Indexed OCR Text
Pages 141-160
٠١١٤١ سورة البقرة. ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم فى الإيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من نقمه إن لم يوفوا، فاكتتف الأمر بالإيفاء أمر بذكر النعمة والإحسان، وأمر بالخوف من العصيان. ثم أعقب ذلك بالأمر بإيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن، ورغب فى ذلك بأنه مصدق لما معهم ، فليس أمراً مخالفاً لما فى أيديهم، لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرم - تعالى - باتقاته، ثم أعقب ذلك بالنهى عن لبس الحق بالباطل، وعن كتم الحق ، فكان الأمر بالإيمان أمراً بترك الضلال، والنهى عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركاً للإضلال. ولما كان الضلال ناشئاً عن أمرين: إما تموبه الباطل حقاً ، إن كانت الدلائل قد بلغت المستنع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصيل الإيمان، وإظهار الحق بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة، لأن الصلاةآ كد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية ، ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له - تعالى - مع جملة الخاضعين. الطائعين. فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم ، . وما بينهما من تكاليف اعتقادية ، وأفعال بدنية ومالية ، وبنحو ماتضمنته . هذه الآيات من الافتتاح والإرداف والإختتام، يظهر فضل كلام الله - تعالى - على سائر الكلام، وهذه الأوامر والنواهى، وإن كانت خاصة ببنى إسرائيل فى الصورة، إلا أنها عامة فى المعنى ، فيجب على كل مكلف فى كل زمان ومكان أن يعمل بها، (١) . وبعد كل هذه الأوامر والنواهى، ويخهم الله - تعالى - وفرعهم على (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان = ١ ص ١٨١ مطبعة السعادة : الطبعة الأولى سنة ٣٣٢ هـ ١٤٢ الجزء الأول ارتكابهم لأمور لا تصدر عن عاقل . وهى أنهم يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه، فقال تعالى : أَتَأْمُرُونَ الَّسَ. أَثْرِ وَتَسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَقَلَا تَعْقِلُونَ () الأمر : طلب إيجاد الفعل. والبر: اسم يتناول كل عمل من أعمال الخير . والنسيان : ضد الذكر، وهو السهو الحادث بعد حصول العلم. والعقل : يطلق على قوة فى النفس، تستعد بها لقبول العلم. وإدراك الشى ... والمعنى : كيف يليق بكم يامعشر اليهود، وأنتم تأمرون الناس بأمهات. الفضائل، وألوان الخيرات ، أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمرون بما تأمرون به غيركم ، وأنتم مع ذلك تقرأون توراتكم، وقدركون أى عقوبة أليمة لمن يأمر الناس بالخير وينسى نفسه، أفلا عقل لكم يحكم عن هذا الفه. الذى ترديتم فيه ، ويحذركم من سوء عاقبته؟ قال ابن عباس - رضى الله عنهما - كان يهود المدينة يقول الرجل منهم. لصهره، ولذاى قرابته، ولمن بينه وبينه صلة من المسلمين اثبت على الذى أقت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل ديربدون محمداً (صلى الله عليه وسلم). فإن أمره حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه. (١) والمراد بالنسيان فى الآية الكريمة، تركهم العمل بما يأمرون به غيرهم، لأن الناسى حقيقة ليسمؤاخذا على ما نسيه، فلا يستحق هذا التوبيخ الشديد الوارد فى الآية الكريمة، وليس التوبيخ متوجه إلى كونهم كانوا يأمرون الناس بالع، لأنه فعل محمود، وإنما التوبيخ متوجه إلى كونهم تركوا العمل بما رشدوا إليه -واهم، فهم يداوون الناس، وقلوبهم مليئة بالأمراض والعلل. (١) تفسير القرطبى جـ ١ ٣٦٥: طبعة دار الكتب سنة ١٢٤٥هـ سنة ١٩٢٥ م ). ١٤٣ سورة البقرة وقوله تعالى ( وأنتم تتلون الكتاب) مزيد تقبيح لشأنهم ، ذلك أن. قراءتهم لكتيهم أبطلت اعتذارهم بالجهل الذى قد يتشبث به بعض الفاسقين. على أمر الله عند ما ينكر الناس عليهم فوقهم. وفى قوله تعالى ( أفلا تعقلون ) أحى أنواع الهداية والإرشاد السليم، فإن من ألطف الأساليب فى الخطاب والتوجيه، أن يكون للموجه اليه النصح. صفة من شأنها أن تسوقه إلى خير ، ولكنه ينساق إلى غيره من أنواع الشرور فيقع فعله من الناس موقع الدهشة والغرابة، فيذكر له مسدى النصح تلك. الصفة فى معرض الاستفهام بغية تذ کیره بأن ماصدر منه لا يلتقى مع ما عرف عنه وتطبيقاً لهذا المبدأ نقول: إن المخاطبين بقوله تعالى: ((أفلا تعقلون) يعقلون ويدر كون الأشياء، وبهذا الإدراك توجه إليهم التكليف بالعقائد والشرائع، ولكنهم لم يسيروا على مقتضى مالديهم من عقول، حيث كانوا بأمرون الناس بالخير، ويصرفون أنفسهم عنه، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إن ما أتيتم من أفعال سقيمه. يجعل الناظر إليكم يحكم عليكم بلا أدنى تردد بأنكم لاعقول لكم، ولافضيلة لديكم، وفى هذا الأسلوب مافيه. من الترغيب فى فعل الخير ؛ والترهيب فى فعل الشر . ولما كانت الأمور التى كلفهم الله بها قبل ذلك فيها مشقة لا يتحملها كل أحد بسهولة . فقد أرشدهم إلى الوسائل التى تقوي عزائمهم ، وقطهر قلوبهم، وتعالج أمراض نفوسهم فقال تعالى :. وَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَّ ◌َ إِنْهَ لَكِرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِمِينَ ٤٥ الَّذِينَ يَظُونَ أَنَّهُ مُّكَقُواْ رَبِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَنِعُونَ. ٤٦ قوله تعالى: ((واستعينوا بالصبر والصلاة، الاستعانة: طلب المعونة، والصبر حبس النفس على ما ذكره. يقال: صبر على الطاعة. أى حبس. نفسه عليها متحملا ما يلاقيه فى أدائها من مشاق وصبر عن المعصية . أى. ١٤٤ الجزء الأول كلف نفسه عما تنزع إليه من أهواء . والمعنى : واستعينوا على ترك ما تحبون من شهوات الدنيا ، والدخول فيما تستثقله نفوسكم من قبول الإسلام ، والتقيد بتكاليفه بفضيلة الصبر التى تحجز أنفسكم من غضبان الموبقات، وبفريضة الصلاة التى تنها كم عن الفحشاء والمنكر . قوله تعالى: ((وإنها الكبيرة إلا عن الخاشعين، كبيرة: أى صعبة شاقة. - يقال كبر الشىء إذا شق ونقل، ومنه قوله تعالى: ((كبر على المشر كين ما تدعوهم إليه، أى ثقل وصعب ـ والخاشعين: من الخشواع وهو فى الأصل الين والسهولة ,ومعناه فى الآية الكريمة. الخضوع والاستكانة لله تعالى، والضمير فى - إنها - للصلاة لعظيم شأنها واستجماعها لضروب من الصبر، . والاستثناء مفرغ. أى كبيرة على كل الناس إلا على الخاشعين. والمعنى: إن الصلاة صعبة إلا على الخاضعين المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى لأنهم موقنون أنها من أهم وسائل الفلاح فى الدنيا، والسعادة فى الآخرة، ولأنهم يحدون عند أدائها اغتباطاً وسرواً يجعل نفوسهم تنشط إليها كلما حل وقتها بهمة وإخلاص. قال الإمام الرازى: (فإن قيل: إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين، فيجب أن يكون ثواجم أكثر، وثواب الخاشع أقل، وذلك منكر من القول ؟ قلنا: ليس المراد أن الذى بلحقهم من التعب أكثر ما يلحق الخاشع . وكيف يكون ذلك ، والخاشع يستعمل فى الصلاة جوارحه . وقلبه، ولا يغفل فيها ؛ وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عله يفعل الصلاة أعظم . وإنما المراد بقوله تعالى: ((وإنها الكبيرة». أى ثقيلة على غير الخاشع؛ لأنه لا يعتقد فى فعلها ثواباً، ولا فى تركها عقاباً، فيصعب عليه فعلها ، فالحاصل أن الملحد لاعتقاده عدم المنفعة فى أدائها ثقل عليها فعلها ، لأن الاشتغال بما لافائدة فيه بثقل على الطبع . أما الموحد فلما اعتقد فى - فعلها أعظم المنافع، وفى تركها أكبر المضار، لم يثقل عليه أداؤها. بل أداها ١٤٥ سورة البقرة «وهو سعيد بها، ألا ترى إلى قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (جعلت قرة عينى فى الصلاة) وصفها بذلك لأنها كانت لا تثقل عليه». ثم وصف - سبحانه - الخاشعين وصفاً يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة ، فقال - تعالى -: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون ) . الظن : يرد فى أكثر الكلام بمعنى الاعتقاد الراجح ، وهو ما يتجاوز مرتبة الشك، وقد يقوى حتى يصل إلى مرتبة اليقين والقطع ، وهو المراد هنا؛ ومثل ذلك قوله - تعالى - (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم) أى ألا يعتقد أنهم مبعوثون ليوم عظيم. وقوله تعالى: (إنى ظننت أنى ملاق حسابيه ) أى علمت أنى ملاق حسابيه . وملاقات الخاشعين لربهم معناها الحشر إليه بعد الموت، ومجازاتهم على ما قدموا من عمل . والمعنى: إن الصلاة الثقيلة إلا على الخاشعين ، الذين يعتقدون لقاء ١٠قه - تعالى - يوم الحساب، وأنهم عائدون لينالوا ما يستحقونه من جزاء على حسب أعمالهم . قال ابن جرير - مرجحاً أن المراد بالظن هنا العلم واليقين -: ((إن .t. قال لنا قائل: وكيف أخبر الله - تعالى- عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه، والظن شك. والشاك فى لقاء الله كافر؟ قيل له: إن العرب قد تسمى اليقين ظناً: والشك ظناً ؛ نظير قسميتهم الظلمة سدفة . والضياء سدفة، والمغيث صارخاً، والمستغيث صارخاً، وما أشبه ذلك من الأسماء التى تسمى بها الشىء وضده، ومما يدل على أنه يسمى به البقين، قول دريد بن الصمة: ( فقلت لهم ظنوا بألفى مدجج ... ). يعنى بذلك: تيقتوا أن ألفى مدجج تأتيكم ، ثم قال: والشواهد من "أشعار العرب وكلامها على أن الظن فى معنى اليقين أكثر من أن تحصى، ( م ١٠ - البقرة) ١٤٦ الجزء الأول وفيما ذكرنا لمن وفق فى فهمه كفاية، ومنه قوله تعالى: «ورأى المجرمون. النار فظنوا أنهممواقعوها، وعن مجاهد قال: ((كل غظن فى القرآن فهو علم، (١). والذين قالوا إن الظن هنا على معناه الحقيقى، وهو الاعتقاد الراجح، فرواه ملاقاة الخاشعين لربهم، بمعنى قربهم من رضاه يوم القيامة((ورجوعهم. إليه)) بمعنى حلو لهم بجواره الطيب، واستقرارهم فى جناته، أى: وإن الصلاة. لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يتوقعون قربهم من ربهم، ودخوهم جناته. عند رجوعهم إليه . وإلى هذا التفسير ذهب صاحب الكشاف، فقد قال : ( فإن قلت : مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع فى نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما أدخر الصابرين على متاعبها فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: (الذين. يظنون أنهم ملاقو ربهم ) أى يتوقعون لقاء ثوابه، وفيل ما عنده ويطعمون. فيه)(٢). وإنما كان شعور الخاشعين بذلك كله غظناً لا يقيناً، لأن خواتم الحياة. لا يعلمها كيف تكون سوى علام الغيوب، ففى وصفهم بأنهم (يظنون). إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مکر انه - تعالی - وهکذا یکونالمؤمن دائماً" بين الخوف والرجاء. ومن هذا العرض لمعنى الآية الكريمة يتبين لمنا ، أن من فسر الظن هنا .. بمعنى اليقين والعلم، يرى أن لقاء الخاشعين له معناه الحشر بعد الموت، ورجوعهم إليه معناه مجازاتهم على أعمالهم . والحشر والمجازاة يعتقد. صحتهما الخاشمون اعتقاداً جازماً . أما من فسر الظن هنا بمعنى الاعتقاد الراجح، فيرى أن لقاء الخاشعين فه معناه توقعهم لقاء توابه، ورجوعهم إليه معناه ظفرم جناته، وتوقع الثواب (١) تفسير ابن جزير جـ ١ ص ١٠٢٩٢ (٢) تفسير الكشاف = ١ ص ٠١٣٤ ١٤٧ سورة البقرة والظفر بالجنات يرجع الخاشمون حصولهما لأن مرجعهما إلى فضل الله وحده. والذى نراه أن الرأى الأول أكثر اتساقاً مع ظاهر معنى الآية الكريمة وبه قال قدماء المفسرين ، كمجاهد وأبى العالمية وغيرهما . وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة توبيخ أحبار اليهود على نصحهم لغيرهم وتركهم لأنفسهم وإرشادهم إلى العلاح الذى يشفيهم من هذا الخلق الذميم، ومن غيره متى استعلموه بصدق وإخلاص، وهذا العلاج يتمثل فى تذرعهم بالصبر. ومداومتهم على الصلاة، وشكرهم الله - تعالى - على فعمه التى فصلت الآيات بعد ذلك الحديث عنها، وهانحن نذكرها مرتبة كما ساقها القرآن الكريم. أولا : نعمة تفضيلهم على العالمين: قال - تعالى -: يبنيّ -- إِسَهِيَلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَّىَ الَّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العلمين ٤٧ أعاد القرآن الكريم نداءهم ، تأكيداً لتذكيرهم بواجب الشكر، واهتماماً بمضمون الخطاب وما يشتمل عليه من أوامر ومنهيات، وتفصيلا لما أسبغه الله عليهم من منن بعد أن أجملها فى النداء الأول، ليكون الذ كير أتم والتأثير أشد ، والشكر عليها أرجى . وقد جرت سنة القرآن الكريم أن يكر و الجمل المشتملة على أمور تستوجب المزيد من العناية كما فى حال ذكر النعم، لأن تكرارها يغرى النفوس الكريمة بطاعة مرسلها، والسير على الطريق القويم. وقوله تعالى: ( وأنى فضلتكم على العالمين ) عطف على نعمتى ، أى واذكروا تفضيلى إياكم على العالمين، وهذا التفضيل نعمة خاصة ، فعطفه ١٤٨٠٠ الجزء الأول على (فعمتى) من عطف الخاص على العام للعناية به، وهو - أى: التفضيل مبدأ تفصيل النعم وتعدادها، والمقصود منه الحض على الاقصاف بما يناسب تلك النعم ، ويستبقى ذلك الفضل . وقد ذكر الله - تعالى - بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النيوى بهذه النعم مع أنها كانت لآبائهم . كما يدل عليه سياق الآيات ؛ لأن النعم على الآباء نعم على الأبناء لكونهم منهم ، ولأن شرف الأصول يسرى إلى الفروع ، فكان التذكير بتلك النعم فيه شرف لهم ، وحسن سمعة قعود عليهم ، وتغريهم بالإيمان والطاعة - لو كانوا يعقلون - . ومن مظاهر ، تفضيل الله لبنى إسرائيل على عالمى زماتهم ، جمعه لهم من المحامد قبل بعثة النبى ( صلى الله عليه وسلم). مالم يجمع لغيرهم . فقد حباهم بكثير من النعم ، وبعت فيهم عدداً كبيراً من الأنبياء، ونجاهم من عدوهم ، ولم يجعل العقوبة عليهم رغم عصيانهم واعتدائهم ، واقترافهم شتى ألوان المنكرات عن تعمد وإصرار ، ولم ينزل بهم قارعة تستأصلهم بدنو بهم كما استأصل غيرهم كةوم عاد وثمود . ولكن بنى إسرائيل لم يقابلوا نعم الله بالشكر والعرفان. بل قابلوها بالجحود والطغيان فسلبها الله عنهم، ومنحها لقوم آخرين لم يكونوا أمثالهم ولقد حكى القرآن ألوانا من النعم التى منحها الله لبنى إسرائيل ولكنهم قابلوها بالبطر والكفران فأزلهما الله عنهم. من ذلك قوله تعالى: (سل بنى إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ، ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب)) (١) . أى: سل - يا محمد - بنى إسرائل المعاصرين لك. سؤال تقريع وتوبيخ . كم آناهم الله على أيدى أنبيائهم من النعم الجليلة، والمعجزات الباهرة، ولكنهم بعد أن جاءتهم هذه الآبات، وتمكنوامنها وعقلوها قابلوها بالعناد والاستهزاء، وجعلوها من أسباب ضلالهم مع أنها مسوقة لهدايتهم (١) سورة البقرة الآية ٢١١ ١٤٩ سورة البقرة وسعادتهم ، فكانت نتيجة ذلك أن ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة فى الدنيا ، وقوعدهم بشديد العقاب فى الآخرة . ومن الآيات التى صرحت بأن الله - تعالى - أعطى بنى إسرائيل نعماً وفيرة، ولكنهم لم يحمدوه عليها . قوله تعالى: :؟ (( ولقد نجينا بنى إسرائيل من العذاب المهين . من فرعون إنه كان" عالياً من المسرفين. ولقد اخترناهم على علم على العالمين. وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين)) (١) . أى: ولقد نجينا بفضلنا، وكرمنا بنى إسرائيل من العذاب المهين الذى. کان ینزله بهم فرعون وجنده، بأن أغرقناه. ومن معه أمامأعينهم،لأنهكان ظلوماً غشوماً ، وفضلا عن ذلك فقد أصطفينا بنى إسرائيل - عن علم منا بما يكون منهم - على عالمى زمانهم وآتيناهم من النعم والمعجزات. ما فيه اختبار لقلوبهم ، وامتحان لنفوسهم . فكانت نتيجة هذا الاختبار والامتحان أن كفروا بنعم الله، وكذبوا برسله وقتلوهم. فنوعدهم الله فى الدنيا بأن يسلط عليهم من يسومهم سوءالعذاب إلى يوم القيامة. أما فى الآخرة فأ واهم جهنم وبئس المهاد. - وأيضا - من الآيات التى ساقب أنواعاً من نعم الله على بنى إسرائيل ولكنهم لم يشكروه عليها قوله تعالى : (( ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين . وآتيناهم بينات من الأمر فا اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم . إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)، (٢). والمعنى: ولقد آتينا بنى إسرائيل التوراة لتكون هداية لهم ومنحناهم الحكمة والفقه فى الدين ، وجعلنا النبوة فى عدد كبير منهم ، ورزقناهم من (١) سورة الدخان الآيات ٣٠ - ٣٣ (٢) سورة الجاثية الآية ١٧، ١٨ ١٥٠ الجزء الأول طبيات الأغذية والأشربة، وفضلناهم على من عاصرهم من الأمم قيل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفضلا عن ذلك فقد سقنا لهم على أيدى أنبيائهم الكثير من المعجزات والدلائل التى تقوى إيمانهم ، وتهديهم إلى المستقيم ولكنهم لم ينتفعوا بهذه النعم . بل جعلوا علمهم بالدين الحق سبباً للخلاف والشقاق ، والسير فى طريق الضلال ، وسيعاقبهم الله بما يستحقونه جزاء جحودهم وعنادهم . والعبرة التى نستخلصها من هذه الآيات وأمثالها. أن الله - تعالى - فضل بنى إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإسلامية. ومنحهم الكثير من النعم، ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر. بل قابلوه بالتمرد والحسد والبطر . فسلب الله عنهم ما حباهم من نعم)، ووصفهم فى كتابه بأقبح الصفات وأسوأ الطباع . كقسوة القلب ، ونقض العهد ، والتهالك على شهوات الدنيا، والتعدى على الغير . والتحايل على استحلال محارم الله، ونبذهم للحق واتباعهم الباطل ... إلى غير ذلك من الصفات التى توارد ذكرها فى القرآن الكريم . وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفراً؛ لأن الميزان عند الله التقوى والعمل الصالح، وليس للجنس أو اللون أو النسب . قال الإمام الرازى ما ملخصه : فإن قيل: إن تفضيلهم على العالمين يقتضى تفضيلهم على أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهذا باطل . فكيف الجواب؟ قلنا : الجواب من وجوه أقربها إلى الصواب أن المراد: فضلتكم على عالمى زمانكم وذلك لأن الشخص الذى سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لميكن من جملة العالمين حال عدمه ، وأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ما كانت موجودة فى ذلك الوقت، فلا يلزم من كون بنى إسرائيل أفضل العالمين فى ذلك الوقت . أنهم أفضل من الأمة المحمدية. وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله - تعالى -: (إذ جعل فيكم أنبيا. وجعلكم ملوكاً وآنا كم بالميزت أحداً ١٥١ سورة البقرة من العالمين). وعن قوله تعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين)(١). وبهذا يتعين بطلان دهوى اليهود أنهم شعب الله المختار. إستناداً إلى هذه الآية الكريمة وأمثالها ، لأنها دعوى لا تؤيدها النصوص، ولا يشهد .لها العقل السليم . ثم قال تعالى : وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَا تَجِْى نَفْسٌّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلْ مِنَ شَفَعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَ عَدْلٌ وَلَاهُمْ يُنْصَرُونَ ( ٤٨ بعد أن ذكرهم - سبحانه - فى الآية السابقة بنعمة عظمى من نعمه حذرهم فى هذه الآية الكريمة من التقصير فى العمل الصالح ، وذلك لأن وصفهم بالتفضيل على عالمى زمانهم قد يحملهم على الغرور ، ويجعلهم يتوهمون أنهم مغفور لهم لو أذنبوا. فجاءت هذه الآية الكريمة لتقتلع من أذهانهم تلك الأوهام بأحكم عبارة وأجمع بيان . والمراد باتقا. اليوم، وهو يوم القيامة. الحذر مما يحدث فيه من أهوال وعذاب ، والحذر منه يكون بالتزام حدود الله - تعالى - وعدم تعديها ، فهو من إطلاق الزمان على ما يقع فيه كمانقول «مكان مخيف، وتنكير النفس فى الموضعين وهو فى حيز النفى يفيد عموم النفوس . أى: لا تقضى فيه نفس كائنة من كانت عن نفس أخرى شيئاً من الحقوق . ووصف اليوم بهذا الوصف، ولم يقل ((يوم القيامة)، مثلا، للإشمار بان التصرف فى ذلك اليوم لله وحده. فليس فيه ما اعتاد الناس فى هذه الدنيا :. من دفاع بعضهم عن بعض . والمعنى: احذروا - يابى إسرائيل - يوماً عظيماً أمامكم، سيحصل فيه من الحساب والجزاء مالامنجاة من حوله إلا بتقوى الله فى جميع الأحوال (١) تفسير الرازى = ١ ص ٣٥٥ ١٥٢ الجزء الأول والإخلاص له فى كل الأعمال ، فهو يوم لا تقضى فيه نفس مهما كان قدرها). عظيما عن نفس شيئاً ما ، مهما يكن ذنباً صغيراً . ثم وصف القرآن الكريم ذلك اليوم بوصف آخر يناسب المقام . فقال. تعالى: ((ولا يقبل منها شفاعة، الضمير فى (منها) يعود إلى النفس المحاسبة فى ذلك اليوم . والشفاعة: من الشفع ضد الوتر، وهى انضهام الغير إلى الشخص ليدفع عنه ، أى لا يقبل منها أن تأتى يشفيع ليحصل لها نفعاً ، أو يدفع عنها ضرراً . والآية الكريمة قد نفت قبول الشفاعة من أحد نفياً مطلقاً، ولكن هنالك آيات كريمة تنفى قبول الشفاعة إلا من أذن له الرحمن فى ذلك ، من هذه الآيات قوله تعالى: (من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه) (١) وقوله تعالى :. (يومنذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا )(٢) وللجمع بين هذه الايات ، تحمل الايات التى تنفى الشفاعة نفياً مطلقاً ؟. على أنها واردة فى شأن النفوس الكافرة ، وتحمل الآيات التى تبيح الشفاعة . على أنها واردة فى شأن المؤمنين إذا أذن اللهفيها لاشافعین،وقدوردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوى فى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ستكون له شفاعة فى دفع العذاب عن أقوام المؤمنين ، وتخفيفه عن أهل الكبائر من المسلين ، من ذلك ما أخرجه البخارى عن جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما - أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن نبى قبلى : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً وجعلت أمتى خير الأمم ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (٣) . قال الإمام ابن جرير: (وهذه الآية وإن كان مخرجها عاماً فى التلاوة .. (١) سورة البقرة الآية ٢٢٦ (٢) سورة طه الآية ٢١٠ (٣) صحيح البخارى ((باب التيمم)) جـ ١ ص ٩١ ١٥٣ سورة البقرة فإن المراد بها خاص فى التأويل، لتظاهر الأخبار عن رسول الله (صلى الله. عليه وسلم). أنه قال: شفاءتى لأهل الكبائر من أمتى ، وأنه قال: ليس من فى إلا وقد أعطى دعوة، وإنى خبأت دعوتى شفاعة لأمتى، وهى نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئا. فقد تبين بذلك أن الله جل ثناءه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) هم عن. كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله(ولا يقبل منها شفاعة) إنماهى من مات على كفره غير تائب إلى الله - عز وجل -) اهـ (١). ثم وصف اليوم بوصف ثالث فقال تعالى: ( ولا يؤخذ منها عدل). العدل: العرض والغداء. سمى بالمصدر لأن الفادى يعدل المفدى بمثله" فى القيمة أو العين ويسويه به . يقال: عدل كذا بكذا: أي سواه به. والمعنى: لا يؤخذ منها فداء أو بدل فى ذلك اليوم إن هى استطاعت إحضاره على سبيل الفرض والتقدير . ثم وصفه بوصف رابع فقال تعالى: ( ولاهم ينصرون ) والنصر هو الإعانة فى الحرب وغيره بقوة الناصر، وقدم المسند إليه لزيادة التأكيد. المفيد أن انتفاء نصرهم محقق. فضلا عما استفيد من نفى الفعل وإسناده للمجهول وجاء الضمير فى قوله تعالى (ولاهم بنصرون) جمعاً مع أنه عائد على النفس وهو قوله تعالى (لا تجزى نفس)؛ لأن النكرة إذا وقعت فى سياق النفى تناولت كل فرد من أفرادها، وبهذا صارت فى معنى الجمع ، وصح أن يعود عليها ضمير الجمع وهو (هم). والمعنى . أنهم لا يجدون من يعينهم ويمنعهم من عذاب الله يوم القيامة. ولما كان اليهود يعتقدون أنهم شعب ميز ، وأن نسبتهم إلى الآنيا. ستجعلهم فى مأمن من العقاب رغم عصيانهم وفسوقهم ، وأن آباءهم سيشفعون لهم ... لما كانوا كذلك جاءت هذه الآية الكريمة لتبطل. (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٦٨ : ١٥٤ الجزء الأول .ما اعتقدوه، وتقطع ما أملوه ، ولتنقض كل ما يحتمل أن يكون وسيلة ، النجاة يوم القيامة سوى الإيمان والعمل الصالح . فقد نفت الآية الكريمة وجود من ينوب عنهم بقولها (لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ) . وقفت انتفاعهم بشفاعة الشافعين يوم الحساب بقولها ( ولا يقبل منها شفاعة ). ونفت قبول البدل أو الفداء عما ارتكبوه من خطايا بقولها (ولا يؤخذ منها عدل ) . وقفت وجود من ينتصر لهم أو يدافع عنهم بقولها (ولاهم ينصرون) وهكذا سدت عليهم الآية الكريمة كل منفذ يتوهمون نجاتهم من عذاب الله بسببه، ما داموا مصرين على كفرهم وجحودهم. هذا، وقد اشتملت هاتان الآيتان على أسلوب حكم فى التوجيه، وطريقة فريدة فى الإرشاد، جمعت بين الترغيب والترهيب ، فإن الآية الأولى ابتدأت بنداتهم باسم أبيهم إسرائيل - عليه السلام - الذى هو أصل عزهم، ومنشأ تفضيلهم لتحي الشعور بالكرامة فى نفوسهم، ولتغرس الإحساس بالشرف فى مشاعرهم، ولتحملهم على الترفع عن الدنيا؛ لأن الذى يشعر أنه من منبت كريم تعاف نفسه الحقد والكذب والصغار ، ثم جاءت الآية الثانية .فأرشدتهم إلى أن التقوى هى سبب السلامة والفوز، وحذرنهم من أهوال يوم القيامة وأفهمتهم بأن انتسابهم إلى أولئك الآباء لن يغنى من الله شيئاً يوم الجزاء، وإنما الذى ينفعهم فى ذلك اليوم هو اتباع تعاليم الإسلام، التى أتى بها النبى - عليه الصلاة والسلام- وفى ذلك مافيه من كبح غرورهم: وإبطال ظنونهم. ثانياً : نعمة إنجاثهم من عدوهم : ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة جليله الشأن، هى نعمة إنجائهم من عدوهم ١٥٥ سورة البقرة فقال تعالى : . وَإِذْنَخَيْنَكُ مِنْءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِحُونَ أَبْنَاءَ كُرٌ وَيَسْتَحْيُونَ فِسَاءَ كُّ وَفِذَ لِ كُمْبِلَّهُ مِّن رَّبِكُمْ عَظِيمٌ (3) الآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى: ((اذكروا فعمتى)» فى الآية السابقة ، من باب عطف المفصل على الجمل : أى : اذكروا نعمتى ، .واذكروا إذ نجيتاكم من آل فرعون . وإذ: بمعنى وقت ، «وهى مفعول به لفعل ملاحظ فى الكلام وهو :(اذكروا أى: اذكروا وقت أن نجيناكم، والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث . وآل الرجل : أهله وخاصته وأتباعه ، ويطلق غالباً على أولى الخطر والشأن من الناس ، فلا يقال آل الحجام أو الإسكاف. وفرعون: اسم ملك مصر كما يقال ملك الروم قيصر، ولملك اليمن تبع ويسومونكم : من سامه خسفا إذا أذله واحتقره وكلفه مالا يطيق. والابتلاء: الامتحان والاختبار ، ويكون فى الخير والشر ، قال - تعالى - (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) (١). والمعنى: اذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن نجينا كم من آل فرعون الذين كانوا يعذبونكم أشق العذاب وأصعبه ، ويبغونكم ما فيه إذلال لكم .واستتصال لأعقابكم، وامتهان لكرامتكم، حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم، ويستبقون نفوس نسائكم ، وفى ذلكم العذاب ، وفى النجاة منه امتحان لكم بالسراء لتشكروا، ولمقلموا عن السيئات التى تؤدى بكم إلى الإذلال فى الدنيا، والعذاب فى الأخرى . (١) سورة الأنبياء الآية ٣٥ ١٥٦ الجزء الأول قال الإمام الرازى - رحمه الله - ما ملخصه: واعلم أن الفائدة فى ذكر هذه النعمة - أى نعمة إنجائهم من عدوهم - يتأتى من وجوه أهمها: ١ - أن هذه الأشياء التى ذكرها الله - تعالى - لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة. صار تخليص الله - عز وجل - لهم من هذه المجن من أعظم النعم ، وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم ، وشاهدوا ذل من بالغ فى إذلالهم ، ولاشك فى أن ذلك من أعظم النعم ، وعظم النعمة يوجب المبالغة فى الطاعة والبعد عن المعصية ، لذا. ذكر الله هذه النعمة العظيمة ليلزمهم الحجة، وليقطع عذرم. ٢ - أنهم لما عرفوا أنهم كانوا فى نهاية الذل. وكان عدوهم فى نهاية العز، إلا أنهم كانوامحقين، وكان خصمهم مبطلا، لا جرم زال ذل المحقين، وبطل عز المبطلين ، فكأنه تعالى يقول لهم: لا تغتروا بكثرة أموالكم ولابقوة مركزكم، ولا تستهينوا بالمسدين لقلة ذات يدهم ، فإن الحق إلى جانبهم. ومن كان الحق إلى جانبه، فإن العاقبة لابد أن تكون له ) اهـ(١). وخوطب بهذه النعمة اليهود الذين كانوا فى زمن النبى ( صلى الله عليه. وسلم) ومع أن هذا الإنجاء كان أسلافهم، لأن فى نجاة أسلاقهم نجاةهم، فإنه لو استمرعذاب فرعون للآباء لأفنام، ولما بقى هؤلاء الأبناء، فلذلك. كانت منة التنجية تحمل فى طياتها منتين ، منة على السلف لتخليصهم بما كانوا فيه من عذاب ومنة على الخلف لمتعهم بالحياة بسيبها، (كان من الواجب. عليهم جميعاً أن يقدروا هذه النعمة قدرها، وأن يخلصوا العبادة لخالقهم الذى أنجاهم من عدوهم . ولأن الإنعام على أمة يعتبر إفعاماً شاملا لأفرادها سواء منهم من أصابه ذلك الإنعام ومن لم يصبه. ولأن الآثار التى تترتب عليه كثيرا .. مايرثها الخلف عن السلف، ولأن فى إخبارهم بذلك تصديقاً للنى (عليه. الصلاة والسلام) فيما يبلغه عن ربه،فقد أخبرهم بتاريخ من مضى منهم. بصدق وأمانة ، وفى ذلك دليل على أنه صادق فى نبوته ورسالته . (١) تفسير الرازى ج ١ ص ٣٦٠ ١٥٧ سورة البقرة وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه ، مع أنه الآمر بتعذيب بنى إسرائيل ، للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عوناً له فى إذاقتهم سوء العذاب، وإنزال الإذلال والاعنات بهم. وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لليهود - وهو فى ظاهره خير - لأن هذا الإبقاء عليهن، كان المقصود منه الاعتداء على أعراضهن -واستعمالهن فى الخدمة بالإسترقاق. فبقاؤهن كذلك بقا ذليل وعذاب أليم ، تأباه النفوس الكريمة ، والطباع الطبيبة . قال الإمام الرازى ما ملخصه : ( فى ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه . أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال ، وذلك يقتضى أنقطاع النسل، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة فى ذلك، وهذا يقضى فى نهاية الأمر إلى هلاك الرجال والنساء جميعاً. ثانيهما : أن هلاك الرجال يقتضى فساد مصالح النساء فى أمر المعيشة، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال. لما قد تقع فيه من نكد العيش بالإنفراد . فصارت هذه الخطة عظيمة فى المحن ، والنجاة فى العظم منها تكون بحسبها . ثالثها : أن قتل الولد عقب الحمل الطويل ، وتحمل التعب ، والرجاء القوى فى الانتفاع به، من أعظم العذاب ، فنعمة الله فى تخليصهم من هذه المحنة كبيرة . رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهم، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان ) اهـ (١). وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء فى قوله تعالى: (يذبحون أبناءكم) الأطفال دون البالغين، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك ، (١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٣٥٨ ١٥٨ الجزء الأول ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث أنهم كانوا يستعملونهم فى الأعمال. الشاقة والحقيرة، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال، لما قامت أم موسى. بإلقائه فى اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح . ويرى بعض المفسرين أن المراد بالأبناء الرجال لا الأطفال ، لأن لفظ الأبناء هنا جعل فى مقابلة النساء ، والنساء من البالغات . والذى نرجحه هو القول الأول لما ذكرنا، ولأنه أتم فى إظهار نعمة الإنجاء ، حيث كان أهل فرعون يقتلون الصغار قطعاً للنسل، ويسترقون الأمهات استعداداً لهن، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج، وبقاء الرجال على هذه الحالة أشد عليهم من الموت . .وقد جاءت جملة ( يذبحون أبناءكم ) فى هذه الآية الكريمة بدون عطف وجاءت فى سورة إبراهيم معطوفة بالواو (١) . لأنها هنا بيان وتفسير لجملة ( يسوءونكم سوء العذاب ) فيكون المراد من سوء العذاب. هنا تذبيح الأبناء واستحياء النساء . وأما فى سورة إبراهيم. فقد جاء سياق الآيات لتعداد المحن التى حلته يبنى إسرائيل، فكان المراد بجملة ((يسومونكم سوء العذاب، فوعاً منه، والمراد بجملة (ويذبحون أبناءكم) نوعاً آخر من العذاب، لذا وجب العطف، لأن الجملة الثانية ليست مفسرة للأولى وإنما هى تمثل نوعا آخر من المحن. التى حلت بهم . هذا، وقد ت كرر تذكير بنى إسرائيل بنعمة إنجائهم من عدوهم فى مواضع متعددة من القرآن الكريم ، وذلك لجلال شأنها ، ولحملهم على الطاعة والشكر . ١ - من ذلك قوله تعالى فى سورة الأعراف: ((وإذ أنجينا كم من آل (١) آية سورة إبراهيم هى قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه اذكروا) نعمة الله عليكم إذا نجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، ويذبحون أبناء كم ويستحيون نساء كم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظم ) . الآية ٦ ١٠٩ سورة البقرة فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم. وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم ). ٢ - وقوله تعالى فى سورة طه: «يا بنى إسرائيل قد أنجينا كم من عدم كم. وواعدنا كم جانب الطور الأيمن وزلنا عليكم المن والسلوى . كلوا من. طيبات ما رزقناكم ولا قطغوا فيه فيحل عليكم غضبى، ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى . وإنى لغفار لمن قاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى). فهذه الآيات الكريمة وغيرها مما هى فى معناها فيها تذكير لبنى إسرائيل. بنعمة من أجل نعم الله عليهم، حيث أنجاهم - سبحانه - ممن أراد لهم السوء، وعمل على قتلهم وإبادتهم واستئصال شأفتهم، وفى ذلك ما يدعوهم. إلى الاجتهاد فى شكر الله - عز وجل - لو كانوا ممن يحسنون شكر النعم. ثالثاً : نعمة فرق البحر بهم . ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة ثالثة عظيمة حصل بها تمام الانجاء وتجلى فيها إكرام الله لهم، وهى نعمة فرق البحر بهم فقال تعالى: وَ إِذْ قَرَقْنَا بِكُ الْبَحْرَ فَأْجَيْنَكُمْ وَأَغْرَقْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ٥٠ والمعنى: واذكروا يا بنى إسرائيل من جملة نعمنا عليكم ، فعمة فرق البحر بكم، وانفصاله بعد اتصاله، حين ضربه موسى بعصاه، فأصبحت فيه طريق متعددة فولجتموها، وسرقم فيها هرباً من فرعون وجنده؟ وبذلك. تمت لكم النجاة، وحصل الغرق لأعدائكم، وقت أن عبروا وراءكم. وقد شاهدتموهم والبحر يلفهم بأمواجه، مشاهدةلا لبس فيها ولاغموض. (١) الآية ١٤١. (٢) الآيات ٦١ - ٠٨٣ ١٦٠ ١ الجزء الأول ولقد كان فيها رأيتم ما يدعو إلى الاتعاظ، ويحمل على الشكر الجزيل الله العزيز الرحيم . فالآية الكريمة تشير إلى قصة نجاة بنى إسرائيل وغرق فرعون وقومه، وملخصها: أن الله - عز وجل أوحى إلى نبيه - موسى - عليه السلام - أن يرحل ببنى إسرائيل ليلا من أرض مصر التى طال عذابهم فيها إلى أرض فلسطين، ونفذ موسى - عليه السلام - ما أمره به الله - تعالى - وعلم فرعون أن موسى وقومه قد خرجوا إلى أرض الشام، فتبعهم بجيش كبير، وأدركهم مع طلوع :الشمس قرب ساحل البحر الأحمر، وأيقن بنو إسرائيل عندما رأره أنه مهلكهم لا محالة. ولجأوا إلى موسى - عليه السلام - يشكون إليه خوفهم وفزفهم، ولكنه رد عليهم بقوله: (إن معى ربي سيهدين) وأوحى الله إليه ( أن اضرب بعصاك البحر ) فضربه (فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) وأمر موسى - عليه السلام - بنى إسرائيل أن يعبروا فعبروا بين فرقى الماء دون أن يمسهم أذى . واقتفى فرعون وجنوده أثرهم طعما فى إدراكهم وعندما عبر بنو إسرائيل البحر ولم يبق منهم أحد بين المياه المنحسرة ، كان فرعون وجنده ما زالوا بين فرقى البحر، فاطبق عليهم وعاد كما كان أولا ، فغرقوا جميعاً، وبنو إسرائيل ينظرون إليهم فى دهشة وسرور. وأسند - سبحانه - فرق البحر إلى ذاته الكريمة، ليدل على أن القوم عبروه وقطعوه وهم بعنايته، وقوله تعالى: (فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون) بيان للمنة العظمى التى امتن بها عليهم، والتى ترتبت على فرق البحر، لأن فرق البحر لهم ترتب عليه أمران . أولهما: نجاتهم : وثانيهما: إهلاك عدوهم وكلاهما نعمة عظيمة . والإيمان الصحيح يقضى بأن تفهم واقعة انفصال البحر لموسى وقومه على أنها معجزة كونية له ، وقد زعم البعض أنها كانت حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر، وهو زعم لا سندله ولا دليل عليه . واقتصرت الآية هنا على ذكر إغراق آلفرعون أى جنده وأنصاره،