Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة البقرة
ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة الذين يكتمون ما أمر الله بإظهاره،
وتوعدهم بأفى ألوان العذاب فقال - تعالى - :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ
الْكِتَِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَّا قَلِلَا أُوْلَئِكَ مَا يَأْ كُونَ فِي بُطُونِمْ
إِلّ النَّارَ وَلَ يُكَلُِّهُمُ الهُ يَوْمَ الْقِيَدَمَةِ وَلَ يُزَكِّمْهِوَهُمْ عَذَابُ.
أَلِيمُ ﴿ أُوْلَِّكَ الّذِينَ أَشْتَرَوْ الضَّلَةَ بِالْمُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ
ثَ أَصْبُهُمْ عَلَى النَّارِ ه ◌َ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ
وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِ الْكِتَابِ لَفِ شِقَاقِ بَعِيِدِ لَـ
الكثم والكتمان : إخفاء الشى. قصداً مع تحقق الداعى إلى إظهاره .
وقد تحدث القرآن - قبل هذه الآيات بقليل - فى قوله - تعالى -. إن
الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى .. ، عن المصير الألم الذى توعد
الله به أولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره، وأعاد الحديث عن سوء عاقبتهم
هنا ؛ لكى ينذرهم مرة بعد أخرى حتى يقلعوا عن هذه الرذيلة التى هىمن أبشع
الرذائل وأقبحها ، ولكى يغرس فى قلوب الناس - وخصوصا العلماء -
الشجاعة التى تجعلهم يجهرون بكلمة الحق فى وجوه الطغاة لا يخافون لومة
لا ثم، ويبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحداً سواه، ويدينون للناس
ما أمرهم الله ببيانه بطريقة سليمة أمينة خالية من التحريف الكاذب،
والتأويل الباطل .

٤٦٢
الجزء الأول
قال الإمام الرازى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية فى رؤساء اليهود
وأحبارهم. كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث الله فيه محمداً
- صلى الله عليه وسلم - خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمره - عليه السلام-
وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية .
ثم قال الإمام الرازى: والآية وإن نزلت فى أهل الكتاب لكنها عامة
فى حق كل من كتم شيئاً من باب الدين يجب إظهاره، إذ العبرة بعموم.
اللفظ لا بخصوص السبب، (١).
والمراد بالكتاب، التوراة، أو جنس الكتب السماوية التى بشرت.
بالنبى - صلى الله عليه وسلم .
ودمن، فى قوله « من الكتاب)، بمعنى فى، أى: يكتمون ما أنزل الله
فى كتابه من صفة النبى - صلى الله عليه وسلم - ونعته ووقت بعثته.
وقيل للبيان ، وهى حال من العائد على الموصول والتقدير : أنزله الله
حال كونه من الكتاب والعامل فيه أنزل .
وقوله: (( ويشترون به ثمنا قليلا)، معطوف علىيكتمون .
أى: يكتمون ما أنزل الله من الكتاب مما يشهد بصدق النبى - صلى الله
عليه وسلم - ويأخذون من سفلتهم فى مقابل ذلك عرضاً قليلا من أعراض
لدنيا .
والضمير فى قوله (( به)) يعود إلى ما أنزل الله، أو إلى الكتمان الذى.
يدل عليه الفعل (( يكتمون)) أو إلى الكتات.
ووصف هذا الثمن الذى يأخذونه فى مقابل كتمانهم بالقلة، لأن كل
ما يؤخذ فى مقابلة إخفاء شىء ما أنزله الله فهو قليل حتى ولو كان مل ..
1
· الأرض ذهباً .
وقوله - تعالى - ((أولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا النار، وما عطفه.
(١) تغير الفخر الرازى ج ٥ ص ٢٨، بتصرف.

٤٦٣
سورة البقرة
عليه، بيان للعذاب المهين الذى أعدلهم بسبب كتمل هم لما أمرَ اللّه بإظهاره ».
وبيعهم دينهم بد نياهم .
أى : أولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا ما يؤدى بهم إلى النار وبشر القرار
كما قال - تعالى - فى حق أكلة مال اليتامى (( إنما يأكلون فى بطونهم نار،
وسيصلون سعيراً )).
وفى هذه الجملة الكريمة تمثيل لحالة أولئك الكفار الحاصلة . .
من أكلهم ذلك الثمن القليل المفضى بهم إلى النار، بحالة من يأكل النار نفسها.
ووجه الشبه بين الحالتين: أنه يترتب على أكل ذلك المال الحرام من تقطيع
الأمعاء وشدة الألم، ما يترتب على أكل النار ذاتها، إلا أن العذاب الحاصل
من أكل النار يقع عندما تمتلى. منها بطونهم، والعذاب الحاصل من أكل المال
الحرام يقع عند لقاء جزائه وهو الإحراق بالنار .
وجىء باسم الإشارة فى أول هذه الجملة لتمبيز أولئك المكاتمين أكمل
تغيير حتى لا يخفى أمرهم على أحد، وللتنبيه على أن ما ذكر بعداسم الإدارة.
من عقوبات سببه ما فعلوه قبل ذلك من سيئات .
وخص - سبحانه - بالذكر الأكل فى بطونهم من بين وجود انتفاعهم
بما يأخذونه من مال حرام، للإشعار بسقوط همنهم، ودناءة نفوسهم، حتى.
إنهم ليخفور ما أمر الله بإظهاره من حقائق وهدايات، نظير ملء بطونهم.
وقوله , ولا یکلمهم الله يوم القيامة ، أى : لا یکامهم كلاما تطمئن به.
نفوسهم، وتنشرح له صدورهم وإنما يكلمهم بما يخزيهم ويفجعهم بسبب سوء
أعمالهم كقوله - تعالى - لهم: ((اخسوا فيها ولا تكلمون)). أو أن نني تكليمه
لهم كناية عن غضبه عليهم، لأن من عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون
عن المغضوب عليه ولا يكلمونه . كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه
والحديث .

٤٦٤
الجزء الأول
وقوله: (( ولا يزكيهم)، أى: ولا يطهرهم من دفس الكفر والذفوا
بالمغفرة، من التزكية بمعنى التطهير. يقال: زكاه الله، أى: طهره وأصلحا
وتستعمل الفزكية بمعنى الثناء ، ومنه زكى الرجل صاحبه إذا وصا
بالأوصاف المحمودة وأثنى عليه، فيكون معنى ((ولا يزكيهم)) لا يث
عليهم - سبحانه - ومن لا يثنى عليه الله فهو معذب .
فهؤلاء الذين كتموا الحق نظير شىء قليل من حطام الدنيا، فقد
رضا الله عنهم ، وثناءه عليهم، وتطهيره لهم .
ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء منقلبهم، وشدة ألم العذاب الذى
ينالهم فقال - تعالى - (( ولهم عذاب أليم)) أى، موجع مؤلم.
قال الآلوسى: وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى، لأنه.
ذكر - سبحانه - اشتراءهم بذلك - الثمن القليل - وكان كتابة عن مطاعم
الخبيثة الفافية، بدأ أولا فى الخبر بقوله : ما يأكلون فى بطونهم إلا الناز
وابتنى على كتمانهم واشتراتهم بما أنزل الله ثمناً قليلا، أنهم شهود زور واحبا
سو.، آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وألمو
فقوبلوا بقوله - سبحانه -ـ ((ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)، (١).
ثم بين - سبحانه - ما هم عليه من جهل وغباء وسوء عاقبة فقال
(( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة)).
الاشتراء : استبدال السلعة بالثمن. والمعنى: أولئك الذين تقدم الحديث
عنهم وهم الكاتمون لما أنزل الله قد بلغ بهم الغباء وأقطماس البصيرة أنهم باعه
الهدى والإيمان ليأخذوا فى مقابلهما الكفر والضلال، وباعوا ما يوصلهم!
مغفرة الله ورحمته ليأخذوا فى مقابل ذلك عذابه ونقمته ، فما أخرها.
صفقة، وما أغبى هؤلاء الكاتمين الذين فعلوا ذلك نظير عرض من أعراض
الدنيا الفانية، فخسروا بما فعلوه دنياهم وآخرتهم.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٠٤٤

٤٦٥
سورة البقرة
وقوله - تعالى - ((فما أصبرهم على النار، معناه: فما أدومهم على عمل
المعاصى التى تؤدى بهم إلى النار حتى لكأنهم بإصرارهم على عملها يجلبون
النار إليهم جلباً، ويقصدون إليها قصداً بدون مبالاة أو تفكر.
والمراد من التعجب فى هذه الآية وأشباحها، الإعلام بحالهم وأنه ينبغى
أن يتعجب منها كل أحد، وذلك لأن المعنى الظاهر من الجملة متعجب من
صبر أولئك الكفار على النار، والتعجب أنفعال - يحدث فى النفس عند الشعور
بأمر جمل سببه وهو غير جائز فى حقه - تعالى- لأنه لا يخفى عليه شىء، ومن
هذا قال العلماء: إن فعل العجب فى كلام الله المراد منه النعجيب، أى:
جمل الغير يتعجب من ذلك الفعل ، وهو هنا صبرهم على النار، فيكون
المقصود جيب المؤمنين من جراءة أولئك الكاتمين لما أنزل الله على اقترافهم
ما يلقى بهم فى النار، شأن الواثق من صبره على عذابها المقيم.
وشبيه بهذا الأسلوب فى التعجب - كما أشار صاحب الكشاف - أن
ققول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان: ما أسعرك على القيدوالسجن
-فأنت لا تريد التعجب من صبره، وإنما تريد إفهامه أن التعرض لما يغضبه
. لا يقع إلا من شأنه الصبر على القيد والسجن، والمقصود بذلك تحذيره
- من التمادى فيما يوجب غضب ذلك السلطان المستبد.
قال الجمل ما ملخصه و((ماء فى قوله (( فما أصبرهم)) - وفى مثل هذا
التركيب - فيها أوجه: أحدها وهوقول سيبويه والجمهور أنها فكرة قامة غير
موصولة ولا موصوفة، وأن معناها التعجب فإذا قلت. ما أحسن زيداً، فمعناه:
تشىء صير زيدا حسناً. والثانى وإليه ذهب الفراء: أنها استفهامية صحبها معنى
التعجب، نحو: «كيف تكفرون بالله .. والثالث، ويعزى للاخفش: أنها
- موصولة . والرابع ويعزى له أيضاً: أنها فكرة موصوفة، وهى على هذه
الأقوال الأربعة فى محل رفع بالابتداء وخبرها على القواين الأولين الجملة
(م - ٣٠ البقرة )

٤٦٦٠
الجزءالأول
الفعلية بعدها، وعلى قولى الأخفش يكون الخبر محذوفاً ... )) (١).
ثم بين - سبحانه - أن سبب استحقاقهم للعذاب الأليم، وهو ارتكابهم.
لما نهى الله عنه عن قصد وسوء فية فقال: ((ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق)»
أى : ذلك العذاب الأليم حل بهم بسبب أن الله أنزل التوراة مصحوبة
ببيان الحق الذى من جملته التبشير ببعثة النبى محمد - صلى الله عليه وسلم -
فكتموا هم هذا الحق وامتدت إليه أيديهم الأثيمة بالتحريف والتأويل إيثاراً.
المطامع دنيوية على هدى الله الذى هو أساس كل سعادة.
فاسم الإشارة (( ذلك)) يعود على مجموع ما سبق بيانه من أكل الغار» ..
وعدم تبكايم الله إياهم، وعدم تز كيتهم ... ألخ.
والباء فى قوله ((بأن، السببية، والمراد بالكتاب: التوراة.
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء الكاتمين للحق بقوله: «وإن.
الذين اختلفوا فى الكتاب أفى شقاق بعيد)) .
اختلفوا: خالف بعضهم بعضاً، وأصله من اختلاف الطريق ، تقول :..
اختلفوا فى الطريق . أى: جاء بعضهم من جهة والبعض الآخر من جهةٍ.
أو جهات أخرى. ثم استعمل فى الاختلاف فى المذاهب والاعتقاد.
والكتاب: التوراة، أو التوراة والإنجيل، إذ يصح أن يراد جنسر الكتاب ..
والمقام يقتضى صرفه إلى هذين الكتابين . وقد أبعد فى التأويل من قال بأن.
المراد به القرآن لأن الحديث عن أهل الكتاب الذين كتموا ما فى كتبهم من.
بشارات بالرسول - م الله - واختلافهم فى الكتاب من مظاهره : إيمانهم.
ببعضه وكفرهم بالبعض الآخر، وتحريفه عن مواضعه، وتأويله على غير ما ..
يراد منه .
والشقاق: الخلاف، كأن كل واحد من المختلفين فى شق غير الشق الذى ...
يكون فيه الآخر ، وإدا وصف الخلاف بالبعد فهم منه أنه بعيد عن الحق،
يقال: قال فلان قولاً بعيداً، أى بعيداً من الصواب.
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ١٤٠.

٤٦٧
سورة البقرة
والمعنى: ذاك العذاب الأليم حل بأولئك الأشقياء بسبب كتمانهم لما
أنزله الله فى كتابه من الحق، وإن الذين اختلفوا فى شأن ما أنزله الله فى
كتبه فأظهروا منها ما يناسب أهواءهم وأخفوا ما لا يناسبها - لفى بعد
شديد عن الحق والصواب :
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت ألوانامن العقوبات الأليمة التى
قوعد الله بها كل من يكتم أمراً نهى الله عن كتمانه، لكى يقلع كل من
يعأنى له الخطاب عن هذه الرذيلة ، وفاء لالعهد الذى أخذه الله على الناس
بصفة عامة ، وعلى أولى العلم بصفة خاصة .
ثم ساق القرآن الكريم آية جامعة لأنواع البر ، ووجوه الخير ، تهدى
المنمسك بها إلى السعادة الدنيوية والأخروية فقال - تعالى -:
لَيْسَ الْبِرَّ
أَنْ تُولُوا وُجُوهَكُمْ قَِلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَمْكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنّ
◌ِلَّهِوَلْيَوْمِ آلْآَخِرِ وَالْمَلَِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَِّنَ وَى الْمَالّ
عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَالَْى وَالْمَسْئِكِينَ وَأَبْنَ السَِّلِ وَالسَّبِيْنَ
"وَفِى الْرِقَابٍ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَلَى الَّكَوَةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا
عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسُِّ أُوْلَئِكَّ
الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (2)
البر: اسم جامع لكل خير، ولكل طاعة وقربة يتقرب بها العبد إلى
خالقه - عز وجل - ..
قال الراغب: (( البر - بفتح الباء - خلاف البحر، وتصور منه التوسع
فاشتق منه البر - بكسر الباء - بمعنى التوسع فى فعل الخير، وينسب ذلك إلى
الله - تعالى - قارة نحو: ((إنه هو البر الرحيم)، وإلى العبد تارة فيقال. بر

٤٦٨
الجزء الأول
العبد ربه، أى توسع فى طاعته فالبر من الله الثواب، ومن العبد الطاعة»(١)
وتولية الوجوه قبل الشىء، معناه: التوجه إليه يجعل الوجه متجهاً إلى
جهته. فلفظ ((قبل)) بمعنى جهة وهو منصوب على الظرفية المكانية.
والمشرق : الجهة التى تشرق منها الشمس، والمغرب : الجهة التى تغرب
فيها .
قال الإمام الرازى : اختلف العلماء فى أن هذا الخطاب عام أو خاص.
فقال بعضهم: أراد بقوله: ((ليس البر)) أهل الكاب، لما شددوا فى الثبات
على التوجه نحو بيت المقدس فقال - تعالى - ليس البر هذه الطريقة ولكن
البر من آمن بالله. وقال بعضهم: بل المراد مخاطبته المؤمنين لما ظنوا أنهم قد
قالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوايحبون ذلك فخو طبواهذا الكلام
وقال بعضهم: بل هو خطاب للكل، لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل
من المؤمنين الاغتباط بهذه القبلة، وحصل منهم التشدد فى تلك القبلة حتى
ظنوا أنه الفرض الأكبر فى الدين، فبعثهم الله - تعالى - بهذا الخطاب على
استيفاء جميع العبادات والطاعات، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم
شرقاً وغرباً، وإنما البر. كيت وكيت. وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص
فيه، فكأنه - تعالى - قال: ليس البر المطلوب هو أمر القبلة، بل البر
المطلوب هو هذه الخصال التى عدها)) (٢).
وهذا القول الثالث - الذى يرى أصحابه أن الخطاب للكل، والذى قال
عنه الإمام الرازى: هذا أشبه بالظاهر - هذا القول ، هو الذى تسكن إليه
النفس؛ لأنه لا يوجد فص صحيح يخصص الخطاب لطائفة معينة من الناس
ولأن المقصود من الآية الكريمة إنما هو إفهام الناس فى كل زمان ومكان أن مجرد
قولية الوجه إلى قبلة مخصوصة ليس هو البر الكامل الذى يعنيه الإسلام،
وإنما البر الكامل بتأتى فى استجابة الإنسان لتلك الخصال الشريفة التى اشتملت
(١) المفردات فى غريب القرآن ص ٤٠ للراغب الأصفهانى .
(٢) تفسير الفخر الرازى = ٥ ص ٣٨

٤٦٩
سورة البقرة
عليها الآية ، تلك الخصال التى تجعل المستمسكين بها على صلة طيبة بخالقهم
وعلى صلة طيبة بغيرهم، - كما سنبين ذلك عند تعليقنا على هذه الآ ية الكريمة ..
.والمعنى. ليس البر- الذى هو كل طاعة يتقرب بها الإنسان إلى خالقه -
فى تولية الوجه عند الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب، وإنما البر الذى يجب
الاهتمام به لأنه يؤدى إلى السعادة والفلاح - يكون فى الإيمان بالله وملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وفى إنفاق المال فى وجوه الخير ، وفى إتباع
): ما ذكرته الآية الكريمة من خصال جليلة.
هذا، وقد قرأ حمزة وحفص عن عاصم ((ليس البر)) بنصب البرعلى
أنه خبر ليس، واسمها قوله - تعالى - ((أن قولوا، أى: ليس قوليتكم
وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله .
وقرأ الباقون (( ليس البر)) رفع البر على أنه اسم ليس، وخبرها
قوله - تعالى -((أن تولوا)) أى ليس البر كله توليتكم وجوهكم.
قبل المشرق والمغرب ..
قال الطبرسى: وكلا المذهبين حسن، لأن كل واحد من اسم ليس
وخيرها معرفة ، فإذا اجتمعا فى التعريف تكافآ فى کون أحدهما اسما
والآخر خبراً كما تتكافأ النكرتان (١).
١
وقوله - تعالى - ,ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر
والملائكة والكتاب والنبيين ... ، الخ، بيان لما هو البر الذى يجب أن
تتجه إليه الأفكار ، وتستجيب له النفوس .
و((لكن) حرف استدراك، والبر: اسمها. وقوله (( من آمن)) وقع فى
اللفظ موقع الخبر عن قوله ( البر، والخبر فى المعنى لفظ مقدر مضاف
إلى من آمن، يفهم من سياق الجملة، والمعنى مع ملاحظة المقدر: ولكن
البربر من آمن بالله .
وهذا اللون من الإيجاز الذى حذف فيه المضاف معهود فى كلام البلغاء،
(١) تفسير الطبرس جـ ٢ ص ٩٢ طبعة مكتبة الحياة ببيروت سنة ١٩٨٠

٤٧٠
الجزء الأول
إذ تجدهم يقولون السخاء حاتم، والشعر زهير. أى: السخاء سخاء حاتم،
والشعر شعر زهير .
وقيل : إن البر هنا بمعنى البار فجعل المصدر فى موضع اسم الفاعل،
كما يقال: ما. غور أى: غار، ورجل صوم أى: صائم .
وقيل : إن المحذوف هو لفظ مضاف إلى البر. أى: ولكن ذا البر
من آمن بالله . .
وقد ابتدأت الآبة حديثها عن خصال البر بالإيمان بالله، لأنه أساس
كل بر . وأضل كل خير ، والإيمان بالله: هو التصديق بأنه هو الواحد
الفرد الصمد، الذى لا تعنو الوجوه إلا له، ولا تتجه القلوب بالعبادة إلا
إليه، ومتى رسخ هذا الإيمان فى النفوس ارتفع بها إلى مكانة التكريم التى
أرادها الله - تعالى - لبنى آدم، وصانها عن الذلة والاستكانة وأعطاها
نبراس الهداية والسداد فى كل نواحى الحياة .
ثم ذكرت الإيمان باليوم الآخر ، وهو التصديق بالبعث وما يقع بعده
من حساب وثواب وعقاب على الوجه الذى وصفته نصوص الشريعة
بأجلى بيان .
والإيمان باليوم الآخر من ثماره أنه يغرس فى النفوس محبة الخير ،
والحرص على إسداء المعروف وينفرها من اقتراف الشرور وارتكاب الآثام.
ولقد تحدث القرآن عن الإيمان بالله واليوم الآخر فى عشرات
الآيات، وأنظام الأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة على وحدانية الله وعلى
أنه هو صاحب الكمال المطلق، كما أقام الحجج والبراهين على أن البعث
حق وضرب الأمثال لذلك، وسفه عقول المنكرين له .
ثم ذكرت الإيمان بالملائكة. والملائكة : أجسام لطيفة نورافية،
قادرون على التشكل فى صور حسنة مختلفة، وصفهم القرآن بأنهم
(((لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)).
ووجه دخول التصديق بهم فى حقيقة الإيمان ، أن الله وسطهم فى إبلاغ

٤٧١
سورة البقرة
موحيه لأنبياته، وبين ذلك فى كتابه، وتحدث الصادق المصدوق (صلى الله
عليه وسلم ) عنهم فى كثير من أحاديثه، فمن لم يؤمن بالملائكة على هذا
الوجه الذى جاءت به الشريعة، فقد أنكر الوحى، إذ الإيمان بهم أصل
للإيمان بالوحى، فيلزم من إنكارهم إنكار الوحى، وهو يستلزم إنكار
النبوة وإنكار الدار الآخرة .
ثم ذكرت الآية الإيمان بالكتاب . والمراد به القرآن لأنه المقصود
· بالدعوة، ولأنه هو الأمين على الكتب قبله، فما وافقه منها كان حقاً .
وما خالفه كان باطلا .
والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع الكتب المنزلة من عندالله على أنبياته،
لأنههو الذى أخرنا بذلك وأمرنا بأن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله
ثم ذكرت الإيمان بالنبيين ، أى : التصديق بأنهم رجال اصطفاهم
"الله - تعالى- لتلقى هدايته وكتبه وتبليغها للناس بصدق وأمانة وسلامة بصيرة
والنبيون الذين يجب الإيمان بهم : كل من ثبتت فيوته عن طريق
القرآن الكريم أو الحديث الصحيح، وكل من أنكر نبوة فى قد ثبتت
غبوته فقد خرج عن طريق الآيمان .
ولقد قام الدليل القاطع على أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) هو خاتم
النبيين والمرسلين، وكل من ادعى غير ذلك فهو من الضالين المضلين.
وقد جمعت هذه الأمور الخمسة التى ذكرتها الآية كل ما يلزم أن يصدق
به الإنسان، لكى يكون ذا عقيدة سليمة، تصل به إلى الفلاح والسعادة.
ثم ذكرت الآية بعد بيان أصول الإيمان ، أصول الأعمال الصالحة
فقالت. «وآتى الممال على حبه، ذوى القربى، واليتامى، والمساكين ،
وابن السبيل، والسائلين، وفى الرقاب ».
وهذه الجملة معطوفة على قوله - تعالى - ((ومن آمن بالله)).
والضمير فى قوله (على حبه، يعود إلى المال. أى: أعطى المال وبذله عن
- طيب خاطره حالة كونه محباً له« راغباً فيه. لأن الإعطاء والبذل فى هذه

٤٧٢
الجزء الأول
الحالة يدل على قوة الإيمان، وصفاء الوجدان، ويسمو بصاحبه إلى أعلا"
الدرجات. قال - تعالى - ((لن تنالوا البر حتى تنفقوا ما محبون)).
وقد بين النبى - صلى الله عليه وسلم - أن أفضل الصدقة ما كان فى حال
الصحة، لأن الإنسان فى هذه الحالة يكور مظنة الحاجة إلى المال. فقد أخرج.
البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: جاء رجل إلى
النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أى الصدقة أعظم أجراً؟"
قال: ((أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا.
تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا وكذا وقد كان لفلان.
وقيل الضمير يعود إلى الله - عز وجل - أى: يعطون المال على حبالله.
وطلباً لمرضاته .
وقيل يعود إلى الايتاء الذى دل عليه قوله - تعالى - ((وآتى المال ، فكأنه
قال : يعطى ويحب الاعطاء رغبة فى ثواب الله .
والمراد بذوى القربى: أقرباء المعطى للمال والمعنى: وأعطى المال مع.
محبته لهذا المال لأقاربه المحتاجين لأنهم أولى بالمعروف، ولأن إعطاءهم
إحسان وصلة رحم، ولذلك جاء ذكرم فى الآية مقدماً على بقية الأصناف ...
التى تستحق العطف والإحسان .
روى الإمام أحمد والترمذى والنسائى وغیر همعن سلمان بن عامر قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الصدقة على المسكين صدقة.
وعلى ذى الرحم اثنتان : صدقةٍ وصلة )).
واليتامى : جمع يتيم، وهو من فقد أباء بالموت ولم يبلغ الحلم. وهؤلاء.
اليتامى فى حاجة إلى الإحسان إليهم بعد ذوى القربى متی كانوا محتاجين،
لشدة عجزهم عن كسب ما يسد حاجتهم .
والمساكين: جمع مسكين، وهو من لا يملك شيئاً من المال، أو يملك ..
ما لا يكفى حاجاته . وهذا النوع من الناس فى حاجة إلى العناية والرعاية؛ ..
لأنهم فى الغالب يفضلون الاكتفاء بالقليل على إراقة ماء وجوههم بالسؤال.

٤٧٣:
سورة البقرة
وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال : ليس المسكين الذى يطوف على الناس فترده اللقمة والقمتان والتمرة
والتمرتان . قالوا: فما المكين يا رسول الله؟ قال الذى لا يجد غنى يغنيه، ..
ولا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يسأل الناس شيئاً)).
وابن السبيل: هو المسافر المنقطع عن ماله. وسمى بذلك - كما قال
الآلوسى - لملازمته السبيل - أى الطريق - فى السفر، أو لأن الطريق تبرزه ..
فکأنها ولدته، و کان إفرادهلا نفراده عن أحبابه و وطنه وأصحابه فهو أبدا.
يتوق إلى الجمع، ويشتاق إلى الربع، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارق.
إلى وطنه ».
وهذا النوع من الناس فى حاجة إلى المساعدة والمعاونة حتى يستطيع الوصول.
إلى بلده، وفى هذا تنبيه إلى أن المدين وإن اختلفت أوطانهم ينبغى أن
يكونوا فى التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة الواحدة .
والسائلين: جمع سائل، وهو الطالب للإحسان والمعروف، ويحمل
حاله على أنه فى حاجة إلى المعاونة ، لأن السؤال علامة الحاجة غالباً.
والرقاب : جمع رقبة وهى فى الأصل العنق ، وتطلق على البدن كله
كما تطلق العين على الجاسوس. فصح حمل الرقاب على الأسارى والأرقاء.
وقوله: (( وفى الرقاب ، متعلق بآتى، أى : آتى المال على حبهفى تخلص ..
الأسرى من أيدى العدو بفدائهم، وتخليص الأرقاء بشرائهم وإعتاقهم.
وهذه الأصناف السنة التى ذكرت فى تلك الجملة الكريمة ((وآتى المال.
على حبه .... ، الخ .
ليس المقصود من ذكرها الاستيعاب والحصر، ولكنها ذكرت كأمثلة
وخصت بالذكر لأنها أحوج من غيرها إلى العون والمساعدة .
والذى يراجع القرآن الكريم يجدهقد عنى عناية كبرى بالفقراء والمساكين
وجميع أصناف المحتاجين حتى لا تكاد سورة من سوره تخلومن الحث على
الإنفاق عليهم، وبذل العون فى مساعدتهم - وأيضاً- هناك عشرات الأحاديث ..

٤٧٤
الجزء الأول
فى الحض على مديد العون إلى ذوى القرابة والمعسرين ، وذلك لأن
المجتمعات تحيا وتنهض بالتراحم، وتذل وتشقى بالتقاطع والتدابير بين أبنائها
ثم ذكرت الآية ألواناً أخرى من البر تدل على قوة الإيمان، وحسن الخلق
فقالت: ((وأقام الصلاة وآتى الزكاة). وأقامة الصلاة أداؤها فى مواقيتها
مستوفية لأركانها وسننها وخشوعها على الوجه الشرعى عن الذى أمراقه
به . والمراد بالزكاة هنا، الزكاة المفروضة على الوجه الذى فصلته السنة
المطهرة، وإيتاؤها: يكون بإعطائها لمستحقيها من الفقراء والمساكين.
وغيرهم ممن ذكرهم الله فى قوله - تعالى - ((إنما الصدقات للفقراء
والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل
الله وابن السبيل، فريضة من الله عليم حكيم)).
١
وفى ذكر الزكاة المفروضة بعد ذكر إيتاء المال على حبه لذوى القربى
واليتامى .. الخ ، دليل على أن فى الأموال حقوق لذوى الحاجات سوى
الزكاة ، وذلك لأنه من المعروف بين أهل العلم أن الحاجة إذا بلغت بطائفة
من أبناء الأمة حد الضرورة ، وجب على الأغنياء منها أن يسعوا فى سدها
ولو مما زاد على قدر الزكاة .
والأغنياء الذين يكتفون بدفع الزكاة ، ولا يمدون يد المساعدة اسد
حاجة المحتاجين ، وتفريج كرب المكروبين ، ودفع ضرورة البائسين ،
ليسوا على البر الذى يريده الله من عباده المتقين .
ومسألة « هل فى المال حق سوى الزكاة، من المسائل التى تناولها بعض
العلماء بالشرح والتفصيل (١).
وقوله ((والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، معطوف على قوله ((مزآمن)،
فإنه فى قوة قولك ، ومن أوفوا بعهدهم ، وأوثرت صيغة اسم الفاعل
الدلالة على وجوب استمرار الوفاء .
والوفاء بالعهد يشمل ما عاهد المؤمنون عليه الله من الإذعان لكل
(١) راجع تفسير الفخر الرازى ج٥ ٤٤٥، وتفسير الآلوسى جـ٤٧٠٥٢

٤٧٥
سورة البقرة
ما جاء به الدين ، ويشمل ما يعاهد به الناس بعضهم بعضاً مما لا يحل حراماً
ولا يحرم حلالا .
والموفون بعهدهم هم الذين إذا وعدوا أنجزوا ، وإذا حلفوا بروا
فى أيمانهم ، وإذا قالوا صدقوا فى قولهم، وإذا انتمنوا أدوا الأمانة، وقَد
وعدهم الله على ذلك بأجزل الثواب، وأعلى الدرجات .
وفى قوله - تعالى - ((إذا عاهدوا، إشارة إلى أن إيفاءهم بالعهد
:لا ينأخر عن وقت حصول العهد .
ثم ختم - سبحانه - خصال البر بقوله: «والصابرين فى البأساء والضراء
وحين البأس)). البأساء من البؤس، وهى ما يصيب الناس فى الأموال كالفقر
والاحتياج. يقال: بتس بيأس بؤساً وبأساً أى اشتدت حاجته.
والضراء من الضر، وهى ما يصيبهم فى أنفسهم كالأمراض والأسقام
يقال: ضره وأضره وضاره ضراً وضراً، ضد نفع: والألف فى البأسماء
والضراء للتأنيث.
وحين البأس ، أى: ووقت القتال فى سبيل الله لإعلاء كلمته، يقال :
بؤس يبؤس بأسافهو بئيس ، أى : شجاع شديد .
وقوله ((والصابرين، معطوف فى المعنى على( من آمن، كقوله (والموفون))
إلا أنه جاء منصوبا على المدح بتقدير ۔ أخص أو أمدح - وغير سبكه عما
قبله ، تنبيهاً على فضيلة الصبر ومزيته على غيره من الفضائل حتى لكأنه ليس
من جنس ما سبقه من فضائل ، وهذا الأسلوب يسمى عند عداء اللغة العربية
بالقطع، وهو أبلغ من الإتباع . ولا ريب فى أن صفة الصبر على الشدائد
والآلام وحين القتال فى سبيل الله، جديرة بأن ينبه لمزيد فضلها، إذهى
أصل لكثير من المكارم، كالعفاف عما فى أيدى الناس ، والتسليم للقضاء
الذى لا مرد له، والإقدام الذى يحمى به الدين وتسلم به النفوس والأموال
والأعراض :

٠ ٤٧٦
الجزء الأول
وليس الصبر هو الخضوع والاستكانة والاستسلام من غير مقاومة ولا عمل
وإنما الصبر جهاد ومحاولة للتغلب على المصاعب، مع الإحتفاظ برباطة الجأش.
والثقة بحسن العافية .
وقد خصت الآية ثلاث حالات بالصبر ؛ لأن هذه الحالات می أبرز
الأشياء التى يظهر فيها ملح الهالعين وجزع الجازعين ، كما يتميز فيها أصحاب ..
النفوس القوية المطمئنة من غيرهم .
وجاءت كلمة «حين، فى قوله «وحين البأس، مشيرة إلى أن مزية.
الصبر فى القتال إنما تظهر حين يلتقى الجمعان، وتدور رحى الحرب ، لأن
بعض الناس قد يكون قوياً فى بدنه ، وقد يحشر نفسه فى زمرة الأبطال.
المقاقلين ، ولكنه عند ما يرى الأعناق تقساقط من حوله تخور قواه ،
وبلوذ بالفرار ، أو يستسلم للعدو . وفى هذه الحالة تسلب عنه صفة.
الصابرين حين البأس . وتحق عليه صفة الضعفاء الجبناء .
وقد جاءت أنواع الصبر فى الآية على وجه الفرقى من العديد إلى الأشد ،
وذلك لأن الصبر على المرض أصعب من الصبر على الفقر، والصبر حين
البأس أصعب من الصبر على المرض. ثم ختمت الآية حديثها عن هؤلاء الجامعين ..
أولئك اسم إشارة للجمع ، وقد أشیر به إلى من تقدم ذكرهم من
الجامعين لخصال البر، والصدق توصف به الأقوال المطابقة للواقع ،
وقوصف به الأعمال الواقعة على الوجه الذى يرضى الله - تعالى - .
والمتقون من الاتفاء وهو الحذر، ويطلق المنقى فى كلام الشارع على.
الإنسان الذى صان نفسه عن كل ما يغضب الله، وامتثل لأوامره ونواهيه.
أى : أولئك الذين تقدم ذكرهم من المحرزين لخصال البر هم الصادقون.
فى إيمانهم وفى كل أحوالهم ، وأولئك هم المتقون لعذاب الله - تعالى -
بسبب امتثالهم لأوامره، واجتناهم لماضى عنه .
واسم الإشارة ((أولئك)) جىء به لإحضارهم فى أذهان المخاطبين وهم.
متصفون بتلك المناقب الجليلة .

٤٧٧
سورة البقرة
وفى تكرير الإشارة زيادة قنويه بشأهم وفضلهم. وجاء الإخبار عنهم
بأنهم الصادقون المتقون، لتبشيرهم بأنهم قد بلغوا بإحرازهم لتلك الخصال
السابقة الغاية التى يطمح إليها أرباب البصائر المستنيرة، والنفوس المستقيمة،
والقلوب السليمة، وهى مقام الصدق والتقوى الذى يرتفع بصاحبه إلى
السعادة فى الدنيا، والنعم الدائم فى الآخرة .
هذا، وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على خمسة عشر نوعاً من أنواع
البر الذى يهدى إلى الحياة السعيدة فى الدنيا، وإلى رضا الله - تعالى - فى
الآخرة ، وذلك لأنها قد أرشدت إلى أن البر أنواع ثلاثة جامعة اكل خير:
بر فى العقيدة ، وبر فى العمل ، وبر فى الخلق .
أما بر العقيدة فقد بينته أكمل بيان فى قوله - تعالى -«ولكن البر من
: آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين)).
فقد جمعت فى هذه الجملة الكريمة مالا يتم الإيمان إلا بتحققه.
وأما بر العمل فقد وضحته أبلغ توضيح فى قوله - تعالى-«وآنى المال على
حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمائلين وفى الرقاب».
ولا شك أن إنفاق المال فى تلك الوجوه من شأنه أن يسعد الأفراد
- والجماعات والأمم ، ويكون مظهراً من أفضل مظاهر العمل لصالح الذى
يرضى الله - تعالى - .
وأما بر الخلق فقد ذكرته بأحكم عبارة فى قوله - تعالى - ((وأقام
الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين فى الباسأ.
: .والضراء وحين البأس».
وذلك لأن التمسك بهذه الفضائل - أداء الصلاة، إيتاء الزكاة . والوفاء
·بالعهود، والتذرع بالصبر - يدل على صفاء الإيمان ، وطهارة الوجدان،
وحسن الخلق، وكال الاستقامة .
وهكذا تجمع آية واحدة من كتاب الله بين بر العقيدة وبر العمل وبر
الخلق ، وتربط بين الجمع برباط واحد لا ينفصم ، ونضع على هذاكله
٠

٤٧٨
الجزء الأول
عنواناً واحداً هو ((البر، وتمدح من استجمع أنواعه بالصدق والتقوى.
فلله هذا الاستقراء البديع، وذلك التوجيه السديد، الذى يشهد أن هذا
القرآن من عند الله ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) ..
وبعد أن بين ١- سبحانه - أن البر الجامع لألوان الخير يتجلى فى الإيمان
بالله واليوم الآخر ... وفى بذل المال فى وجوه الخير، وفى المحافظة على
فرائضه - سبحانه - ، وفى غير ذلك من أنواع الطاعات التى ذكرتها الآية
السابقة ، بعد كل ذلك شرع - سبحانه - فى بيان بعض الأحكام العملية
الجليلة التى لا يستغنى عنها الناس فى حياتهم، وبدأ هذه الأحكام بالحديث
عن حفظ الدماء لماله من منزلة ذات شأن فى إصلاح العالم فقال - تعالى -:
يَأُهَا الَّذِينَ ءَامُواْ
كُتِبَ عَلَيْكُ الْقِصَاصُ فِ اَلْقَلَى الْحُرْ بِالْخُرِّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
وَآلْأُنثَى بِالْأُمَّى لَنْ عُنِيَ لَهُ مِنْ أَِهِ شَىْءٌ فَاتِبَاعٌ بِلْمَعْرُوفِ
وَأَكُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَ أَعْتَدَى
بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمُ (٣) وَلَكْ فِ الْقِصَاصِ حَةٌ يَأُوْلِ
الْأَلَْبِ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ أَ
((كتب، من الكتب، وهو فى الأصل ضم أديم إلى أديم بالخياطة.
وتعورف فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ، وأطلق على المضموم
فى اللفظ وإن لم يكتب بالخط ، ومنه الكتابة، ويطلق الكتب والكتاب
والكتابة على الإيجاب والفرض؛ لأن الشأن فيما يوجب ويفرض أن يراد.
ثم يقال ثم كتب، ومنه ((يكتب عليكم الصيام، أى: فرض عليكم".

٤٧٩
سورة البقرة
والقصاص: العقوبة بالمثل من قتل أو جرح. وهو - كماقال القرطبى ..
مأخوذمن قص الأثر وهو اتباعه، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار
وقص الشعر إتباع أثره، فكان القاتل سلك طريقاً من القتل فقص أثره
فيها ومشى على سبيله فى ذلك، ومنه ((فارتدا على آثارهما قصصاً، وقيل:
القص القطع . بقال: قصصت ما بينهما . ومنه أخذالقصاص؛ لأنه يجر حه
مثل جرحه أو يقتله به. يقال أقص الحاكم فلاناً من فلان به فأمثله فامتثل.
منه، أى: اقتص منه» (١).
فادة القصاص تدل على التساوى والتمائل والتقبع .
والقتل جمع قتيل ، والقتيل من يقتله غيره من الناس .
والمعنى : بأيها الذين آمنوا فرض عليكم وأوجب القصاص بسبب
القتلى . بأن تقتلوا القاتل عقوبة له على جريمته مع مراعاة المساواة التى
قررها الشارع الحكيم، فلا يجوز لكم أن تقتلوا غير القائل، كما لا يجوز.
لكم أن ترفوا فى القتل بأن تقتلوا القائل وغيره من أقاربه .
فمعنى القصاص هنا أن يقتل القاتل لأنه فى نظر الشريعة مساو المقتول.
فيقتل به. وقد بين العلماء أن القصاص يفرض عند القيل الواقع على وجه.
التعمد والتعدى، وعند مطالبة أولياء القتل بالقود- أى القصاص - من القاتل.
وافظ (فى)، فى قوله - تعالى - ((فى القتلى، السببية، أى: فرض
عليكم القصاص بسبب القتلى. كما فى قوله (صلى الله عليه وسلم) ودخلت.
امرأة النار فى هرة ، أى بسببها .
وصدرت الآبة بخطاب «الذين آمنوا، تقوية الداعية إنفاذ حكم
القصاص الذى شرعه الخبيز بنفوس خلقه، لأن من شأن الإيمان الصادق.
أن يحمل صاحبه على تنفيذ شريعة الله التي شرعها لإقامة الأمان والاطمئنان
بين الناس، ولد أبواب الفتن التى تحل عرا الألفة والمودة بينهم.
وقد وجه - سبحانه - الخطاب إلى المؤمنين كافة مع أن تنفيذ الحدود من
(١) تفسير القرطبى ج ٢ص ٢٤٥ طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٧٣هـ.

٤٨٠٠
الجزء الأول
حق الحاكم، لإشعارهم بأن عليهم جانباً من التبعة إذا أهمل الحكام تنفيذ هذه
العقوبات التى شرعها الله، أو إذا لم يقيموا عليهم جانباً من التبعة إذا أهمل
الحكام، تنفيذ هذه العقوبات التى شرعها الله، أو إذا لم يقيموها بالطريقة
التى بينتها شريعته، ولإشعارهم كذلك بأنهم مطالبون بعمل ما يساعد الحكام.
على تنفيذ الحدود بالعدل، وذلك بتسليم الجانى إلى المكلفين بحفظ الأمن،
وأداء الشهادة عليه بالحق والعدل، وغير ذلك من وجوه المساعدة .
وقوله - تعالى (الحر بالحر والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى) بيان لمعنى
المساواة فى القتل المشار إليها يلفظ القصاص، فالجملة تتمة لمعنى الجملة السابقة،
. ومفادها أنه لا يقتل فى مقابل المقتول سوى قاتله ، لأن قتل غير الجانى
ليس بقصاص بل هو اعتداء يؤدى إلى فتنة فى الأرض وفساد كبير .
وقد يفهم من مقابلة ((الحر بالحر والعبد بالعبد والأفى بالأنثى)) أنه
لا يقتل صنف بصنف آخر، وهذا الفهم غير مراد على إطلاقه ، فقد جرى
االعمل منذ عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على قتل الرجل بالمرأة.
قال القرطى: أجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل)، (١).
والخلاف فى قتل الحر بالعبد . فبعض العلماء يرى قتل الحر بالعبد ،.
. وبعضهم لا يرى ذلك، ولكل فريق أدلته التى يمكن الرجوع إليها فى كتب الفقه
والغرض الذى سيقت من أجله الآية الكريمة ، إنما هو وجوب تنفيذ
القصاص بالعدل والمساواة ، وإبطال ما كان شائعاً فى الجاهلية من أن
القبيلة القوية كانت إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة شخصاً، ولا ترضى حتى
تقتل فى مقابلته من الضعيفة أشخاصاً . وإذا قتلت منها عبداً تقتل فى
مقابلته حراً أو أحراراً، وإذا قتلت منها أنثى قتلت فى نظيره .رجلا
: أو أكثر. فيترتب على ذلك أن ينتشر القتل، ويشيع الفساد، وقد حكى
إلنا التاريخ كثيراً مما فعله الجاهليون فى هذا الشأن .
(١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٢٤٨