Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١٠
سورة البقرة
• وفى قوله ((عند الله)) إشارة إلى ضخامة الثواب، لأنه صادر من الغنى الحميد.
وجاءت جملة (( إن الله بما تعلمون بصير، لتأكيد ذلك الوعد، فقد
دلت على أن الله - تعالى- لا يخفى عليه عمل عامل قليلا كان أو كثيراً.
. وإذا كان عالماً محيطاً بكل عمل يصدر من الإنسان ، كانت الأعمال
محفوظة عنده - تعالى -، فلا يضيع منها عمل دون أن يلقى العامل جزاء.
یوم الدین .
وفى إعادة ذكر اسم الجلالة فى هذه الجملة مع تقدم ذكره فى قوله :
« تجدوه عند الله، إشعار باستقلال هذه الجملة، وبشدة الاهتمام بالمعنى
الذى أضمنته .
كذلك من فوائد إظهار اسم الجلالة فى مقام يجوز فيه الإضمار، أن
تكون الجملة كحكمة تقال عند كل مناسبة ، بخلاف مالو أتى بدل الاسم
الظاهر بالضمير فإن إلقاءه عند المناسبة يستدعى أن تذكر الجملة السابقة
معها حتى يعرف المراد من الضمير .
ثم حكى القرآن لوناً من ألوان المزاعم الباطلة التى درج عليها أهل
الكتاب، ورد عليها بما يبطلها فقال :
وَقَالُو ◌ْلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ
-
"إِلَّ مَن كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَدَّ تِلْكَ أَمَانِيَّهُمْ قُلٌّ هَاتُواْبُرْهَتَكُرْ
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُمِنٌ فَلَّةٍ
أَبُْرِعِندَرَيِّهِ، وَلَوْفٌّ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ (7)
الضمير فى ((قالوا)) يعود على أهل الكتاب من الفريقين.
(م - ٢١ البقرة).

٣٢٢
الجزء الاول
والهود: جمع هائد أى متبع اليهودية وقدمهم القرآن الكريم على النصارى.
لتقدمهم فى الزمان.
والمعنى : وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى
لن يدخلها إلا من كان نصرانياً، إلا أر الآية الكريمة سلكت فى طريق الإخبار
عما زعموه مسلك الإيجاز ، فمكت القولين فى جملة واحدة، وعطفت.
أحد الفريقين على الآخر بحرف ((أو)) ثقة بفهم السامع، وأمنا من اللبس ،
لما عرف من التعادى بين الفريقين، وتضليل كل واحد منهما لصاحبه، ونظير
هذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم « وقالوا کونوا هودا أو نصاری تهتدوا»
أى: قالت اليهود: كونوا هو دا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى
تمتدوا.
ولذا قال الإمام ابن جرير: ((فإن قال قائل: وكيف جمع اليهود والنصارى
فى هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفریقین، واليهود قدفعالنصارىعنأن یکون.
لها فى ثواب الله نصيب ، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك ؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذى ذهبت إليه، وإنما عنى به وقالت ..
اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى : لن يدخل
الجنة إلا النصارى، ولكن معنى الكلام لما كان مفهوماً عند المخاطبين به-
جمع الفريقان فى الخبر عنهما فقيل: ((وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان.
هودا أو نصارى» (١) .
وقوله تعالى: ( تلك أمانيهم ) جملة معترضة قصد بها بيان أن ما يدعونه.
من أن الجنة خاصة بهم، ما هو إلا أمانى منهم يتمنونها على الله بغير حق ...
ولا برهان . سولتها لهم أنفسهم التى استحوذ عليها الشيطان فخدعها
بالأباطيل والأكاذيب .
واسم الإشارة (( تلك)، مشار به إلى ما تضمنه قوله تعالى ((وقالوا لن.
(١) تفسير ابن جرير ج١ ص ٠٤٩١

٣٢٣
سورة البقرة
يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى» وهو يتضمن أمانى كثيرة :
منها ، أن اليهود أمنيتهم أنه لن يدخل الجنة غيرهم ، والنصارى كذلك
أمنيتهم أنهم هم وحدهم أصحاب الجنة ، وكلا الفريقين يعتقد أن المسلمين
ليسوا أهلالها، ولهذا جاء خبر اسم الإشارة جمعاً فقال تعالى. وتلك أمافيهم»
ويرى صاحب الكشاف أن المشار إليه أمور قد تعددت لفظاً وحكاما
القرآن عنهم فى قوله ((ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن
ينزل عليكم من خير من ربكم، وفى قوله: ((ود كثير من أهل الكتاب
لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً، حسداً من عند أنفسهم، وفى قوله
((وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى))، وعبارته :
فإن قلت: لم قيل ((تلك أمانيهم)) وقولهم أن يدخل الجنة أمنية واحدة؟
قلت: أشير بها إلى الأمانى المذكورة وهو أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين
خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً ، وأمنيتهم ألا يدخل الجنة
غيرهم . أى ذلك الأمانى الباطلة أما فيهم (١).
ويرى صاحب الانتصاف: أن المشار إليه واحد وهو قولهم («لن يدخل
الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وجمع لإفادة أن تلك الأمنية قد تمكنت
من نفوسهم وأشربتها قلوبهم. فقال : والجواب القريب أنهم أشدة تمنيهم لهذه
الأمنية، ومعاودتهم لها، وتأكدها فى نفوسهم جمعت أيفيد جمعها أنها متأكدة
فى قلوبهم بالغة منهم كل مبلغ ، والجمع يفيد ذلك ، وإن كان مؤداه واحداً
ونظيره قولهم : معى جياع ، فجمعوا الصفة ومؤداها واحد، لأن موصوفها
واحد، تأكيداً لثبوتها وتمكنها، وهذا المعنى أحد ما روى فى قوله تعالى ((إن
هؤلاء لشرذمة قليلون، (٢) فإنه جمع ((قليلا)) وقد كان الأصل إفراده فيقال
(لشرذمة قليلة،. كقوله تعالى, كم من فئة قليلة)) لولا ما قصد إليه من
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠١٣٠
(٢) سورة الشعراء الآية ٥٤.

٣٢٤
الجزء الأول
تأكيد القلة بجمعها، ووجه إفادة الجمع فى مثل هذا التأكيد، أن الجمع
يفيد بوضعه الزيادة فى الآحاد فنقل إلى تأكيد الواحد ، وإبانته زبادة
على نظرائه ، نقلا مجازياً بديعاً فتدير هذا الفصل فإنه من نفاتر صناعة
البيان والله الموفق)» (١).
ثم أمر الله - تعالى - رسوله ( صلى الله عليه وسلم) أن يطالبهم بالدليل على
صحة ما يدعون، فقال تعالى (( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)).
أى قل - يا محمد - لهؤلاء الزاعمين أن الجنة لهم خاصة من دون الناس،
هانوا حجتكم على خلوص الجنه لكم ، إن كنتم صادقين فى دعوا كم،
لأنه لما كانت دعواهم الاختصاص بدخول الجنة لا تثبت إلا بوحي من الله
وليس لمجرد التمنى، أمر الله - تعالى - نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يطالبهم
بالدليل من كتبهم على صحة دعواهم ، وهذه المطالبة من قبيل التعجيز
لأن كتبهم خالية مما يدل على صحتها.
قال الإمام ابن جرير: ((وهذا الكلام وإن كان ظاهره دعاء القائلين
(( أن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)) إلى إحضار حجة على
دهواهم، فإنه بمعنى التكذيب من الله لهم فى دعواهم وفيلهم، لأنهم ليسوا
بقادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبداً ، (٢).
هذا، ويؤخذ من الآية الكريمة بطلان التقليد فى أمور الدين، وهو
قبول قول الغير مجرداً من الدليل، فلا ينبغى الإنسان أن يقرر رأياً فى
الدين إلا أن يسنده إلى دليل ، كما أنه لا يقبل من غيره قولا إلا أن يكون
مؤ يداً بدليل .
أما عدم صحة التقليد فى أصول الدين : أى فيها يرجع إلى حقيقة الإيمان
الأمر فيه جلى، لأنه يكتفى فى إيمان الشخص بأى دليل ينشرح به صدره
(١) هامش تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٣٣٠
(٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٦٤٩.

٣٢٥
سورة البقرة
للإسلام، وتحصل له به الطمأنينة، كأن يستمد إيمانه بالله من الميه الحكمة
الله فى إتقان المخلوقات، أو فى رعاية اللطف والرفق بالإنسان ، ويستمد.
إيمانه بصدق الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الاستماع إلى القرآن الكريم،
أو من سيرته التى لم يظهر بمثلها أو بما يقرب منها بشر غير رسول ، والقصد،
أن لا يكون إسلامه لمجرد أنه فى بيئة إسلامية أو ولد من أب وأم مسلمين.
وأما التقليد فى الفروع أى فى الأحكام العمليه، فالناس بالنظر إلى القدرة.
على تمييز الخطأ من الصواب درجات، فمن له قدرة على فهم الأدلة ومعرفة
الراجح من الأحكام، لا يجوز أن يتلقى الحكم من غيره إلا مقروناًبدليل،"
وإن كان قاصراً على هذه الدرجة أخذ بما يفتيه به العالم المشهود له بالرسوح
فى علم الشريعة، والمعروف بالمحافظة على لباس التقوى ما استطاع» (١).
:
ثم أبطل القرآن الكريم مدعاهم بطريق آخر وهو إبراد قاعدة كلية
وتبت دخول الجنة على الإيمان والعمل الصالح بلا محاباة لأمة أو اجفس.
أو لطائفة فقال تعالى :
« بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف
عليهم ولاهم يحزنون)).
((بلى)) حرف يذكر فى الجواب لإثبات المنفى فى كلام سابق، وقد
صدرت الآية التى معنا بحرف ((بلى)) لإثبات ما نفوه وهو دخول غيرهم
الجنة ممن لم يكن لا من اليهود ولا من النصارى ، ما دام قد أسلم وجهه لله
وهو محسن .
وقوله تعالى (( أسلم وجهه لله، المراد به اتجه إليه، وأذعن لأمره،
وأخلص له العبادة، وأصل معناه الاستسلام والخضوع .
وخص الله - تعالى - الوجه دون سائر الجوارح بذلك، لأنه أكرم
(١) تفسير الآية الكريمة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين: مجلة
لواء الإسلام السنة الثالثة العدد الخامس ص ٧

٣٢٦
الجزء الاول
الأعضاء وأعظمها حرمة ، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم أعضاء الجسد
فغيره من أجزاء الجسد أكثر خضوعاً .
وقوله تعالى: ((وهو محسن)) من الإحسان، وهو أداء العمل على
وجه حسن أى: مطابق للصواب وهو ما جاء به الشرع الشريف .
والمعنى: ليس الحق فيما زعم كل فريق منكم يامعشر اليهود والنصارى
من أن الجنة لكم دون غيركم، وإنما الحق أن كل من أخلص نفسه لله،
وأتى بالعمل الصالح على وجه حسن، فإنه يدخل الجنة ، كما قال تعالى :
((فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)).
وقد أفادت الآية الكريمة ما يأتى :
(١) إثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة .
(ب) بيان أهم ليسوا من أهل الجنة ، إلا إذا أسلموا وجوههم فه،
وأحسنوا له العمل فيكون ذلك ترغيباً لهم فى الإسلام ، وبياناً لمفارقة
حالهم لحال من يدخل الجنة ، لكى يقلعوا عمماهم عليه ، ويعدلوا عن
طريقتهم المعوجة .
(جـ) بيان أن العمل المقبول عند الله - تعالى - يجب أن يتوفرفيه أمران:
أولهما . أن يكون خالصاً لله وحده. ثانيهما : أن يكون مطابقاً
الشريعة التى ارتضاها الله تعالى وهى شريعة الإسلام .
قال الإمام ابن كثير: «فمتى كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل،
ولهذا قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ((من عمل عملا ليس عليه
أمرنا فهو رد ، فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيهقه
فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعاً للرسول (صلى الله عليه وسلم)
المبعوث فيهم وإلى الناس كافة ، وفى أمثالهم قال الله - تعالى -، وقدمنا إلى
ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا، وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة
فى الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضاً مردود على
فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين ولهذا قال تعالى: ( فمن كان يرجو

٢٢٧
سورة البقرة
لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)، (١).
وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد أبطلتا دعوى اليهود أن الجنة
لحم دون غيرهم، وأثبتتا أن مزاعمهم هذه ما هى إلا من قبيل| الأمانى
والأوهام و كذبتهم فى أن يكون عندهم أى برهان أودليل على ما يدعون
ثم أصدرقا حكما عاما وهو أن الجنة ليست خاصة أطائفة دون أخرى،
وإنما هى لكل من أسلم وجهه الله وهو محسن.
ثم بين القرآن بعد ذلك أن أهل الكتاب قد دأبوا على تضليل بعضهم
البعض، وأن الخلاف بينهم قد أدى إلى التنازع والتخاصم فقال :
وَقَالَتِ الْيَهُدُ
لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ
وَهُمْيَتَلُونَ الْكِتَبِّ كَّلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِمَّ فَلَهُ
يَحْكُ بَلْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ فِيَا كَانُواْ فِهِ يَخْتَلِفُونَ
١١٣
فالآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: ((وقالوا ان
بدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى .. الخ)، لزيادة بيان طبيعة أهل
الكتاب، المعوجة، وأن رمى المخالف لهم بأنه ضال شاشة فيهم .
ومشىء: يطلق على الموجود، أوما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، وقد ينفى
مبالغة فى عدم الاعتداد به واليهود كفرت بعدى - عليه السلام - ومازالوا
يزعمون أن المسيح المبشر به فى التوراة لم يأت ، وسيأتى بعد ، فهم يعتقدون
أن النصارى بإنباعهم له ليسوا على أمر حقيقى من التدين، والنصارى
تكفر اليهود لعدم إيمانهم بالمسيح الذى جاء لإتمام شريعتهم، ونشأ عن
هذا النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء والتعصب حتى صار كل فريق منهم
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ١٥٤

الجزء الأول:
يطعن فى دين الآخر ، وبنفى عنه أن يكون له أصل من الحق .
وجملة (« وهم يتلون الكتاب، حالية، والكتاب للجنس. أى: قالوا.
ذلك وخالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب ، إذ اليهود يقرءون:
التوراة والنصارى يقرءون الإنجيل ، وحق من حمل التوراة والإنجيل
وغيرهما من كتب الله وآمن به ألا يكفر بالباقى ، لأن كل واحد من
الكتابين مصدق الثانى، شاهد بصحته وكذلك كتب الله جميعاً متواردة
على تصديق بعضها البعض .
وقوله: ((كذلك قال الذين لا يعدون مثل قولهم)). معناه: كما أن
أهل الكتاب قد قال كل فريق منهم فيمن خالفه إنه ليس على شىء من الدين
الحق . ف.كذلك قال الذين لا يعلمون، وهم مشر كو العرب، فى شأن
المسلمين : إنهم ليسوا على شىء من الدين الحق، فتشابهت قلوب هؤلاء
قلوب أو لتك فى الزيغ والضلال .
والهدف الذى ترمى إليه هذه الجملة ، هو أن إنكار اليهود والنصارى
لرسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) لا ينبغى أن يثير شبهة على عدم صحتها،
حيث يسبق إلى أذهان الضعفاء من الناس أن تلاوتهم للكتاب تجعلهم.
أعرف بالنبوة الصادقة من غيرها . فكأن القرآن يقول : إن تلاونهم.
للكتاب وحدها لا ينبغى أن تكون شبهه .
ألا ترون اليهود والنصارى وهم يتلون الكتاب كيف أنكر كل فريق
منهما أن يكون الآخر على شىء حقيقى مر التدين، فسبيلهم فى إنكار دين
الإسلام كبيل المشركين الذين أنكروه عن جهالة به .
وفى هذه الجملة توبيخ شديد لأهل الكتاب، حيث نظموا أنفسهم، مع
علمهم فى سلك من لا يعلم .
وقوله: ((فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)).
صدر بالفاء ، لأن التوعد بالحكم بينهم يوم القيامة ، وإظهار
ما أكنته ضمائرهم من الهوى والضلال ، متفرع عن هذه المقالات.

٣٫٢٠٩
سورة البقرة
ومسبب عنها ، وهو خبر المقصود منه التوبيخ والوعيد .
والضمير المجرور بإضافة بين إليه راجع إلى الفرق الثلاث ، وما كانوا.
فيه يختلفون يعم ماذكره وغيره وقيل الضمير يعود على اليهود والنصارى.
والاختلاف : تقابل رأيين فيما ينبغى انفراد الرأى فيه .
ولم تصرح الآية الكريمة بماذا يحكم الله بينهم ، لأنه من المعلوم أن من.
مظاهر حكم الله يوم القيامة إثابة من كان على حق ، وعقاب من كان
على باطل .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد فضحت أهل الكتاب ، حيث بينت
كيف أن كل فريق منهم قد رمى صاحبه بالضلال، وفى هذا تثبيت للمؤمنين.
ونفى لهم عن أن ينهجوا نهجهم .
ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة من يسعى فى خراب بيوت الله، فقال :.
وَمَنْ أَظْلُ عِمَّنْ
٠٤٠٠٠/27
تَ مَسِجِدَ اللهِ أَن يُذْكَ فِيهَا أَسُْ, وَسَعَى فِ ◌َرَبِهَا أُوْلَئِكَ مَا
كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلّ ◌َخَ بِغِنَّلَهُمْ فِ الدُّنْيَاءِّ وَهُمْ فِ آَخِرَةِ
عَذّابٌ عَظِيمٌ
١١٤
يرى بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت فى شأن الرومانيين ، الذين.
غزوا بيت المقدس وخربوه. ويرى آخرون أنها نزلت فى كفارقريش حين
منعوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.
وكيفما كان سبب النزول، فالآ يه تشمل بذمها ووعيدها، كل من منع.
مساجد الله أن یذ کر فيها اسمه وسعی فی خرابها .
ومن اسم استفهام يراد منه النفي، أى: لا أظلم، والمساجد: جمع.

٣٣٠
الجزء الأول
حسجد ، وهو المكان الخاص للعبادة ، مأخوذ من السجود ، وهو
وضع الجبهه على الأرض خضوعاً له وقعظما .
والظلم: الاعتداء على حق الغير، بالتصرف فيه بمالا يرضى به ، ويطلق
على وضع الشىء فى غير مايستحق أن يوضع فيه، والمعنيان واضحان هنا .
وذكر اسم الله، كنابه عما يؤدى فيها من العبادات ، إذ لا تكاد عبادة
تخلو من ذكر اسمه - تعالى - :
والسعى فى الأصل : المشى بسرعه فى معنى الطلب والعمل .
والخراب: ضد التعمير، ويستعمل لمعنى تعطيل المكان وحلوه مما وضع له.
قال القرطبى: ((وخراب المساجد قد يكون حقيقياً، كتخريب بختصر
والرومان لبيت المقدس حيث قذفوا فيه القاذورات وهدموه. ويكون مجازاً
كمنع المشركين، حين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المسجد
الحرام، وعلى الجملة ، فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام
فيها خراب لها ، (١).
والمعنى: لا أحد أظلم ممن حال بين المساجد وبين أن يعبد فيها الله،
وعمل فى خرابها بالهدم كما فعل الرومان وغيرهم يبيت المقدس . أو بتعطيلها
عن العبادة كما فعل كفار قريش، فهو مفرط فى الظلم بالغ فيه أقصى غاية .
قال صاحب الكشاف: (( فإن قلت: فكيف قيل مساجد الله، وإنما
وقع المنع والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟
قلت لا بأس أن يجىء الحكم عاماً، وإن كان السبب خاصاً ، كما تقول لمن
آذى صالحاً واحداً: ومن أظلم من آذى الصالحين ، كما قال - عز وجل -
((ويل لكل همزة، والمنزول فيه هو الأخنس به شريق، (٢).
وقوله - تعالى - (( أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، معناه:
(١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٠٧٧
(٢) تفسير الكثاف ج ٢ ص ٠١٧٩

٣٣١
سورة البقرة
ما ينبغى لأولئك الذين يحولون بين المساجد وذكر الله ويسعون فى خرابها
أن يدخلوها إلا خائفين من الله - تعالى - لمكانها من الشرف والكرامة
إضافتها إليه - تعالى - أو إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا
عن أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها.
قال ابن كثير : «وفى هذا بشارة من الله المسلمين بأنه سيظهرهم على
المسجد الحرام، وبذل لهم المشركين حتى لا يدخل المسجد الحرام واحدمنهم
إلا خائفاً، يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل إن لم يسلم. وقد أنجز الله هذا
الوعد فمنع المشركين من دخول المسجد الحرام، وذلك أنه بعد أن تم فتح
مكة للمسلمين أمر النبى (صلى الله عليه وسلم) من العام القابل منادياً ينادى
بر حاب منى ((ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن البات عريان، ومن
كان له أجل فأجله إلى مدته،. وعندما حج النبى ( صلى الله عليه وسلم)
عام حجة الوداع لم يحترى. أحد من المشركين أن يحج أو أن يدخل المسجد
الحرام. وهذا هو الخزى فى الدنيا لهم، المشار إليه بقوله - تعالى - ((لهم
فى الدنيا خزى ، لأن الجزاء من جنس العمل (١) ...
ثم ختمت الآية الكريمة ببيان عاقبة هؤلاء الساعين فى خراب مساجد
الله فقال - تعالى -:
لهم فى الدنيا خزى ، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم)). أى: لهم فى
الدنيا هو أن وذلة بسبب ظلمهم وبغيهم ، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم
بخلدون معه فى النار. وليس هناك أشقى من يعيش دنياه فى هو ان وذلة ،
ثم ينتقل إلى أخراه فيجد مصيره العذاب الأليم الذى لا يموت فيه ولا يحيا.
ثم أخذ القرآن فى تسلية المسلمين الذين أخرجوا من مكة وفارقوا
المسجد الحرام، مبيناً لهم أن الجهات كلها الله - تعالى - فقال:
((ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله، إن الله واسع عليم))
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٠٨.

٣٣٢
الجزء الأول
المشرق والمغرب: مكان شروق الشمس وغروبها، والمراد بهماعنه
جميع جهات الأرض . واللام فى قوله (( ولله ، تفيد معنى الملك.
والتولية: التوجه من جهة إلى أخرى . و(ثم) إسم إشارة للمكان .
والوجه : الجهة ، فوجه الله الجهة التى ارتضاها وأمر بالتوجه إليها وهى.
القبلة .
والمعنى: أن جميع الأرض ملك لله وحده ، ففى أى مكان من المشرق.
والمغرب توليتم شطر القبلة التى أمركم الله بها ورضيها لكم ، فهناك جهته -
سبحانه - التى أمرتم بها، والتى تبرأ ذمكم باستقبالها.
ومعنى هذا: الإذن باقامة الصلاة فى أى مكان من الأرض دون أن "
تختص بها المساجد ، ففى الحديث الشريف ؛ ( جعلت لى الأرض مسجداً
وطهوراً) ،
وكأن الآية قومى. إلى أن سعى أولئك الظالمين فى منع المساجد من ذكره
- تعالى - وتخريبها، لا يمنع من أداء العبادة لله - تعالى -: لأن له المشرق.
والمغرب وما بينهما، فأينما حل الإنسان وتحرى القبلة المأمور بالتوجه إليها.
فهناك جهة الله المطلوب منه استقبالها.
وذيلت الآية بقوله (إن الله واسع عليم) لإفادة سعة ملكه أو سعة تيسيره
على عباده فى أمر الدين. أى: إن الله يسع خلقه جميعاً برحمته وتيسيره.
وجوده وهو عليهم بأعمالهم لا يخفى عليه عمل عامل أيتما كان و كيفما كان.
ثم حكى القرآن بعض الأقاويل الباطلة التى افتراها أصحاب القلوب.
المريضة فقال - تعالى -:

٣٣٣٠
سورة البقرة
٢َُّ مَّ مُحَنَّهُ بَل لَّهُوَ.
وَقَالُواْ أَخَذَ اللهُ وَدًّا سُبْحَ
مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلُّ لَّهُ قَسِنُونَ () بَدِيعُ الَّعَوَّتِ
وَالْأَرْضِّ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّا يَقُولُ لَهُكُنِ فَيَكُونُ (أَ
قد
قوله - تعالى - (وقالوا اتخذ الله ولداً) معطوف على قوله - تعالى-قبل
ذاك وقالت اليهود ليست النصارى على شىء ألخ)).
وأنخذ: من الاتخاذ وهو الصنع والجعل والعمل . والولد: يطلق على
الذكر والأنثى، والواحد والجمع .
والذين قالوا اتخذ الله ولداً هم اليهود والنصارى والمشركون، فقد حكى
الله عن اليهود أنهم قالوا (( عزير ابن الله، وحكى عن النصارى.
((المسيح ابن لة)، وحكى من المشركين أنهم قالوا ((الملائكة بنات الله، فيصح
أن يكون الضمير فى قالوا عائداً على الفرق الثلاث أو على بعضهم . فمن
المعروف أن القرآن يجرى على الأسلوب المعروف فى المخاطبات حيث يسند
إلى القوم ما صدر من بعضهم فحين قال: ( وقالت اليهود عزير بن اللّه )
أصبح من السائغ فى صحة المعنى أن يكون هذا القول قد صدر من
طائفة منهم :
وقوله (( سبحانه)، تنزيهاً له عما هو نقص فى حقه ومحال عليه من اتخاذ
الولد، لاقتضاء الوالدية: النوعية والجنسية والتناسل والافتقار، والتشبيه
والحدوث وفى الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
( لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ، إنهم يجعلون له ولداً، وهو
يرزقهم ويعافيهم ) .
وسبحان: مصدر لسبح بمعنى فزه، وهو منصوب يفعل لم يسمع من

٣٣٤
الجزء الأول
العرب التصريح به معه، والأصل: أسبحه سبحانه، فحذف الفعل وأقيم
المصدر مقامه، وأضيف إلى ضمير المنزه :
وقوله: (( بل له ما فى السموات والأرض)) إضراب عن مقالاتهم التى نسبو)
بها إلى الله اتخاذ الولد، وشروع فى الاستدلال على بطلانها.
واللام فى قوله ( له) للاختصاص الكامل وهو الملك الحقيقى، و
(ما ) اسم موصول يراد منه الكائنات: ما يعقل وما لا يعقل ومن جملة
هذه الكائنات من أدعوا أنه ولد ته .
والمقصود إثبات أن قولهم (اتخذ الله ولداً) زعم باطل ، فإن جميع
ما احتوت عليه السموات والأرض ملوك لله يتصرف فيه كيف يشاء ، فلا
حاجة له إلى اتخاذ الولد، إذ الولد إنما يسعى إليه الوالد، أو يرغب فيه ليهتز به
أو ليحيى ذكره، أو ليستعين به على القيام بأعباء الحياة. والله - تعالى-
منزه عن أمثال هذه الأغراض التى لا تليق إلا بمن خلق ضعيفاً كالإنسان.
ثم إن الحكمة من التوالد بقاء النوع محفوظاً بتوارد أمثال الوالد حيث
لا سبيل إلى بقائه بعينه ، أما الخالق - تعالى - فهو الواحد فى ذاته وصفاته،
الباقى على الدوام، كما قال تعالى :
( كل من عليها فإن. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
وقوله - تعالى - (كل له قانتون ).
معناه : كل له مطيعون طاعة تسخير وانقياد، خاضعون لا يستعصى.
منهم شىء على مشيئته وإرادته: شاهدون بلسان الحال والمقال على وحدافيته
من القنوت وهو لزوم الطاعة مع الخضوع. وإنما جاء (قانتون) بجمع المذكر
المختص بالعقلاء، مع أن الخضوع لله يكون من العقلاء وغيرهم تغليباً للعقلاء
على غيرهم، لأنهم أهل القنوت عن إرادة وبصيرة ، ولأن ظهوره فيهم
أكمل من ظهوره فى غيرهم .
وفصلت جملة «كل له قانتون، عن سابقتها، لقصد استقلالها بالاستدلال

٢٣٥
سورة البقرة
على نفى أن يكون له ولد، حتى لا يظن السامع أنها مكملة للدليل المسوق له.
قوله - تعالى - له ما فى السموات والأرض)).
1
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته نقال: «بديع السموات والأرض»
أى: مبدعهما ومنشئهما بلا احتذاء ولا اقتداء. وبلا آلة ولا مادة، صفة.
مشبهة من أبدع، والذى ابتدعهما من غير أصل ولا مثال هو الله - تعالى ..
وخص السموات والأرض بالإبداع، لأنهما أعظم ما يشاهد من المخلوقات.
قال القرطى: (قوله - تعالى - «بديع السموات والأرض، فعيل المبالغة.
وارتفع على أنه خير ابتداء محذوف، واسم الفاعل مبدع كبصير من مبصر.
أبدعت الشىء لا عن مثال، فالله - تعالى - بديع السموات والأرض، أى
منشتهما وموجدهما، ومخترعهما، على غير حد ولا مثال ، وكل من أنها "
ما لم يسبق إليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع؛ وسميت البدعة بدعة.
لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام ... ».
وقوله ((وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، معناه: وإذا أراد.
- سبحانه - إحداث أمر من الأمور حدث فوراً . . وکن فيكون ، فعلان.
من الكون بمعنى الحدوث. ويرى كثير من أهل السنة أن الجملة واردة على
وجه التمثيل ، لحدوث ما تتعلق به إرادته - سبحانه - بلا مهلة وبلا توقف.
وليس المراد أنه إذا أراد إحداث أمر أتى بالكاف والنون ، ففى الكلام.
استعارة تمثيلية .
ويرى آخرون أن الأمر يكن محمول على حقيقته ، وأنه - تعالى -
أجرى سنته فى تكوين الأشياء أن يكونها بكلمة كن أزلا .
وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد حكنا بعض الشبهات الباطلة
التى أوردها الضالون حول وحدانية الله ورد عليها بما يدحضها ويثبت كنبه؟
ثم أود القرآن بعد ذلك الشبهات التى أثاروما حول نبوة محمد (صلى.
(١) تفسير القرطبى ٢٣ ص ٨٦

٣٣٦
:. الجزء الأول
"الله عليه وسلم) وأجاب عنها بما يبطلها فقال تعالى:
وَقَالَ
◌َّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلْنَ اللهُ أَوْ تَأْمِنَءَايَةٌ كَلِكَ قَالَ الَّذِينَ
مِن قَبِّهِ مِثْلَ قَوْلِمَ تَشَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَنَّا الْآَبَتِ لِقَوْرِ
◌ُوقِنُونَ (٨)
عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة اليهودى لرسول الله (صلى الله
عليه وسلم) يا محمد، إن كنت رسولا من اللّه كما تقول، فقل الله يكلمنا
حتى تسمع كلامه فأنزل الله هذه الآية (١) .
فالآية الكريمة معطوفة على قوله: ((وقالوا اتخذ الله ولداً ....
ومعنى الآية الكريمة: (وقال الذين لا يعدون) علماً نافعاً أمثال هؤلاء
اليهود الذين طالبوك بالمطالب المتعنتة - يا محمد - ( لولا يكلمنا الله ) إما
مشافهة، أو بواسطة الوحى إلينا لا إليك، أويرينا حجة تقوم على صدق
رسالتك ، قالوا هذا على وجه العناد والجحود لأن تكون الآيات التى
أقامها الله على صدق رسالته آيات حقاً .
وقد رد الله تعالى عليهم بقوله ( كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم)
أى. مثل هذا القول المتعنت، قال الجاحدون من أسلافهم الذين أرسل الله
إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور وفى هذه الجملة تسلية للرسول
(صلى اله عليه وسلم) بأن ما لاقاه من قومه مثل ما لقيه الرسل من قبله.
(تشابهت قلوبهم) أى تشابهت قلوب هؤلاء وأولئك فى العناد والضلال.
(قد بينا الآيات لقوم يوقنون) أى: جعلناها بينة واضحة فى ذاتها لمن
(١) تفسير ابن کثیر ج ١ ص ١٩١

: ٣٣٧
سورة البقرة
شأنهم الإخلاص فى طلب الحق أينما كان ، فيتجهون إليه عن طريق الأدلة
الصحيحة بقلوب فقية من الأهواء موقنة بجلال الحق ووجوب الطاعة.
قال الإمام الرازى : وتقرير شبهتهم أن الحكم إذا أراد تحصيل شىء،
: اختار أقرب الطرق إليه، وبما أن الله قد كلم موسى وكلمك يا محمد فلم
ولايكلمنا مشافهة ، أو يخصك بمعجرة يتجلى من وراتها صدق فيوقك،
.وهذا منهم طعن فى أن القرآن معجزة، لأنهم لو أقروا بذلك لاستحال
أن يقولوا ما قالوه .
فأجابهم الله عن هذه الشبهة بقوله ( كذلك قال الذين من قبلهم مثل
قولهم) وحاصل هذا الجواب: أنا قد أيدنا قول محمد بالمعجزات، وبينا
صحة قوله بالقرآن وسائر الحجج ، فكان طلب هذه الزوائد من باب
التعنت. وعليه فلن تجاب مطالبكم لوجوه منها :
٤. ٢ - لو كان فى معلوم الله أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآيات لفعلها
ولكنه عم أنه لو أعطاهم ما سألوه لازدادوا لجاجاً .
٢ - أن حصول الدلالة الواحدة تمكن المكلف من الوصول إلى
المطلوب، فإذا لم يكتف بها ، كان طلبه من باب المعاندة .
٣ - ربما كانت كثرة المعجزات وتعاقبها تقدح فى كونها معجزة لأن
. الخوارق متى توالت كان انخرق العادة عادة. فثبت أن عدم إسعافهم بهذه
الآيات لا يقدح فى النبوة (١).
هذا، وبعض المفسرين يرى أن المراد (( بالذين لا يعلمون)، اليهود،
وبعضهم يرى أن المراد بهم مشر كو العرب وبعضهم يرى أن المراد بهم
النصارى، ونحن نرى أن اللفظ صالح لأن يندرج تحته جميع هذه الطوائف
-قضاء لحق الموصول المعيد للتعميم، ولكنا نختار أن اليهودم
المقصودون قصداً أولياً من هذه الآية للأسباب الآتية:
(١) تفسير الرازى ج ١ ص ٤١٦
( م ٢٢ - سورة البقرة )
أ

٣٣٨
الجزء الأول
١ - الآية ضمن سلسلة طويلة من الآيات السابقة عليها واللاحقة لماء
وكلها تتحدث عن بنى إسرائيل وأحوالهم وأخلاقهم .
٢ - جملة ((كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم، قرينة على أن
المقصود بالذين لا يعلمون هم اليهود المعاصرون للعهد النبوى ، حيث كان
أجدادهم يطلبون من موسى مثل هذه المطالب، لقد قالوا له: « لن نؤمن.
لك حتى نرى الله جهرة)، وقالوا, أرنا الله جهرة، وطلبوا منه كثيراً من
المطالب المتعنتة .
٣ - الآية مدنية ومن سورة البقرة التى هى من أوائل ما نزل على ..
الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة، ومن المعروف أن حديث القرآن.
المدنی عن أهل الكتاب بصفةعامة ، وعن اليهود بصفةخاصة، أ کثرمنحديثه
• عن مشركى العرب، لأن البيئة المدنية صلتها بأهل الكتاب أشد وألصق.
٤ - سبب نزول الآية الذى ذكر ناه يؤيد أن اليهود مقصودون قصداً:
أولياً فى هذه الآية .
• - القائلون بأن المراد بالذين لا يعلمون مشركو العرب، دعموات
قولهم بأن آيات القرآن التى تحكى عنهم أمثال هذه المقترحات مستفيضة.
وكأنهم يستعبدون أن تصدر مثل هذه الأسئلة عن اليهود .
وردنا عليهم أن القرآن الكريم قد حكى عن اليهود أمثال هذه الأسنة.
بدليل قوله تعالى: ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء
فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة-
يظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ماجاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا
موسى سلطانا مبينا (١) .
٦ - الإمام ابن جرير رجح أن المراد (بالذين لا يعلمون) النصارى ».
مستدلا بأن ذلك فى سياق خبر الله عنهم، فالآية السابقة على هذهالآية تقول ..
(١) سورة النساء الآية ١٣٥

٣٣٩
سورة البقرة
(( وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه، بل له مافى السموات والأرض كل له
قانتون ، والنصارى هم الذين قالوا ذلك .
وهذا الاستدلال لا نوافقه عليه لما يأتى :
(١) لأن الآية ليست فى سياق خبر الله عن النصارى، وإنما هى فى
سياق خبر الله عن اليهود ، الذين زخرت سورة البقرة ببيان مواقفهم
وحجاجهم وأخلافهم فى أكثر من مائة آية سابقة ولاحقة من هذه السورة .
(ب) ليس النصارى وحدهم هم الذين , قالوا اتخذ الله ولداً، وإنما
اليهود أيضاً قالوا ذلك، قال تعالى . وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت
النصارى المسيح ابن الله) (١).
(جـ) (لم يأت الإمام ابن جرير بدليل واحد ينقض به رأى القائلين بأن
المراد بالذين لا يعلمون اليهود، ولم يتعرض للنص الذى أورده ابن عباس
فى سبب نزول الآية بالتضعيف أو الإعلال ، مع أنه انتقد رأى القائلين بأن
المراد بهم مشر كو العرب (بأنه قول لابرهان على حقيقته فى ظاهر الكتاب).
هذا وبعد تلك الأدلة على ماذهبنا إليه نعود فنقول مرة أخرى : إننا
لا مانع فى أن يكون المراد بالذين لا يعلمون جميع الطوائف المشتركة
ولكنا فرجح أن اليهود هم المقصودون قصداً أولياً مهما دخل غير ثم معهم
فى السياق، وإن الآية قد نزلت للرد على مطالبهم المتعنتة واقتراحهم التى
لا خير من وراثها، ومحاولاتهم الطعن فى نبوة النبى (صلى الله عليه وسلم).
ثم ساق القرآن للنبى ( صلى الله عليه وسلم) ما يسلبه ويثبته فقال :
. (١) سورة التوبة الآية ٣٠

٣٤٠
الجزء الأول
إِنَّ أَرْسُلْنَكَ بِالْحَقِ بَشِيرً ا وَذِيرًا وَلَا تُسْعَلُ عَنْ أَصْحَبٍ
ج
الْجَحِيمِ ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الُْهُدُوَلَ النَّصَرَى حَتّى تَّبِعَ مِلََّهُمْ
قُلْ إِنَّ هُدَى الَّهِ هُوَ الْهُدَىنَّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُمْ بَعْدَ الَّذِى
جَاءَكَ مِنَ الْعِلِ مَالَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وَلٍِوَلَ يَصِيرٍ (َ الَّذِينَءَ اتََّهُ
الْكِتَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَيَِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِهُ وَمَنْ يَكْفُرْبِهِ».
فَأُوْلَئِكَ مُ الْخَسِرُونَ (١٨)
وقوله (( إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً)). معناه: إنا أرسلناك يامحمد
بالدين الصحيح المشتمل على الأحكام الصادقة ، لتبشر بالثواب من آمن
وعمل صالحاً، وتنذر بالعقاب من كفر دعصى.
وصدرت الآية الكريمة بحرف التأكيد، لمزيد الاهتمام بهذا الخبر،
والتنويه بشأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
وجىء بالمسند إليه ضمير الجلالة، تشريفاً للنبى - صلى الله عليه وسلم -
فكان الله - تعالى - إشافهه هذا الكلام بدون واسطة، ولذا لم يقل له
إن الله أرسلك.
وقوله (( بالحق)) متعلق بأرسلناك. والحق: مأخوذ من حق الشىء،
أى: وجب وثبت، ويطلق الحق على الحكم الصادق المطابق للواقع،
ويسمى الدين الصحيح حقاً لاشتماله على الأحكام الصادقة .
وقوله ((بشيراً ونذراً، حالان، والبشير: المشر، وه، المخم بالأمـ