Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة البقرة
بها أمر المعاد والمعاش أقوى دليل على نبوقه)) (١):
وعبر بيتلو، لأن نزول القرآن مستمر، وقراءة النبى (صلى الله عليه
وسلم ) له متوالية ، وفى كل قراءة يحصل علم المعجزات السامعين.
ويجوز أن يراد بالآيات : دلائل التوحيد والنبوة والبعث، وبتلاوتها
.التفكير بها حتى يزداد المؤمنون إيماناً بصدقها.
وقوله (( ويزكيكم، صفة ثالثة للرسول (صلى الله عليه وسلم)، أى :
.ويطهر كم من الشرك، ومن الأخلاق الذميمة . وإذا أشرقت النفوس
جنور الحق، وتحلت بالأخلاق الحميدة، فوبت على تلقى مايرد عليها من
الحقائق السامية .
وقوله («ويعلمكم الكتاب والحكمة، صفة رابعة الرسول( صلى الله
عليه وسلم) .
والمراد بالكتاب: القرآن ، وتعليمه بيان ما يخفى من معافيه ، فهو غير
.التلاوة، فلا تكرار بين قوله ((يتلو عليكم آياتنا)، وبين قوله ,وبعلمكم
الكتاب » .
والحكمة : ما يصدر عنه ( صلى الله عليه وسلم ) من الأقوال
والأفعال التى جعل الله للناس فيها أسوة حسنة.
قال بعضهم: وقدمت جملة ((ويز كيكم ، هنا على جملة ، ويعلمكم
الكتاب والحكمة، عكس ما جاء فى الآية السابقة فى حكاية قول إبراهيم
«ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلى عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب- الحكمة.
ويزكيهم .... لأن المقام هنا الامتنان على المسلمين، فقدممايفيدممن المنفعة
الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم وهى منفعة تزكية نفوسهم اهتماماً بها،
. وبعثاً لها بالحرص على تحصيل رسائلها وتعجبلا البشارة بها . أما فى
(١) تفسير الآلوسى جـ ١ ص ١٨ ط منبر الدمشق.
(م - ٢٦ البقرة)

٤٠٢
الجزء الأول
دعوة إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته فى
الخارج، مع ما فى ذلك التخالف من التفنن)، (١) .
وقوله - تعالى - ,وبعلمكم مالم تكونوا تعلمون، صفة خامسة له
( صلى اله عليه وسلم) .
أى: «ويعلمكم ما لم تكونواتعلمونه ممالا طريق إلى معرفته سوى الوحى.
ومما لم يكونوا يعلمونه وعلمهم إياه (صلى الله عليه وسلم) وجوه استنباط
الأحكام من النصوص أو الأصول المستمدة منها، وأخبار الأمم الماضية،
وقصص الأنبياء، وغير ذلك مما لم تستقل بعلمه عقولهم ، وبرهذا النوع
من التعليم صار الدين كاملا قبل انتهاء عهد النبوة .
ولقد كان العرب قبل الإسلام فى حالة شديدة من ظلام العقول وفساد
للعقائد ... فلما أكرمهم الله - تعالى - برسالة رسوله (صلى الله عليه
وسلم) وقلا عليهم الآيات ، وعلمهم مالم يكونوا يعلمون ، خرج منهم
رجال صاروا أمثالا عالية فى العقيدة السليمة، والأخلاق القويمة والأحكام
العادلة، والسياسة الرشيدة لمختلف البيئات والنزعات.
قال الألوسى: وكان الظاهر أن يقول: «ويعلمكم الكتاب والحكمة.
ومالم تكونوا تعلمون، بحذف الفعل ((يعلمكم)) من الجملة الأخيرة،
ليكون الكلام من عطف المفرد على المفرد، إلا أنه - تعالى - كرر الفعل.
للدلالة على أنه جفس آخر غير مشارك لما قبله أصلا، فهو تخصيص بعد.
التعميم مبين المكون إرساله ( صلى الله عليه وسلم ) نعمة عظيمة، ولولاه.
لكان الخلق متحيرين فى أمن دينهم لا يدرون ماذا يصنعون، (٢) .
ثم أمر الله عباده بأن يكثروا من ذكره وشكره على ما أسبغ عليهم
من نعم فقال: ((فاذكروني أذكركم .. ».
(١) تفسير التحرير والتنوير ج٢ ص ٤٥ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
(٢) تفسير الآلوسى ج ٢ ص ١٩

٤٠٣
سورة البقرة
ذكر الشىء: التلفظ باسمه ، ويطلق بمعنى استحضاره فى الذهن ،
وهو ضد النسيان. وذكر العباد لمخالقهم قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب
وقد يكون بالجوارح. فذكرهم إياه بألسنتهم معناه : أن يحمدوه ويسبحوه
وبمجدوه، وبقرؤا كتابه، مع استحضارهم لعظمته وجلاله .
وذكرهم إياه بقلوبهم معناه أن يتفكروافى الدلائل الدالة على ذاته وصفاته
وفى تكاليفه وأحكامه، وأوامره ونواهيه، وأسرار مخلوقاته ، لأن هذا
التفكر يقوى إيمانهم، ويصفى نفرسهم.
وذكر هم إياه بجوارحهم معناه: أن تكون جوارحهم وحوأسهم مستغرقة
فى الأعما التى أمروا بها، منصرفة عن الأفعال التى نهوا عنها، ولكون
الصلاة مشتملة على هذه الثلاثة سماها الله - تعالى - ذكراً فى قوله: « یأيها
الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فلسعوا إلى ذكر الله وذروا
البيع .،.)).
وقوله: (( فاذكرونى أذكركم، أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة
فلذلك جزم .
والمعنى: أذكرونى بالطاعة والاستجابة لما أمرتكم به والبعد عمانهيتكم عنه
أذكركم بالرعاية، والنصرة، وصلاح الأحوال فى الدنيا، وبالرحمة وجزيل
الثواب فى الآخرة. فالذكر فى قوله (( أذكركم)) مستعمل فيما يقرب على
الذكر من المجازاة بما هو أو فى وأبقى، كما أن قوله ((فاذ كرونى، المرادبه:
أذكروا عظمتى وجلالى وفعمى عليكم ، لأن هذا التذكر هو الذى يبعث
على استفراغ الوسع فى الأقوال والأعمال التى ترضى الله.
قال صاحب المنار: وقال الأستاذ الإمام: هذه الكلمة - وهى قوله
- تعالى - ,فاذكروني أذكركم)) - من الله - تعالى - كبيرة جداً، كأنه
يقول: إننى أعاملكم بما تعاملوننى به وهو الرب ونحن العبيد، وهو الغنى
عنا ونحن الفقراء إليه. وهذه أفضل تربية من الله لعباده: إذا ذكروه ذكرهم
!

٤٠٤
الجزء الأول
بإدامة النعمة والفضل ، وإذا نسوه فسيهم وعاقبهم بمقتضى العدل (١))).
/ هذا، وقد وردت أحاديث متعددة فى فضل الذكر والذاكرين، ومن ذلك
ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يقول الله - تعالى -: أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه حين يذكرنى.
فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى. وإن ذكرني في ملأ ذكرته فى ملأ
خير منهم . وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعاً. وإن تقرب إلى ذراعاً
تقربت إلى باعا . وإن أتلى يمشي أتيته هرولة)).
وروى مسلم عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة: أنهما شهدا على النبى
- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله - تعالى - إلا
حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله
فيمن عنده ».
قال الإمام النووى: واعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة فى التسبيح
والتهليل والتحميد والتكبير ونحو ذلك، بل كل عامل لله - تعالى - بطاعة
في ذاكرته - تعالى -.
وقوله - تعالى - ((واشكروا لى ولا تكفرون)، معطوف على ما قبله.
والشكر فى اللغة - كما يقول القرطبى - الظهور، ومنه قولهم: دابة
شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف .
وحقيقته: عرفان الإحسان وإظهاره بالثناء على المحسن ، يقال شكره
وشكر له كما يقال نصحه ونصح له .
وأصل الكفر فى كلام العرب الستر والتغطية والجحود ، ويستعمل
بمعنى عدم الإيمان فيتعدى بالباء فيقال: كفر بالله، ويستعمل بمعنى عدم
الشكر - وهو المراد هنا - فيتعدى بنفسه، فيقال: كفر النعمة أى جحدها،
وكفر المنعم أى جحد نعمته ولم يقابلها بالشكر .
(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٠٣٢

٤٠٥
سورة البقرة
والمعنى : اشكروالى ما أنعمت به عليكم من ضروب النعم، بأن
تستعملوا النعم فيما خلقت له، وبأن تطيعونى فى السر والعلن، وحذار من
أن تجحدوا إحسانى إليكم، ونعمى عليكم فأسلبكم إياها .
قال - تعالى - «لئن شكرتم لأ زيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي
شديد (١)».
وقدم - سبحانه - الأمر بالذكر على الأمر بالشكر، لأن فى الذكر
اشتغالا بذاته - تعالى - ، وفى الشكر اشتغالا بنعمته ، والاشتغال بذاته
أولى بالتقديم من الاشتغال بنعمته. وقوله (ولا تكفرون) تأكيد لقوله
((واشكروالى ».
وهذا تحذير لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقع فيه بعض الأمم السابقة التى
, كفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)).
وبعد أن أمر - سبحانه - عباده بذكره وشكره، وجه نداء إليهم بينلهم
فيه ما يعينهم على ذلك ، كما بين لهم منزلة الشهداء، وعاقبة الصابرين على
البلاء فقال - تعالى - :
(١) سورة إبراهيم الآية ٦.
١.٠٠

٤٠٦
الجزء الأول
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ
بِالصَّرِ وَالصَّلِةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّبِينَ ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِّمِنْ يُقْتَلُ
فِي سَبِيلِ اللَّهِأَمْوَتُّ بَلْ أَحْيَاءُ وَلَنْكِنْ لََّشْعُرُونَ (3) وَلَنَبْلُونَكُمْ
◌ِشَىْءٍمِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَفْصِ مِنَ الْأَمْوَِّ وَالأَنْفُسِ
وَالْثَمَرَّتِ وَبَشْرِ الصَّنِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُواً
إِنَّالِلّهِ وَ إِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ (ثْهِ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّيِهِمْ
1
١٥٧
وَرَحْمَّةُ وَأَوْلَئِكَ مُ الْمُهْتَدُونَ
الصبر: حبس النفس على احتمال المكاره ، وتوطينها على تحمل المشاق
وتجنب الجزع .
والمعنى: يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، استعينوا
على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى فعل الطاعات وترك المعاصى، وعلى أحتمال
المكاره التى تجرى بها الأقدار ، استعينوا على كل ذلك بالصبر الجميل،
وبالصلاة المصحوبة بالخشوع والإخلاص والتذلل الخالق - عز وجل -
فإن الإيمان الذى خالط قلوبكم يستدعى منكم القيام بالمصاعب، واحتمال
المكاره ، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، وأن تستطيعوا أن تتغلبوا على
كل ذلك إلا بالصبر والصلاة .
ولقد استجاب النبى - عليه - لهذا التوجيه الربانى ، وتأمى به
أصحابه فى ذلك ، فقد أخرج الإمام أحمد - بنده - عن حذيفة بن

٤٠٧
سورة البقرة
اليمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حزبه أمر صلى)، (١)
أى : إذا شق عليه أمر لجأ إلى الصلاة لله رب العالمين.
وأفتحت الآية الكريمة بالنداء، لأن فيه إشعاراً بخبر مهم عظيم ، فإن
من شأن الأخبار العظيمة التى تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهىء النفس
لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفجأها .
ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم ، أن الله - تعالى-
قد أمر بنى إسرائيل فى السورة نفسها بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال:
((واستعينوا بالصبر والصلاة، إلا أنه - سبحانه - قال لهم: «وإنها الكبيرة
: إلا على الخاشعين، ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال، ولم يقل
. - سبحانه - للمؤمنين ذلك فى الآية التى معنا، للإبماء إلى أنهم قد يسرلهم
. ما يصعب على غيرهم، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك .
وقوله - تعالى - ((إن الله مع الصابرين)) بيان لحكمة الاستعانة بالصبر
.. وهو الفوز والنصر. أى: إن الله مع الصابرين بممونته وفصره، وتوفيقه وتسديده
فهى معية خاصة ، وإلا فهو - سبحانه - مع جميع خلقه بعلمه وقدرته .
وقال - سبحانه - (( إن الله مع الصابرين)، ولم يقل (( مع المصلين، لأن
الصلاة المستوفية لأركانها ومنها وخشوعها لا تتم إلا بالصبر، فالمصلون.
بحق داخلون فى قوله - تعالى - ((إن الله مع الصابرين)).
ولم يقل ((معكم) ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا ضار الصبر وصفا.
لا زمالهم .
قال الأستاذ الإمام: إن من سنة الله : - تعالى - أن الأعمال العظيمة
لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصعد،
فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، لأنه - سبحانه - جعل هذا الصبر سبباً
الظفر، إذ هو يولد الثبات والاستمرار الذى هو شرط النجاح، ومن لم يصبر
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٩٦.

٤٠٨
الجزء الأول
فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته: (١).
ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتاً فقال:
((ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات. بل أحياء ولكن لا تشعرون)).
قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: نزلت هذه الآية فى قتلى غزوة بدر،
قتل من المسلمين فيها أربعة عشر رجلا: ست من المهاجرين وثمانية من الأنصار.
وكان الناس يقولون. مات فلان ومات فلان. فنهى الله - تعالى - أن يقال.
فيهم : إنهم ماتوا .
وقيل إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمرضاة.
محمد من غير فائدة ، فنزلت هذه الآية (٢).
والسبيل: الطريق وسبيل الله: طريق مرضاته ، وإنما قيل للجهاد
سبيل الله، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته. و((أموات)) مرفوع
على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: لا تقولوا هم أموات وكذلك قوله ((أحيا.
خبر لمبتدأ محذوف أى: هم أحياء.
قال الآلوسى: (( والجملة معطوفة على (( لا تقولوا)) اضراب عنه، و ايس.
من عطف المفرد على المفرد ليكون فى حيز القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء
لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا فى شأنهم أنهم أحياء
وإن كان ذلك أيضاً صحيحاً ، (٣).
· أى: لا تقولوا أيها المؤمنون لمن يقتل من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة.
دينه إنهم أموات، بمعنى أنهم تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم.
الذات ، وأضحوا کالجمادات کما یتبادر من معنی المت ، بل هم أحیا- قى.
عالم غير عالمكم كما قال - تعالى -: «ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله
(١) تفسير المنار ج ٢ ص ٠٣٧
(٢) حاشية الجمل الجاين جـ ١ ص ٠١٢٣
(٣) تفسير الآلومى ج ٢ ص ٢٠.

٤٠٩
سورة البقرة
أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون . فرحين بما آتاه الله من فضله،
ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، ألا خوف عليهم ولاهم.
يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين).
وقوله (( ولكن لا تشعرون، أى: لا تحسون ولا تدر كون حالهم
بالمشاعر، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق العلم بها إلا الوحى.
قال الألوسى ما ملخصه: ثم إن نهى المؤمنين عن أن يقولوا فى شأن الشهداء
أموات، إما أن يكون دفعاً لإيهام مساواتهم لغيرهم فى ذلك البرزخ ... وإما أن
يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمبافقون فى شأن أولئك
الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولم يروه أبداً .... ثم قال :
وقد اختلف فى هذه الحياة التى يحياها أولئك الشداء عند ربهم : فذهب
كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنالا ندركها فى هذه النشأة.
واستدلوا بسياق قوله - تعالى - ((عند ربهم يرزقون)) وبأن الحياة الروحانية
التى ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على من
عدام . وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون لاينافى ذلك ..
وذهب البلخى إلى نفى الحياة عنهم وقال : معنى «بل أحياء)، إنهم يحيون يوم
القيامة فيجزنون أحسن الجزاء. فالآية على حد قوله - تعالى - «إن الأبرار
افى نعيم وإن الفجار لفى جحيم)» .. وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية
هم بسيب ما قالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل ، كما روى عن على أنه
قال: «هلك خزان الأموال والعلماء باقون مابقى الدهر ، أعيانهم مفقودة
وآثارهم فى القلوب موجودة)).
ثم قال: ولا يخفى أن هذه الأقوال - ما عدا الأولين - فى غاية.
الضعف، بل فى نهاية البطلان ، والمشهور ترجيح القول الأول) .
والذى نراه أن الآية الكريمة قد نبهتنا إلى أن الشهداء مزية تجعلهم مفضلين
عمن سواهم من كثير من الناس، وهى أنهم فى حياة سارة، ونعيم مقيم عند.
ربهم، وهذه الحياة الممتازة تسمو بهم عن أن يقال فيهم كما يقال فى غيرم.

٤١٠
الجزء الأول
إنهم أموات وإن كان المعنى اللغوى للموت حاصلا لهم، ونحن نؤمن بهذه
الحياة السارة لهم عند ربهم ونعتقد صحتها كما ذكرها الله - تعالى -، إلا
أننا نفوض كيفيتها وكنها إليه- سبحانه-، إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق
الوحی ، كما قال - تعالى - « ولکن لا تشعرون ، أی: لا تشعرون بحياتهم
بعد مفارقتهم لهذه الدنيا، لأنها حياة من نوع معين لا يعلمها إلا علام الغيوب.
وبعد أن طلب - سبحانه - من عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة على
احتمال المكاره، أردف ذلك بذكر بعض المواطن التى لا يمر فيها الإنسان
بسلامة إلا إذا اعتصم بعرى الصبر فقال - تعالى - ,ولنبلونكم بشىء من
الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات).
وقوله ((ولنبلونكم)) من البلو والبلاء وهو الامتحان والاختبار، وهو
جواب القسم محذوف والتقدير: والله لنبلونكم.
وقوله: ولنبلونكم)، عطف على قوله ((واستعينوا، الخ، عطف المضمون
على المضمون، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر، ومضمون الثانية
بيان مواطنه، والمراد: ولتعاملكم معاملة المختبر والمبتلى لأحوالكم:
والتنوين فى قوله «بشىء، للتقليل . أى بقليل من كل واحد من هذهالبلايا
والمحن وهى الخوف وما عطف عليه .
وإنما قلل - كما قال الزمخشرى - ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه
ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم فى كل حال لا تزايلهم،
وأنه -سبحانه - يبتليهم من هذه المصائب بقدر ما يمتاز به الصابرون من غير
الصابرين.
و((الخوف، غم يلحق النفس لتوقع مكروه، ومن أشد ما تضطرب
له النفوس من الخوف، خشيتها أن تقع تحت يد عدو لاهم له إلا إيذاؤها
بماذكره.
و ((الجوع، ضد الشبع، والمراد منه القحط ، وتعذر تحصيل القوت،
.والحاجة الملحة إلى طعام .

٤١١
سورة البقرة
و((الأموال، جمع مال، وهو ما يملك ما له قيمة ، وجرى للعرب
حرف باستعماله فى النعم خاصة - وهى الإبل والبقر والغنم - .
و((الثمرات)»: جمع ثمرة وهى حمل الشجر، وقد تطلق على الشجر
والنبات نفسه .
والمعنى: ولنصيبكم بشىء من الخوف وبشىء من الجوع، وبشىء من
النقص فى الأنفس والأموال والثمرات ، ليظهر هل تصبرون أو لا قصبرون،
ترتب الثواب على الصبر والثبات على الطاعة، وترقب العقاب على الجزع
وعدم التسليم لأمر الله - تعالى - .
ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب تألب أعدائهم عليهم
كما حصل فى غزوة الأحزاب . وحدث لهم جوع أليم بسبب هجرتهم من
أوطانهم، وقلة ذات يدهم حتى لقد كان النبى (صلى الله عليه وسلم) يشد
الحجر على بطنه. وحدث لهم نقص فى أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة
الله ، وحدث لهم نقص فى أنفسهم بسبب قتالهم لأعدائهم . ولكن كل هذه
الآلام لم تزدم إلا إيماناً وتسليماً لقضاء الله وقدره، واستمساكً بتعاليم دينهم
وهذا البلاء وتلك الآلام لابدمنها ليؤدى المؤمنون تكاليف العقيدة، كى
تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا فى سبيلها من تكاليف ، إذ العقائد الرخيصة
التى لا يؤدى أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم تركها عند الصدمة الأولى، وليعلم
من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ما أصابهم مثل هذه الأمور أن ما أصابهم ليس
النقصان من درجاتهم، وحط من مراقبهم ، فقد أصيب بمثل ذلك أو أكثر
من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبى ( صلى الله عليه وسلم) .
قال الإمام الرازى: وأما الحكمة فى تقديم تعريف هذا الابتلاء. أى
الإخبار به قبل وقوعه : ففيها وجوه :
أحدها : ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك
أبعد لهم عن الجزع وأسهل عليهم بعد الورود .
وثانيها : أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن اشتد خوفهم ،

٤١٢
الجزء الأول
فيصير ذلك الخوف تعجيلا الإبتلاء ، فيستحقون به مزيد الثواب .
وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا النبى ( صلى الله عليه وسلم) وأصحابه
مقيمين على دينهم مستقربن عليه، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة.
والجوع -يعدون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم.
ذلك إلى مزيد التأمل فى دلائله . ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا
أن المتبوع فى أعظم المحن بسبب المذهب الذى ينصره ، ثم رأوه مع ذلك.
مصراً على ذلك المذهب : كان ذلك أدعى لهم إلى أتباعه ما إذا رأوه مرفه
الحال! لا كلفة عليه فى ذلك المذهب .
وابعها : أنه - تعالى - أخبر بوقوع ذلك الإبتلاء قبل وقوعه فوجدمخبر
ذلك الخبر على ما أخبر عنه . فكان ذلك إخباراً عن الغيب فكان معجزاً.
وخامسها : أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً منه فى }
المال وسعة الرزق، فإذا اختبره - سبحانه - بنزول هذه المحن، فعند
ذلك يتميز المنافق عن المرافق .
وسادسها: أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله
- تعالى - أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه . فكانت الحكمة فى
هذا الإبتلاء ذلك (١).
ثم بعد أن بين - سبحانه - مواطن تضطرب فيها النفوس أردف
ذلك يذكر عاقبة الصبر، وجزائه الأسنى. فقال: ((وبشر الصابرين الذين.
إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)).
الخطاب فى قوله ((وبشر، للنبى (صلى الله عليه وسلم) أو لكل من تتأتى.
منه البشارة. والجملة عطف على ((لنبلونكم، عطف المضمون على المضمون.
أى: الإبتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر.
و(«المصيبة، اسم فاعل من الإصابة، والمراد بها الآلام الداخلة على.
النفس بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن .
(١) تفسير الرازى ج ٤ ص ١٦٨ طبعة عبدالرحمن محمد .

٤١٣
سورة البقرة
و((راجعون) من الرجوع بمعنى مصير الشىء إلى ما كان عليه، يقال:
رجعت الدار إلى فلان إذا ملكها مرة ثانية ، وهو نظير العود والمصير .
والمعنى: وبشر يا محمد بالرحمة العظيمة والإحسان الجزيل، أولئك
الصابرين الذين من صفاتهم أنهم إذا نزلت بهم مصيبة، فى أنفسهم أو أموالهم
أو أولادهم، أو غير ذلك، قالوا: بألسنتهم وقلوبهم على سبيل التسليم المطلق
لقضاء الله والرضا بقدره «إنالله)) أى: إن لله ملكاوعبودية، والمالك يتصرف
فى ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء، ((وإنا إليه راجعون)، أى:
وإنا إليه صائرون يوم القيامة فيجازينا على ما أمر فابه من الصبر والتسليم لقضائه
عند نزول الشدائد التى ليس فى استطاعتنا دفعها.
فقولهم . إنا لله، إقرار بالعبودية والملكية للهرب العالمين. وقولهم (وإنا
إليه راجعون)) إقرار بصحة البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة
وليست هذه البشارة موجهة إلى الذين يقولون بألسنتهم هذا القول
مع الجزع وعدم الرضا بالقضاء والقدر ، وإنما هذه البشارة موجهة إلى
الذين يتلقون المصائب بالسكينة والتسليم لقضاء الله لأول حلولها ، يشير
إلى هذا قوله - تعالى - الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا، فإنه يدل على
أنهم يقولون ذلك وقت الإصابة ، وبصرح هذا قوله (صلى الله عليه وسلم)
((الصبر عند الصدمة الأولى)).
وهذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى - ((الذن إذا أصابتهم .. الخ))
وصف كريم لأولئك الصابرين، لأنها أفادت أن صبرهم أكمل الصبر،
إذ هو صبر مقترن ببصيرة مستغيرة جعلتهم يقرون عن عقيدة صادقة أنهم
ملك لله يتصرف فيهم كيف يشاء ، ومن ربط نفسه بعقيدة أنه ملك الله وأن
المرجع إليه، يكون بذلك قد هيأما للصير الجميل عند كل مصيبة تفاجئه.
قال القرطى: ((جعل الله هذه الكلمات وهى قوله - تعالى - «إنالله
وإنا اليه راجعون) ملجأ لذوى المصائب، وعصمة الممتحنين، لما جمعت
-من المعانى الميار كة، فإن قوله «إنالله، توحيد واقرار بالعبودية والملك وقوله

٤١٤
الجزء الأول
((وإنا إليه راجعون، إقرار بالذلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين.
أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له . قال سعيد بن جبير: لم تعط هذه الكلمات.
نبياً قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفى على يوسف)) (١).
هذا، ولا يتنافى مع الصبر ما يكون من الحزن عند حصول المصيبة ،
فقد ورد فى الصحيحين أن النبى - صلى الله عليه وسلم- بکی عند موت ابنه
إبراهيم وقال: العين قدمع ، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا
وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)).
وإنما الذى ينافيه ويؤاخذ الإنسان عليه، الجزع المفضى إلى إنكار حكمة الله
فيما نزل به من بأساء أو ضراء ، أو إلى فعل ما حرمه الإسلام من نحو
النياحة وشق الجيوب ، ولطم الخدود .
ثم بين - سبحانه - ما أعده للصابين من أجر جزيل فقال: ((أولئك.
عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون)) .
(( أولئك، اسم اشارة، أنى به - سبحانه - للتنبيه على أن المشار إليه هم.
الموصفون بجميع الصفات السابقة على اسم الإشارة ، وأن الحكم الذى.
ورد بعد مترتب على هذه الأوصاف .
و((الصلوات، جمع صلاة. وصلاة الله على عباده إقباله عليهم. بالثناء
والعطف والمغفرة .
وجمعت مراعاة لكثرة ما يترقب عليها من أنواع الخيرات فى الدنياوالآخرة.
(الرحمة, - كما هو مذهب السلف - صفة قائمة بذائه - تعالى -.
لا نعرف حقيقتها وإنما نعرف أثرها الذى هو الإحسان .
وعطف - سبحانه - الرحمة على الصلوات ليدل على أن بعد ذلك.
الإقبال منه على عباده، إنعاماً واسعاً، وعطاء جزيلا فى الدنيا والآخرة.
(١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ١٧١ طبعة دار الكتب الطبعة الثانية-
سنة ١٣٧٣ هـ.

٤١٥
سورة البقرة
وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر وهو الإفراد ، والمقام فى الآية.
يذهب بذهن السامع إلى كثرة الإنعام المترتب على الصبر الجميل .
والجملة , أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)) استئنافية جواب عن
سؤال تقديره : بماذا بشر اللّه الصابرين؟ فكان الجواب : أولئك عليهم.
صلوات ... ألخ .
والمعنى : أولئك الصابرون المحتسبون الموصوفون بذلك الصفات الكريمة،.
عليهم مغفرة عظيمة من خالقهم ، وإحسان منه - سبحانه - يشملهم فى دنياهم.
وآخرتهم «وأولئك هم المهتدون، لطريق الصواب بالتسليم وقت صدمة
المصيبة دون غيرهم من جزءوا عند صدمتها، حتى صدر عنهم ما لم يأذن
به الله .
هذا، وفى فضل الصبر والصابرين وردت آيات كثيرة، وأحاديث متعددة
أما الآيات فيزيد عددها فى القرآن على سبعين آية منها قوله - تعالى - ( وجعلنا.
منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) وقوله (( وليجزين الذين صبروا إجرهم.
بأحسن ما كانوا يعملون)، وقوله, أولئك يوتون أجرهم مرتين بما صبروا)).
وقوله:((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما الأحاديث فمنها ما جاء فى صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت
رسول الله - ◌َّ الله - يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول :
إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنى فى مصيبتي واخلف لى خيراً منها إلا
أجره الله فى مصيبته وأخلف له خيراً منها. قالت: فلما قوفى أبو سلمة.
قلت: من خير من أبى سلمة: صاحب رسول الله ؟ ثم عزم الله لى فقلتها:
قالت: فتزوجنى رسول الله - صَطل -.
ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي سنان قال : دفنت ابنالى.
وإنى لفى القبر أخذ يبدى أبو طلحة « يعنى الخولاني، فأخرجنى وقال: ألا
أبشرك؟ قال قلت: بلى. قال: حدثنى الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب.

٤١٦
الجزء الأول
عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال
(الله - تعالى -: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدى، قبضت قرة عينه وثمرة
فؤاده؟ قال: نعم. قال فإذا قال؟ قال حمدك واسترجع. قال الله -تعالى -:
ابنوا له بيتاً فى الجنة وسموه بيت الحمد .
ومنها ما رواه الشيخان عن أبى سعيد وأبي هريرة عن النبى صلى الله عليه
وسلم - قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولاهم ولا حزن ولا
أذى ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه.
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التى وردت فى ثواب الاسترجاع
وفى أجر الصابرين وفضلهم.
ثم تحدث - سبحانه - عن شعيرة من شعائر الحج فقال :
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَآَبٍ
اللَّهِ فَ عَ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّفَ بِهِمًا وَمَنْ
تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٍّ عَلِيمٌ
١٥٨
قال الألوسى: بعد أن أشار - سبحانه - فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك
ببيان معالم الحج ، فكأنه جمع بين الحج والغزو ، وفيها شق الأنفس وتلف
الأموال . وقيل لما ذكر الصبر عقبه ببحث الحج لما فيه من الأمور
المحتاجة إليه ، (١).
و((الصفاء فى اللغة: الحجر الأملس، مأخوذ من صفا يصفو إذا
خلص ، واحده صفاة فون مثل حصى وحصاة ونوى ونواة .
و((المروة» فى أصل اللغة: الحجر الأبيض اللين، وقيل: الحصاة
الصغيرة. وهما - أى الصفا والمروة - قد جعلا علمين لجبلين معروفين بمكة
(١) تفسير الألوسى ج ٢ ص ٢٤.

٤١٧
سورة البقرة
على بعد ما يقرب من ألف ذراع من المسجد الحرام . والألف واللام فيهما
:التعريف لا للجنس .
و«الشعائر) جمع شعيرة، من الإشعار بمعنى الإعلام، ومنه قولك
شعرت بكذا، أى : علمت به .
وكون الصفا والمروة من شعائر الله، أى: من أعلام دينه ومتعبداته.
تعبدنا الله بالسعى بينهما فى الحج والعمرة.
وشعائر الحج: معالمه الظاهرة للحواس ، التى جعلها الله أعلاما لطاعته،
ومواضع نسكه وعباداته ، كالمطاف والمسعى والموقف والمرمى والمنحر .
وتطلق الشعائر على العبادات التى تعبدنا الله بها فى هذه المواضع، لكونها
علامات على الخضوع والطاعة والفسليم الله - تعالى - .
. وأكدت الجملة الكريمة بأن لأن بعض المسلمين كانوا مترددين فى كون
السعى بين الصفا والمروة من شعائر الله، وكانوا يظنون أن السعى بينهما من
أحوال الجاهلية ، كما سنبين بعد قليل .
وقوله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بها)) تفريع
على كونها من شعائر الله وأن السعى بينهما فى الحج والعمرة من المناسك.
والحج لغة: القصد مطلقاً أو إلى معظم. وشرعا: القصد إلى البيت الحرام
فى زمان معين بأعمال مخصوصة .
و((اعتمر، أى: زار. والعمرة الزيارة مأخوذة من العمارة كأن الزائر
يعمر البيت الحرام بزيارته. وشرعا الزيارة لبيت الله المعظم بأعمال مخصوصة
وهى : الإحرام والطواف والسعى بين الصفا والمروة .
و«الجناح، - بضم الجيم - الإثم والحرج مشتق من جنح إذا مال عن
القصد، وسمى الإثم به الميل فيه من الحق إلى الباطل .
و((يطوف، أصلها يتطوف، فأبدلت التاء طاء، وأدغمت فى الطاء
«فصارت , يطوف. والتطوف بالشىء كالطواف به، ومعناه: الإلمام بالشىء
.والمشى حوله .
(م ٢٧ - سورة البقرة)

٤١٨
الجزء الأول
وقد فسر النبى - صلى الله عليه وسلم - الطواف بالنسبة للكعبة بالدوران.
حولها سبعة أشواط. وفسره بالنسبة الصفا والمروة بالسعى بينهما سبعة-
أشواط كذلك .
و((من)) فى قوله ((فمن حج، شرطية، ((وحج)) فى محل جزم بالشرط،؟
و ((البيت)) منصوب على المفعولية، وجملة, فلا جناح عليه أن يطوف بهما)».
جواب الشرط .
والمعنى: إن الصفا والمروة من شعائر الله، أى: من المواضع التى يقام ...
فيهما أمر من أمور دينه وهو السعى بينهما ، فمن حج البيت، أى: قصده ...
بالأفعال المعينة التى شرعها الله (( أو اعتمر، أى: أتى بالعمرة كما بينها.
تعاليم الإسلام,فلا جناح علیه أن يطوفبهما ، أى: فلا إثم ولا حرج ولا
مؤاخذة عليه فى الطواف بهما، لأنهما مطلوبان الشارع، ومعدودان من.
الطاعات .
وهنا قد يقول قائل : إن بعض الذين يقرء ون هذه الآية قد يشكل عليهم.
فهمها وذلك لأن قوله - تعالى - ((إن الصفا والمروة من شعائر الله، يدل على ...
أن الطواف بهما مطلوب شرعاً طلبا أقل درجاته الندب، وقوله - تعالى -.
(( فلا جناح عليه أن يطوف بهما، يقتضى رفع الإثم عن المتطوف بهما، والتعبير.
برفع الإثم عن الشىء يأتى فى مقام الدلالة على إباحته، وإذن فما الأمر الداعى ..
إلى أن يقال فى هذه الشعيرة: لا إثم على من يفعلها بعد التصريح بأنها شعائر
الله؟ والإجابة على هذا القول نقول. إن الوقوف على سبب نزول الآية الكريمة
يرفع هذا الاستشكال. وقد روى العلماء فى سبب نزولها عدة روايات منها:
ما رواه البخارى عن عروة بن الزبير قال: سألت عائشة - رضى الله عنها -
فقلت لها : أرأيت قوله - تعالى - ((إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج
البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ... )، فوابته؛ ما على أحد
جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؛؟ قالت بئس ما قلت يا بن أختى !!

٤١٩
سورة البقرة
إن هذه الآية لو كانت كما أولتها لكانت: لاجناح عليه أن لا يتطوف بهما ،
ولكن الآية أنزات فى الأنصار . كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية،
التى كانوا يعبدونها عند المشلل. فكان من أهل يتحرج أن يتطرف بالصفا.
والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) عن ذلك؟
فقالوا : يا رسول الله: إنما كنا نتحرج أن تطوف بين الصفا والمروة، فأنزل
الله - تعالى - هذه الآية.
قالت عائشة: وقد سن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الطواف
بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما (١).
وهناك رواية لمسلم عن عروة عن عائشه تشبه ما جاء فى رواية البخارى ،
وهناك رواية للنسائى عن زيد بن حارثة قال: كان على الصفا والمروة منمان
من نحاس يقال لهماء إساف ونائلة، كان المشر كون إذا طافوا تمسحواهه)).
وهناك رواية للطبرانى وابن أبى حاتم بإسناد حسن من حديث
ابن عباس قال: قالت الأنصار : إن السعي بين الصفا والمروة من أمر
الجاهلية فأنزل الله هذه الآية (٢).
فيؤخذ من هذه الروايات أن بعض المسلمين كانوا يتحرجون من السعى
بين الصفا والمروة لأسباب من أهمها أن هذا السعى كان من شعائرهم فى الجاهلية
فقد كانوا يهلون - أى يحرمون - لمناة، ثم يسعون بينهما ليتمسحوا بصنمين
عليهما، وهم لا يريدون أن يعملوا فى الإسلام شيئا مما كان من أمر الجاهلية،
لأن دين الإسلام الذى خالط أعماق قلوبهم هز أرواحهم مزاً قوياً، وجعلهم
ينظرون بجفوة وازدراء واحتراس إلى كل ما كانوا عليه فى الجاهلية من أعمال
تتنافى مع تعاليم دينهم الجديد ، فنزلت هذه الآية الكريمة لتزيل التحرج
الذى كان يتردد فى صدورهم من السعى بين الصفا والمروة
(١) أخرجه البخارى فى كتاب الحج جـ ٢ ص ١٩٣
(٢) راجع تفسير القاسمى ج ٢ ص ٣٤٤

٤٢٠
الجزء الأول
وهذا يدل على قوة إيمانهم ، وصفاء يقينهم ، وتحرزهم من كل قول
أوعمن يشم منه رائحة التعارض مع العقيدة التى جعلتهم يخلصون عبادتهم لله
الواحد القهار .
وقوله ((ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم)) تذييل قصد منه الإتيان
بحكم كلى فى أفعال الخيرات كلها ، وقيل إنه تذييل لما أفادته الآية من الحث
على السعى بين الصفا والمروة .
و «قطوع، من التطوع وهو فعل الطاعة فريضة كانت أو نافلة، وقيل
هو التطوع بالنفل خاصة.
((وشاكر)، من الشكر، والشاكر فى اللغة هو المظهر للإنعام عليه،
وذلك محال فى حق الله - تعالى -، إذ هو المنعم على خلقه ، فو جبحمل
شكر الله لعباده على معنى مجازاتهم على ما يعملون من خيرات، وإثابتهم
على ذلك بالثواب الجزيل .
قال الإمام الرازى: وإنما هى - سبحانه - المجازاة على الطاعة
شكراً لوجوه:
الأول : أن اللفظ خرج مخرج التلطف مع العباد مبالغة فى الإحسان
إليهم، كما فى قوله - تعالى -ـ ((من ذا الذى بقرض اللّه قرضاً حسناً، وهو
- سبحانه - لا يستقرض من عوض، ولكنه قلطف فى الاستدعاء كأنه قيل:
من ذا الذى يعمل عمل المقرض. بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم .
الثانى: أن الشكر لما كان مقابلا للإنعام أو الجزاء عليه ، سمى كل
ما كان جزاءاً شكراً على سبيل التشبيه .
الثالث : كأنه يقول: أنا وإن كنت غنياً عن طاعتك ، إلا أنى أجعل
لها من الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل .
وبالجملة فالمقصود أن طاعة العبد مقبولة عند الله، وواقعة موقع القول
فى أقصى الدرجات (١).
(١) تفسير الفخر الرازى" ج ٤ ص ١٨٢ طبعة عبد الرحمن محمد.