Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ سورة البقرة و((من)) شرطية، و((قطوع)) فعل الشرط، و((خيراً، منصوب على فزع الخافض، وأصله بخير ؛ لأن تطوع يتعدى بالباء ولا يتعدى بنفسه ثم حذفت الياء فى نظم الكلام نحو : تمرون الديار فلم تعوجوا. أو هو منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى: تطوعاً خيراً، وجملة ((فإن الله شاكر عليم، دليل على جواب الشرط، إذ التقدير ، ومن تطوع خيراً جوزى فإن الله شاكر عليم . والمعنى : ومن تطوع بالخيرات وأنواع الطاعات، أو من أتى بالحج أو العمرة طاعة لله، أو من أتى بهما مرة بعد مرة زيادة على المفروض أو الواجب عليه، فاز بالثواب الجزيل، والنعيم المقيم؛ لأن من صفاته - سبحانه - مجازاة من يحسنون العمل، وهو عليم بكل ما يصدر عن عباده، وأن يضيع أجر من أحسن عملا . هذا، وقد اختلفت أقوال الفقهاء فى حكم السعى بين الصفا والمروة. فمنهم من يرى أنه من أركان الحج كالإحرام والطواف والوقوف بعرفة . وإلى هذا الرأى ذهب الشافعى وأحمد بن حنبل ومالك فى أشهر الروايتين عنه. ومن حججهم أنه من أفعال الحج ، وأن النى ( صلى الله عليه وسلم ) قد اهتم به وبادر إليه ، فقد روى الشيخان عن عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت العمرة، ولم يطف بين الصفا والمروة أبأتى امرأته؟ فقال: قدم النبى ( صلى الله عليه وسلم) فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة . وقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة)). ومنهم من يرى أنه واجب يجير بالدم، وإلى هذا الرأى ذهب الأحناف ومن حججهم أنه لم يثبت بدليل قطعي فلا يكون ركناً . ومنهم من يرى غير ذلك كما هو موضح فى كتب الفقه . ثم حض - سبحانه - على إظهار الحق وبيانه، وتوعد بالعقاب الشديد من يعمل على إخفائه وكتمانه . ٤٢٢ الجزءالأول فقال - تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَا مِنَ الْبِنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَّنَّهُلِنَّاسِ فِ الْكِتَبِ أُوْلَبِكَ يَلْعَُمُ اللهُ وَ يَلْعَنُهُمُ الَّلِعِنُونَ (٥) إِلَّا الّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيِّنُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا الْتَوَّابُ الرَّحِيمُ (3) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَنُواْ وَهُمْ كُفَّارَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَهُ الَّهِ وَالْمَلَتْبِّكَّةِ وَلَّاسِ أَجْمَعِينَ (٦) خَالِينَ فِّ ◌َيُحَُّ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَهُمْ يُنْظُرُونَ (9) قال الآلومى : أخرج جماعة عن ابن عباس قال : سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجه بن زبد نفراً من أحبار يهود عما فى التوراة من صفات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومن بعض الأحكام فكنموا، فأنزل الله - تعالى - فيهم هذه الآية ((إن الذين يكتمون ... الخ)) (١). والكم والكتمان: إخفاء الشىء قصداً مع مسيس الحاجة إليه وتحقق الداعى إلى إظهاره. وكنم ما أنزل الله يتناول إخفاء ما أنزله، وعدم ذكره الناس وإزالته عن «وضعه ووضع شىء آخر موضعه، كما يتناول تحريفه نالتأويل الفاسد عن معناه الصحيح جرباً مع الأهواء، وقد فعل أهل الكتاب ولا-) اليهود - كل ذلك. فقد كانوا يعرفون ما بين أيديهم من آيات أن رسالة محمد ( صلى الله عليه وسلم) حق، ولكنهم كتموا هذه المعرفة حداً له على ما أتاه الله من فضله، كما أنهم حرفوا كلام الله وأولوه تأويلا فاسداً تبعاً لأهوائهم . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٢٦ ٤٢٣ سورة البقرة والمراد « بما أنزلنا، ما اشتملت عليه الكتب السماوية السابقة على القرآن من صفات النبى (صلى الله عليه وسلم) ومن هداية وأحكام . والمراد بالكتاب جنس الكتب ، فيصح حمله على جميع الكتب التى : أفزات على الرسل - عليهم السلام - . وقيل: المراد به التوراة. و «البينات، جمع بينة، والمراد بها الآيات الدالة على المقاصد الصحيحة بوضوح، وهى ما نزل على الأنبياء من طريق الوحى. والمراد((بالهدى، ما يهدى إلى الرشد مطلقاً فهو أعم من البينات ، إذ يشمل المعانى المستمدة من الآيات البينات عن طريق الاستنباط، والاجتهاد القائم على الأصول المحكمة . و(«اللعن، الطرد والإبعاد من الرحمة. يقال: لعنه، أى: طرده ، وأبعده ساخطاً عليه ، فهو لعين وملعون . والمعنى: إن الذين يخفون عن قصد وتعمد وسوء فية ما أنزل الله على . وسله من آيات واضحة دالة على الحق، ومن علم نافع يدى إلى الرشد ، . من بعد ماشر حناه وأظهرناء للناس فى كتاب يتلى، أولئك الذين فعلوا ذلك , يلعنهم الله، بأن يبعدهم عن رحمته,ويلعنهم اللاعنون، أى - ويلعنهم كل من تتأذى منه اللعنة - كالملائكة والمؤمنين - بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله لكمانهم لما أمر الله بإظهاره. وجملة (( إن الذين يكتمون ... ، الخ، مستأنفة لبيان سوء عاقبة الكاتمين لما أمر الله بإظهاره، وأكدت ((بيان)) للاهتمام بهذا الخبر الذى ألقى على مسامع الناس . وعبر فى « يكتمون، بالفعل المضارع، للدلالة على أنهم فى الحال كانمون البينات والهدى، ولو وقع بلفظ الماضى لتوهم السامع أن المقصود به قوم مضوا، مع أن المقصود إقامة الحجة على الحاضرين . وقوله (( من بعد ما بيناه الناس فى الكتاب، متعلق بيكتمون، وقد دلت -هذه الجملة الكريمة على أن معصيتهم بالكتمان فى أحط الدكات وأقبحها ؛ ٠ ٤٢٤ الجزء الأول لأنهم عمدوا إلى ما أنزل الله من هدى، وجعله بينا للناس فى ساب يعرا،. فكتموه قصداً مع تحقق المقتضى لإظهاره، وإنما يفعل ذلك من بلغ الغاية .. فى سفاهة الرأى ، وخبث الطوية . واللام فى قوله ((للناس، للتعليل، أى: بيناه فى الكتاب لأجل أن .. ينتفع به الناس ، وفى هذا زيادة تشنیع علیهم فیما أقره من کتمان، لأن فعلهم. هذا مع أنه كتمان للحق ، فهو فى الوقت نفسه اعتداء على مستحقه الذى هو فى أشد الحاجة إليه . وقوله (( أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)، يفيد نهاية الغضب عليهم). حتى لكأنهم تحولوا إلى ملعنة ينصب عليها اللعن من كل مصدر ، ويتوجه .. إليها من كل من يستطيع اللعن ويؤديه . والآية الكريمة وإن كانت نزلت فى أهل الكتاب بسبب كتمانهم للحق ،. إلا أن وعيدها يتناول كل من كتم علماً نافعاً ، أو غير ذلك من الأمور التى .. يقضى الدين بإظهارما، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ومن شواهد. هذا العموم ما جاء فى صحيح البخارى عن أبى هريرة قال: إن الناس يقولون. أكثر أبو هريرة ولولا آيتان فى كتاب الله ما حدثت حديثاً ثم تلا قوله- تعالى- (((إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات .. إلى قوله: ((الرحيم)) (١). قال ابن كثير: وقد ورد فى الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضاً". عن أبى هريرة وغيره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيام بلجام من نار)، (٢). هذا، وينبغى إن يعلم أن الإسلام وإن كان ينهى نهياً قاطعاً عن كتم. العلم الذى فيه منفعة للناس، إلا أنه يوجب على أتباعه - وخصوصاً العلماء .. أن يحسنوا ما ينشرونه على الناس من علم، ففي الحديث الشريف: حدثوا. .(١) أخرجه البخارى فى كتاب العلم . باب حفظ العلم ج ١ ص٤٠ ... (٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٢٠. ٤٢٥- سورة البقرة الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله . كما أنه يوجب عليهم أن يضعوا العلم فى موضعه المناسب لمقتضى حال ،المخاطبين، فليس كل ما يعلم يقال، بل أحياناً يكون إخفاء بعض الأحكام مناسبً. لأن إظهاره قد يستعمله الطغاة والسفهاء فيما يؤذى الناس، وفى صحيح البخارى أن الحجاج قال الأنس بن مالك حدثنى بأشد عقوبة عاقبها النبى - خيار- فذكر له أنس حديث العرفيين الذين قتلوا للرعاة واستاقوا الإبل، حيث. قطع النبى - صلى الله عليه وسلم - أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم فى الحرة حتى ماتوا. فلما بلغ الحسن البصرى ذلك قال: وددت أنه لم يحدنه ؟؟ أنهم يتلقفون من ظاهره ما يوافق هواههم فيجعلونه ذريعة لهم فيما يعاملون به الناس من الظلم . وما يشهد بفقه بعض العلماء وحسن إدراكهم، ووضعهم العلم فى موضعه المناسب: ما جاء فى بعض الكتب أن سلطان قرطبة سأل يحيى بن يحيى اليثى عن حكم يوم أفطره فى رمضان عامداً لأن شهوته غلبته على وط. بعض جواريه، فأفتاه بأن من الواجب عليه أن يصوم ستين يوماً ، وكان بعض الفقهاء جالساً فلم يجترى. على مخالفة يحيى. فلما أنفض المجلس قيل له: لم خصصت الحكم بأحد المخيرات وكتمت العتق والإطعام؟ فقال - رحمه الله - لو فتحنا هذا الباب لوطى. كل يوم وأعتق أو أطعم، فحملته على الأصعب لثلا يعود . فالإمام يحيى عند ما كتم عن السلطان الكفارتين الأخريين - وهما الأعتاق والإطعام - لا يعتبر مسيئاً؛ لأنه قد أعمل دليل دفع مفسدة الجرأة على حرمة فريضة الصوم (١). وهكذا نرى أن إظهار العلم عند تحقق المقتضى لإظهاره، ووضعه فى موضعه اللائق به بدون خشية أو تحريف يدل على قوة الإيمان، وحسن الصلة. بالله - تعالى -، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . (١) تفسير التحرير والتنوير للشيخ الطاهر بن عاشور جـ ٢ ص ١٦ . ٤٢٦ الجزء الأول وبعد هذا الوعيد الشديد لأولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره ، أورد القرآن فى أعقاب ذلك آبة تفتح لهم نافذة الأمل، وتبين لهم أنهم إذا قانوا وأقا بوا قبل اللّه توبتهم ورحمهم، فقال - تعالى - ((إلا الذين قابوا، أى: رجعوا عن الكتمان وعن سائر ما يجب أن يتاب عنه، وندموا على ماصدر - عنهم ((وأصلحوا، ما أفسدوه بالكتمان بكل وسيلة ممكنة ((وبينوا، للناس. حقيقة ما كتموه («فأولئك أتوب عليهم ، أى: أقبل توبتهم: وأفيضر عليهم .- من رحمته ومغفرتى، ((وأنا التواب الرحيم)) أى: المبالغ فى قبول التوبة ونشر الرحمة . فالآية الكريمة قد فتحت للكاتمين لما يجب إظهاره باب التوبة وأمرتهم بولوجه، وأفهمتهم أنهم إذا فعلوا ما ينبغى وتركوا ما لا ينبغى وأخلصو الله فياتهم، فإنه - سبحانه - يقبل قوبتهم، ويغسل «وبتهم، أما إذا استمروا فى ضلالهم وكفرهم، ومضوا فى هذا الطريق المظلم حتى النهاية بدون أن يحذئوا قوبة، فقد بين القرآن مصيرهم بعد ذلك فقال: (( إن الذين كفروا وما توا وهم كفار، أى: إن الذين كفروا وكتموا ما من شأنه أن يظهر ، ؟إخفائهم النصوص المشتملة على البشارة بالنبى - صلى الله عليه وسلم - . واستمروا على هذا الكفر والإخفاء حتى ماتوا. , أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، أى: أولئك الذين وصفوا بماذكر عليهم اللعنة المستمرة من الله والطرد من رحمته، وعليهم كذلك اللعنة الدائمة من الملائكة والناس أجمعين عن طريق الدعاء عليهم بالإبعاد من : رحمة الله . وعبر عن أصحاب ذلك الكتمان بالذين كفروا، ليحضرهم فى الأذهان بأشنع وصف وهو الكفر ، وليتناول الوعيد الذى اشتملت عليه الآية الكريمة كل كافر ولو بغير معصية الكتمان . وجملة ((وماقوا وهم كفار. حالية، و(أجمعين، تأكيد بالنسبة إلى الكل لا للناس فقط . والمراد بالناس جميعهم مؤمنهم وكافرهم، إذ الكفار يلعن بعضهم بعضاً ٤٢٧ سورة البقرة -يوم القيامة كما جاء فى قوله - تعالى - «ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض -ويلعن بعضكم بعضاً). وقيل المراد بهم المؤمنون خاصة لأنهم هم الذين يعتد بلعنهم . وقوله ((خالدين فيها، الخلود البقاء إلى غير نهاية، ويستعمل بمعنى البقاء مدة طويلة . وإذا وصف به عذاب الكافر أريد به المعنى الأول ، أى : البقاء إلى غير نهاية والظاهر أن الضمير فى قوله «فيها، يعود إلى اللعنة لأنها -هى المذكورة فى الجملة. وقيل أنه يعود إلى النار لأن اللعن إبعاد من الرحمة وإيجاب للعقاب والعقاب يكون فى النار. وقوله (( لا يخفف عنهم العذاب، أى : أن المقدار الذى استحقوه من العذاب لا يتفاوت بحسب الأوقات شدة وضعفاً، وإنما هم فى عذاب سرمدى ألم، كما قال - تعالى - «إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون . لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون، والزيادة فى قوله - تعالى - «فذوقوا فلن تزيدكم إلا عذابا، حملها بعض العلماء على معنى استمرار العذاب ، فهى إشارة إلى الخلود فيه لا إلى الزيادة فى شدته . وقوله ((خالدين فيها، إشارة إلى دوام العذاب وعدم انقطاعه. وقوله (( لا يخفف عنهم)) إشارة إلى كيفيته وشدته. وقوله ((ولاهم ينظرون، أى: لا يمهلون ولا يؤخرون من العذاب كما كانوا يمهلون فى الدنيا. من الإنظار بمعنى التأخير والإمهال. أومن النظر بمعنى الانتظار يقال: نظرته وانتظرته، أى : أخرته وأمهلته ومنه قوله - تعالى - ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)). أو من النظر بمعنى الرؤية ، أى : لا ينظر الله إليهم نظر رحمة ورضا ولطف كما ينظر إلى عباده الصالحين ، لأنهم بكتمانهم للحق ، وكفرهم بالله، استحقوا ما استحقوا من العذاب المهين، ((وما ظلهم الله ولكن كانوا ( أنفسهم يظلمون)). وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حذرت الناس بأسلوب تأديى حكيم من كتمان الحق ، ومن الكفر بالله ، وفتحت أمامهم باب التوبة ليدخلوه ٤٢٨ الجزء الأول بصادق النية، وصالح العمل، وتوعدت من يستمر فى ضلاله وطغيانه بأقسى أنواع العذاب ، وأغلظ ألوانه . ٠ وبعد أن حذر - سبحانه - من كتمان الحق ، عقب ذلك بيان ما يدل. على وحدانيته ، وعلى أنه هو المستحق للعبادة والخضوع فقال - تعالى -: وَ إَِهُمْ إِلَهُ وَحِدُ لَّ إِلَهَ إِلََّهُوَ الَّهْمَنُ الَّحِيمُ (3) إِنَّ فِى خَلْقِهِ السَّمَنَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقُلْكِ الَّىِ تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنِ مَّآءٍ فَأَحْبًا بِهِ آلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السّمَاءِوَالْأَرْضِ لَيْتِ لَّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (9) قوله ((وإلهكم إله واحد، معطوف على قوله: ((إن الذين ما يكتمون ما أنزلنا، عطف القصة على القصة، والجامع - كما قال الآلوسى - أن. الأولى - وهى قوله:((إن الذين يكتمون .. ) مسوقة لإثبات نبوة النبى (صلى. الله عليه وسلم) وجملة (( وإلهكم إله واحد، لإثبات وحدانية الله - تعالى -. والإله فى كلام العرب هو المعبود مطلقاً ولذلك تعددت الآلهة عندهم. والمراد به فى الآية الكريمة المعبود بحق بدليل الإخبار عنه بأنه واحد. والمعنى : وإلهكم الذى يستحق العبادة والخضوع إله واحد فردعمد، .. فمن عبد شيئاً دونه، أو عبد شيئاً معه، فعبادته باطلة فاسدة، لأن العبادة. الصحيحة هى ما يتجه بها العابد إلى المعبود بحق الذى قامت البراهين الساطعة. على وحدانيته وهو الله رب العالمين. قال بعضهم: (( والإخبار عن إلهكم إله تكرير ليجرى عليه الوصف .. بواحد، والمقصود وإلهكم واحد لكنه وسط إله بين المبتدأ والخبر لتقرير. ٤٢٩ سورة البقرة معنى الألوهية فى الخير عنه، كما تقول: عالم المدينة عالم فائق ، وايجى. ما كان أصله خبراً مجىء النعت فيفيد أنه وصف ثابت للموصوف لأنه صار فعناً، إذ أصل النعت أن يكون وصفاً ثابتاً، وأصل الخبر أن يكون وصفاً حادثاً ، وهذا استعمال متبع فى فصيح الكلام أن يعاد الاسم أو الفعل بعد ذكره ليبنى عليه وصف أو متعلق كقوله: ((وإذامروا باللغومرواكراماً) (١). وجملة (( لا إله إلا هو)، مقررة لما تضمنته الجملة السابقة من أن الله واحد لا شريك له، ونافية عن الله - تعالى - الشريك صراحه ، ومثبتة له مع ذلك الإلهية الحقة، ومريحة لما عسى أن يتوهم من أن فى الوجود إلهاً سوى الله - تعالى - لكنة لا يستحق العبادة. ومعناها: إن الله إله، وليس شىء مما سواء بإله. وهذه الجملة الكريمة خبر ثان المبتدأ وهو (إلهكم ) أو صفة أخرى الخبر وهو (إله) وخبر (لا) محذوف أى لا إله موجود إلا هو، والضمير (هو) فى موضع رفع بدل من موضع لامع اسمها. وقوله ( الرحمن الرحيم ) خبر مبتدأ محذوف ، وقيل غير ذلك من وجوه الإعراب . والمعنى: وإلهكم الذى يستحق العبادة إله واحد، لا إله مستحق لها إلا هو، هو الرحمن الرحيم . أى: المنعم بجلائل النعم ودقائقها، وهو مصدر الرحمة ، ودائم الإحسان .. وأتى - سبحانه - بهذين اللفظين فى ختام الآبة، لأن ذكر الإلهية والوحدانية يحضر فى ذهن السامع معنى القهر والغلبة وسعة المقدرة وعزة السلطان ، وذلك مما يجعل القلب فى هيبة وخشية ، فناسب أن يورد عقب ذلك ما يدل على أنه مع هذه العظمة والسلطان ، مصدر الإحسان ومولى النعم، فقال (الرحمن الرحيم )، وهذه طريقة القرآن فى الترويح على (١) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد بن عاشور جـ ٢ ص ٧٠ ٤٣٠ الجزء الأول القلوب بالتبشير بعد ما يثير الخشية ، حتى لا يعتريها اليأس أو القنوط .. وبعد أن أخبر - سبحانه - بأنه هو الإله الذى لا يستحق العبادة أحد. سواء، عقب ذلك بإيراد ثمانية أدلة تشهد بوحدانيته وقدرته، وتشتمل. على آيات ساطعات ، وبينات واضحات ، تهدى أصحاب العقول السليمة إلى عبادة الله وحده، وإلى بطلان ما يفعله كثير من الناس من عبادة مخلوقاته. ويشتمل الدليل الأول والثانى على أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة فى قوله - تعالى - ((إن فى خلق السموات والأرض)). الخلق : هو الإحداث للشىء على غير مثال سابق . وهو هنا بمعنى المخلوق. إذالآيات التى تشاهد إنماهى فى المخلوق الذى هو السموات والأرض. والسموات : جمع سماء، وهی کل ماعلا کالسقف وغیرہ ، إلا أنها. إذا أطلقت لم يفهم منها سوى الأجرام المقابلة الأرض، وهیسبعکما ورد. ذلك صريحاً فى بعض الآيات التى منها قوله - تعالى - «اله الذى خلق .. سبع سموات )) . وجمعت السموات لأنها طبقات ممتازة كل واحدة من الأخرى بذاتها. الشخصية ، كما يدل عليه قوله - تعالى - ((فسواهن سبع سموات)) ولأن إفرادها قد يوهم بأنها واحدة مع أن القرآن صريح فى كونها سبعاً . وجاءت الأرض مفردة - وهى لم تجى. فى القرآن إلا كذلك . لأن المشاهدة لا تقع إلا على أرض واحدة ، ومن هنا حمل بعض أهل العلم تعددها الذى يتبادر من ظاهر قوله - تعالى - ((الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن، على معنى أنها طبقات لا ينفصل بعضها عن بعض. ومن الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته فى خلق السموات ارتفاعها. بغير عمد كما يرى ذلك بالمشاهدة، وتزيينها بالمصابيح التى جعلها الله. رجوماً للشياطين ، ووجودها بتلك الصورة العجيبة الباهرة التى لا ترى فيها. أى تفاوت أو اضطراب ومن الآيات الدالة على وجودالله ووحدانيته وقدر ته. ٠٤٣١ سورة البقرة فى خلق الأرض، فرشها بتلك الطريقة الرائعة التى يتيسر معها للإنسان أن. يتقلب فى أرجائها، ويمشى فى مناكبها، وينتفع بما يحتاج إليه منها أبنها كان، وتفجير ها بالأنهار، وعمارتها بحدائق ذات ثمار تختلف ألوانها ويتفاضل أكلها وفى القرآن الكريم عشرات الآيات التى تتحدث عن نعم الله على عباده فى خلق السموات والأرض، وعن مظاهر قدرته ووحدانيته فى إيجادهما: على تلك الصورة، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((يأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذى جعل لكم الأرض فراشاً والسياء بناء، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم)). وقوله - تعالى - ((والأرض مددناها وألقينا فيها رواسى، وأنبتنا فيها من كل زوج بهتج. قبصرة وذكرى لكل عبد منيب)). وقوله - تعالى -«الله الذى رفع السموات بغير عمد قرونها ثم .. استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى». يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم ةوفنون)) . وقوله - تعالى - : «ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً، .. وجعل القمر فيهن فوراً وجعل الشمس سراجاً. والله أنبتكم من الأرض. قباناً . ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا. والله جعل لكم الأرض بساطا. لتسلكوا منها سبلا فجاجاء. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الدالة على وجودالله وقدرته ووحدانيته .. ويتمثل الدليل الثالث على قدرته - سبحانه - ووحدانيته فى قوله تعالى. ((واختلاف الليل والنهار))، والاختلاف: افتعال من الخلف، وهو أن يجىء شىء عوضاً عن شىء آخر يخلفه على وجه التعاقب. والمراد أن كلا من. الليل والنهار بأتى من الآخر وفى أعقابه، ويجوز أن يكون المرادباختلافها ، فى أنفسهما بالطول والقصر، واختلافهما فى جنسهما بالسواد والبياض. والليل: هو الظلام المعاقب للنهار، واجدته ليلة كتمر وتمرة . والنهار : هو الضياء المتسع، وأصله الإتساع، ومنه قول الشاعر :- 1 ٤٣٢ الجزء الأول ملكت بها كفى فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها أى : أوسعت فتقها . وقد جعل الله الليل للسكون والراحة والعبادة لمن وقفه الله لقضاء جانب منه فى مناجاته - سبحانه - ، وجعل النهار للعمل وإبتغاء الرزق. قال - تعالى - ((وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا)). وقد أضيف الاختلاف لكل من الليل والنهار، لأن كل واحد منهما يخلف الآخر فتحصل منه فوائد سوى فوائد الآخر، بحيث لودام أحدهما لا نقلب النفع ضراً . قال - تعالى -: قل أر أيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة، من إله غير الله بأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة ، من إله غير الله بأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون . ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ). ومن العظات التى تؤخذ من هذا الاختلاف أن مدد الليل والنهار تختلف فلكل منهما مدة يستوفيها من السنة بمقتضى نظام دقيق مطرد ، قال - تعالى - ((لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل فى فلك يسبحون)). وكون الليل والنهار يسيران على هذا النظام الدقيق المطرد الذى لا ينخرم ((دليل على أن هذا الاختلاف تدبير من إله قادر حكيم لا يدخل أفعاله تفاوت ولا اختلال . وإذا كان لهذا الإطراد أسباباً تحدث عنها العلماء ، فإن الذى خلق الأسباب وجعل بينها وبين هذا الاختلاف تلازماً إنما هو الإله الواحد القهار. أما المظهر الرابع من المظاهر الدالة فى هذا الكون على قدرته - سبحانه- ووحدانيته وألوهيته، فقد تحدثت عنه الآية فى قوله - تعالى - «والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس)). ٤٣٣ سورة البقرة الفلك : ما عظم من السفن ، ويستعمل لفظ الفلك للواحد والجمع . والظاهر أن المراد به هنا الجمع بدليل قوله - تعالى - ((التى تجرى فى البحر)) ولو كان هذا اللفظ المفرد لقال: الذى يجرى، كما جاء فى قوله - تعالى - ((وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون)، والجملة الكريمة معطوفة على خلق السموات والأرض . قال صاحب المنار : وكان الظاهر أن تأتى هذه الجملة فى آخر الآية ليكون - ما للإنسان فيه صنع على حدة وما ليس له فيه صنع على حدة، والنكتة فى ذكرها عقيب آية الليل والنهار، هى أن المسافرين فى البر والبحر ثم أشد الناس حاجة إلى تحديد اختلاف الليل والنهار ومراقبته على الوجه الذى ينتفع به، والمسافرون فى البحر أحوج إلى معرفة الأوقات وتحديد الجهات، لأن خطر الجهل عليهم أشد ، وفائدة المعرفة لهم أعظم ، ولذلك كان من ضروريات ربانى السفن معرفة علم النجوم، وعلم الليل والنهار من فروع هذا العلم. قال . - تعالى - ((وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر)) فهذا وجه بين ذكر الفلك وما قبله )، (١). و ((ما)، فى قوله ((بما ينفع الناس) مصدرية، والباء للسببية أى: تجرى بسبب نفع الناس ولأجله فى التجارة وغيرها. أو موصولة والباء للحال، أى تجرى مصحوبة بالأعيان التى تنفع الناس . وخص - سبحانه - النفع بالذكر وإن كانت السفن تحمل ما ينفع وما يضر؛ لأن المراد هنا عد النعم، ولأن الذى يحمل فيها ما يضر غيره هو فى الوقت نفسه يقصد منفعة نفسه. ومن وجوه الاستدلال بالفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس على -وجود الله وقدرته، أن هذه الفلك وإن كانت من صنع الناس إلا أن الله ..- تعالى - هو الذى خلق الآلات والأجزاء التى صارت بها سفناً، وهو الذى (١) تفسير المنار ج ٢ ص ٠٥٩ (م - ٢٨ البقرة) ٤٣٤ الجزء الأول سخر البحر لتجرى فيه مقبلة ومديرة مع شدة أهو اله إذا ماج، وهو الذى .. جعلها تشق أمواجه شقاً حتى تصل إلى بر الأمان، وهو الذى رعاها برعايته .. وهى كنقطة صغيرة فى ذلك الماء الواسع، ووسط تلك الأمواج الملاطمة. حتى وصلت إلى ساحل السلامة وهى حاملة للكثير مما ينفع الناس من الأطعمة والأشربة والأمتعة المختلفة ، فسبحانه من إله قادر حكيم. الدليل الخامس والسادس على أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة يتمثل. فى قوله - تعالى - فى هذه الآية ((وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به. الأرض بعد موتها ، وبث فيها من كل دابة » . والمراد بالسماء: جهة العلو، أى: وما أنزل من جهة السماء من ماء، و((من، فى قوله «من السماء، ابتدائية، وفى قوله ((من ماء، بيانية، وهما ومجرورهما متعلقان بأنزل . والمراد بإحياء الأرض: تحرك القوى النامية فيها، وإظهار ما أودع الله فيها من نبات وزهور وثمار وغير ذلك . والمراد بموتها : خلوها من ذلك باستيلاء اليبوسة والقحط عليها . قال - تعالى - «وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت. وأنبتت من كل زوج بهيج ». والبث: التفريق والنشر لما كان خافيا ، ومنه بث الشكوى أى: نشرها: وإظهارها، وكل شىء بثثته فقد فرقته ونشرته، والضمير فى قوله (( فيها، يعود إلى الأرض . والدابة: اسم من الدبيب والمشى ببطء ، كل ما يمشى فوق الأرض فهو بحسب الوضع اللغوى يطلق عليه دابة. والظاهر أن المراد بالدابة هنا هذا .. المعنى العام، لا ما يجرى به العرف الخاص باستعماله فى نوع خاص من. الحيوان كذوات الأربع . وجملة ((وما أنزل الله من السماء من ماء ... )) معطوفة على ما قبلها ... وجملة ((وبث فيها من كل دابة)، معطوفة على قوله ((فأحيابه الأرض بعدموتها)). ٤٣٥ سورة البقرة والمعنى : وإن فيما أنزله الله من جهة السماء من ماء مبارك، معمرت به الأرض بعد خرابها، وانتشرت فيها أنواع الدواب كاها، لد الى ساطع على قدرة الله ووحدانيته . ذلك لأنه هو وحده الذى أنزل المطر من السماء ولو شاء لأمسكه مع أن الماء من طبعه الانحدار ، وهو وحده الذى جعل الأرض التى نعيش عليها تنبت من كل زوج بهيج بسبب ما أنزل عليها من ماء، وهو وحده الذى نشر على هذه الأرض أنواعاً من الدواب مختلفة فى طبيعتها وأحجامها، وأشكالها وألوانها، وأصواتها، ومآ كلها ، وحملها، وتناسلها ، ووجوه الانتفاع بها، وغير ذلك من وجوه الاختلاف الكثيرة ، مما يشهد بأن خالق هذه الكائنات إله واحد قادر حكيم . أما الدليل السابع والثامن فى هذه الآبة على قدرته - سبحانه - ووحدانيته واستحقاقه للعبادة فهما قوله - تعالى - «وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض». الرباح جمع ريح وهى نسيم الهواء . وتصريفها: تقليبها فى الجهات المختلفة ، ونقلها من حال إلى حال ، وتوجيهها على حسب إرادته - سبحانه - ووفق حكمته. فتهب قارة صباً، أى. من مطلع الشمس ، وقارة دبوراً ، أى: من جهة الجنوب،وأحياناً تهب من جهة الشمال: أو الجنوب وقد يرسلها- سبحانه - عاصفة ولينة، حارة أو باردة. لوافح بالرحمة حيناً وبالعذاب آخر. و((تصريف، مصدر صرف مضاف. المفعول والفاعل هو الله، أى: وتصريف الله الرياح. أو مضاف للفاعل والمفعول السحاب ، أى : وتصريف الرياح السحاب . وجاءت هذه الجملة الكريمة بعد إحياء الأرض بالمطر وبث الدواب فيها. للتناسب بينهما، وتذكيراً بالسبب إذ بالرياح تكون حياة النبات والحيوان وكل دابة على الأرض، ولو أمسك - سبحانه - الرياح عن التصريف لما عاش كائن على ظهر الأرض . ٤٣٦ الجزء الأول والسحاب: عطف على ما قبله ، وهو اسم جنس واحده سحابه ، سمى بذلك لا نسحابه فى الجو أو لجر الرياح له . والمسخر : من التسخير وهو التذليل والتيسير ، ومعنى تسخيره - كما قال الألوسى - أنه لا ينزل ولا يزول مع أن الطبع يقتضى صعوده إن كان لطيفاً وهبوطه إن كان كثيفا - وهو صفة للسحاب باعتبار لفظه، وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كما فى قوله: (( سحاباً ثقالا)). والظرف (« بين، يجوز أن يكون منصوباً بقوله المسخر فيكون ظرفاً التسخير ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستتر فى اسم المفعول فيتعلق بمحذوف أى : كائناً بين السماء والأرض. وجاء ذكر السحاب بعد تصريف الرياح لأنها هى التى تثيره وتجمعه ، وهى التى تسوقه إلى حيث ينزل مطراً فى الأماكن التى يريد الله إحياءها. قال - تعالى - ((الله الذى يرسل الرياح فتشير سحاباً فيبسطه فى السماءكيف يشاء ويجعله كفاً فترى الودق يخرج من خلاله )). ولاشك أن هذا التصريف للرياح مع أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى، وهى مع ذلك فى غاية القوة بحيث تقلع الأشجار وتخرب الديار، وهذا التسخير للسحاب بحيث يبقى معلقاً بين السماء والأرض مع حمله للمياه العظيمة التى تسيل بها الأودية المتسعة ... لا شك أن كل ذلك من أعظم الأدلة على أن لهذا الكون مديراً قادراً حكيماً هو الله رب العالمين. وقوله ((لآ بات لقوم يعقلون، اسم ((إن)) لقوله - تعالى - فى أول الآية: ((إن فى خلق السموات والأرض، ودخلت اللام على الاسم وهو ((لآبات)) لتأخره عن الخبر والتنكير للتعظيم والتفخيم كما وكيفاً. أى : إن فما ذكره الله من مخلوقاته العجيبة، وكائناته الباهرة ، لدلائل ساطعة، وآيات واضحة ترشد من يعقلون ويتدبرون فيها، إلى أن لهذا الكون إلهاً واحداً قادراً حكيماً مستحقاً للعبادة والخضوع والطاعة. ٤٣٧. سورة البقرة وموقع هذه الآية الكريمة من سابقتها كموقع الحجة من الدعوى ، ذلك ن الله - تعالى - أخبر فى الآية السابقة أن الإله واحد لا إله غيرهوهى قضية د.تلقاها كثير من الناس بالإنكار، فناسب أن يأتى هذه الآية الكريمة بالحجج البراهين التى لا يسع الناظر فيها بندبر وتفكير إلا التسليم عن اقتناع وحدانية الله - تعالى - وقدرته . قال الإمام الرازى : وأعلم أن النعم على قسمين : نعم دنيوية ونعم دينية هذه الأمور الثمانية، التى عدها الله - تعالى - نعم دنيوية فى الظاهر، فإذا فكر العاقل فيها، واستدل بها على معرفة الصافع ، صارت نعما دينية ، لكن لانتفاع بها من حيث إنها فعم دنيوية لا يكل إلا عند سلامة الحواس وصحة المزاج فكذا الانتفاع بها من حيث إنها نعم دينيه لا يكمل إلا عند سلامة العقول وانفتاح بصر الباطن، فلذلك قال ((لآيات القوم يعقلون)) (١). وقال الآلوسى: أخرج ابن أبى الدنيا وابن مردويه عن عائشة -رضى الله عنها - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ هذه الآية قال: «ويل لمن قرأما ولم يتفكر فيها». ثم قال الألوسى: ومن تأمل فى تلك المخلوقات التى وردت فى هذه الآية وجد كلا منها مشتملا على وجوه كثيرة من الدلالة على وجوده - تعالى- ووحدانيته وسائر صفاته الموجبة لتخصيص العبادة له ، ومجمل القول فى ذلك أن كل واحد من هذه الأمور المعدودة قد وجد على وجه خاصمنالوجوه الممكنة دون ما عداه، مستتبعا لآثار معينه، وأحكام مخصوصة ... وفى الآبة إثبات الاستدلال بالحجج العقلية، وتنبيه على شرف علم الكلام وفضل أهله، وربما أشارت إلى شرف علم الهيئة)، (٢) : والحق أن هذه الآية الكريمة قد اتجهت فى تثبيت عقيدة وحدانية الله (١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٠١٢٩ (٢) تفسير الآلوسى ج ٢ ص ٠٣٣ ٤٣٨ الجزء الأول وقدرته وألوهيته إلى تنبيه الحواس والمدارك والمشاعر إلى ما ..- رب المشاهد المنظور من آيات ودلائل على حقية الخالق - عز وجل - بالعبادة. وهذه الطريقة من تنبيه الحواس والمدارك جديرة بأن تفتح الأبصار والبصائر على عجائب هذا الكون، تلك العجائب التى أصبحت عند كثير من الناس شيئاً مألوفاً بسبب عدم تدبرهم لما فيها من عظات وعبر وصدق الله . إذ يقول ((وكأين من آية فى السموات والأرض يمرون عليها وم عنها معرضون » . ورحم الله القائل: ألا إن لله كتا بين: كتاباً مخلوقاً وهو الكون، و كتاباً مغزلا وهو القرآن. وإنما يرشد ناهذا إلى طريق العلم بذاك بما أوتينا من العقل. فمن أطاع فهو من الفائزين ، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون . وبعد أن ذكر - سبحانه - جانباً من الآيات الدالة على ألوهيته ووحدانيته أردف ذلك ببيان حال المشركين ، وما يكون منهم يوم القيامة من قدابر وتقاطع وتحسر على ما فرط منهم فقال - تعالى -: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِأَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ آللهِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّ لِلَهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَهُوَاْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ أَلْقُوَّةَلِلِّ ◌َجِعًا وَأَنَّ اللَّ شَدِيدُ الْعَذَابِ (3) إِذْ تَبَّأَ الَّذِينَ أَنْبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتْبَعُواْ وَرَأَوُا ◌ٌلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ١٦٦ وَقَالَ الَّذِينَ انَبَعُوْ لَوْ أَنَّ لَنَ كَّةً فَتَبَّأَ مِنْهُمْ كَ تَبَُّ واْمِنَّا كَذَلِكَ قلے يُِمُ الَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَّتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَهُم بِخِجِينَ مِنَ النَّارِ ◌ّ ٤٣٩ سورة البقرة الآغداد: جمع ند ، وهو مثلُ الشىء الذى يضاده وينافره ويقباعد عنه. وأصله من ند البعير يند قداً ونداداً وندوداً، أى : ففر وذهب على وجهه شارداً. ويرى بعض العلماء أن المراد بالأنداد هنا الأصنام التى اتخذها المشر كون آلهة للتقرب بها إلى الله، وقيل: المراد بها الرؤساء الذين كانوا يطبعونهم فيها يحلونه لهم ويحرمونه عليهم . والأولى إن يكون المراد بهذه الأنداد كل مخلوق أسند إليه أمر اختص به الله - تعالى - من نحو التحليل، والتحريم وإيصال النفع وغير ذلك من الأمور التى انفرد بها الخالق - عز وجل - . والمعنى: أن من الناس من لا يعقل تلك الآيات التى دلت على وحدانية اله , وقدرته، وبلغيت بهم الجهالة أنهم يخضعون لبعض المخلوقات خضوعهم الله بزعم أنها مشابهة ومائلة ومناظرة له - سبحانه - فى النفع والضر، ويحبون تعظيم تلك المخلوقات وطاعتها والتقرب إليها والإنقياد لها حبا يشابه الحب اللازم عليهم نحو الله - تعالى -، أو يشابه حب المؤمنين لله، . و((من، فى قوله ((ومن الناس) للتبعيض، والجار والمجرور خبر مقدم و ((من )) فى قوله (( من يتخذ، فى محل رفع خبر مبتدأ مؤخر، و«من دون الله، حال من ضمير يتخذ وم أنداداً، مفعول به ليتخذ. قال الجمل: وجملة («يحبونهم كحب الله، فيها ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون فى محل رفع صفة لمن فى أحد وجهيها ، والضمير المرفوع بعود عليها باعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ فى يتخذ . والثانى : أن تكون فى محل نصب صفة لأنداداً والضمير المنصوب يعود عليهم والمراد بهم الأصنام، وإنما جمعوا جمع العقلاء لمعاملتهم معاملة العقلاء. أو أن يكون المراد بهم - من عبد من دون الله عقلاء وغيرهم ثم غلب العقلاء على غيرهم . الثالث: ·أن تكون فى محل نصب على الحال من الضمير فى يتخذ، والضمير المرفوع ٤٤٠ الجزء الاول عائد على ما عاد عليه الضمير فى يتخذ وجمع حملا على المعنى)،(١٠ ثم مدح - سبحانه - عباده المؤمنين فقال: ((والذين آمنوا أشد حباًته)). أى: والذين آمنوا وأخلصوا له العبادة أشد حباً له - سبحانه - منكل ما سواه ، ومن حب المشركين الأنداد، ذلك لأن حب المؤمنين لله متولدعن .. أدلة يقينيه، وعن علم تام، يبديع حكمته - سبحانه - وبالغ حجته ، وسعة. رحمته ، وعدالة أحكامه ، وعزة سلطانه ، وتفرده بالكمال المطلق، والحب ، المتولد عن هذا الطريق يكون أشد من حب المشركين لمعبوداتهم لان حب. المشركين لمعبوداتهم منولد عن طريق الظنون والأوهام والتقاليد الباطلة . والتصریح بالأشدیة فی قوله « أشد حباله ، أبلغ من أن يقال أحببته ؟ إذ ليس المراد الزيادة فى أصل الفعل - كما يقول الآلومى - بل المراد الرسوخ. والثبات . وقيل : عدل عن أحب إلى أشد حباً، لأنه شاع فى الأشد محبوبية فعدل عنه احترازا عن اللبس . ولقد ضرب المؤمنون الصادقون أروع الأمثال فی حبهم لقه-تعالى-لأ نهم. ضحوا فى سبيله بأرواحهم وأموالهم وأبنائهم وأغلى شىء لديهم، ولأنهم لم يعرفوا عملا يرضيه إلا فعلوه، ولم يعرفوا عملا يغضبه إلا اجتنبوه. ثم أخبر - سبحانه - عما ينتظر الظالمين من سوء المصير فقال: ((ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب)). (((لو)) شرطية، وجوابها محذوف لقصد التهويل ولتذهب النفس فى تصويره كل مذهب. «والقوة، القدرة والسلطان . والمعنى : ولو يرى أولئك المشركون حين يشاهدون العذاب المعدلهم. يوم القيامة أن القدرة كلها لله وحده، وأن هذابه الذى يصيب به المتخبطين. فى ظلمات الشرك شديد، لو يعلموا ذلك، لرأوا ما لا يوصف من الهول .. والفظاعة، ولوقعوا فيما لا يكاد يوصف من الحسرة والندامة . (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٠١٣٢