Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة البقرة
وإنما ساق القرآن الكريم الرد عليهم فى صورة الاستفهام، لما فيه من
ظهور القصد إلى تقريرهم بأنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إذهم لا يستطيعون
أن يثبتوا أن الله وعدهم بما ادعره من أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة،
ولا يوجد عندهم قص صحيح من كتابهم يؤيد مدعاهم .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت مدعاهم إبطالا يحمل طابع
الإنكار والتوبيخ .
ثم ساق - سبحانه - آية أبطلت مدعاهم عن طريق إثبات ما نفوه ،
فقال تعالى: (( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته، فأولئك أصحاب
النار هم فيها خالدون . .
بلى حرف جواب يجىء لإثبات فعل ورد قبلها منفياً، والفعل المنفى
هذا هو قول اليهود (( لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة)) بجاءت «بلى، لإثبات
. أن النار تمسهم أكثر مما زعموا فهم فيها خالدون جزاء كفرهم وكذبهم.
ومعنى الآية الكريمة : ليس الأمر كما تدعون أيها اليهود، من أن النار
:"لن تمسكم إلا أياماً معدودة، بل الحق أنكم ستخلدون فيها. فكل من
كسب شركاً مثلكم، واستولت عليه خطاياه، وأحاطت به كما يحيط
السرادق بمن فى داخله، ومات على ذلك دون أن يدخل الإيمان قلبه
. ويتوب إلى ربه فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .
فالآية الكريمة فيها أبطال لمدعاهم ، وإثبات لما نفوه، على وجه
يشملهم ويشمل جميع من يقول قولهم، ويكفر كفرهم .
هذا والمراد بالسيئة هنا الشرك بالله كما قال جمهور المفسرين لورود
:الآثار عن السلف بذلك، وفائدة الإفيان بقوله تعالى((وأحاطت به خطيئته))
يعد ذلك، الإشعار بأن الخطيئة إذا أحاطت بصاحبها أخذت بمجامع قلبه
فحرمته الإيمان، وأخذت بلسانه فمنعته عن أن ينطق به .
وقوله تعالى (( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، بيان لما أعد
لهم من عقوبات جزاء كفرهم وكذبهم على الله ، فهم يوم القيامة سيكونون
(م - ١٦ البقرة)

٢٤٢
الجزء الأول
أصحاباً للنار ملازمين لها على التأييد الإيثارهم فى الحياة الدنيا ما يوردهم.
سعيرها ، وهو الكفر وسوء الأفعال على ما يدخلهم الجنة وهو الإيمان
وصالح الأعمال .
وبعد أن ذكر - سبحانه - ما أعد لهؤلاء اليهود وأمثالهم من الكافرين
الذين يفترون على الله الكذب ، عقب ذلك ببيان ما أعده - سبحانه - لأهل.
الإيمان والنقوى فقال تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك
أصحاب الجنة هم فيها خالدون)، أى: والذين آمنوا بالله ورسله، وأطاعوا
الله فأناموا حدوده، وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه ، فأولئك أصحاب.
الجنة هم فيها خالدون خلوداً أبدياً ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله
ذو الفضل العظيم .
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ردت على اليهود أبلغ رد . حيث
كذبتهم فى دعواهم أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، وأهم صائرون
بعد ذلك إلى الجنة، وأخبرتهم بخلودهم وخلود كل كافر فى النار، وأما
الجنة فهى لمن آمن وعمل صالحاً واقبع سبيل المرسلين فهؤلاء أصحابها وهم
فيها خالدون .
ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن رذيلة من أرز الرذائل التى طيع عليها
بنو إسرائيل، وهى رذيلة نقضهم العهود والمواثيق فقال تعالى:
وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَ بَنِيّ إِسْرَءِيِّ.
لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَالَمَنّ
وَأْمَسَِّكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَأُتُواْ الَّكَوَ ◌ّ.
تُولَُّمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُرْ وَأْتُ مُّعْرِضُونَ (
٨٣
ومعنى الآية إجمالا: واذكروا يابنى إسرائيل لتعتبر واو تستجيبوا للحق.

٢٤٢
سورة البقرة
- وليف كر معكم كل من ينتفع بالذكرى - وقت أن أخذنا عليكم الفهد،
وأمرناكم بالعمل به على لسان رسلنا - عليهم السلام - وأمر ناكم فيه بألا
تعبدوا سوى الله، وأمر فاكم فيه كذلك، بأن تحسنوا إلى آبائكم وتقوموا
بأداء ما أوجبه الله لها من حقوق، وأن تصلوا أقرباء كم وتعطفوا على اليتامى
الذين فقدوا آباهم، وعلى المساكين الذين لا يملكون ما يكفيهم فى حياتهم،
وأمرنا كم فيه - أيضاً - بأن تقولوا للناس قولا حسنا فيه صلاحهم ونفعهم،
وأن تحافظوا على فريضة الصلاة، وتؤدوا بإخلاص ما أوجبه الله عليكم
من زكاء ، ولكنكم نقضتم أنتم وأسلافكم الميثاق، وأعرضتم عنه،
إلا قليلا منكم استمروا على رعايته والعمل بموجبه .
والمراد بينى إسرائيل فى الآية الكريمة، سلفهم وخلفهم، لأن هذه
الأوامر والنواهى التى تناولتها الآية الكريمة ، والتى هى مضمون العهد
المأخوذ عليهم ، قد أخذت عليهم جميعاً على لسان أنبيائهم ورسلهم،
والدليل على أن المقصود ببنى إسرائيل ما يتناول الخلف المعاصرين
منهم العهد النبوى، قوله تعالى فى ختام هذه الآية, ثم قوليتم إلا قليلا منكم
وأنتم معرضون)) فإنه قد أسند إليهم فيه أنهم قولوا عن الميثاق معرضين،
الاعراض عنه لا يكون إلا بعد أخذه عليهم كما سيأتى .
وقوله تعالى ((لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ... ) إلى قوله
تعالى مثم توليتم ... ، بيان للميثاق وتفصيل له . وجاء التعبير بقوله تعالى
لا تعبدون إلا الله، فى صورة الخبر المنفى والمراد منه النهى عن عبادة
غير الله، لإفادة المبالغة والتأكيد، فكأن الأمر والنهى قد امتثلا فيخبر
وقوعهما ، أو أنهما لأهميتهما يخبر عنهما بأنهما سيتلقيان بحسن الطاعة
متما، فينزل ما يجب وقوعه منزلة الواقع ، ويخبر عن المأمور بأنه فاعل لما
هر به ومجننب لما نهى عنه فى الحال ، وفى ذلك مافيه من إفادة المبالغة فى
جوب امتثال الأمر والنهى . .
وقد تضمنت الآية الكريمة لوناً فريداً من التوجيه الحكم الذى لو

٢٤٤
الجزء الأول
اتبعوه لحسنت صلتهم مع الخالق والمخلوق ، لأنها ابتدأت بأمرهم بأعلى
الحقوق وأعظمها وهو حق الله - تعالى - عليهم، بأن يعبدوه ولا يشر كوا
به شيئا، ثم ثقتيبيان حقوق الناس فبدأت بأحقهم بالإحسان وهما الوالدان
لما لهما من فضل الولادة والعطف والغربية، ثم الأقارب الذين تجمع الناس
بهم صلة قرابة من جهة الأب والأم، ورعايتهم تكون بالقيام بمايحتاجون
إليه على قدر الاستطاعة، ثم باليتامى لأنهم فى حاجة إلى العون بعدأن فقدوا
الأب الجانى، ثم بالمساكين لعجزهم عن كسب ما يكفيهم، ثم بالإحسان
إلى سائر الناس عن طريق الكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة ، لأن الناس إن
لم يكونوا فى حاجة إلى المال، فهم فى حاجة إلى حسن المقال، ثم أرشدتهم
إلى العبادات التى تعينهم على إحسان صلتهم بالخالق والمخلوق فأمرتهم بالمداومة
على الصلاة بخشوع وإخلاص، وبالمحافظة على أداء الزكاة بسخاء وطيب
خاطر، ولعظم شأنهم هاتين العبادتين البدنية والمالية ذكرتا على وجه خاص
بعد الأمر بعبادة الله، تفخيماً لشأهما وتوكيداً لأمرهما، وكان من الواجب
على بنى إسرائيل أن ينتفعوا بهذه الأوامر الحكيمة، لكنهم عموا وصمواعنها
غربخهم القرآن الكريم بقوله: «ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون»
أى: ثم توليتم - أيها اليهود - عن جميع ما أخذ عليكم من مواثيق فأشركتم
بالله وعققتم الوالدين، وأسأنم إلى الأقارب واليتامى والمساكين وقلتم
الناس أفحش الأقوال، وتر كتم الصلاة، ومنعتم الزكاة ، وقطعتم ما أمر
اقه به أن يوصل .
وقوله تعالى: ((إلا قليلا منكم، إنصاف لمن حافظ على العهد منهم،
حيث أنه لا تخلو أمة من المخلصين الذين يرعون العهود ، ويتبعون الحق،
وإرشاد الناس إلى أن وجود عدد قليل من المخلصين فى الأمة ، لا يمنع
قزول العقاب بها متى فشا المنكر فى الأكثرين منها .
وقوله تعالى: ((وأنتم معرضون) جملة حالية تفيد أن الأعراض عن

٢٤٥
سورة البقرة
الطاعة، وعدم التقيد بالمواثيق التى أقروا بها، عادة متأصلة فيهم ووصف
ثابت لهم ، وسجية معروفة منهم .
قال صاحب المنار. ( قد يتولى الإنسان منصرفاً عن شىء وهو عازم
على أن يعود إليه ويوفيه حقه ، فليس كل متول عن شىء معرضاً عنه
ومهملا له على طول الدوام، لذلك كان ذكر هذا القيد ((وأنتم معرضون)
لازما لابد منه، وليس تكراراً كما يتوم ، ثم قال : وقد كان سبب ذلك
التولى مع الإعراض أن الله أمرهم ألا بأخذوا الدين إلا من كتابه فاتخذوا
أحبارهم أرباباً من دون الله، يحلون برأيهم ويحرمون، ويبيحون باجتهادهم
ويحظرون ويزيدون فى الشرائع والأحكام ويضعون ما شاءوا من الشعائر
فصدق عليهم أنهم اتخذوا من دونه شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن
به الله، فإن الله هو الذى يضع الدين وحده وإنما العلماء أدلاء يستعان
بهم على فهم كتابه ، وما شرع على ألسنة رسله ... )) (١)
وخلاصة الفرق بين التفسير الذى بدأنا به وبين تفسير صاحب المنار ،
لقوله تعالى ((وأنتم معرضون)) أن هذه الجملة على التفسير الأول تبين عادة
فى القوم تأصلت فيهم حتى كأنها سجية، والمعنى: «ثم قوليتم، أى أعرضتم
وأنتم قوم عادتكم الإعراض. وعلى تفسير صاحب المنار تكون هذه
الجملة مبينة. لنوع التولى ومتممة لمعناه: والتفسير الأول - الذى سقناء -
أدخل فى باب الذم ، وأوفى ببيان ما عليه حال اليهود .
(١) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٧٠

٢٤٦
الجزء الأول
ثم قال تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُرْ لَا
تُمْفِكُونَ دِمَاءَ كُمْ وَتُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَتِكُمْ ثُمَّ أَقْرَهُمْ وَأَنْتُمْ
تَشْهَدُونَ ﴿لَه ◌ُمْ أَنتُمْ هَؤُلَاءَ تَفْتُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْهُ
مِنْ دِيَرِهِمْتَظَهَرُونَ عَيْهِ بِآلْإِيمَ وَالْعُدْوَنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَىْ
تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُرَّمَّ ◌َيْكُمْ إِنْرَاجُهُمْ أَقَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِتَبِ،
وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِّ ◌َا جَآءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُ إلَّ خِزْيٌ فِى الْحَوَةِ
الْنَا وَيَوْمَ الْقِبَيْحَةِيُرَدُّونَ إِلَ أَشَدِّ الْعَذَّابِّ وَمَ الله ◌ِفَضِ عَمَّ
تَعْمَلُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَواْ الْحَيَةَ الدُّنْيَا بِلْآَخِرَةِ فَلَا
يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَّابُ وَلَ هُمْ يُنْصَرُوتَ
AT
بعد أن بين - سبحانه - فى الآية السابقة أن الله - تعالى - قد أخذ على
بنى إسرائيل عهداً بأن بعدوه وبؤدوا فرائض الله، إلا أنهلم نقضو أهذا العهد
وأولوا عنه سوى قليل منهم بعد ذلك بين هذه الآيات الكريمة أنه
- سبحانه - أخذ عليهم عهداً آخر ولكنهم نقضوه كما هو دأبهم.
وملخص هذا العهد الذى ذكرته الآيات الكريمة، أن الله تعالى أخذ
عليهم الميثاق ألا يقتل بعضهم بعضاً، وألا يخرج بعضهم بعضاً من داره،.
وأنهم إذا وجدوا أسيراً منهم فى يد غيرهم فإن عليهم أن يبذلوا أموالهم لفداته
من الأسر، وتخليصه من أيدى أعداتهم، ثم لما نشبت الحرب بين قبيلتى

٢٤٧
سورة البقرة
الأوس والخزرح، انضمت قبيلة بنى قريظة إلى الأوس، وانضمت قبيلة
بنى قينقاع وبنى النضير إلى الخزرج ، وصارت كل طائفة من طوائف اليهود
تقاتل بجانب أبناء ملتهم المنضمين إلى حلفائهم الآخرين فإذا وضعت
الحرب أوزارها، بذل جميع اليهود أموالهم لتخليض الأسرى من أعدائهم
كما أمرهم - تعالى - وهذا يكونون قد آمنوا ببعض الكتاب وهو بذل الغداء
لتخليص الأسرى، وكفروا ببعضه وهو تحريم سفكدماء إخوانهم وإخراجهم
من ديارهم، ويحكى التاريخ أن العرب كانوا يعيرونهم فيقولون لهم: كيف
تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم؟ فكان اليهود يقولون: قد حرم عليناقتالهم
ولكنا نستحى أن تخذل حلفاءنا وقد أمرنا أن نقتدى أسرانا.
! وقد قوعدهم - سبحانه - بالخزى فى الدنيا والآخرة، جزاء نقضهم
لعهوده، وتفريقهم بين أحكامه .
والمعنى الإجمالى للآيات الكريمة: واذكروا - أيضاً - يا بنى إسرائيل
- وقت أن أخذنا عليكم العهد ، وأوصيناكم فيه بألا يتعرض بعضكم لبعض
-بالقتل، وبألا يخرج بعضكم بعضاً من مساكنهم، ثم أقررتم وأنتم تشهدون
على الوفاء بهذا العهد، والالتزام بما جاء فيه، ثم أنتم هؤلاء - يا معشر
- اليهود - بعد إقراركم بالميثاق، وبعد شهادتكم المؤكدة على أنفسكم بأنكم
قد قبلتموه، خرجتم على تعاليم التوراة، فنقضتم عهودكم ، وأراق بعضكم
دماء بعضكم، وأخرجتم إخوانكم فى الملة والدم من ديارهم ظلماً وعدواناً،
وتعاونتم على قتله، وإخراجهم مع من ليسوا من ملتكم أو قرابتكم، ومع ذلك
فإذا وقع إخوانكم الذين قاتلتموهم وأخر جتموهم من ديارهم فى الأسر
فاديتموهم ، فلم لم تتبعو حكم التوراة فى النهى عن قتالهم وإخراجهم كما
اتبعتم حكمها فى مفاداتهم؟ وكيف تستبيحون القتل والإخراج من الديار،
.ولا تستبيحون ترك الأسرى فى أيدى عدوهم؟ إن هذا التفريق بين أحكام الله
جزاء فاعله الهوان فى الدنيا . والعذاب الدائم فى الأخرى، وما الله بغافل
عما تعملون. ولا شك أن أولئك اليهود الذين نقضوا عهودهم، وقطعوا

٢٤٨
الجزء الأول
ما أمر الله به أن يوصل، قد باعوا دينهم بدنياهم، فلا يخفف عنهم العذاب.
ولا هم ينصرون .
وقوله تعالى: ( وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون.
أنفسكم من دياركم) معناه: اذكروا حين أخذنا العهد عليكم يابنى إسرائيل ..
ألا يسفك أحد منكم دم غيره، وألا يخرجه من دياره. على حد قوله:
((فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم)، (١) أى فليسلم بعضكم على بعض.
وفائدة هذا التعبير، التنبيه إلى أن الأمة المتواصلة بالدين ، يجب أن ..
يكون شعورها بالوحدة قوياً وعميقاً، بحيث يكون قتل الرجل لغيره قتلا"
لنفسه، وإخراجه له من داره إخراجاً لها .
قال صاحب المنار: (وقد أورد - سبحانه - النهى عن سفك بعضهمدم.
بعض، وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وأوطانهم ، بعبارة تؤكد.
وحدة الأمة، وتحدث فى النفس أثراً شريفاً، يبعثها على الامتثال إن كان.
هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر فقال تعالى :
((لا تسفكون دماءكم ) فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه هم.
الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتجر بيده، وقال تعالى :-
( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) على هذا النسق، وهذاً التعبير المعجز
ببلاغته خاص بالقرآن الكريم،(٢)،
وقوله تعالى: ( ثم أقررتم وأنتم تشهدون) تسجيل عليهم بأنهم قدقبلوا
العمل بالميثاق والتزموا به، إذ المعنى. ثم اعترفتم بهذا الميثاق -أيها اليهود-
ولم تنكروه، فكان من الواجب عليكم أن تفوا به، فماذا كان موقفهم بعد ...
هذا الاقرار والإشهاد؟ .
لقد بين القرآن الكريم بعد ذلك أنهم نقضوا عهودهم ، وارتكبوا مل
(١) سورة النور الآية ٦١.
(٢) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٧٢.

٢٤٩
سورة البقرة
نهوا عن ارتكابه، فقال تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجوز
فريقاً منكم من ديارهم .. )) أى : ثم أنتم - يامعشر اليهود - بعداء افكم
بالميثاق، والتزامكم به ، نقضتم عهودكم، وارتكبتم فى حق إخوانكم
ما نهيتم عنه، من القتل والإخراج، وفعلتم مالا يليق بالعقلاء ، ويمتره
المواثيق .
ولما كان قتل بعضهم لبعض، وإخراجهم من أماكنهم يحتاج إلى قوة
وغلبة، بين - سبحانه - أنهم يرتكبون ذلك وهم متعاونون عليه بالشرور
ومجاوزة الحدود، فقال تعالى: ((تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان،
تظاهرون: من التظاهر وهو التعاون ، وأصله من الظهر، كأن المتعاونين
يسند كل واحد منهم ظهره إلى الآخر . والمعنى: تتعاونون على قتل
إخوانكم وإخراجهم من ديارهم مع من ليسوا من أقاربكم وليسوا من
دينكم ، وأنتم مرتكبون ذلك الإثم والعدوان .
وقوله تعالى: ((وإن يأتوكم أسارى تفادوم، وهو محرم عليكم إخراجهم،
بيان لتناقضهم وتفريقهم لأحكام اللّه تعالى .
وأسادى : جمع أسير بمعنى مأسور، وهو من يؤخذ على سبيل القهر
فيشد بالإسار وهو القد - بكسر القاف - ، والقد : سير يقدمن جلد غير
مدبوغ . وتفادوهم: تنقذوهم من الأسر بالفداء ، يقال: فاداه وفداه:
أعطى فدا .. فأنقذه .
أى: أنتم - يا معشر اليهود - إن وجدتم الذين قاقلتموهم وأخرجتموهم
من ديارهم أسرى تسعون فى فكاكهم، وقبذلون عرضاً لإطلاقهم ، والشأن
أن قتلهم وإخراجهم محرم عليكم كتر كهم أسرى فى أيدى أعدائكم،
فلماذا لم تتبعوا حكم التوراة فى النهى عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم حكمها
فی مضاداتهم ؟
وصدرت الجمنة الكريمة ((وهو محرم عليكم إخراجهم)) بضمير الشأن
للاهتمام بها . والعناية بشأنها، وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور

٢٥٠
الجزء الأول
ـدبهم ، رئيس خافية عليهم .
وقوله تعالى: ((أفتؤمنون بعض الكتاب وتكفرون ببعض)، توبيخ
. وتقريع لهم على تفريقهم بين أحكام الله .
والمعنى : الفتقبعون أحكام كتابكم فى فداء الأسرى ، ولا تتبعونها فى
فهيكم عن قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم؟ فالاستفهام للإنكار
والتوبيخ على التفريق بين أحكامه - تعالى - بالإيمان ببعضها والكفر
بالبعض الآخر .
وبعض الكتاب الذى آمنوا به هو ما حرم عليهم من ترك الأسرى فى
أيدى عدوهم ، وبعضه الذى كفروا به ما حرم عليهم من القتل والإخراج
من الديار، فالإنكار منصب على جمعهم بين الكفر والإيمان .
قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين: (وإنما سمى - سبحانه-
عصيانهم بالقتل والإخراج من الدبار كفراً؛ لأن من عصى أمرالله - تعالى -
محكم عملى معتقداً أن الحكمة والصلاح فيها فعله ، بحيث يتعاطاه دون أن
يكون فى قلبه أثر من التحرج ، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما
ارتكب ، فقد خرج بهذه الحالة النفسية عن سبيل المؤمنين ، وفى الآية الكريمة
دليل واضح على أن الذى يؤ من ببعض ما تقرر فى الدين بالدليل القاطع ويكفر
ببعضه، يدخل فى زمرة الكافرين لأن الإيمان كل لا يتجزأ، (١).
ثم بين - سبحانه - العقاب الدنيوي والأخروى الذى استحقه أولئك
المفرقون لأحكامه فقال تعالى: ((فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى
الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعلمون»
اسم الإشارة (ذلك) مشار به إلى القتل والإخراج من الديار، اللذين
فقضوابهما عهد الله بغياًو كفراً والخزى فى الدنيا هو الهوان والمقت والعقوبة
ومن مظاهره: مالحق اليهود بعد تلك الحروب من المذلة بإجلاء بنى قينقاع
(١) مجلة لواء الإسلام العدد ١١ السنة الثانية.

٢٥١
سورة البقرة
-والنصير عن ديارهم، وقتل بنى قريظة وفتح خيبر، ومالحقهم بعد ذا
من هوان وصغار، وتلك سنة الله فى كل أمة لا تتمسك بدينها ولا تر!
شئوتها بأحكام شريعتها وآدابها .
ولماكان البعض قد يتوهم أن خزيهم فى الدنيا قد يكون سبباً فى تخفيف
العذاب عنهم فى الأخرى، نفى - سبحانه - هذا التوهم، وبين أنهم !"
القيامة سيصيرون إلى ماهو أشد منه. لأن الله - تعالى - ليس ساء
عن أعمالهم حتى يترك مجازاتهم عليها .
فالمراد من نفى الغفلة فى ما يتسبب عنها من ترك المجازاة لهم على شرور.
وفى ذلك دليل على أن الله - تعالى - يعاقب الحائدين عن طر.
المستقيم، بعقوبات فى الدنيا، وفى الآخرة، جزاء طغيانهم، وإصرار
على السيئات .
ثم أكد - سبحانه - هذا الوعيد الشديد وبين عليه فقال تعالى: (أو ):
الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينصرو
والمعنى: أولئك اليهود الذين فرقوا أحكام الله، وباعوادينهم بدنياه
وآثروا متاع الدنيا على نعيم الآخرة قد استحقوا غضب الله فلا يخف
عنهم العذاب يوم القيامة ، ولا يجدون من دون الله وليا ولا نصيرا.
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد دمغت اليهود بنقضهم للعهد، وإيما
ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، فباوا بغضب على غضب ولا كافر
عذاب مهين .
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بلون آخر من ألوان جنايات
فقال تعالى :

٢٥٢
الجزء الأول
٥٠٠٠
وَلَقَدْءَ اتَدْنَا مُوسَى
أُلْكِتَبَ وَقَّقِّيْنَا مِنْ بَعْدِهِه بِلرَّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنْتِ
رس وووح
وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسُِّ أَفَكُلَّمَا جَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىَ أَنْفُسُكُمْ.
أُسْتَكْبَرٌ قَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُونَ (٨٥) وَ قَالُواْ قُلُوبُنَّا غُلْفٌ بَلَ
◌َعَنَهُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ
٨٨
ففى هاتين الآيتين تذكير لبنى إسرائيل بضرب من النعم التى أمدهم.
الله بها ثم قابلوها بالكفر والإجرام .
والمراد بالكتاب الذى أعطاه الله لموسى التوراة، فقد أنزلها عليه هدايتهم.
ولكنهم حرفوها وبدلوما وخالفوا أوامره وأولوها تأويلا سقيها.
ومعنى («وقفينا من بعده بالرسل» أردفنا وأرسلنا من بعد موسى رسلا
كثيرين متتابعين، لإرشاد بنى إسرائيل، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
يقال: ففا أثره يقفوه قفواً وقفواً، إذا تبعه. وقفى على أثره بفلان إذا
أتبعه إياه. وقفيته زيداً وبه: اتبعته إياه. واشتقاقه من: قفونه إذا
أتبعت قفاه ، والقفا مؤخر العنق، ثم أطلق على كل نابع ولو بعد الزمن.
بينه وبين متبوعه .
والرسل: جمع رسول بمعنى مرسل ، وقد أرسل الله - تعالی - رسلا"
بعد موسى - عليه السلام - : منهم : داود، وسليمان ، وإلياس ،.
واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى - عليهم الصلاة والسلام -.
فمن مظاهر نعم الله على بنى إسرائيل، أنه لم يكتف بإنزال الكتب.
لهدايتهم، وإنما أرسل فيهم بجانب ذلك رسلا متعددين، لكى يبشروه ٣
وينذروهم ، ولكن بنى إسرائيل قابلوا نعم الله بالجحود والكفران،

٠٥٣
سورة البقرة
فقد حرفوا كتب الله ، وقتلوا بعض أنبيائه .
والمراد بالبينات فى قوله: ((وآتينا عيسى بن مريم البينات، الحـ
والبراهين والآيات الدالة على صدقه وصحة فيوته، فتشمل كل معجزة أعما
الله لعيسى كإراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، والإخبار ببعد
المغيبات، وغير ذلك من المعجزات التى أيد الله بها عيسى - عليه السلا.
وخص القرآن عيسى بالذكر لكونه صاحب كتاب هو الإنجيل
ولأن شرعه نسخ أحكاما من شريعة موسى - عليه السلام -
وفى إضافة عيسى إلى أمه إبطال لما يزعمه اليهود من أن له أباً من البشـ
وقوله: ((وأيدناه بروح القدس، أى : قويناه مأخوذ من الأ
ــهو القوة .
وروح القدس هو جبريل - عليه السلام -، قال - تعالى -
((قل نزله روح القدس من ربك بالحق))، والإضافة فيه من إضافا
الموصوف إلى الصفة ، أى : الروح المقدس. ووصف بالقدس لطهار
وبركته. وسمى روحاً لمشابهته الروح الحقيقى فى أن كلا منهما مادة الحر
البشر. فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب
والروح تحيا به الأجسام .
أى: أننا أعطينا عيسى بن مريم الحجج الدالة على صدقه فى نيو
وقويناه على ذلك كله بوحينا الذى أو حيناء إليه عن طريق جبر.
- عليه السلام - .
ثم وبخ الله اليهود على أفعالهم القبيحة فقال: «أفكلما جاءكم رسو
بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون)).
أى : أفكلما جاء كم يا بنى إسرائيل رسول بما لا تحبه أنفسكم الشرح
استكبرقم عن اتباعه والإيمان به وأقبلتم على هؤلاء الرسل ففريقاً من
كذبتم، وفريقاً آخر منهم تقتلونه غير مكتفين بالتكذيب :

٢٥٤
الجزء الأول
وتموى: من هوى إذا أحب «والحوى يكون فى الحق ويكون فى الباطل
كما فى هذه الآية .
واستكبرتم: تكهرقم، والتكبر ينشأ عن الاعجاب بالنفس الذى هو أثر
الجهل بها. وهو من الصفات التى متى تمكنت فى النفس أوردتها المهالك،
وساقتها إلى سوء المصير .
وقدم تكذيبهم الرسل على قتلهم إياهم ، لأن التكذيب أول ما يصدر
عنهم من الشر.
وعمر فى جانب القتل بالفعل المضارع فقال ((تقتلون)) ولم يقل قتلتم.
كما قال كنتم، لأن الفعل المضارع كما هو المألوف فى أساليب البلاغة.
يستعمل فى الأفعال الماضية التى بلغت من الفظاعة مبلغاً عظيما. ووجهه أن.
المتكلم يعمد بذلك الفعل القبيح كقتل الأنبياء ، ويعبر عنه بالفعل المضارع
الذى بدل بحسب وضعه على الفعل الواقع فى الحال . فكأنه أحضر صورة
قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ،
واستفظاعه لها أعظم .
ثم حكى القرآر بعض الدعاوى الباطلة التى كان يدعيها اليهود فى المصر
النبوى ورد عليها بما يدحضها فقال :
((وقالوا قلوبنا غلف، أى: قال اليهود الذين كانوا فى العهد النبوى:
قلوبنا يا محمد مغطاة بأغطية حسبة مائعة من نفوذ ما جئت به فيها. ومقصدم
من ذلك ، إقناطه - صلى الله عليه وسلم - من إجابتهم لدعوته حتى لا يعيد
عليهم الدعوة من بعد .
والغلف: جمع أغلف، وهو الذى جعل له غلاف ، ومنه قيل للقلب
الذى لا يعى ولا يفهم ، قلب أغلف ، كأنه حجب عن الفهم بالغلاف .
قال ابن كثير: وقرأ ابن عباس - بضم اللام - وهو جمع غلاف ..
أى: قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك .

٢٥٥
سورة البقرة
وقد رد الله - تعالى - على كذبهم هذا بما يدحضه ويفضحه فقال:
((بل لعنهم الله بكفرهم)) أى: أن قلوبهم ليست غلفاً بحيث لا تصل
إليها دعوة الحق بل هى متمكنة بأصل فطرتها من قبول الحق، ولكن الله
أبعدهم من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء واستحبابهم العمى على المدى.
والفاء فى قوله: ((فقليلا ما يؤمنون ، للدلالة على أن ما بعدها متسبب.
عما قبلها و((ما)، فى قوله (( فقليلا ما، لتأكيد معنى الفلة.
والمعنى أن الله امنهم وكان هذا اللعن سبباً لقلة إيمانهم فلا يؤمنون
إلا إيماناً قليلا، وقلة الإيمان ترجع إلى معنى أنهم لا يؤمنون إلا بقليل ،!
يجب عليهم الإيمان به . وقد وصفهم الله - تعالى - فيما سبق بانهم كانوا
يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض .
ثم نبه القرآن المؤمنين إلى نوع آخر من رذائل الجهود، ويتجلى هذا
النوع فى جحودهم الحق عن معرفة وعناد، وكراهتهم الخير لغيرهم بدافع
الأنانية والحسد، وتحولهم إلى أناس يتميزون من الغيظ إذا ما رأوا نعمة
تساق لغير أبناء ملتهم .
استمع إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول:
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌّ
مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَ
الَّذِينَ كَفَرُوْ قَلَّا جَ هُم مَّا حَرَ فُواْ كَفَرُواْ بِهِ، فَلَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى
اَلْكَفِرِينَ ﴿3﴾ ◌ِثْسَمَا أَشْتَوْأَ بِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنَزَّلَ
اللَّهُ بَغْيَا أَنْ يُنَزِّلَ الله مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ، فَيَاةُ و
يِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍّ وَلِلْكَفِرِ ينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾

٢٥٦
الجزء الأول
روى المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى من هاتين الآيتين آثاراً متعددة.
- من ذلك ما جاء عن عاصم بن عمرو بن قتادة الأنصارى عن رجال من
قومه قالوا : ما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه ، أنا كنا نسمع من
رجال يهود حين كنا أهل شرك وكانوا أهل كتاب ، عندهم علم ليس عندنا،
وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فكنا إذا قلنا منهم بعض مايكرهون قالوا
لنا : قد تقارب زمان نبى يبعث الآن، فتبعه فنقتلكم معه قتل عادوإرم،
فلما بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسولا من عند الله أجبنا حين
جهانا إلى الله وعرفناما كانوا يتوعدوننا به فبادر ناهم إليه ، فآمنا به وكفروا
به، ففينا وفيهم نزل قوله - تعالى - ولما جاءهم كتاب من عند الله ... الخ
الآية : (١) .
1
ومعنى الآيتين الكريمتين: ولما جاء إلى اليهود محمد - صلى الله عليه وسلم-
ومعه القرآن الكريم وهو الكتاب الذى أوحاه الله إليه، مصدقاً لما معهم من
التوراة فيما يختص ببعثة النبى - صلى الله عليه وسلم - ونعته، وكانوا قبل ذلك
يستنصرون به على أعدائهم، لما جاءهم النبى المرتقب ومعه القرآن الكريم جحدوا
نبوته ، وكذبوا كتابه ( فلعنة الله على الكافرين). بشر الشىء الذى بأعوابه
أنفسهم . الكفر بما أنزل الله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكفرهم
هذا كان من أجل البغى الذى استولى على نفوسهم، والحد الذى خالط
قلوبهم، وكراهية لأن ينزل الله وحيه على محمد العربى - صلى الله عليه وسلم-
فياءوا بسبب هذا الخلق الذميم، بغضب مترادف متكاثر من الله - تعالى -
( وللكافرين عذاب مهين ) جزاء كفرهم وحدهم .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٢٣.
(٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح = ٣ ص ٢٨٢ للإمام ابن
قيمية وقد ساق - رحمه الله - أكثر من عشرة آثار فى هذا المعنى عند حديثه
عن هذه الآ ية .

٠ ٢٥٧
سورة البقرة
والمراد بالكتاب فى قوله تعالى ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما
سمعهم) القرآن الكريم ، وفى تفكيره زيادة تعظيم وتشريف له، وفى الأخبار
عنه بأنه من عند الله، إشارة إلى أن ما يوحى به - سبحانه - جدير بأن يتلقى
-بالقبول وحسن الطاعة لأنه صادر من الحكيم الخبير، والذى مع اليهود
هو التوراة، ومعنى قول القرآن مصدقاً لها، أنه يؤيدها ويوافقها فى أصول
ثالدين، وفيها يختص ببعثة النبى - صلى الله عليه وسلم - وصفته.
وفى وصف القرآن الكريم بأنه مصدق لما معهم ، زيادة تسجيل عليهم
بالمذمة لأنهم لم يكفروا بشىء يخالف أصول كتابهم وإنما كفروا بالكتاب
الذى يصدق كتابهم .
وقوله تعالى: ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا).
بيان لحالتهم قبل البعثة المحمدية، فإن اليهود كانوا عندما يحصل بينهم
موبين أعدائهم نزاع، يستنصرون عليهم بالنبى - صلى الله عليه وسلم - قبل
- بعثته فيقولون اللهم انصرفا عليهم بالنبى الذى نجد نعته فى التوراة،
والاستفتاح معناه: طلب الفتح وهو الفصل فى الشىء والحكم فيه، كما
فى قوله تعالى: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق). ويستعمل بمعنى النصر
لأن فيه فصلا بين الناس قال تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) أى: ؟
إن تستنصروا فقد جاءكم النصر ، فالمراد به فى الآية الاستنصار.
ثم بين - سبحانه - حقيقة حالهم بعد أن جاءهم الكتاب والرسول
فقال تعالى :
(فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) أى : فلما جاءهم ما كانوا
.. يستفتحون به على أعدائهم ويرتقبونه جحدوه وكفروا به.
وقال - سبحانه - ( فلما جاءهم ما عرفوا) ولم يقل فلما جاءهم الكتاب
أو الرسول ، ليكون اللفظ أشمل، فيتناول الكتاب والرسول الذى جاء به
ثلأنه لا يجىء الكتاب إلا عن طريق رسول.
(م - ١٧ البقرة)

٢٥٨
الجزء الأول
ومعرفتهم بصدق الرسول (صلى الله عليه وسلم) وما أنزل عليه حاصا
بانطباق العلامات والصفات الواردة فى التوراة عن النبى (صلى الله عليه وسلم
فكان من الواجب عليهم أن يؤيدوا هذه المعرفة بالإيمان به ، ولكن خوفه.
على زوال رياستهم وأموالهم، وفوات ما كانوا يحرصون عليه من أن يكون
النبى المبعوث منهم لا من العرب، ((لأ قلوبهم غيظاً وحسداً، وأخذ هذ
الغيظ والحسد يغالب تلك المعرفة حتى غلبها ، وحال بينها وبين أن يكون
لها أثر نافع لهم لعدم اقترانها بالقبول والتصديق .
بُ ولقد حاول رئيسهم (عبد الله بن سلام) - رضى الله عنه - أن يصرفهم
عن العناد وأقسم لهم بأن ما جاء به النبى (صلى الله عليه وسلم) هو الحق
المصدق لما معهم أن يتبعوه ولكنهم عموا وصموا وتنقصوه ولذا لعنهم الله
تعالى، وأبعدهم عن رحمته كما قال تعالى: " فلعنة الله على الكافرين)).
وقال - سبحانه - (على الكافرين) ولم يقل عليهم، للإشعار بأن
حلول اللعنة عليهم كان سبب كفرهم .
ثم ذكر - سبحانه - أنهم بكفرهم قد باعوا أنفسهم بثمن بخس. فقاله
تعالى: ((بشما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله، أى : بئس.
الشىء الذى باع به اليهود أنفسهم كفرهم بما أنزل الله بغياً وحسداً أن ينزل
الله من فضله على من يشاء من عباده.
وجمهور المفسرين على أن (اشتروا) هنا بمعنى باءوا، لأن أولئك.
اليهود، لما كانوا متمكنين من الإيمان الذى يفضى بهم إلى السعادة الأبدية
بعد أن جاءهم ماعرفوا من الحق فتر كوه ، واستمروا على كفرهم بغياً
وحسداً وحباً فى الرياسة وتعصباً لجفسيتهم لماكانوا كذلك، صار اختيارهم.
الكفر على الإيمان، بمنزلة اختيار صاحب السلعة ثمنها على سلعته ، فكأنهم
بذلوا أنفسهم التى كان باستطاعتهم الانتفاع بإيمانها، وقبضوا الكفر عوضاً
عنها فأنفسهم بمنزلة السلعة المبيعة وكفرهم بمنزلة ثمنها المقبوض، فبتس هذاً.
التمن الذى أوردهم العذاب الأليم.

٢٥٩
سورة البقرة
وعبر - سبحانه - عن كفرهم بصيغة المضارع (أن يكفروا) وعن بيعهم
لأنفسهم بالماضى، (اشتروا) للدلالة على أنهم صرحوا بكفرهم بالقرآن
الكريم من قبل نزول الآية ، وإن بيعهم أنفسهم بالكفر طبيعة فيهم مستقرة
منذ وقت بعيد، وأنهم ما زالوا مستمرين على تلك الطبيعة المنحرفة.
وقوله تعالى (بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده)، تعليل
لكفرهم وبيان الباعث عليه، أى كفروا بما أنزل الله على عبده ورسوله محمد
(صلى الله عليه وسلم) بدافع من البغى والحقد، وكراهة لأن ينزل الله الوحى
من فضله على من يشاء من عباده ، فالبغى هنا مصدر بغى يبغى إذا ظلم .
والمراد به ظلم خاص هو الحسد، وإنما عد الحسد ظلما، لأن الظلم معناه
المعاملة التى تبعد عن الحق وتجافيه. والحسد معناه تمنى زوال النعمة عن الغير
والظالم والحاسد قد جانب كل منهما الحق فيما صنع، والحاسد أن يناله نفع
من زوال نعمة المحسود، كما أنه لن يناله ضر من بقائها ، ومادام الأمركذلك
فالحاسد ظالم المحسود بتمنى زوال النعمة وصدق الشاعر فى قوله.
وأظلم خلق الله من بات حاسداً - لمن بات فى نعمائه يتقلبٍ . .
فاليهود قد كفروا بما أنزل الله، من أجل حسدهم النبى (صلى الله عليه
وسلم) على النبوة ولأنه لم يكن منهم وكان من الحرب، وكراهية لآن ينزل
اللّه الوحى على من يصطفيه للرسالة من غيرهم ، فعدم إيمانهم بما عرفوه
وارتقبوه سببه أنافيتهم البغيضة، وأثرتهم الذميمة التى حملتهم على أن
يحسدوا الناس على ما أتاهم الله من فضله، وأن يتوهموا أن النبوة مقصورة
عليهم، فليس لله - تعالى - فى زعمهم - أن ينزعها من ذرية إسحاق ليجعلها
فى ذرية إسماعيل عليهما السلام -
ولم يصرح - سبحانه - بأن المحسود هو النبى (صلى الله عليه وسلم)
أعلم ذلك من سياق الآيات الكريمة والنقبيه على أن الحسد فى ذاته مذموم
كيفما كان حال المحسود.
. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما آل إليه أمرهم من خسر ان مبين فقال تعالى: "

٢٦٠
الجزء الأول
( فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين): باء بإثمه يبه
أى: رجع أى: فرجعوا من أجل كفرهم وحدهم للنبى (صلى الله على
وسلم) بغضب مضموم إلى غضب آخر كانوا قد استحقوه بسبب كفره
بعيسى - عليه السلام - وبسبب تحريفهم الكلم عن مواضعه ، وتضييعهه
لأحكام التوراة . فهم بسبب كفرهم المستمر الذى تعددت أسبابه، يصيبم.
غضب كثير متعاقب من الله - تعالى - .
ويصح أن يكون معنى قوله: ( فباءوا بغضب على غضب ) أنه
رجعوا بغضب شديد مؤكد، لصدوره من الله - تعالى -.
والمراد بالكافرين ، اليهود الذين تحدث عنهم فيما سبق، فهم الذين
عرفوا صدق محمد (صلى الله عليه وسلم) فى قيوته بما نطقت به التوراة، ومع
ذلك كفروا به فاستحبوا العمى على الهدى .
وعبر عنهم بهذا العنوان للنفبيه على أن ما أصابهم من عذاب مذل له.
كان بسبب كفرهم، ويصح أن يراد بالكافرين: كل كافروهم يدخلون فيـ
دخولا أوليا؛ وإنما كان لهم العذاب المهين لأن كفرهم لما كان سببه البغى
والحسد والتكبر والأنانية، قوبلوا بالإهانة والصغار.
وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد كشفتا عن لون من صفات اليهود
الذميمة وهو إعراضهم عن الإيمان بمحمد (صلى الله عليه وسلم) الذى كانو
يستنصرون به على أعدائهم قبل بعثته، وبيعهم الإيمان الذى كان فى مكتته
الظفر به بالكفر بما أنزل الله من دين قوم، وكتاب كريم إرضاء الغريزة
الحقد الذى استحوذ على قلوبهم، وتمشياً مع أثرتهم التى أبت عليهم أذ
يؤمنوا بنى ليس من نسل إسرائيل ولو جاءهم بالحق المبين، فحق عليهم
قول الله - تعالى - (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)
ثم حكى القرآن بعد ذلك بعض المعاذير الكاذبة التى كان اليهود يعتذرون
بها عندما يدعون إلى الدخول فى الإسلام، فقد كانوا يقولون إننا مكلفين
ألا نؤمن إلا بكتا بنا التوراة ، فنحن نكتفى بالإيمان به دون غيره. استمع الى