Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١. سورة البقرة . وقوله تعالى: (نغفر لكم خطاياكم) بيان للثمرة التى تترقب على طاعتهم. وخضوعهم لخالقهم، وإغراء لهم على الامتثال والشكر، - لو كانوا يعقلون. لأن غاية ما يتمناه العقلاء غفران الذنوب. قال الإمام ابن جرير : يعنى بقوله تعالى: (نغفر لكم خطايا كم) تتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترما عليكم ، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها. وأصل الغفر: التغطية والسقر، فكل سائر شيئاً فهو غافر .. والخطايا: جمع خطية - بغير همز - كالمطايا جمع مطية .. (١). وقوله تعالى: ( وسنزيد المحسنين ) وعد بالزيادة من خيرى الدنيا والآخرة لمن أسلم لله وهو محسن، أى: من كان منكم محسناً زيد فى إحسانه: ومن كان مخطئاً نغفر له خطيئاته . وقد أمرهم - سبحانه - أن يدخلوا باب المدينة التى فتحوها خاضعين وأن يلتمسوا منه مغفرة خطاياهم ، لأن تغلبهم على أعدائهم ، ودخولهم الأرض المقدسة التى كتبها الله لهم، نعمة من أجل النعم، وهى تستدعى منهم أن يشكروا اته عليها بالقول والفعل لكى يزيده من فضله ، فشأن الأخيار أن يقابلوا نعم الله بالشكر. ولهذا كان النبى ( صلى الله عليه وسلم) يظهر أقصى درجات الخضوع لله تعالى عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب، فعندما تم له فتح مكة دخل إليها من الثذية العليا، وإنه لخاضع لربه، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكراً لله على نعمة الفتح، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلى ثمانى ركعات سماها بعض الفقها صلاة الفتح . ومن هنا استحب العلماء الفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا فيها ثماني ركعات عند أول دخولها شكراً ته - تعالى - وقد فعل ذلك سعد بن أبى وقاص عندما دخل إيوان كسرى ، فقد ثبت أنه صلى بداخله ثماني ركعات. (١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٢٠٢. ١٨٢ الجزء الأول ولكن، ماذا كان من بنى إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح؟ إنهم لم يفعلوا ما أمروا بفعله ، ولم يقولوا ما كلفوا بقوله، بل خالفوا ما أمروا به من قول وفعل ، ولذا قال تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم ) . أخرج البخارى عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى ( صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (قيل لبنى إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولواحطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على أستام، وقالوا: حبة فى شعيرة )(١). قال الإمام ابن كثير : ( وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق، أنهم بدلوا أمر اللهلهم من الخضوعبالقول والفعل،فأمروا أن يدخلوا. الباب سجداً، فدخلوا يزحفون على أستاههم رافعين رؤسهم ، وأمروا أن يقولوا: حطة ، أى احطط عنا ذنوبنا وخطا يانا فاستهز. وا وقالوا: حنطة فى شعيرة، وهذا فى غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة، ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وخروجهم عن طاعته)(٢). فقوله تعالى : ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم ) بيان السبب الذى من أجله نزل عليهم العذاب، وتوبيخ لهم على مخالفتهم أو امر أنه - تعالى -، لأن تبديل الشىء معناه تغييره وإزالته عما كان عليه بإعطائه صورة تخالف التى كان عليها . والفعل ( بدل ) يقتضى بدلا ومبدلا منه، إلا أن مقام الإيجاز فى الآية استدعى الاكتفاء بذكر البدل - وهو القول الذى لم يقل لهم - دون ذكر المبدل منه - وهو القول الذى قيل لهم - والتقدير: فاختار الذين ظلموا. بالقول الذى أمرهم الله به، ولا آخر اخترعوه من عند أنفسهم على وجه المخالفة والعصيان . (١) صحيح البخارى. باب (وإذا قلنا ادخلوا هذه القرية ج ٦ ص٠٢٢ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٩٩ 1 ١٨٣ سورة البقرة قال صاحب الكشاف: ((فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم) أى: وضعو! مكان ((حطة) قولا غيرها، يعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناهمن ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه. وهو لفظ الحطة فجاء وابلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل، بمعنى ما أمروا به لم يؤاخذوا به كما لو قالوا مكان حطة: نستغفرك ونتوب إليك. أو اللهم أعف عنا وما -أشبه ذلك )، (١) . والعبرة التى تؤخذ من هذه الجملة الكريمة، أن من أمره الله - تعالى - بقول أو يفعل، فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله، دخل في زمرة الظالمين ، -وعرض نفسه لسوء المصير . وقوله تعالى: (( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا -يفسقون)) تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردم -وجحودهم لنعم الله - تعالى - والرجز فى لغة العرب: هو العذاب سواء أ كان بالأمراض المختلفة أو بغيرها . وفى النص على أن الرجز قد أتاهم من جهة السماء إشعار بأنه عذاب "لا يمكن دفعه وأنه لم يكن له سبب أرضى من عدوى أونحوها، بل رمتهم به الملائكة من جهة السماء . فأصيب به الذين ظلموا دون غيرهم، ولم يقل القرآن ((فأنزلنا عليهم))، بالإضمار، وإنما قال ((فأنزلنا على الذين ظلموا)) بالإظهار، تأكيداً لوصفهم بأفيح النعوت وهو الظلم، وإشعاراً بأن مانزل عليهم كان سبيه بغيهم وظلمهم . وقد تضمنت الآيتان الكريمتان أن بنى إسرائيل مكنوا من النعمة -فنفروا منها، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها، وأرشدوا إلى القول الذى يكفر سيئاتهم فخالفوا. اأرشدوا إليه مخالفة لا تقبل التأويل، فكانت نتيجة جحودهم ومخالفتهم لأمر الله "حرمانهم من تلك النعمة إلى حين، (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢١٨ ١٨٤ الجزء الأول ومعاقبتهم لظلمهم بالعذاب الأليم ، وفى هذا التذكير امتنان عليهم ببذل النجمة، لأن عدم قبولهم لها لا يمنع كونها نعمة ، وفيه إثارة لحسرة اليهود المعاصرين للعهد النبوى على ماضاع من أسلافهم بسبب مخالفتهم وتمردهم. وفيه أيضاً تحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصاب. أسلافهم من عذاب أليم . عاشراً : نعمة إغاثتهم بالماء بعد أن اشتد بهم العطش. ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة من أجل نعمه عليهم، وهى. إغائتهم فى التيه بالماء بعد أن اشتد بهم العطش ، فقال تعالى : وَ إِذْ أَسْتَسْقَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا. أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ الْتَهُعَشْرَةَ عَنًا قَدْ عَلِمَ ◌ُ أُنَاسِ مَّشْرَبَهُمْ كُمْ وَشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللهِ وَلّ ◌َعْثُواْ فِى الْأَرْضِِ مقسدین ٦٠ الاستسقاء : طلب السقيا عند عدم الماء أوحبس المطر، وذلك عن. طریق الدعاء لله - تعالى - فى خشوع واستكانة ، وقد سأل موسى ربه أن. يسقى بنى إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش، عند ما كافرا فى التيه،. فعن ابن عباس أنه قال: ((كان ذلك فى التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصارت منه اثنتا عشرة عيناً من ماء ، لكل سبط منهم عين يشربون منها (١). وهذه النعمة كانت نافعة لهم فى دنياهم ؛ لأنها أزالت عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه هلكوا ، وكانت فافعة لهم فى دينهم ؛ لأنها من أظهر الأدلة على وجود الله. وعلى قدرته وعلمه، ومن أقوى البراهين على صدق موسى - عليه السلام - فى نبوته (٢) . ١) وقيل كان الاستسقاء فى البريمة ولكن الآثار التى تدل على أنه كان فى التيه أصح وأكثر ٣) تفسير ابن كثير جـ١ ص ١٠٠ ١٨٥ سورة البقرة ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يابنى إسرائيل. وقت أن أصاب آباء كم. العطش الشديد وهم فى صحراء مجدبة، فتوسل إلى نبيهم موسى - عليه. السلام - فى خشوع وتضرع أن أمدهم بالماء الذى يكفيهم، فأجبناء إلى ما طلب، إذ أوحينا إليه أن اضرب بعصاك الحجر . ففعل ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً بمقدار عدد الأسباط ، وصار لكل سيط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره، وقلنا لهم : تمتعوا بما من الله به عليكم من. مأكول طيب ومشروب هنىء رزقكم الله إياه من غير تعب ولامشقة، ((ولا تعثوا فى الأرض مفسدين، فتتحول النعم التى بين أيديكم إلى نقم. وقصبحوا على ما فعلتم قادمين . ١ وقوله تعالى : ((وإذ استسقى موسى لقومه، يفيد أن الذى سأل ربه. السقيا هو موسى - عليه السلام - وحده، أنظهر كرامته عند ربه لدى. قومه ، ولیشاهدوا بأعينهم إ کرام الله - تعالى - له ، حيث أجاب سؤاله ، ونجير الماء لهم ببركة دعائه . واللام فى قوله - تعالى - ((لقومه، للسببية، أى لأجل قومه. والفاء فى قوله - تعالى - ((فقلنا اضرب بعصاك الحجر)، عطفت الجملة بعدها على محذوف، والتقدير: فأجبناه إلى ما طلب، وقلنا اضرب .. بعصاك الحجر . وأل فى ((الحجر، لتعريف الجفس أى اضرب أى حجر شئت بدون تعيين، وقيل العهد ، ويكون المراد حجراً معيناً معروفاً لموسى - عليه. السلام - بوجى من الله تعالى. وقد أورد المفسرون فى ذلك آثاراً حكم. المحققون بضعفها ولذلك لم نعتد بها . والذى ترجحه أنها لتعريف الجنس، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر فى إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى لإيمان بنى إسرائيل وانصياعهم للحق بعد وضوحه، وأبعد عن التشكيك. فى إكرام الله لنبيه موسى - عليه السلام - إذ لو كان انفجار الماءمن حجر ١٨٦ الجزء الأول - معين لأمكن أن يقولوا: إن تفجير الماء كان لمعنى خاص بالحجر لالكرامة .هوسى عند ربه - تعالى - . والفاء فى قوله تعالى ((فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، كسابقتها للعطف على محذوف تقديره: فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وقد حذفت .هذه الجملة المقدرة لوضوح المعنى عليها . وكانت العيون اثنتى عشرة عيناً؛ لأن بنى إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطاً، والاسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب». وهم ذرية أبناء يعقوب - عليه السلام - الاثنى عشر، ففى انفجار الماء من اثنتى عشرة هيناً إ كال للنعمة عليهم ، حتى لا بقع بينهم تنازع وتشاجر: وقال - سبحانه - ((فانفجرت و. وقال فى سورة الأعراف «فانبحت)، والانبجاس خروج الماء بقنة. والانفجار خروجه بكثرة، ولا تنافى بينهما فى الواقع؛ لأنه انبجس أولا . ثم انفجر ثانياً، وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه . وقوله تعالى: ((قد علم كل أناس مشربهم، إرشاد وقفيه إلى حكمة ا الانقسام إلى اثنتى عشرة عيناً أى: قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه، فلا يتعداه إلى غيره، وفى ذلك ما فيه من استقرار أمورهم، واطمئنان نفوسهم ، وعدم تعدى بعضهم على بعض . وقوله تعالى: ((كلوا واشربوا من رزق الله، مقول القول محذوف تقديره: وقلنا لهم : كلوا واشر بوا من رزق الله . وقد جمع - سبحانه - بين الأكل والشرب - وإن كان الحديث عن للشراب - لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى، وقد قيل هنالك: «كلوا من طيبات مارزقناكم، فلما أتبع ذلك بنعمة تفجير الماء لهم اجتمعت المنتان وقوله تعالى: ((ولا تعثوا فى الأرض مفسدين"، تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال النعمة فى غير ما وضعت له، بعد أن أذن لهم فى التمتع بالطيبات، لأن النعمة عند ما نكثر قدتنسى العبد حقوق خالقه فيهجر الشريعة ، ويعبث ١٨٧ سورة البقرة فى الأرض فساداً. قال تعالى: ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى). والمعنى : ولا تسعوا فى الأرض مفسدين ، وتقابلوا النعم بالعصيان غتسلب عنکم . قال ابن جرير - رحمه الله -: (وأصل العثأشدة الإفساد بل هو أشد الإفساد، يقال منه : على فلان فى الأرض : إذ تجاوز الحد فى الإفساد إلى غايته، يعثى، عناً مقصوراً، ويقال الجماعة يعثون .. ) (١). وبذلك تكون الآية الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة جليلة، ونصحتهم بأن يعملوا على شكرها: وحذرتهم عاقبة الإفساد فى الأرض. جحودهم النعمة واستبدالهم الذى هو أدنى بالذي هو خير : ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من جحود النعمة واستخفافهم بها وإيثارهم - بسوء اختياهم - ما هو أدنى على ما هو خير، فقال تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَكُمُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا ◌ِمًا تُنْتُ الْأَرْضُ مِنْ بَعْلِهَا وَثََّهَا وَقُرِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِىِ هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرُ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَهُ مَّاسَأَلْتُمُّ وَضُرِبَتْ عَلَيْهُ آلِلَّهُ وَالْمسْكَنَّةُ وَبَآَةُ و بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ ذَلِكَ بِنْهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِعَايَتِ الهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيْنَ بِغَيْ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَ كَانُوا يَعْتُونَ (چ) الصبر: حبس النفس على الشىء، بمعنى إلزامها إياه، ومنه الصبر على الطاعات، أو يطلق على حبسها بمعنى كفها. ومنه الصبر على المعاصى. (١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٣٠٨ طبعة الحلبى. ١٨٨ الجزء الأول والطعام: ما رزقوه فى التيه من المن والسلوى: والبقل: ما تنبته الأرض من الخضر مما يأكله الناس والأنعام من نحو النعناع والكراث وغيرهما. والفوم: قيل هو الثوم، وقيل هو الحنطة . والقثاء: نوع من المأكولات: أكبر حجماً من ( الخيار). قال ابن جرير: ( وكان سبب مسألتهم موسى - عليه السلام - ذلك. فيما بلغنا عن قتادة أنه قال: كان القوم فى البرية قد ظلل عليهم الغمام، وأنزله عليهم المن والسلوى : فلوا ذلك، وذكروا عيشاً كان لهم بمصر ، فسألوه موسى ، فقال الله تعالى (اهبطوا مصراً وإن لكم ما سألتم)(١). ثم ساق ابن جرير رواية، فيها تصريح بأن سؤالهم لم يكن فى البرية بل. كان فى التيه فقال: حدثفى بوفس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : أنبأنا ابن زيد قال : (كان طعام بنى إسرائيل فى التيه واحداً، وشرابهم واحداً. كان شرابهم عسلا ينزل لهم من السماء يقال له المن، وطعامهم طير يقال له السلوى، يأكلون الطير ويشربون العسل، لم يكونوا يعرفون خبزاً ولا غيره، فقالوا يا موسى: إنا لن نصبر على طعام واحد ، فادع لنا ربك يخرج لناما تفبت الأرض من بقلها - فقرأ حتى بلغ قوله تعالى (( اهبطوا مصراً فإن لكم. ما سألتم )(٢). وقد جرى أبو حيان وصاحب الكشاف - فى تفسيرما - على أن سؤ الهم لموسى - عليه السلام كان فى النيه . قال أبو حيان عند تفسير قوله تعالى ((وإذ قلتم يا موسى أن نصير على طعام وأحد)): ((لماستموا من الإقامة فى التيه. والمواظبة على ما كول واحد لبعدهم عن الأرض التى ألفوها، وعن العوائد التى عهدوما ، أخبروا عما. (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٠٣٠٩ (٢) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٠٣٠٩ ١٨٩ سورة البقرة وجدوه من عدم الصبر على ذلك، وتشوقهم إلى ما كانوا يألفون، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم))(١). وقال صاحب الكشاف: «كانوا أهل فلاحة فنزعوا إلى عكرهم (٢) فأجوا - أى ملوا وكرهوا - ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم عدم البقاء ( على طعام واحد) أرادوا ما رزقوه فى التيه من المن والسلوى،(٣). ومعنى الآية الكريمة إجمالا : واذكروا يا بنى إسرائيل بعد أن أسبغتا عليكم نعمنا ما كان من سوء اختيار أسلافكم، وفساد أذواقهم، وإعناتهم لنبيهم موسى - عليه السلام - حيث قالوا له بيطر وسوء أدب: لن نصبر على طعام المن والسلوى فى كل وقت ، فسل ربك أن يخرج لنا ما تنتبه الأرض من خضرها وفاكهتها وحنطتها وعدسها وبصلها، لأن نفوسنا قد عافت المن والسلوى، فوبخهم نبيهم موسى - عليه السلام - بقوله: أتختارون الذى هو أقل فائدة وأدنى لذة، وتتركون المن والسلوى وهو خير مما تطلبون لذة وفائدة ؟ انزلوا إلى مصر من الأمصار فإنكم تجدون به ما طلبتموه من البقول وأشباهها . وأحاطت ببنى إسرائيل المهانة والاستكانة كما تحيط القبة بمن ضربت عليه ، وحق عليهم غضب الله . ثم بين الله - تعالى - السبب فى' جحودهم للنعم وفى أنه ضرب عليهم الذلة والمسكنة وأنزل عليهم غضبه بقوله: (( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق، الخ أى: إن الكفر بآيات الله قد فأصل فيهم ، وقتل أنبيائهم بغير الحق قد تكرر منهم حتى صاركالطبيعة الثانية والسجية الثابتة ، فليس غرباً على هؤلاء أن يقولوا لن نصبر على المن والسلوى وأن ينزل بهم غضب الله ونقمته من أجل جحودهم وكفرهم . (١) تفسير ابن حيان جـ١ ص ٣٣١. (٣) فزعوا إلى عكرهم: أى حقواً إلى أصلهم وعادتهم. (٣) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٧١. ١٩٠ الجزء الأول وقوله تعالى: ( وإذ قلتم يا موسى لن نصير على طعام واحد ) قذ كير لهم رغبة من رغباتهم الناشئة عن ذوق سقيم. لا يقدر النعمة قدرها، وفيه انتقال من تعداد النعم عليهم إلى بيان موففهم الججودى منها، واسياقه وراء شهواتهم وأهواتهم وحماقاتهم، وفيه إشعار بسوء أدبهم فى مخاطبتهم النبيهم موسى - عليه السلام - إذ عبروا عن عدم رغبتهم فى تناول المن والسلوى بحرف ((إن) المفيد تأكيدالنفى فقالوا، أن نصبر)) .. الخ فكأنهم يقولون له مهددين، ليلجثوه إلى دعاء ربه سريعاً: إننا ابتداء من هذا الوقت الذي تخاطبك فيه إلى أن نموت، لن تحبس أنفسنا عن كراهية على تناول طعام واحد، لأننا قد ستمناه والناه، ولن نعود إليه: فالتعبير ((بلن)) يشعر بشدة ضجرهم، وبلوغ الكراهية لهذا الطعام منهم منتهاها . قال الحسن البصرى - رضى الله عنه -: «بطروا طعم المن والسلوى فلم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذى كانوا فيه: وكانوا قوماً أمل أعداس وبصل وبقل و ثوم)، (١). ووصفوه بالوجدة مع أن المن والسلوى نوعان، لأنهم أرادوا من الوحدة. أنه طعام متكرر فى كل يوم لا يختلف بحسب الأوقات، والعرب تقول لمن. يفعل على مائدةه فى كل يوم من الطعام لا تتغير، إنه يأكل من طعام واحد. وسألوا موسى - عليه السلام-أن يدعو لهم، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم ، وكذلك دعاء الصالحين ، حيث يصدر من. قلوب عامرة بتقوى الله وجلاله ، فيلاقى من الإجابة ما لا يلاقيه دعاء. نفوس تستهويها الشهوات ، وتستولى عليها السيئات. وقولهم ((فادع لنا ربك)) ولم يقولوا ربنا، لعدم رسوخ الإيمان فى قلوبهم. ولأنه سبحانه - قد اختصه بما لم يعط مثله من مناجاته وتكميله وإيتائه التوراة .. وقولهم: «يخرج لنا ما تنيت الأرض من بقلها وفئاتها وفومها وعدسها (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠١٠١ ١٩١ سورة البقرة وبصلها، هو مضمون ما طلبوه من موسى - عليه السلام - وهو فى معنى مقول قول محذوف والتقدير: أى قل أرك يخرج لنا . وجاء التعبير بالفعل (( يخرج، مجزوماً، مع أن مفتعى الظاهر أن يقال: , أن يخرج الإيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه، حتى لكان إخراج ما تنبت الأرض متوقف على مجرد دعاء موسى ربه، وأنه لو لم يدع لهم، لكان شحيحاً عليهم بما فيه نفعهم (١). والجملة الكريمة: ((أتستبدلون الذی هو أدنى بالذى هو خير ،من مقول موسى - عليه السلام - لهم، وفيها تويخ شديدلهم على سوء اختيارهم، وضعف عقولهم. الإيثارهم الأدنى وهو البقل وما عطف عليه، على ما هو خير منه وهو المن والسلوى . قال ابن جوير عند تفسيره الآية الكريمة: ( أى قال لهم موسى: أتأخذون الذى هو أخس خطراً وقيمة وقدراً من العیش ، بدلا بالذى هو خير منه خطراً وقيمة وقدراً، وذلك كان استبدالهم ، وأصل الاستمدال: هو ترك شىء لآخر غيره مكان المتروك، ومعنى قوله ((أدنى) أخس وأضع وأصغر قدراً وخطراً، وأصله من قولهم: هذا رجل دنى بين الدناءة، وإنه ليدنى فى الأمور - بغير همز - إذا كان يتتبع خميسها. ثم قال: ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى: البقول والقثاء والعدس والبصل والثوم ، فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع منه)، (٢). ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى توبيخهم السابق على بطرهم. وجحودهم توبيخاً آخر فقال لهم: ((اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم)) 1 (١) تفسير «التحرير والتنوير، ج١ ص٥٠٠ الشيخ محمد الطاهر ابن. عاشور طبعة عيسى البابى الحلبى سنة ١٩٦٤. (٢) تفسير ابن جرير -١ ص ٣١٢. ١٩٢ الجزء الأول أى إذا كان هذا هو مرغوبكم، فاتر كوا هذا المكان، وانزلوا إلى مصر من الأمصار، لكى تجدوا ما سألتمونى إياه من البقل والثوم وأشباههما، لأن . ما اختر نموه لا يوجد فى المكان الذى حللتم به، وإنما يوجد فى الأمصار والقرى . وقوله تعالى: ((مصراً)). قال ابن كثير: «هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف فى المصاحف : الأئمة العثمانية وهو قراءة الجمهور بالصرف))(١). وقال ابن جرير: ((فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين , اهبطوا مصرا) . وهى القراءة التى لا يجوز عندى غيرها، لاجتماع خطوط مصاحف المدين واتفاق قراءة القراء على ذلك .. ) اهـ (٢). وقال أبو حيان فى البحر: «وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وأبان ابن تغلب (مصر) بغير تنوين، وقد وردت كذلك فى مصحف أتى بن كعب : -وعبد الله بن مسعود، وبعض مصاحف عثمان - رضى الله عنه، اهـ (٢). والمعنى على القراءة الأولى: اهبطوامصرا من الأمصار لأنكم فى البدو، ، والذى طلبتم لا يكون فى البوادى والفيافى وإنما يكون فى القرى والأمعار، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش . والمعنى على القراءة الثانية: اتركوا المكان الذى أنتم فيه ، واهبطوا مصر التى كنتم تسامون فيها سوء العذاب فإنكم يجدون فيها ما تبغونه، لأنكم قوم لا تقدرون نعمة الحرية، ولا ترتاحون للفضائل النفسية، بل شأنكم - دانما - أن تستبدلوا الذى هو أدنى بالذي هو غير. ومن حجة الذين قالوا إن الله أراد بالمصر فى الآية الكريمة، مصر فرعون، قوله تعالى فى سورة الشعراء: «فأخر جناهم من جنات وعيون. (١) تفسير ابن كثير ١٥ ص ١٠١. (١) تفسير ابن جرير ج١ ص ٣١٥ (٢) تفسیر أبی حیان جـ ١ ص ٢٣٣ ١٩٢ سورة البقرة وكنوز ومقام كريم. كذلك وأورثناها بنى إسرائيل» (١). وقوله تعالى فى سورة الدخان: « كم تركوا من جناتوعيون. وزرع -ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورتناهاقوما آخرين، (٢) قالوا: فأخبر الله - تعالى - أنه قد ورثهم ذلك، وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها، ثم لا ينتفعون بها، ولا يكونون منتفعين إلا بمصير بعضهم إليها قال ابن جرير: ((ومن حجة من قال إن الله - تعالى - إنما عنى بقوله «اهبطوا مصرا، أى: مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها، أن الله - تعالى - جعل أرض الشام لبنى إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر ، وإنما ابتلاهم بالتيه . بامتناعهم عن موسى فى حرب الجبابرة، " إذ قال لهم ,ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم ولاترتدوا على أدباكم فتنقلبوا خاسرين، .. إلى قوله تعالى: ((فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون)). فحرم الله - تعالى - على قائل ذلك - فيما ذكر لنا - دخولها حتى هلكوا فى التيه وابتلاهم بالتيهان فى الأرض أربعين سنة. ثم أميط ذريتهم الشام، فأسكنهم الأرض المقدسة ، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع ((يوشع بن نون ، بعد وفاة موسى بن عمران . فرأينا أن الله - تعالى - قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها ، فيجوز لنا أن نقرأ ((اهبطوا مصر، ونتأوله أنه ردهم إليها. قالوا: فإن احتج محتج بقوله تعالى: ((فأخر جناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقام كريم. كذلك وأورثناها بنى إسرائيل ،؟ قيل لهم: فإن الله - تعالى - إنما أورثهم ذلك فلكهم إياها . ولم يردهم إليها وجعل مساكنهم الشام، أهـ (٣). 1 - ١ (١) الآيات ٥٧ - ٥٩ (٢) الآيات من ٢٥ - ٢٨ . (٣) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٣١٤ (م - ١٣ البقرة) ١٩٤ الجزء الأول قال أبو حيان فى البحر: (ولم يصرح أحد من المفسرين والمؤرحين. أنهم هبطوا من التيه إلى مصر ) اه (١) . ومع أن ابن جرير - رحمه الله - قد رد على من قال ، إن المراد بالمصر مصر فرعون: استناداً إلى قراءة غير الجمهور، إلا أنه لم يرجح أحد الرأيين. فقد قال : ( والذى نقول به فى ذلك، أنه لا دلالة فى كتاب الله - تعالى -. على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول ( صلى الله عليه. وسلم) يقطع مجيئه العذر، وأعل التأويل متنازءون تأويله، فأولى الأفوال .. فى ذلك عندنا بالصواب أن يقال : إن موسى سأل ربه أن يعطى قو ٠٠ ماسألوه من نبات الأرض على ما بينه لله - تعالى - فى كتابه وهم فى الأرض تائمون فاستجاب الله لموسى دعاءه وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قراراً من الأرض التى .. تفيت ماسأل لهم من ذلك ، إذا صاروا إليه، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر، وجائز أن يكون الشام ... )، (١). ومن هذا النص الذى نقلناه عن ابن جرير ، نرى أنه لم يقطع برأى فى .. المكان الذى أمر بنو اسرائيل بالهبوط فيه وأنه يرى أن الله - تعالى - قد استجاب لموسى - عليه السلام - دعاءه، وأن موسى وقومه قد هبطوا-فعلا. إلى قرار من الأرض التى تنبت البقول وأشباهها . وقد عارض الإمام ابنُ كثير في تفسيره رأى ابن جرير فقال: وهذا الذى قاله - أى ابنُ جرير - فيه نظر، والحق أن المراد مصر من الأمصار، كما روى عن ابن عباس وغيره والمعنى على ذلك، لأن موسى. - عليه السلام - يقول لهم: هذا الذى سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير فى أى بلد دخلتموها وجدتموه ، فليس يساوى مع دفاءته وكثرته فى الأمصار أن أسال اله فیه، وهذا قال: ( أتستبدلون الذی هو أدنى بالذى (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان = ١ مـ ٢٣٤ (١) تفسير ابن جرير جـ ٥١ ٢ ١٩٥ سورة البقرة هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ماسألتم ) أى ماطلبتم ، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه والله أعلم) (١) وبذلك يظهر لنا أن ابن كثير - رحمه الله - يرى أن المراد بالمصرمكان غير معين وأن موسى - عليه السلام - لم يسأل ربه إجابة طلبهم لأنهم كانوا متعنتين. بطرين، والله - تعالى - يكره من كان كذلك، وأن قول موسى - عليه السلام - لهم ,اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، من باب التوبيخ والتجهيل لهم، إذ ليس حينئذ بلد قويب يستطيعون الوصول اليه. هذا ، والذى نرجحه فى هذا المقام هو ماذهب إليه الإمام ابن كثير لما يأتى : أولا: أن القراءة بالتنوين متواترة، وابن جرير نفسه لم يجوز القراءة بغيرها، وهذه القراءة المتواترة، نص فى أن المراد من مصر، أى بلد كان، لاحصر فرعون، ثم إذا كان المراد به ذلك فليس لنا أن نقول إنه يصدق على مصر فرعون ، وذلك لأن الأمصار التى تنبت ما طلبوا من البقول والخضر أقرب إليهم من مصر ، فليس من المعقول أن يؤمروا بالذهاب إلى مصر فرعون وهى بعيدة عن مكاهم بعداً شاسعاً، "ويتركوا الأمصار الأقرب إليهم وفيها ما يريدون . ثانياً: لم ينقل أحد من المؤرخين أنهم رجعوا إلى مصر بعد خروجهم منها كما قال أبو حيان وغيره ، بل الثابت أن بنى إسرائيل. خرجوا من مصر، وأمروا بعد خروجهم ؟بدخول الأرض المقدسة لقتال الجبارين ولكنهم أبوا طاعة نبيهم - عليه السلام - فعذبوا بالتيه أربعين سنة لتخلفهم عن قتال الجبارين ، ولعصيانهم أمر نبيهم وماتوا جميعاً فى التيه ، وبقى . أبناؤهم فامتثلوا أمر الله - تعالى - وهبطوا إلى الشام. وقاتلوا الجبارين ودخلوا الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٠٢ ١٩٦ الجزء الأول ثالثاً : ليس فى الآية ما يشعر بأن موسى - عليه السلام - طلب من ربه أن يجيبهم إلى رغبتهم فكيف نقول بما لم يدل عليه القرآن الكريم ولو من طريق الإشارة ؟ رابعاً: دخولهم فى التيه كان عقوبة لهم على تكوصهم عن قتال الجبارين، ليدخلوا الأرض المقدسة التى كتبها الله لهم. فالتيه والحالة هذه كان بمثابة سجن لهم يعاقبون فيه ، كما يشعر بذلك قوله تعالى: «فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يقيهون فى الأرض ، فكيف يخرج السجين من سجنه تلبية لبعض رغباته المنكرة ، وبناء على ذلك يكون الأمر فى قول موسى لهم: « اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، للتهديد والتوبيخ والتجهيل. ثم بين - سبحانه - المقوبات التى أحلت بهم جزاء ظلمهم وفجورهم فقال تعالى: ((وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من اله)): ضرب الذلة والمسكنة عليهم كناية عن لزومها لهم، وإحاطتهما بهم، كما يحيط السرادق بمن بداخله . قال صاحب الكشاف : ( جعلت الذلة محيطة بهم، مشتملة عليهم، فهم فيها كمن يكون فى القبة من ضربت عليه، أو ألصقت به حتى لزمتهم ضربة لا رب كما يضرب الطين على الحائط فيلومه ، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة) (١). وأصل الضرب فى كلام العرب يرجع إلى معنى النقاء ظهر جسم، بظاهر جسم آخر بشدة، يقال : ضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها ، وتفرعت عن هذا معان مجازية ترجع إلى شدة المصوق. والذلة : على وزن فعلة من قول القائل : ذل فلان بذل ذلة وذلة ، والمراد بها الصغار والهوان والحقارة . والمسكنة : مفعلة من السكون ، ومنها أخذ لفظ المسكين ، لأن الهم قد أثقله فجعله قليل الحركة والنهوض ، لما به من الفاقه والفقر ، والمراد (١) تفسير الكشاف جـ ١ هـ ٢١٧ ١٩٧ سورة البقرة بها فى الآية: الضعف النفسى، والفقر القلبى الذى يستولى على الشخص .. فيجعله يحس بالهوان ، مهما يكن لديه من أسباب القوة. والفرق بينها وبين الذلة . أن الذلة هوان تجىء أسبابه من الخارج ، كأن يغلب المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو. أما المسكنة فهى هوأن ينشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق واستيلاء المطامع والشهوات عليها، وتوارث الذلة قروناً طويلة يورث هذه المسكنة ، ويجعلها كالطبيعة الثابتة فى الشخص المستقل . ولقد عاش اليهود قروناً وأحقاباً مستعبدين لمختلف الأمم، فأكسبهم هذا الاستعباد ضعفاً نفسياً جعلهم لا يفرقون بين الحياة الذليلة والكريمة.، بل إنهم ليفضلون الأولى على الثانية ما دامت تجلب لهم غرضاً من أغراض الدنيا ، ومهما كثر المال فى أيديهم، فإنهم لا يتحولون عن فقرهم النفسى وظهورهم أمام الناس بمظهر البائس الفقير . وقوله تعالى: (« وباءوا بغضب من الله، بان اسوء عاقبتهم فى الآخرة ومبالغة فى إهانتهم وتحقيرهم ، فهم فى الدنيا أذلاء حقراء ، وفى الآخرة سيرجعون بغضب من الله بسبب أفعالهم القبيحة . قال ابن جرير - رحمه الله - يعنى بقوله تعالى ((وباءوأ بغضب من الله)): انصرفوا ورجعوا، ولا يقال باءوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر يقال منه باء فلان بذنبه يبوء بوأ وبوا. ، ومنه قوله تعالى: ((إنى أريد أن قبوه بإثمی وإنمك، يعنى قنصرف متحملهما، وترجع بهما قد صارا عليك دونى، فمعنى الكلام إذا . ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد . صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم منه سخط)) (١). وقال صاحب الكشاف: ((وباءوا بغضب من الله، من قولك باء فلان (١) قها حد خاصـ٣١٥ ١٩٨ الجزء الأول بفلان ، إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأنه ، أى صاروا أحقاء بغضبه)، (١). ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بسبب ما أحاط بهم من الذلة والمسكنة واستحقاقهم غضب الله وسخطه، فقال تعالى: ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ،ويقتلون النبيين بغير الحق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). والجملة الكريمة استئناف بيانى جواب عن سؤال تقديره : لم فعل بهم كل ذلك؟ فكان الجواب، فعلنا بهم بسبب جحودهم لآيات الله ، وسبب قتلهم لأنبياته، وخروجهم عن طاعته؛ ومجاوزهم حدود، والآبات تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله تعالى وربو بيته، و تطلق ويراد بها النصوص التى تشتمل عليها الكتب السماوية، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغون عن الله - تعالى - وهى التى يسميها علماء التوحيد المعجزات، وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ، ومردوا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل المضارع (( يكفرون)». وقوله تعالى: ((ويقتلون النبيين بغير الحق، أى ويقتلون أنبياء الله الذين بعثهم مبشرين ومنذرين، ولقد قتل اليهود - فيمن قتلوا من الإنبياء - زكرياوانه يحمى - عليهما السلام - لأنها أبيا الانقياد وراءشهواتهم وأهوائهم. وقال - سبحانه ـ ((بغير الحق)، مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبداً ، لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر فى شريعتهم لأنها تحرمه ، (( أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم وتخليد مذمتهم، ونقبيح إجرامهم، حيث إنهم قتلوا أنبياءثم بدون خطأ فى الفهم ، أو تأول. فى الحكم، أو شبهة فى الأمر، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا، وخالفوا شرع الله عن تعمد وإصرار. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٢١٧ ١٩٩ سورة البقرة قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق خمافائدة ذكره؟ قلت : معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا، وإنما نصحوهم ودعوم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سثلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهاً يستحقون به القتل عندهم ، (١). وقال الإمام الرازى: ((فإن قيل: قال هنا ((ويقتلون النبيين بغير الحق)) وقال فى آل عمران ((ويقتلون النبيين بغير حق)) فما الفرق؟ قك. إن الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذى يوجب القتل يتجلى فى حديث: (( لا يحل دم :أمرى. مسلم إلا بإحدى ثلاث: «كفر بعد إيمان، وزناً بعد إحصان، -وقتل نفس بغير حق، فالحق المذكور هنا عرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم، أى لم يكن هناك أى حق يستندون إليه، لا هذا الذى يعرفه المسلمون ولا غيره (بتة)) (٢). ثم قال تعالى : (( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)) . العصيان: الخروج عن طاعة الله. والاعتداء: تجاوز الحد الذى حده الله - تعالى - لعباده إلى غيره. وكل متجاوز حد شىء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه. والمفسرين فى مرجع الإشارة (( ذلك)) رأيان: أحدهما: أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ، وعليه يكون المعنى : إن هؤلاء اليهود قد مرفوا على عصيانهم لخالقهم، وتعديهم حدوده بجرأة وعدم مبالاة فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله - تعالى- وامتدت أيديهم الأثيمة إلى قتل الأنبياء بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة. والجملة الكريمة على هذا الرأى تفيد أن التردى فى المعاصى وارتكاب .(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٢١٧ (٢) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٠٣٩٠ ٢٠٠ الجزء الأول المناهى، وتجاوز الحدود المشروعة، يؤدى إلى الانتقال من صغير الذنوب: إلى كبيرها، ومن حقيرها إلى عظيمها، لأن هؤلاء اليهود لما استمرؤا المعاصى وداوموا على تعدى الحدود، هانت على نفوسهم الفضائل، وانكسرت. أمام شهواتهم كل المثل العليا، فكذبوا بآيات الله تكذيباً وقتلوا من جاءهم. بالهدى ودين الحق . والثانى: يرى أصحابه أن اسم الاشارة الثانى يعود إلى نفس المشارإليه. باسم الإشارة الأول، وتكون الحكمة فى تكرار الإشارة هو تمييز المشار إليه حرصاً على معرفته ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب. الذلة والمسكنة عليهم، واستحقاقهم اغضب الله - تعالى - كما بينا، والإشارة حينئذ من قبيل التكرير المغنى عن العطف كما فى قوله تعالى: «أولئك. كالأنعام بل هم أضل أولئك مم الغافلون». والمعنى أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة، وصاروا أحقاء بسخط الله بسبب كفرهم بآياتنا. وقتلهم أنبياءنا، وخروجهم عن طاعتنا وتعديهم حدودنا . وعلى هذا الرأى يكون ذكر أسباب العقوبة التى حلت بهم فى الدرجة العليا من حسن الترتيب، فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه فى حقه وهو كفرهم. بآياته ، ثم تنى بما يتلوه فى العظم وهو قتلهم لأنبيائه، ثم وصمهم بعد ذلك. بالعصيان والخروج عن طاعته ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء،. وتخطى الحدود، وعدم المبالاة بالعهود ، وهذا الترتيب من لطائف أسلوب. القرآن الكريم فى سوق الأحكام ، مشفوعة بعللها وأسبابها . وبهذا تكون الآية الكريمة قد وصفت بنى إسرائيل بجحود النعم، وسوء. الأدب وحمق التفكير ، وهو أن النفس، وبلادة الطبع، وبطر الحق، والبغى على أنفسهم وعلى غيرهم ، وما وصفتهم به أيدته الأيام وصدقته الأحداث فى كل زمان ومكان .