Indexed OCR Text

Pages 201-220

٠٢٠١
سورة البقرة
، وبعد أن بين القرآن الكريم ماحل باليهود من عقوبات بسببه.
جحودهم لنعم الله، وكفرهم بآياته - أردف بذلك ما وعد الله به المؤمنين
من جزيل الثواب .
فقال - تعالى - :
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُوا وَالَّصَدَى وَالصَّدِعِينَ مَنْ ءَامَنَ بِللهِ
وَالْيَوْمِ آَخِ وَمِلَ صَدِعًا فَهُمْ أَبْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ وَلَ نَخْفُ
عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ (3)
ففى هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن أربع فرق من الناس : أما
الفرقة الأولى فهى فرقة الذين آمنوا، والمراد بهم الذين آمنوا بالنى صلى الله
عليه وسلم، ومدقوه ،
وابتدأ القرآن بهم للإشعار بأن دين الإسلام دين قائم على أساس أن.
الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإيمان الصادق والعمل الصالح، ولا فضل لأمة.
على أمة إلا بذلك، كما قال - تعالى -: ((إن أكرمكم عند الله أتقا كم)).
وأما الفرقة الثانية فهى فرقة الذين هادوا، أى: صاروا يهوداً ، يقال:
هاد وتهود، أى دخل فى اليهودية، وسمواً بهوداً نسبة إلى يهو ذا أكبرأولاد.
يعقوب - بقلب الذال دالا فى التعريب - أو سمواً هودا حين تابوا من
عبادة العجل، من هاد يهود هودا بمعنى قاب. ومنه ((إنا هدفا البك))
أى : قینا.
والفرقة الثالثة: هى فرقة النصارى، جمع نصران بمعنى نصرانى،
كندامى وندمان والياء فى نصرانى للمبالغة، وم قوم عيسى - عليه السلام -.
قبل سمواً وذلك لأنهم كانوا أمصاراً له، وقيل إن هذا الاسم مأخوذ من.
الناصرة وهى القرية التى كان عيسى - عليه السلام - قد نزلها .

٢٠٢
الجزء الأول
وأما الفرقة الرابعة: فهى فرقة الصائبين جمع صابى.، وهو الخارج من
دين إلى دين، يقال: صبأ الظلف والناب والنجم - كمنع وكرم - إذا طلع.
.. والمراد بهم الخارجون من الدين الحق إلى الدين الباطل ، وهم قوم يعبدون
الكواكب أو الملائكة، ويزعمون أنهم على دين صابىء بن شيث بنآدم.
وذكر القرآن الصابئة فى هذا المقام وهم من أبعد الأمم ضلالا. لينبه
على أن الإيمان الصحيح والعمل الصالح يرفعان صاحبهما إلى مرتقى الفلاح.
حتى ولو سبق له أنه بلغ فى الكفر والفجور أقصى غاياته.
والإيمان المشار إليه فى قوله - تعالى -: ((من آمن بالله واليوم الآخر،
.. الخ،. يفسره بعض العلماء بالنسبة اليهود والنصارى بمعنى صدور
الإيمان منهم على النحو الذى قرره الدين الحق، فمن لم تبلغه منهم دعوة
الإسلام، وكان ينتمى إلى دين صحيح فى أصله بحيث يؤمن بالله واليوم
الآخر ويقدم العمل الصالح على الوجه الذى يرشده إليه دينه ، فله أجر.
على ذلك عند و به .
أما الذين بلغتهم دعوة الإسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها، فإنهم
لا يكونون ناجين من عذاب الله مهما ادعرا بأنهم يؤمنون بغيرها، لأن
الشريعة الإسلامية قد نسخت ما قبلها والرسول ( صلى الله عليه وسلم)
يقول: « لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعى)).
ويفسرونه - أى الإيمان - بالنسبة للمؤمنين المشار إليهم بقوله تعالى: (إن
الذين آمنوا .. ) على أنه بمعنى الثبات والدوام والإذعان ، وبذلك ينتظم
عطف قوله - تعالى - (وعمل صالحاً) على قوله (آمن) مع مشاركة هؤلاء
المؤمنين لتلك الفرق الثلاث فيما يترتب على الإيمان والعمل الصالح من ثواب
جزيل ، وعاقبة حميدة .
وبعض العلماء يرى أن معنى ((من آمن)، أى: من أحدث من هذه
الفرق إيماناً بالنى - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء من عند ربه، قالوا: لأن

٢٠٣
سورة البقرة
مقتضى المقام هو الترغيب فى دين الإسلام، وأما بيان من مضى على دين آخر
قبل نسخه فلا ملابسة له بالمقام ، فضلا عن أن الصابتين ليس لهم دين مجوز
رعايته فى وقت من الأوقات .
ثم بين - سبحانه - عاقبتهم فقال: ، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف
عليهم ولا هم يحزنون ، .
الأجر : الجزاء على العمل، وسمى الله ما يعطيه المؤمن العامل أجراً
على سبيل التفضل منه .
وقال: ((عند ربهم، ليدل على عظم الثواب، لأن ما يكون عند الله
بهن الجزاء على العمل لا يكون إلا عظيماً، ولأن المجازى لهم هو ربهم
المنغوت بصفات الكرم والرحمة وسعة العطاء.
والمعنى: إن هؤلاء الذين آمنوا بالله عن تصديق وإذعان ، وقدموا
العمل الصالح الذى ينفعهم يوم لقائه، هؤلاء لهم أجرهم العظيم عند ربهم،
ولا يفزعون من هول يوم القيامة كما يفزع الكافرون ، ولا يفوتهم نعيم ،
فيحزنون عليه كما يحزن المقصرون .
ثم واصل القرآن حديثه مع بنى إسرائيل، فذكرهم بنعمة شمول الله
إياهم برحمته وفضله رغم توليهم عن طاعته ونقضهم لميثاقه فقال تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنَا مِتَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُرُ
الطُّورَ خُذُواْ مَآءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَنْ كُرُواْ مَافِيِهِ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ (8)
ثُمَتَُّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَوَلَ فَضْلُ اللهِ عَيْكُمْوَرَحْتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ
الْخَسِرِينَ ®
قال ابن جرير: ((وكان سبب أخذ الميثاق عليهم فيما ذكره ابن زيد،

٢٠٤
الجزء الأول
ما حدثنى به يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد :
لما رجع موسى من عند ربه بالألواح قال لقومه بنى إسرائيل: إن هذه الألواح
فيها كتاب الله، وأمره الذى أمركم به ونهيه الذى نهاكم عنه. فقالوا: ومن
يأخذ بقولك أنت، لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول:
« هذا كتانى فخذه، فما له لا يكامنا كما كلك أنت يا موسى فيقول:
هذا كتابى فن ذوه؟! قال بنجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة نصحقتهم.
فماتوا جميعاً، قال: ثم أحياهم اللّه بعد موتهم فقال لهم موسى: خذوا.
كتاب الله. فقالوا: لا. قال: أى شىء أصابكم؟ قالوا: متنا جميعاً، ثم
حيينا؛ قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل
فوقهم، فقيل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا نعم، هذا الطور. قال: خذوا
الكتاب وإلا طرحناه عليكم، قال: فأخذوا بالميثاق . قال : ولو كانوا
أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق))(١).
ومعنى الآيتين الكريمتين: واذكروا- يا بنى إسرائيل - لتعتبروا وتنتفعوا
وقت أن أخذنا عليكم جميعاً العهد بأن تعبدوا الله وحده، وتتبعوا ما جاءكم
به رسله، وتعملوا بما فى التوراة ، واذكروا كذلك وقت أن رفعنا فوق
أسلافكم العطور تهديداً لهم بالعقوبة إذا لم يطيعوا أوامر الله، وايشهدوا آية.
من آيات الله الدالة على قدرته ، وقلنا لكم جميعاً. خذوا ما أتيناكم فى كتابكم
من تكاليف بحد وعزمواجتهاد ، واذكروا مافيه وقدروه وسيروا علىهديه.
لتقوا الهلاك فى الدنيا والعذاب فى الآخرة، ولكن الذى حصل منكم جميعاً
أنكم أعرضتم عن العمل بما أخذ عليكم ، فر كتم تعاليم كتابكم وآذيتم.
أنبياء كم، ولولا أن الله - تعالى - رأف بكم، ووقكم للتوبة، وعفا عن ..
زلاتكم ، لكنم من الهالكين فى دنيا كم وآخرتكم .
وقوله تعالى: ((وإذ أخذنا ميثاقكم، تذكير لبنى إسرائيل بنعمة من
أمثال النعم الواردة فى الآيات السالفة، لأن أخذ الميثاق عليهم ليعملوا بما
فى التوراة من الأمور العائد عليهم نفعها .
(١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٣٢٤

٢٠٥
سورة البقرة
وقوله تعالى: ((ورفعنا فوقكم الطور، أى: أعليناه، وجعلناه فوق
ـر.وسكم كالمظلة .
والطور : اسم الجبل الذى ناجى عليه موسى ربه - تعالى - كان
بنو إسرائيل بأسفله فرفع فوق رءوسهم .
وقوله تعالى: ((خذوا ما آتينا كم بقوة ، مقول لقول محذوف، دل
عليه المعنى، والتقدير: وقلنا لهم : خذوا ما آنيناكم بقوة، أى: تمسكوا
به ، واعملوا بما فيه يحدو نشاط، وتقبلوه ، واجتنبوا نواهيه، واعملوا
ما جاء به بدون تردد .
والمراد ((بما آتيناكم، التوراة التى أنزلها الله تعالى على موسى لتكون
هدى وفوراً لهم. وقوله تعالى: (واذكروا ما فيه، أى أحفظوه وتدبروه
.وتدارسوه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، واعملوا بكل ما جاء
فيه بلا تعطيل لشىء منه .
قال الإمام القرطبى: ((وهذا هو المقصود من الكتب، العمل بمقتضاها
لا تلاوتها باللسان - فحسب - ، فقد روى النسائى عن أبى سعيد الخدرى
- رضى الله عنه - أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: ((إن من
أشر الناس رجلا فاسقاً يقرأ القرآن، لا يرعوى إلى شىء منه)) (١).
و((لعل) فى قوله تعالى: ((لعلكم تتقون)، إما التعليل، فيكون المعنى:
خذوا الكتاب بجد وعزم ، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة ، لتتقوا الهلاك
فى عاجلتكم وآجلتكم، وإما للترجى، وهو منصرف إلى المخاطبين، فيكون
المعنى: خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا مافيه ولا تنوه، وأنتم ترجون
أن تكونوا من طائفة المتقين .
وقوله تعالى ((ثم قوليتم من بعد ذلك، بيان لنقضتهم وإعراضهم عن
العمل بالميثاق الذى أخذ عليهم، ونبذوه خلف ظهورهم.
(١) تفسير القرطبى ج ١ ص ٣٤٧

٢٠٦
الجزء الأول
والمشار إليه بقوله تعالى: ((ذلك، أخذ الميثاق عليهم، وقبول ما أتوم
من الكتاب، والمعنى: ثم أعرضتم وانصرفتم عن طاعتى بعد أخذ الميثاق
عليكم ، ومشاهدتكم الآيات التى تستكين لها القلوب ؛ لأن قلوبكم.
كالحجارة أو أشد قسوة .
وقوله تعالى: (فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين
تصريح بما حباهم به - سبحانه - من رأفة بهم، وقبول لتوبتهم ، وعفو عن.
خطئاتهم، فكأنه - سبحانه - يقول لهم: إنكم بإعراضكم عن طاعتى،
و نقضکم امهدی ، وإهمالکم العمل بکتابی، وعدم تأثر کم بآياتی ونذرى،
قد استحققتم غضبى وعذابى، ولكن حال دون حلولها بكم . فضلى الذى
تدار ککم ورحمتی التى وسعتكم ، ولطفى وإمهالى لكم ، ولولا ذلك لكنتم
من الخاسرين فى دنياكم وآخركم، بسبب ما اجترحتم من نقض ميثاقكم.
وبذلك تكون الآيتان قد ذكرتا بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النبوى
بما كان من أسلافهم من جحود النعمة ، ونقض للعهد ، وفى هذا التذكير
تحذير لهم من السير على طريقتهم ، ودعوة لهم إلى الدخول فى الإسلام واتباع.
محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
تم ذكرهم - سبحانه - بسو. عاقبة الذين اعتدوا منهم فى السبت،
وحذرهم من أن بنهجوا نهجهم فقال - تعالى -:
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ مِنْكُرْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَا
لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ (٥َّه ◌َعَلْنَهَا نَكَلَاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا
خَلَفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
الاعتداء : مجاوزة الحد ، يقال : اعتدى فلان وتعدى إذا ظلم .
والسبت : المراد به اليوم المسمى بهذا الاسم، وأصل السبت - كما:

٢٠٧
سورة البقرة
قال ابن جرير - الهدوء والسكون فى راحة ودعة، ولذلك قيل للناثم: مسبوت
لهدوته وسكون جسد، واستراحته. كما نال-جل ثناؤه -((وجعلنا نومكم سباقاً.
أى راحة لأبدانكم ، وهو مصدر، من قول القائل سبت فلاز يسبتسيتاً (١).
وملخص قصة اعتداء بنى إسرائيل فى يوم السبت، أن الله - تعالى -
أخذ عليهم عهداً بأن يتفرغوالعبادته فى ذلك اليوم، وحرم عليهم الاصطياد.
فيه دون سائر الأيام، وقد أراد - سبحانه - أن يختبر استعدادهم لل قابعهودهم،
فابتلاهم بتكاثر الحيتان فى يوم السبت دون غيره، فكانت تتراءى لهم على
الساحل وذلك اليوم قريبة المأخذ سهلة الاصطياد فقالوا: أو حفرنا إلى جانب
ذلك البحر الذى يزخر بالأسماك يوم السبت حياضاً تنساب إليها المياه فى
ذلك اليوم ثم نصطادها من تلك الحياض فى يوم الأحد وما بعده، وبذلك
نجمع بين احترام ما عهد إلينا فى يوم السبت، وبين ما تشتهيه أنفسنا من.
الحصول على تلك الأسماك ، فنصحهم فريق منهم بأن عملهم هذا إنما هو
امتثال ظاهرى لأمرالله، ولكنه فى حقيقته خروج عن أمره من ترك الصيد
فى يوم السبت، فلم يعباً أكثرهم بذلك، بل نفذ تلك الحيلة، فغضب الله عليهم.
ومسخهم قردة، وجعلهم عبرة لمن عاصرهم ولمن أتى بعدهم ..
والحديث عن أصحاب السبت قد جاء ذكره مفصلا فى سورة الأعراف.
كما جاءت الإشارة إليه فى سورتى النحل والنساء .
ثم بين - سبحانه - العقوبة التى حلت بهم بسبب اعتداتهم فى يوم.
السبت، وتحايلهم على استحلال مصارم الله فقال - تعالى - :
((فقلنا لهم كونوا قردة خاشتين».
أى: صاغرين مطرودين مبعدين عن الخير أذلاء .
والخسوء: الطرد والإبعاد. يقال: خسأت الكلب خاً وخسوط؟؟
- من باب منع - طردته وزجرته ، وذلك إذا قلت له: اخباً.
(١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٣٢٧
-

٢٠٨٠
الجزء الأول
وجمهور المفسرين على أنهم مسخوا على الحقيقة ثم ماتوا بعد ذلك
مجوقت قصير .
ويرى مجاهد أنهم لم تمسخ صورهم ولكن مسخت قلوبهم، أى: إنهم
مسجوا مسخاً نفسياً فصاروا كالقردة فى شرورها وإفسادها لماتصل إليها أيديها
وتلك العقوبة كانت بسبب إمعانهم فى المعاصى ، وتأبيهم عن قبول
النصيحة، وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم، وأنتكامهم إلى عالم.
الحيوان لتخليهم عن خصائص الإنسان ، فكانوا حيث أرادوا لأنفسهم
ـمن الصغار والهوان .
والضمير فى قوله (( فجعلناها)) يعود إلى العقوبة التى هى مسخهم قردة
و((فكالا، أى عبرة تنكل المعتبر بها بحيث تمنعه وتردعه من ارتكاب الشر.
يقال : نكل به تنكيلا إذا صنع به صنعاً بردعه ويجعل غيره يخاف
ويحذر. والاسم النكال وهو ما نكات به غيرك، وأصله من الفكر
- بالكسر - وهو القيد الشديد وجمعه أنكال .
وقوله : (( لما بين يديها وما خلفها . أى: الذين كانوا قبل هذه العقوبة
وعاشوا حتى شاهدوها ، والذين أقوا بعدها وعرفوا عن يقين خبرها .
والمعنى : فجعلنا هذه العقوبة عبرة زاجرة لمن كان قبلها وعاش حتى
رآها ولمن أتى بعدها وعلم يقيناً بحال العادين فى السبت الذين مسخوا
بسبب عصيانهم تحذيراً له من أن يعمل عملهم، فيمسخ كما مسخوا ، ويحل
به العذاب الذى حل بهم. كما جعلناها أيضاً«موعظة للمتقين، الذين يسمعون
قصتها فهم الذين من شأنهم أن ينتفعوا بالعظات ، ويتروا بالمثلات .
ثم ساق القرآن بعد ذلك قصة من قصص بنى إسرائيل تدل على تنطعهم
فى الدين، ومحاوانهم تضييق ما وسعه الله عليهم، وتهربهم من الانصياع لكلمة
الحق ، وتشككهم فى صدق أنبيائهم، وتعنتهم فى السؤال .. وهذه القصة هى
قصة أمرهم على لسان نبيهم موسى - عليه السلام-بذبح بقرة. أستمع إلى
القرآن الكريم ، وهو يحكى هذه القصة بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول.

سورة البقرة
/٢٠٩
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّه
٠٠
يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبُواْ بَقَرَّةً قَالُواْ أَتَّخِذُنَا هُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ
أَكُونَ مِنَ الْجَهِنَ (﴾ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَّنْ لَّنَا مَامِىَّ قَالَ
بِنَُّ يَقُولُ إِنَّهَ بَقَرَةٌ لَّا قَرِ ضٌ وَلَا بِكْرٍّ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَفْعَلُواْ
مَا تُؤْمَرُونَ ﴿ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَّنَ لَّنَا مَالَوْنُهاَ قَالَ إِنَّهُ
يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَِّظِرِينَ (﴾ قَالُواْ أَدْعُ
لَنَا رَبَّكَ يُبَيِنِ لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقْرَ أَشْبَ عَلَيْنَا وَإِنَّ إِن شَآءَ اللهُ
لَمُهْتَدُونَ ﴾ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَهَبَقَرَةٌ لََّدَُّلٌ يُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا
تَسْفِ الْحَرَّثَ مُسَلََّةٌ لَّائِبَةً فِيهَا قَالُواْ الْعَلْنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَبُوهَا
وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (*) وَ إِذْ قَلْتُمْ نَفْسًا فَأَغْ فِيهَا وَالله ◌ُخْرِجْ
?
مَّاكُنتُمْ تَكْتُمُونَ (#﴾ فَقُلْنَا أَضْرِ بُوهُ بِبَعْضِهَا كَالِكَ يُحِيِ آله
الْمَوْقَى وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (چِ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهُمٍ
مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَ لِجَارَةٍ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ.
لُمَا يَتَفَجِّرُ مِنْهُ الْأَنْهَرِّ وَإِنَّ مِنْهَ لَمَا يَتَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَ.
، وَإِنَّ مِنْهَا لَمَ يَهْطُ مِنْ خَشْبَةِ اللهِ وَمَالَهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( چ)
٠ ٠

٢١٠
الجزء الأول
روى المفسرون أنه كان فى بنى إسرائيل رجل غنى ، وله ان هم ا
لا وارث له سواء، فلما طال عليه موته قتله ليرئه، وحمله إلى قرية أخر
ألقوه فيها، ثم أصبح يطلب ثاره وجاء بناس إلى نبيهم موسى - د.
السلام - يدعى عليهم القتل، فسألهم موسى - عليه السلام - فجحدو
فسألوه أن يدعو الله ليبين لهم بدعائه القاتل الحقيقى، فدعا موسى !
فأوحى الله - تعالى - إليه أن يطلب منهم أن يذبحوا بقرة، فقال لهم مؤس
(إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ... ) (١).
وقد ساق القرآن الكريم هذه القصة بأسلوبه البديع الذي يأخذ بمجا
القلوب ، ويحرك النفوس إلى النظر والاعتبار ، فقال تعالى :
( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، قالوا أتخذ
هزواً، قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ).
ومعنى الآية الكريمة: واذكروا يا بنى إسرائيل- لتعتبروا وتتعظواوة.
أن حدث فى أسلافكم قتيل ولم يعرف الجانى . فطلب بعض أهله وغير
من يهمه الأمر من موسى - عليه السلام - أن يدعو الله - تعالى - يكشف
لهم عن القائل الحقيقى، فقال لهم (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) فدهشهو
وقالوا بسفاهة وحماقة ( أتتخذفا هزواً)؟ أى أتجعلنا موضع سخريتك
( قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) الذين يخبرون عنه بما لم يأمر به
والذى عليه جمهور المفسرين أن أمرهم بذبح البقرة كان بعد تنازعهم
فى شأن القائل من هو؟ وذلك ليعرف القائل الحقيقى إذا ضرب القتيل ببعضها
كما سيأتى فى قوله تعالى: ( وإذ قتلتم نفساً فادار أتم فيها والله مخرج ما كنتم
تكتمون ) .
١
(١) تفسير ابن كثير ج١ ص ١٩٧ بتصرف وتلخيص وهناك روايات
أخرى فى شأن هذه القصة ذكرها ابن جرير وأبو حيان وغيرهما لم
فذكرما لأنها لا تختلف عن النص الذى سقناه إلا فى التفاصيل.

٢١١
سورة البقرة
وقد أمرم الله - تعالى - بذبح بقرة دون غيرها من الحيوانات؛ لأنها
من جنس ما عبدوه وهو العجل ، وفى أمرهم بذلك تهوين أشأن هذا الحيوان
الذى عظموه وعبدوه وأحبوه فكأنه - سبحانه - يقول لهم: إن هذا البقر
الذى يضرب به المثل فى البلادة، لا يصلح أن يكون معبوداً من دون الله»
وإنما يصلح للحرث والسقى والعمل والذبح .
وقولهم (أقتخذوا هزوا)؟ يدل على سفههم وسوء ظنهم بنبيهم وعدم
توقيره له وجهلهم بعظمة الله - تعالى - وما يجب أن يقابل به أمره من
الانقياد والامتثال، لأنهم لو كانوا عقلا. لامتثلوا أمر نبيهم، وانتظروا
النتيجة بعد ذلك . ولكنهم قوم لا يعقلون .
ولما كان قولهم هذا القول بدل على اعتقادهم بأن موسى - عليه السلام-
قد أخبر عن الله بما لم يؤمر به، أجابهم موسى بقوله: (أعوذ بالله أن أكون
من الجاهلين): أى ألتجى. إلى الله وأبرأ إليه من أن أكون من السفهاء
الذين يروون عنه الكذب والباطل ، وفى هذا الجواب تبرؤ وتنزه عن
الهزء، وهو المزاح الذى يخالطه احتقار واستخفاف بالمازح معه - لأنه
لا يليق بعقلاء الناس فضلا عن رسل الله - عليهم السلام - كما أن فيه
- أيضاً - رداً لهم - عن طريق التعريض بهم - إلى جادة الأدب الواجب فى
جانب الخالق ، حيث بين لهم أن ما ظنوه به لا يليق إلا بمن يجهل عظمة
الله - تعالى - .
قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين عند تفسيره الآية الكريمة:
( وقد نبهت الآية الكريمة، على أن الاستهزاء بأمر من أمور الدين
جهل كبير ، ومن الجهل ما يلقى صاحبه فى أسوأ العواقب، ويقذف به فى
عذاب الحريق ، ومن هنا منع المحققون من أهل العلم استعمال الآيات كأمثال
يضربونها فى مقام المزح والهزل ، وقالوا: إنما أنزل القرآن الكريم ليتلى.

٢١٢
الجزءالأول
بتدبر وخضوع، وليعمل به بتقبل وخضوع)(١).
هذا وما أرشدهم إليه نبيهم - عليه السلام - كان كافياً لحملهم على
يذبحوا أى بقرة تنفيذاً لأمر ربهم، ولكن طبيعتهم الملتوية المعقدة لم تفارقم
فأخذوا يسألون كما أخبر القرآن عنهم بقوله: قالوا ادع لناربك يبين
ما هی)؟
أى : قال بنو إسرائيل لموسى اطلب لنا من ربك أن يبين لنا حا
وصفاتها (٢) . وسبب سؤالهم عن صفتها، تعجبهم من بقرة مذبوحة بأيديه
يضرب ببعضها ميت لتعود إليه الحياة، وكأنهم - لقلة فهمهم - قد توقع
أن البقرة التى يكون لها أثر فى معرفة قائل القتيل، لا بد أن تكون لها صـ
متميزة عن سائر جنسها .
وسؤالهم بهذه الطريقة يوحى بسوء أدبهم مع الله - تعالى - ومع نبي
موسى - عليه السلام - لأنهم قالوا «ادع لنا ربك، فكأنما هو رب موس
وحده، لا ربهم كذلك، وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعنى موسى ور
ومع هذا فقد أجابهم إجابة المربى الحكيم للأنباع السفهاء الذين ابتلى:
فقال: (قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض (٣) ولا بكر عوان بين ذلك فانعا
ما تؤمرون ).
(١) مجلة لواء الإسلام العدد السابع السنة الثانية ص ٠٨
(٢) (ما ) هنا مراد بها السؤال عن الصفة كما يقول من يسمع الناء
يتكلمون من حاتم أو الأحنف وقد علم أنهما رجلان ، ولم يعلم صفتيه
ما حاتم؟ أو ما الأحنف؟ فيقال: كريم أو حليم .
(٣) الفارض المسنة اسم البقرة التى إفقطعت ولادتها من الكبر، وهي:
بذلك لأنها فرضت سنها أى قطعتها وبلغت آخرها. والبكر هى الفتية مشة
من البكرة - بالضم - وهى أول النهار، والمراد بها هذا التى لم تلد . قال!
جرير (البكر من إناث البهائم وبنى آدم ما لم يفتحله الفحل) والعوان هى:

٢١٣
سورة البقرة
أى: قال لهم موسى بعد أن أخبره الله بصفتها: إنه - تعالى - يقول:
إن البقرة التى آمركم بذبحها لا مسنة ولا صغيرة، بل نصف بينهما، فاتركوا
الإلحاح فى الأسئلة ، وسارعوا إلى امتثال ما أمرتم به.
وقد أكد - سبحانه - جملة ( قال إنه يقول إنها بقرة) تنز بلالهم منزلة
المنكرين لتعنتهم فى السؤال ومحاولتهم التتصل مما أمروا به.
ولم يقل القرآن الكريم من أول الأمر: أنها بقرة عوان بل جاء بالوصفين
السابقين ( لا فارض ولا بكر ) التعريض بغباوتهم، والتلميح بعدم فهمهم
للأساليب الموجزة، لذا لجأ فى جوابهم إلى تكتير التوصيف حتى لا يعودوا
إلى تكرار الأسئلة .
وقوله تعالى: ((فافعلوا ما تؤمرون، يقصد به قطع العذر مع الحض.
على الطاعة والامتثال . وما موصولة ، والعائد محذوف بعد حذف جاره ،
على طريقة التوسع ، أى: إذا كان الأمر كذلك ، فبادروا إلى تنفيذ ٠)
تؤمرون به ، لتصلوا إلى معرفة القاتل الحقيقى بأيسر طريق، ولا تضيق واعلى
أنفسكم ما وسعه الله لكم، ولا تكثروا من المراجعة، فإنها ليست فى مصلحتكم.
ومع ذلك فقد أبوا إلا تنطعاً، واستقصاء فى السؤال، فأخذوا يسألون
عن لونها بعد أن عرفوا منها، فقالوا كما حكى القرآن عنهم:
(قالوا ادع لنا ربك يبين ما لونها . قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاتح
لونها تسر الناظرين ).
=المتوسطة فى السن: وصح إضافة (بين) إلى اسم الإشارة (ذلك) لأنه أشير
إلى الفارض والبكر. قال ابن جرير: (العوان النصف التى قد ولدت بطناً
من بطن .. وجمعها عون. يقال: امرأة عوان من نسوة عون، وحربه
عوان إذا كانت حرباً قد قوقل فيها مرة بعد أخرى).

٢١٤
الجزء الأول
والمعنى: قال بنو إسرائيل لنبيهم، مشددين على أنفسهم بعدأن
صفة البقرة من جهة منها: سل لنا ربك يبين لنا ما لونها، لكى يسمها
الحصول عليها، فأجابهم بقوله: إنه - تعالى - يقول إن البقرة التى أم
بذبحها صفراء فافع لوها «تعجب فى هيئتها ومنظرها وحسن شكلها النـ
إليها ...
قال ابن جرير: ((والفقوع فى الصفرة نظير النصوع فى البياض
شدته وصفاؤه ، (١).
وقال صاحب الكهاف: « الفقوع أشد ما يكون مع الصفرة، و
يقال فى التو كيد أصفر فافع ووارس ، كما يقال: أسود حالك، ..
فإن قلت : فهلا قيل: صفراء فافعة، وأى فائدة فى ذكر اللون؟ قلت:
فيه التوكيد ، لأن اللون اسم الهيئة وهى الصفرة ، فكأنه قيل :
صفرتها فهو من قولك : جد جده )،(٢) .
وإلى هنا يكونون قد عرفوا وصف البقرة من حيث سنها ووص
حيث لونها، فهل أغنتهم هذه الأوصاف؟، كلا! ما أغنتهم . فقد أ
يسألون للمرة الثالثة عما هم فى غنى عنه فقالوا كما حكى القرآن عنهم :
ادع لنا ربك يبين لنا ماهى إن البقر تشابه علينا. وإنا إن شاء أبته ،هنا
قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول، تثير الأرض ولا تسقى الحرث،
لا شية فيها: قالوا الآن جنت بالحق فذبحوعا وما كادوا بفعلون).
ومعنى الآيتين الكريمتين : قال بنو إسرائيل لموسى بعد أن عرف
البقرة ولونها : سل من أجلنا ربك أن يزيد إيضاحاً لحال البقرة التى
بذبحها. حيث إن البقر الموصوف بالوصفين السابقين كثير ، فاشتيا
أيها نذبح، وإنا إن شاء الله بعد هذا البيان منك المهتدون إليها، ومنفا
(١) تفسير ابن جرير ج ١
(٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٢١٩

٢١٠
سورة البقرة
مكافنا به، فأجابهم موسى بقوله: «إنها بقرة لا ذلول تقدير الأرض ولا تسقى
الحرث، مسلمة لاشية فيها، أى قال إنه - سبحانه - يقول: إنها بقرة سائمة
لست مذللة بالعمل فى الحرائة ولا فى القى، وهى بعد ذلك سليمة .
كل عيب ، ليس فيها لون يخالف لونها الذى هو الصفرة الفاقعة ، فلما وجدوا
أن جميع مشخصاتها ويميزاتها قد اكتملت (( قالوا الآن جئت» بالحق)
الواضح، ولم يبق إشكال فى أمرها، وبحثوا عنها، وحصلوها, فذبحوها
. وما كادوا يفعلون)، لكثرة أسئلتهم وترددهم .
فقوله - تعالى -: ((قالوا ادغ لنا ربك يبين لنا ماهى، حكاية لسؤالهم
الثالث النبى وجهوه إلى نبيهم - عليه السلام - ايزدادوا معرفة بجال البقرة
وصفتها من حيث نفاسها، بعد أن عرفوا سنها ولونها .
فكأنهم يقولون له : إن فى أجوبتك السابقة عنها تقصيراً يشق معه
تمييزها، فسل من أجلنا ربك ليزيدنا بياناً لحالها، وكأنما أحسوا بأنهم قد
أنقلوا عليه وتجاوزوا الحدود المعقولة فى الطلب ، فعلوا ذلك بقولهم.
((( إن البقر تشابه علينا، أى: لا تتضايق من كثرة أسئلتنا، فإن لنا
عذرنا فى هذا التكرار . لأن البقر الموصوف بالعوان وبالصفرة الفاقعة
كثير، فاشتبه علينا أمر تلك البقرة التى تريدنا أن نذبحها .
قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «وإنما لم يعتذروا فى المرتين الأوليين
- واعتذروا فى الثالثة ، لأن الثلاثة فى التكرير وقعاً من الفس فى التأكيد
والسآمة وغير ذلك، ولذا كثر فى أحوال البشر وشرائعهم التوقيت بالثلاثة» (١)
وقولهم: ((وإنا إن شاء الله لمهعدون) حض لنبيهم موسى - عليه السلام -
على الدعاء، ووعد له بالطاعة والامتثال ، ودفع السآمة عن نفسه من كثرة
أسئلتهم، وتبرير لمسلكهم فى كثرة المراجعة حتى بتفادوا غضبه، فكانهم
يقولون له .
اجتهد فى الدعاء من أجل أن يزيدنا ربك إيضاحاً، وكشف الحال تلك
(١) تفسير التحرير والتنوير ج١ ص ٥٣٣

٢١٦"
الجزء الأول
البقرة التى تريد منا أن نذبحها، وإنا - إن شاء الله - بسبب هذا الإيضا.
سنهتدى إليها ، ثم إلى القاتل الحقيقى، وبذلك ندرك الحكمة، التى مر
أجلها أمرتنا بذبحها .
قال ابن جرير: وأما قوله تعالى: ((وإنا إن شاء اللّه لمهتدون، فإنم
عنوا وإناإن شاءالله لبين لنا ما التبس علينا وتشابه من أمر البقرة التى أمر
بذبحها . ومعنى امتدائهم فى هذا الموضع تبينهم أن ذلك الذى لزمهم ذبحه:
سواه من أجناس البقر، (١) .
وفى قوله تعالى: ((قال إنه يقول إنها بقرة لاذاول تثير الأرض، وا
تسقى الحرث مسلمة لاشية فيها، إضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة
كانوا فى غنى عنها لو أطاعوا نبيهم من أول الأمر، ولكنهم للجاجتهم
وسوء اختيارهم، وبعد أفهامهم عن مقاصد الشريعة، ضيقوا على أنفسهم
دائرة الاختيار ، فأصبحوا مكلفين بالبحث عن بقرة موصوفة بأنها متوسط
السن، لونها أصفر فاقع، تبهج الناظرين إليها، وهى، بعد ذلك ، ساء
نفيسة غير مذالة ولا مدربة على حرث الأرض أوسقى الزرع، سليمة من
العيوب، ليس فيها لون يخالف لونها الذى هو الصفرة الفاقعة.
وقوله تعالى ((لا ذاول)) (٢) صفة لبقرة ، يقال: بقرة ذلول ، أى
ريضة زالت صعوبتها، وإثارة الأرض : تحريكها وقلبها بالحرث والزراء
والحرث : شقها لإلقاء البذور فيها .
والمراد: ففى الذل ونفى إثارة الأرض وسقى الزرع عن البقرة المطلوب
أى : هى بقرة صعبة لم بذللها العمل فى حراثة الأرض ، ولا فى سقم
الزرع، فهى معفاة من العمل فى هذه الأشياء. و((لا، فى قوله تعالى
(١) تفسير ابن جرير جـ١ ص ٣٥٨
(٢) الذاول - بفتح الذال-فعول من ذل ذلا - بكسر الذال - فى المصد
بمعثى لان وسهل، وأما الذل - يضم الذال - فهو ضد العز ، وهما مصدرا
لفعل واحد خص فى الاستعمال أحد المصدرين بأحد المعنيين ) .

٢١٧
سورة البقرة
(( لا ذلول)، للنفى، وفى قوله تعالى: ((ولا تسقى الحرث)، مزيدة لتو كيد
الأولى، لأن المعنى: لاذلول تثير وتسقى، وأعيد فى قوله تعالى (ولا تسقى
الحرث، مراعاة للاستعمال الفصيح .
وقوله - تعالى - ((مسلمة لاشية فيها)) صفتان للبقرة، ومسلمة مفعلة.
من السلامة .
والشية: اللون المخالف لبقية لون الشىء، وأصله من وشى الشىء ،.
وهو تحسين عيوبه التى تكون فيه بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته .
والمعنى: إن هذه البقرة سليمة من العيوب المختلفة، وليس فيها لون.
يخالف أون جلدها من بياض أوسواد أو غيرهما ، بل هى صفراء كلها .
وأرادوا بالحق فى قوله تعالى: (( قالوا الآن جئت بالحق، الوصف ..
الواضح الذى لا اشتباه فيه ولا احتمال ، فكأنهم يقولون له: الآن - فقط -
جئتنا بحقيقة وصف البقرة"، فقد ميزتها عن جميع ما عداها، من جهة
اللون وكونها من السوائم لا العوامل، وبذلك لم يبق لنا فى شأنها اشتباه.
أصلا .
والفاء فى قوله تعالى: ((ففرحوها وماكادوا يفعلون، قد عطفت ما بعدها.
على محذوف يدل عليه المقام، والتقدير: فظفروا بها فذبحوها، أى: «ذبح
قوم موسى البقرة التى وصفها الله - تعالى - لهم ، بعد ماقاربوا أن يتركوا
ذبحها ، ويدعوا ماأمروا به، لنشککهم فى صمة ما یو جه إليهم من إرشادات
ولكثرة ماطلتهم .
قال صاحب الكشاف: وقوله تعالى: ((وما كادوا يفعلون، استثقال
الاستقصائهم ، وأنهم لتطويلهم المفرط. وكثرة استكشافهم، ماكادوا
يذبحونها وما كادت تنتهى سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها
وتعمقهم ، وقيل : ما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها، وقيل لخوف الفضيحة فى ..
ظهور القاتل ، (١) ..
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٠

٢١٨
الجزء الأول
ثم كشف الله - تعالى - بعد ذلك عن الغاية التى من أجلها أمروا بذ
البقرة فقال تعالى: «وإذ قتلتم نفساً فادار أقم فيها والله مخرج ما كنتم تكتم
فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكمآياته لعلكم تعقلور
المعنى: واذكروا يابنى إسرائيل إذ قتلت نفساً، فاختلفتم وتنازعتم
قائلها، ودفع كل واحد منكم التهمة عن نفسه، والله - عز وجل - مخر
لا محالة ما كتمتم من أمر القائل، فقد بين - سبحانه - الحق فى ذا
فقال على لسان رسوله موسى - عليه السلام - اضربوا القتيل بأى جزء
أجزاء البقرة، فضربتموه ببعضها فعادت إليه الحياة - بإذن الله - وأخ
عن قائله، وبمثل هذا الإحياء لذلك القتيل بعد موته، يحيى الله - المو
الحساب والجزاء يوم القيامة، ويبين لكم الدلائل الدالة على أنه قديره
كل شىء رجاء أن تعقلوا الأمور على وجهها السليم .
وجمهور المفسرين على أن واقعة قتل النفس وتنازعهم فيها، حصا
قبل الأمر بذح البقرة ، إلا أن القرآن الكريم أخرها فى الذكر ليها
على بنى إسرائيل جناياتهم وليشوق النفوس إلى معرفة الحكمة من ور
الأمر بذبحها، فتتقبلها بشغف واهتمام .
قال صاحب الكشاف. فإن قلت فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكا
حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها ، و
يقال: إذ قتلتم نفساً فادار أتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها
قات: كل ماقص من قصص بنى إسرائيل إنما قص تعد بدأ لما وجد منهم .
الجنايات، وتقريعاً لهم عليها، ولما جدد فيهم من الآيات العظام، وهاة
قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين
فالأولى لتقريمهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك
والثانية : للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة
وإنما قدم قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل ، لأنه لو عمل ء
حكمه لكانت القصة واحدة، ولذهب الغرض من أثنية التقريع، ولا

٢١٩
سورة البقرة
روعيت نكتة بعد ما استؤ نفت الثانية استئناف قصة برأسها، أن وصلت
بالأولى ، دلالة على اتحادهما، بضمير البقرة لا باسمها الصريح فى قوله :
((أضربوه ببعضها، حتى تبين أنهما فستان فيما يرجع إلى التقريع ونيته،
بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير
الراجع إلى البقرة، (١) .
وقد أسند القرآن الكريم القتل إلى جميعهم فى قوله تعالى ((وإذقتلتم)، مع أن
القائل بعضهم، للإشعار بأن الأمة فى مجموعها وتكاظها كالشخص الواحد.
وأسند القتل - أيضاً - إلى اليهود المعاصرين للعهد النبوى، لأنهم
من سلالات أولئك الذين حدث فيهم القتل، وكثيراً ما يستعمل القرآن
الكريم هذا الأسلوب التنبية على أن الخلف قد سار على طريقة السلف
فىز الأعراف والضلال .
وقوله تعالى ((فادار أنم فيها، بيان لما حصل منهم بعد قتل النفس التى
". ذكر ناقصتها ومعنى أدار أتم فيها: اختلفتم وتخاصمتم فى شأنها لأن المتخاصمين
يدرأ بعضهم بعضا أى يدفعه ويزحمه، أى تدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم
على بعض فدفع المطروح عليه الطارح، ليدفع الجناية عن نفسه ويثهم غيره.
وقوله تعالى: ((والله مخرج ما كنتم تكتمون، معناه: والله - تعالى -
مظهر ومعلن ما كنتم تستروفه من أمر القتيل الذى قتلتموه ، ثم تنازعتم فى
شأن قاتله ، وذلك ليتبين القائل الحقيقى بدون أن يظلم غيره .
وهذه الجملة الكريمة , والله مخرج ماكنتم تكتمون، معترضة بين
قوله تعالى ((فادار أتم، وبين قوله تعالى: ((فقلنا اضربوه ببعضها)).
.وفائدته إشعار المخاطبين قبل أن يسمعوا ما أمروا بفعله ، بأن القائل
الحقيقى -ينكشف أمره لا محالة .
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: (وإنما تعلقت إرادة الله بكشف حال
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢٢٠
حيا

٢٢٠
الجزء الأول
من قتل هذا القتيل - مع أنه ، ليس أول قتيل طل دمه فى الأمم -
إكراماً لموسى - عليه السلام - أن يضيع دم فى قومه وھو بين أظهر هم ».
وبمر أى ومسمع منه، لا سيما وقد قصد القاقلون استغفاله ودبروا المكيدة فى
إظهار المطالبة بدمه، فلو لم يظهر الله - تعالى - هذا الدم ويين سافكه -
لضعف يقين القوم بر سولهم موسى - عليه السلام - ولکان ذلك مما يزيد.
شكهم فى صدقه فينقلبوا كافرين، مكان إظهار القاتل الحقيقي إكراماً
من الله تعالى - لموسى، ورحمة بالقوم لئلا يضلوا)) (١).
وقوله تعالى: ( فقلنا أضربوه ببعضها ) إرشاد لهم إلى الوسيلة التى عن
طريقها سيهتدون إلى القائل الحقيقى، والضمير فى قوله ( أضربوه) يعود.
على النفس ، وتذكيره مراعى فيه معناها هو الشخص أو القتيل.
وضرب القتيل ببعضها - أيا كان ذلك البعض - دليل على كمال قدرة الله.
تعالى . وفيه تيسير عليهم. وإسم الإشارة فى قوله تعالى: ( كذلك يحى اللّه.
الموتى ) مشار به إلى محذوف دل عليه سياق الكلام.
والتقدير: فقلنا لقوم موسى الذين تنازعوا فى شأن القتيل اضربوه.
ببعض البقرة ليحيا، فضربوهفأحياه الله، وأخبر القتيل عن قاتله، وكمثل
إحيائه يحمى الله الموتى فى الآخرة للثواب والعقاب.
وبذلك تكون الآية ظاهرة فى أن الذى ضرب ببعض البقرة قد صار
حياً بعد موته .
قال الإمام ابن جرير - رحمه الله -: فإن قيل: وما كان معنى الأمر
بضرب القتيل ببعضها ؟ قيل: ليحيا فيجبى· نبى الله والذين أدار وافيه.
من قاتله .
فإن قال: وأين الخبر عن أن الله - تعالى - أمرم بذلك ؟ قيل:
ترك ذلك اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام الدال عليه، والمعنى : فقلتة
(١) تفسير التحرير والتنوير ج ١ ص ٠٥٢٩
۔