل من حيث البلاغة والشمول واللفظ والمعنى أقل حروفاً من المثل. هذه بعض وجوه أفضلية الآية على المثل ، وهناك وجوه أخرى ذكرها العلماء فى كتبهم (١). وفى قوله «يا أولى الألباب، تنبيه بحرف النداء على التأمل فى حكمة القصاص . والألباب: جمع لب وهو العقل الخالص من شوائب الأوهام ، أو العقل الذكى الذى يستبين الحقائق بسرعة وفطنة، ويستخرج لطائف المعانى (١) راجع تفسير الآلونى = ٢ ٠٥ ٠١. ٤٨٦ الجزء الأول من مكانها ببراعة وحسن تصرف . وخص النداء بأولى الألباب مع أن الخطاب بحكمة القصاص شامل لهم ولغيرهم ، لأنهم الذين يتدبرّون عواقب الأمور، ويعرفون قيمة الحياة، ويقدرون حكم التشريع قدرها . وفى هذا النداء تنبيه على أن من ينكرون مصلحة القصاص وأثره النافع فى تثبيت دعائم الأمن ، يعيشون بين الناس بعقول غير سليمة . ولا يزال الناس يشاهدون فى كل عصر ما يثيره القتل فى سدور أولياء القتلى من أحقاد 'طاغية، لولا أن القصاص يخفف من سطوتها لتمادت بهم فى تقاطع وسفك دماء دون الوقوف عند حد . وختمت الآية بهذه الجملة التعليلية ((لعلكم تتقون)) زيادة فى إقناع نفوسهم بأمر القصاص، أى: شرعنا لكم هذه الأحكام الحكيمة لتتقوا القتل حذراً من القصاص ، ولتعيشوا آمنين مطمئنين ، متوادين متحابين. وبهذا البيان الحكم تكون الآيتان الكريمتان قد أرشدنا إلى ما يحمى النفوس، ويحقن الدماء ، ويردع المعتدين عن الاعتداء، ويغرس بين الناس معانى التسامح والإخاء، ويقيم حياتهم على أساس من الرحمة والعدالة وحسن القضاء . وبعد أن بين - سبحانه - ما يتعلق بالقصاص أتبعه بالحديث عن الوصية، . ڤيرشد الناس إلى ما ينبغى أن تكون عليه، وليبطل ما كان من عوائد الجاهلية من وصايا جائرة فقال - تعالى -: ٤٨٧ سورة البقرة كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَ كُرُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلّ ◌ِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٨٦) فَ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِّمَ إِنُّهُ, عَلَى الَّذِينَ يُسَدِلُونَهُ: إِنَّاللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٨﴾ فَمَنْ خَفَ مِن مُرِصِ جَنَفًّا أَوْ إِنْهَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِنَّمَ عَلَيْهٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. ١٨٢ وقوله - تعالى - ((كتب عليكم ، قد استفاض فى غرف الشرع بمعنى وجب عليكم . و («حضور الموت، يقع عند معاينة الإنسان للموت، ولعجزه فى هذا الوقت عن الإيصاء فسر بحضور أسبابه، وظهور أماراته، من نحو العلل المخوفة] والهرم البالغ. وقد شاع عند العرب استعمال السبب كتابة عن المسبب، ومن : ذلك قول شاعرهم : يأيها الراكب المزجى مطيته سائل بنى أسد ما هذه الصوت (١) وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا ببرتكم إنى أنا الموت والخير: المال ، وقالوا إنه هنا مختص بالمال الكثير، لأن مقام الوصية يشعر بذلك، ولم يرد نص من الشارع فى تقدير ما يسمى مالا كثيراً، وإنما وردت آثار من بعض الصحابة والتابعين فى تقديره بحسب اجتهادهم، وبالنظر : إلى ما يسمى بحسب العرف ما لا كثيراً، فقال بعضهم: من ألف درهم إلى (١) الصوت مذكر، وقد أثه الشاعر هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة، على معنى الصيحة - كا أفاده المعلق على القرطبى نقلا عن زلسان العرب . ٤٨٨ الجزء الأول خمسمائة درهم ، وقال بعضهم: من ألف درهم إلى ثمانمائة درهم . والحق. أن هذا التقدير يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والعرف . ويرى بعض العلماء أن الوصية مشروعة فى المال قليله وكثيره. قال القرطبى: والوصية عبارة عن كل شىء يؤمر بفعله ويعهد به فى الحياة وبعد الموت . وخصها العرف بما يعمد بفعله وتنفيذه بعد الموت، والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية «والوصى يكون الموصى والموصى إليه. وأصله مزومى. مخففاً . وتواصى النبت تواصياً إذا اتصل وأرض واصية: متصلة النبات. وأوصيت له بشىء وأوصيت إليه إذا جملته وصيك. والاسم الوصاية والوصاية .. - بالفتح ويالكسر -، وتواصى القوم: أوصى بعضهم بعضاً، (١). والمعنى : كتب الله عليكم أيها المؤمنون أنه إذا ظهرت على أحدكم أمارات. الموت: من مرض ثقيل ، أو شيخوخة مضعفة، وكان عنده مال كثير قدجمعه. عن طريق حلال، أن يوصى بجانب منه لوالديه وأقاربه رعاية لحقهم. وحاجتهم، وأن تكون وصيته لهم بالعدل الذى لا مضارة فيه بين الأقارب، .. والوصية على هذا الوجه تعتبر حقاً واجباً على المتقين الذين اتخذوا التقوى .. والخشية من الله طريقاً لهم . فالآية الكريمة استئناف لبيان الوصية بعد الحديث عن القصاص، وفصل .. القرآن الحديث عن الوصية عن سابقه الإشعار بأنه حكم مستقل جدير بالأهمية. وقد جاء الحديث عن الوصية بتلك الطريقة الحكيمة ، لتغيير ما كان. من عادات بعض أهل الجاهلية، فإنهم كانواكثيراً ما يمنعون القريب من .. الإرث قوهما منهم أنه يتمنى موت قريبه ليرثه، وربما فضلوا بعض الأقارب. على بعض فيؤدى ذلك إلى التباغض والتحاسد، وربما فضلوا - أيضاً -الوصية. لغير الأقارب للفخر والتباهى. فشرع الإسلام لأتباعه ما يقوى الروابط ويمنع التحاسد والتعادى. (١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٢٥٩ ٤٨٩ سورة البقرة قال الجمل: وكتب فعل ماض مبنى للمجهول، وحذف الفاعل للعلم به. وهو الله - تعالى - وفى القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون. الوصية ، أى: كتب عليكم الوصية ، وجاز تذكير الفعل لكون القائم مقام الفاعل مؤنثاً مجازياً ولوجود الفصل بينه وبين مرفوعه . والثانى: أنه الإيصاء المداول عليه بقوله «الوصية للوالدين، أى: كتب هو ، أى الإيصاء . والثالث: أنه الجار والمجرور. وهذا يتجه على رأى الأخفش والكوفيين. وعليه فيكون قوله ((عليكم، فى محل رفع، ويكون فى محل النصب على القواين الأولين وجواب كل من ((إذا)) و((إن)) محذوف. أى: كيب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً فليوص)، (١). والباء فى قوله ((بالمعروف)) للملابسة، والجار والمجرور فى موضع الحال من الوصية . والمراد بالمعروف هنا العدل الذى جاءت به الشريعة، بأن لا يتجاوز بالوصية الثلث ، وأن لا يوصى الاغنياء ويترك الفقراء، أو يوصى للقريب. ويترك الأقرب مع أنه أشد فقراً ومسكنة . و قوله (( حقا، مصدر مؤكد للحدث الذی دل عليه , کتب » وعامله إما ((كتب)) أو فعل محذوف تقديره حق أى: حق ذلك حقاً. وقوله ((على المتقين) صفة له . أى: حقاً كائناً على المتقين. وخص هذا الحق بالمتقين ترغيباً فى الرضا به، لأن ما كان من شأن المتقى فهو أمر نفيس جدير أن يتأسى به الناس، ومن أهمله فقد حرم من .. الدخول فى زمرتهم ، وخسر بذلك خسارة عظيمة . قال بعض العلماء: وقد وردت هذه الآية فى الوصية للوالدين والأقربين،- والمعروف عند الأمة مند عهد السلف أن الوصية لا تصح لوارث، والوالدين. لهما نصيب مفروض فى المواريث ومقتضاه عدم صحة الوصية لهما ؟ (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ٥ ٠١٤٤ ٤٩٠٠ الجزء الأول ويزيح هذا الاشكال من طريق التفسير أن فريقاً من أهل العلموهم جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن الآية قد نسخ منها حكم الوصية للوارث. وإيضاح وجه النسخ أن آية المواريث نزلت بعدآية الوصية فقامت مقامها فى الوصية الوارث ودل على هذا المعنى صراحة الحديث الشريف وهو قوله - صوتية - .((إن اقه أعطى كل ذى حق حقه، ألا لا وصية لوارث)). وهذا الحديث وإن لم يبلغ مبلغ الحديث المتواتر الذى يصح نسخه للقرآن بنفسه، فقد امتاز عن بقية أخبار الآحاد بأن الأمة تلقته بالقبول، وأخذوا فى العمل به من غير مخالف، فأخذ بهذا قوة الحديث المتواتر فى الرواية. .واعتمدوا عليه فى بيان أن آية المواريث قامت بتقدير الأنصباء فى الميراث مقام آية (( إذا حضر أحدكم الموت، فى الوصية للوارث. وروى البخارى فى صحيحه عن ابن عباس - رضى الله عنه - قال : - كان المال للولد وكانت. (الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للابوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، والزوج الشطر والربع). ومن أهل العلم من لم يستطيعوا أن يهملوا حديث ((لا وصية لوارث)) لاستفاضته بين الأمة وتلقيهم له بالقبول ، فقرروا العمل به وأبطلوا الوصية لوارث ولكنهم ذهبوا مع هذا إلى أن آية الوصية للوالدين محكمة غير منسوخة وتأولوما على وجوه منها أن المراد من قوله (( للوالدين، الوالدان اللذان لا يرثان لمانع من الإرث كالكفر والاسترقاق ، وقد كانوا حديثى عهد بالإسلام يسلم الرجل ولا يسلم أبواه، وقد أوصى الله بالإحسان إليهما)) (١). ثم توعد - سبحانه - من يبدل الوصية بطريقة لم يأذن بها الله فقال - تعالى- (( فمن، بدله بعد ما سمعه فإنما إنمه على الذين يبدلونه،. (١) تفسير القرآن الكريم لفضيلة استاذنا المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين . مجلة لواء الإسلام السنة الرابعة : العدد العاشر. ٤٩١ سورة البقرة بدله : غيره. وتغيير الوصية يتأتى بالزيادة فى الموصى به أو النقص منه أو كتمانه، أو غير ذلك من وجوه التغيير للموصى به بعد وفاة الموصى. وسمعه: أى علمه وتحققه، وكنى بالسماع عن العلم لأنه طريق حصوله. والضمائر البارزة فى «بدله وسمعه وإثمه ويبدلونه، عائدة على القول أو على الكلام الذى يقوله الموصى والذى دل عليه لفظ الوصية، أو على الإيصاء المفهوم من الوصية. وهو الإيصاء أو القول الواقع على الوجه الذي شرعه الله. والمعنى : فمن غير الإيصاء الذى أوصى به المتوفى عن وجهه ، بعدما -علمه وتحققه منه ، فإنما إثم ذلك التغيير فى الإيصاء يقع على عاتق هذا المبدل، لأنه بهذا التبديل قد خان الأمانة، وخالف شريعة الله، ولن يلحق الموصى . شيئاً من الإثم لأنه قد أدى ما عليه بفعله للوصية كما يريدها الله - تعالى -. وقد ختمت الآية بقوله - تعالى -« إن الله سميع عليم ، للإشعار بالوعيد الشديد الذى توعد الله به كل من غير وبدل هذا الحق عن وجهه، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء من حيل الناس الباطلة، فهو - سبحانه سميع لوصية الموصى، عليم بما يقع فيها من تبديل وتحريف . ثم استثنى - سبحانه - حالة بجوز فيها التغبير فقال . . فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه». خاف: من الخوف، وهو فى الأصل حالة تعترى النفس عند الانقباض من شر يتوقع حصوله على سبيل الظن أو على سبيل العلم . والجنى: الميلوالجور. يقال: جنف فى وصيته وأجنف ، مال وجار، - فهو جنف وأجنف. وقيل: أجنف مختص بالوصية وجنف فى مطلق الميل عن الحق. ويقال: جنف وجنف عن طريقه جنفاً وجنوفاً. والإثم : العمل الذى يبغضه الله . يقال: أثم فهو آثم وأثيم. قال بعضهم: والمراد بالجنف هنا : الميل عن الحق فى الوصية خطأ، بقرينة مقابلته بالإثم وهو الميل عن الحق فيها عمداً . ٤٩٢ الجزء الأول هذا، ويرى جمهور العلماء أن هذه الآية الكريمة واردة فى الوصى. يرى أن الموصى قد حاد فى وصيته عن حدود العدل ، فللوصى حينئذ أن يصلح فيها بحيث يجعلها متفقة مع ما شرعه الله، وهو فى هذه الحالة لا إثم. عليه لأنه قد غير الباطل بالحق وعلى هذا الرأى يكون المعنى: أن الوصى. إذا رأى فى الوصية ميلا عن الحق خطأ أو عمداً وأصلح بين الموصى لهم. يردهم إلى الوجه المشروع فلا إثم عليه فى هذا التغيير فى الوصية. والضمير. فى قوله ((بينهم )) عائد على الموصى لهم. ويرى آخرون أن هذه الآية واردة فى شأن كل من يبغى الإصلاح من .. الناس، بأن يرى الموصى يوصى، فظهر له - أى هذا المصلح - أن الموصى. قد جانب العدل والصواب فى وصيته ، فيأخذ فى الإصلاح، بأن يرشده. بأن فعله هذا لا يتفق مع شريعة العدل التى أمر بها الله، ويحاول قدر استطاعته أن يزيل ما حدث من خلاف بين الموصى والموصى لهم . وعلى هذا الرأى يكون المعنى: إن خرج الموصى فى وصيته عن حدود. العدالة، ورأى أمارات ذلك منه من يريد الإصلاح من الناس، وتوقع أن شراً سيترتب على هذه الوصية التى فيها جور، أو شاهد نزاعاً بين الموصى. لهم بسبب ذلك، فلا إثم على هذا المصلح فى أن يصلح بين الموصى والموصى. لهم، وأن يرشد الموصى إلى سلوك طريق العدل والحق . وعليه فيكون. الضمير فى قوله (( بينهم)) يعود على الموصى والموصى لهم. ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن سياق الآية. يؤيده، إذ هى بمنزلة الاستثناء من قوله - تعالى- , فمن بدله بعد ما سمعه .... )) وهذا إنما يكون بعد موت الموصى لا فى حياته . وقوله ((إن الله غفوررحيم، تذييل أتى به - سبحانه - للوعد بالثواب للمصلح على إصلاحه ، فإن من يغتر الذنوب ويرحم المذنبين تكون مغفرته ورحمته أقرب إلى من يقصد بعمله الإصلاح ولو اعتمدعلى ظن غالب أو أخطأ وجه الصواب فما أتى من أعمال . ٤٩٣ سورة البقرة وبهذا تكون الآيات الكريمة قد بينت للناس حكماً آخر من أحكامها ٦السامية، يتعلق بالوصية فى الأموال، وفى هذا الحكم دعوة إلى التراحم «والتكافل، وغرس لأواصر المودة والمحبة بين الأبناء والآباء، وبين الأقارب بعضهم مع بعض. وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن القصاص وعن الوصية أتبعتهما بالحديث عن عبادة عظيمة من العبادات التى جعلها الله - تعالى - ركناً من أركان الإسلام وهى صوم رمضان ، فقال - سبحانه - : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُ الصِّيَامُ كَ كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ ﴿ه أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍّ فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّ ◌ِضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أَثَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَّةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَنَ تَطَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ، وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمَّ إِن كُنتُمُ تَعْلُونَ (َ شَهْرٌ وَمَضَانَ الَّذِىّ ◌ُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْمُدَى وَالْفُرْقَنِّ فَ شَهِدَ مِنْكُالَّهْرَ فَلْيَصُمَّهُ وَمَنْ كَانَ مَرِضًّا أَوْ عَلَى مَفِرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَِّ أُخُرّ ◌ُرِيدُ الَّهُ بِكُ الْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرّ وُلُكِلُواْ الْعِدّةَ وَلِتُكَبِرُواْ اللّهَ عَلَى مَاهَدَ نَكُمْ وَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام ، وهو فى اللغه : الإمساك ٤٩٤ الجزء الأول وترك التنقل من حال إلى حال ، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله - تعالى - مخبراً عن مريم: «إنى نذرت للرحمن صوماً، أى : سكوتاً عن الكلام . وصوم الربح ركودها وإمساكها عن الحبوب. وتقول العرب: صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة . أما الصيام فى عرف الشرع فهو - كما يقول الآلوسي - إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص فى زمان مخصوص من هو على .. صفات مخصوصة . وقد فرض الله - تعالى - على المسلمين صيام شهر رمضان فى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، وعده النى ( صلى الله عليه وسلم ) أحد .. أركان الإسلام الخمسة، فقد روى البخارى - بسنده - عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: بنى الإسلام. على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت ، وصوم رمضان، .. وأل فى الصيام للعهد الذهنى ، فقد كان العرب بعرفون الصوم، فقد جاء فى الصحيحين عن عائشة قالت : كان يوم عاشوراء يوماً تصومه .. قريش فى الجاهلية » . والتشبيه فى قوله - تعالى - (( كما كتب على الذين من قبلكم ، راجع إلى أصل إيجاب الصوم وفريضته . أى : أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا أنه ، إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبين لنا فيه كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإسلامية . وقيل إن التشبيه راجع إلى وقت الصوم وقدره، فقد روى عن مجاهد .. أنه قال: كتب الله - عز وجل - صوم شهر رمضان على كل أمة. ٠٤٩٥ سورة البقرة وهذا القول ليس له دليل ، ولذا قال القاضى أبو بكر بن العربى :: المقطوع به أن التشبيه فى الفرضية خاصة ، وسائر الوجوه مجرد احتمال . ولفظ « كما، فى قوله - تعالى - ( كما كتب على الذين من قبلكم)). فى موضع نصب على المصدر . أى : فرض عليكم الصيام فرضاً كالذى فرض على الذين من قبلكم . ومز فوائدهذا التشيبيه، الاهتمام بهذهالعبادة والتنويه بشأنها، إذ شرعها. - سبحانه - لأتباع النبى (صلى الله عليه وسلم) ولا قباع الرسل الذين سبقوه. فى الدعوة إلى توحيد الله، وهذا ما يقتضى وفرةثوابها، ودوام صلاحها. كذلك من فوائد تسهيل هذه العبادة على المسلمين ؛ لأن الشىء الشاق. تخف مشقته على الإنسان عند ما يعلم أن غيره قد أداه من قبله. والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه. العبادة، حتى لا يكونوا مقصرين فى أدائها ، بل يجب عليهم أن يؤدوها .. بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الإسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضى منهم النشاط فيها كلفهم الله بأدائه من عبادات .. وقوله (لعلكم تتقون) جملة تعليلية جىء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام فكأنه - سبحانه - يقول لعباده المؤمنين: فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم ، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من الله ، وبذلك تكونون من رضى الله عنهم ورضوا عنه. ولاشك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى أداها بآدابها وشروطها، ويكفى أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قد قال فى شأن الصوم: ((الصوم جنة)) (١) أى: وقاية. إذ فى الصوم وقاية من الوقوع فى المعاصى، ووقاية من عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأمراض .. الناشئة عن الإفراط فى تناول بعض الأطعمة والأشربة . (١) قطعة من حديث رواه البخارى فى كتاب الصوم جـ ٣ ص ٣١ .. ٤٩٦ الجزء الأول وقوله (( أياماً معدودات)) أى: معينات بالعد أو قليلات، لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافاً . والمراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء. قالوا: وتقريره أنه - تعالى - قال أولا , كتب عليكم الصيام) وهذا محتمل ليوم ويومين ثم بينه بقوله ((أياماً معدودات)) فزال بعض الاحتمال ثم بينه بقوله: ((شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن، فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره (١) . وإنما عبر عن رمضان بأيام وهى جمع قلة ووصف بمعدودات وهى جمع قلة - أيضاً - تهوينا لأمره على المكلفين، وإشعاراً لهم بأن الله - تعالى - ما فرض عليهم إلا ما هو فى وسعهم وقدرتهم . وقيل أن المراد بالأيام المعدودات غير رمضان ، وذكروا أن المرادبها ثلاثة أيام من كل شهر وهى الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مضافاً إليها يوم عاشوراء . ثم نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان. والمعتمد بين المحققين من العلماء هو القول الأول، لأنه - كما قال الإمام الرازى - لا وجه لحمله على غيره، والقول بالنسخ زيادة لا دليل عليها. وقوله « أياماً) منصوب على الظرفية، أو بفعل مضمر مقدر أى: صوموا أياماً. وقوله ((فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)» زيادة بيان ليسر شريعة الإسلام بعد أن أخبرهم - سبحانه - بأن الصوم المفروض عليهم إنما هو أيام معدودات ، وتعجيل بتطمين نفوس السامعين الثلا يظنوا وجوب الصوم عليهم فى كل حال. والمرض : الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان ، بأن بصاب بانحراف فى جسده يجعله فى حالة وجع أو اضطراب بدنى . (١) تفسير الرازى جـ ٥ ص ٧٨. ٤٩٧ سورة البقرة قال القرطبى: وللمريض حالتان: إحداهما ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفط واجباً . الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فإذا يستحب له الفطر .... -فالفطر مباح فى كل مرض إلا المرض اليسير الذى لا كلفة معه فى الصيام، (١) وقوله (( أو على سفر، قال الآلوسي معناه: أو راكب سفر مستقل عليه متمكن منه، بأن اشتغل به قبل الفجر ، ففيه إيماء إلى أن من سافر فى أثناء اليوم لم يفطر. واستدل بإطلاق السفر على أن السفر القصير وسفر المعصية مرخص للإفطار. وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وبما يلزمه العسر غالباً وهو السفر إلى المسافة المقدرة فى الشرع، (٢). والعدة فعلة من العد، وهى بمعنى المعدود ، كالطحن بمعنى المطحون. .ومنه عدة المرأة . والمعنى: لقد فرضنا عليكم الصوم أيها المؤمنون، وجعلناه كما هو الشأن مفى كل ما شر عناه متسماً باليسر لا بالعسر ، ومن مظاهر ذلك أننا فرضنا عليكم موم أيام معدودات وهى أيام شهر رمضان، ولم نفرض عليكم صوم الدهر . وإنناشر عنا لمن كان مريضاً مرضا يضره الصوم أو يعسر معه، أو كان على سفر يشق عليه معه الصوم ، شرعنا له أن يفطر وأن يصوم بدل . الأيام التى أفطرها أياما آخر مساوية لها فى العدد . قال الإمام الرازى: قال القفال: أنظروا إلى عجيب ما فيه اللّه عليه من سعة فضله ورحمته فى هذا التكليف، إذ أنه بين فى أول الآية أن لهذه الأمة فى هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة، والغرض منه ما ذكرناه من أن الأمور الشاقة إذا عدت خفت، ثم ثانيا بين وجه الحكمة فى إيجاب الصوم وهو أنه لسبب الحصول التقوى فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف، ثم بين ثلثاً (١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٢٧٦ بتصرف وتلخيص (٢ - ٣٢ البقرة) (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٥٨ ٤٩٨ الجزء الأول أنه مختص بأيام معدودة فإنه أو جمله أبداً أو فى أكثر الأوقات لحصلك المشقة العظيمة. ثم بين رابعا: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذى أنزل فيه . القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة. ثم بين خامساً: إزالة المشقة. فى إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروله. إلى الرفاهية والسكون. فهو - سبحانه - راعى فى ايجاب الصوم هذه الوجوه. من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيرا)، (١). هذا، وقد نص الفقهاء على أن الافطار مشروع على سبيل الرخصة للمريض والمسافر، وهما بالخيار فى ذلك إن شاء أفطرا وإن شاءا صاماء. إلا أن أكثر الفقهاء قالوا: الصوم أفضل لمن قوى عليه. والذى نراه أن الله - تعالى - قد أباح الفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج. والحكم الشرعى يوجدحيث توجد مظفته ويفتفى حيث يفتفى. وعلى المسلم أن يقدر حال نفسه، فإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس فى الصوم معه مشقة أو عسر صام .. علا بقوله - تعالى -((وأن تصوموا خير لكم)). وإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شافاً عليه أفطر عملا بقوله - تعالى -. يريد الله بكم. اليسر ولا يريد بكم العسر، فالمسألة ترجع إلى ضمير الفردودينه واستفتاء قلبه. والثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه صام فى السفر وأفطر، وخير بعض أصحابه بين الصوم والفطر. فقد روى البخارى ومسلم عن أبى الدرداء - رضى الله عنه - قال: خرجنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم -. (( وفى إحدى روايتى مسلم - فى شهر رمضان -، فى يوم حار، حتى ليضع. الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبى - باء - وابن رواحه». وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن قزعه قال: أتيت أبا سعيد الخدرى (١) تفسير الفخر الرازى = ٥ ص ٨٠. ٤٩٩ سورة البقرة فسألته عن الصوم فى السفر فقال: سافرنا مع رسول الله - بَيْءٍ - إلى مكة ونحن صيام ، قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- إنكم قد دفوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم ، فكانت رخصه . فمنا من صام ومنا من أفطر . ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا . وكانت عزمة وأفطرنا. ثم قال: ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك فى السفر. وروى الشيخان عن أنس بن مالك قال: كنا نسافر مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة . وهناك مسألة أخرى تعرض لها الفقهاء بالحديث وهى مسألة قضاء الأيام التى أفطرها المريض أو المسافر هل يقضيها متتابعة أو متفرقة وهل يقضيها على الفور أو على التراخى ؟ وجمهور الفقهاء على أن المفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يقضى ما أفطره متتابعاً أو متفرقاً؛ لأن قوله - تعالى - ,فعدة من أيام أخر - دل على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان ، لأن اللفظ . - كما قال القرطبى - مسترسل على الأزمان لا يختص بعضها دون بعض. وله كذلك أن يقضى ما عليه على الفور أو على التراخى على حسب ما يتيسر له . ففى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهذا نص وزيادة بيان للآية)) . ويرى داود الظاهرى أن على المفطر فى رمضان بسبب المرض أو السفر أن يشرع فى قضاء ما أفطره فى اليوم الثانى من شوال المعاقب له، وأن يتابع أيام القضاء . والمعتمد بين العلماء هو قول الجمهور لقوة أدلته التى سبق بيانها ٥٠٠ الجزء الأول وقوله - تعالى - ,وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)) بيان لحكم آخر من أحكام الشريعة فيما يتعلق بصوم رمضان يتجلى فيه تيسير الله على عباده فيما شرع لهم من عبادات . ومعنى ((يطيقونه)) يقدرون عليه ويتحملوقه بمشقة وتعب، لأن الطاقة اسم القدرة على الشىء مع الشدة والمشقة، والوسع اسم القدرة على الشىء على جهة السهولة . قال الراغب : والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشىء، ومنه «ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به، أى ما يصعب علينامزاولته، وليس معناه: ((لا تحملنا ما لا قدرة لنا به)) (١) والعرب لا تقول فلان أطاق الشىء إلا إذا كانت قدرته عليه فى نهاية الضعف بحيث يتحمله بمشقة وعسر. فلا يقال - مثلا - فلان يطيق حمل نواة أو ريشة أو عشرة دراهم من حديد، وإنما يقال: هو يطيق حمل قنطارين من الحديد أو حمل الأمتعة الثقيلة . والعلماء أقوال فى المراد بقوله - تعالى-((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، أشهرها : ١: إن هذا راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله - تعالى - بين الصوم وبين الفداء ، وكان ذلك فى بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم، فرخص لهم فى الإفطار والفدية ، ثم نسخ ذلك وأوجب الله عليهم الصوم . ويشهد لهذا القول ما جاء فى الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية («وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، كان من أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها . وفى رواية للإمام مسلم من طريق آخر عن سلمة - أيضاً - قال : كنا (١) مفردات القرآن ص ٣١٢ الراغب الأصفهانى.