Indexed OCR Text

Pages 1-20

التفسير الوسيط
للقران الكريم
تفسير
سورة الفاتحة والبقرة
الدكتور
محمد سيد طنطاوى
مفتى الديار المصرية
( الجزء الأول )
١٠٤٧ هـ ١٩٨٧ م
الطبعة الثالثة

"رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمْيُعُ الْعَلِيمُ"

المفرقة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا هو ، وحده لا شريك له ،
ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. وأشهد أن محمداً عبدهورسوله،
أرسله رحمة للعالمين، وأنزل عليه كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه ، تنزيل من حكيم حميد. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه
وأتباعه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذى أنزل معه ،
أولئك هم المفلحون .
وبعد: فإن القرآن الكريم هو كتاب الله الذى أنزله على قلب نبيه محمد
- صلى الله عليه وسلم -، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولينقذهم
من الكفر والظلم والفجور .. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات
إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزير الحميد)، (١).
وقد أنزل الله - تعالى - هذا القرآن على قلب نبيه - صلى الله عليه وسلم -
لمقاصد عالية، وحكم سامية، وأغراض شريفة ...
من أهمها أن يكون هذا القرآن هداية الإنس والجن فى كل زمان ومكان.
إلى الصراط المستقيم، وإلى السعادة التى تصبو إليها النفوس، وتتطلع إليها
الأفئدة والقلوب
(١) سورة إبراهيم: الآية ١.

وقد أودع الله - تعالى - فى هذا الكتاب من العقائد السليمة ، والعبادات
القويمة ، والأحكام الجليلة، والآداب الفاضلة، والعظات البليغة، والتوجيهات
الحكيمة ... ما به قوام الملة الكاملة ، والأمة الفاضلة، والجماعة الراشدة،
والفرد السليم فى عقيدته وسلوكه وفى كل شئونه .
فكان هذا الكتاب أفضل الكتب السماوية ، وأوفاها بحاجة البشرية ،
وأجمعها للخير ، وأبقاها على الدهر ، وأعمها وأتمها وأضحها فى هدايته
الناس إلى ما يصلحهم فى معاشهم ومعادهم .
قال - تعالى -: ((إن هذا القرآن يهدى التى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين
يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً)، (١) .
وقال تعالى: (( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدى به الله من اقبع
رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى
صراط مستقيم. (٢).
وقال - تعالى - ((قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن، فقالوا إناسمعنا
قرآنا عجباً . يهدى إلى الرشد فآمناً به ولن تشرك بربنا أحداً،(٣).
كذلك من أهم المقاصد التى من أجلها أنزل الله - تعالى - على نبيه - صلى
الله عليه وسلم - هذا القرآن، أن يكون هذا القرآن معجزة ناطقة فى فم الدنيا
بصدقه فيما يبلغه عن ربه .
.. ولقد جاء النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس فدعاهم إلى وحدانية
الله، وإلى مكارم الأخلاق ، وقال لهم : معجزنى الدالة على صدقى هذا
القرآن ، فإن كنتم فى شك من ذلك فهاتوا مثله فعجزوا ، فأرخى لهم العنان
وتحدام بأن يأتوا بعشر سور من مثله فما استطاعوا، فزاد فى إرخاء العنان
لحم - وهم أرباب البلاغة والبيان - فنحداهم بأن يأتوا بسورة واحدةمن مثله،
(٢) سورة المائدة : الآيتان ١٦،١٥
(١) سورة الإسراء . الآ ية ٩
(٣) سورة الجن : الآيتان .

فأخرسوا وانقلبوا صاغرين. فثبت أن هذا القرآن من عند الله، ولو
. من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً .
قال - تعالى -: ((وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأنوا بسورة من
. مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا
فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة أعدت الكافرين))(١) ..
كذلك من أهم المقاصد التى من أجلها أنزل الله هذا القرآن على قلب فيه
- صلى الله عليه وسلم -، أن يتقرب الناس به إلى خالقهم عن طريق تلاوته»
وحفظه، وتدبره، والعمل بتشريعاته وآدابه وتوجيهاته ...
ولقد تكلم الإمام القرطبى بإسهاب فى مقدمة قفسيره عن فضائل القرآن،
والترغيب فيه، وفضل طالبه، وقارئه، ومستمعه، والعامل به، وكيفيه
تلاوته ... فقال ما ملخصه :
أعلم أن هذا الباب واسع كبير. ألف فيه العلماء كتباً كثيرة، تذكر
من ذلك فكتا تدل على فضله، وما أعد الله لأهله إذا أخلصوا الطلب لوجهه،
وعملوا به. فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين.
كلام من ليس كمثله شىء ...
ومن الآثار التى جاءت فى هذا الباب ما أخرجه الترمذى عن أبى سعيد
-قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الله - تعالى - من شعله
القرآن وذكرى عن مسألتى، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين .. )).
وعن عبد الله بن مسعود: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه
.هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ... ))
وروى البخارى عن عثمان بن عفان عن النبى - صلى الله عليه وسلم -.
قال: (( خير كم من تعلم القرآن وعلمه))، وروى مسلم عن أبى موسى الأشعرى
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن
(١) سورة البقرة: الآيتان ٢٣، ٢٤.

كمثل الأترجة (١) ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن
كمثل الثمرة لا ريح لها وطعمها حلو . ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل
الريحانة ريحها طيب وطعمها مر . ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل
الخنظلة لا ربح لها وطعمها مر ) .
وروى مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذى يقرأ القرآن ويتتعتع فيه -أى
يقرؤه بصعوبة، وهو عليه شاق - له أجران)).
وروی الترمذی عنعبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلی الله
عليه وسلم -: من قرأ حرفاً من كتاب الله فله بكل حرف حسنة، والحسنة.
بعشر أمثالها. لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، وميم حرف،
ولام حرف)،(٢).
هذا جانب من الأحاديث الشريفة التى أوردها القرطى، وهو يتحدث ..
عن فضائل القرآن، والترغيب فيه .... الخ .
ولقد حذر النى - صلى الله عليه وسلم -: أمته تحذيراً شديداً من نسيان.
القرآن، فقد روى الشيخان عن أبى موسى عن الذ - صلى الله عليه وسلم -.
قال: تعاهدوا القرآن ؛ فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً - أى: تفلتا -
من الإبل فى ، ◌ُعُقُلُمَّا).
وروی الترمدی وأبو داود عن أنس بن مالك عن النبی ۔ ھبال ۔
قال : عرضت على ذنوب أمتى فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن.
أو آية أوتيها رجل ثم نسيها، .
هذه أهم المقاصد والحكم التى من أجلها أنزل الله - تعالى - القرآن على.
فيه - بدر -: أن يكون هداية الناس، وأن يكون معجزة خالدة
باقية شاهدة بصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فيما يبلغه عن ربه،
(١) الأترجة: ثمرة حلوة الطعم، طيبة الرائحة، جميلة اللون، تشبه التفاحة.
(٢) تفسير القرطبى: حـ١ ص ٤ وما بعدها :
٨

وأن بتقرب الناس بقراءته والعمل به إلى خالقهم - عز وجل -. ولقد تكفل.
الله - تعالى - يحفظ هذا القرآن، وصانه من التحريف والتبديل، والتغيير
والمعارضة. قال - تعالى -: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (١)،.
. وكان من مظاهر عنايته - سبحانه - بكتابه، أن جعله محفوظاً فى كل العصور
بالتواتر الصادق القاطع، يرويه الخلف عن السلف بالكيفية المروية عن رسوله.
- صلى الله عليه وسلم -، وأن وفق له فى كل عصر حفاظاً متقنين جمعوه.
فى صدورهم , وعمروا به ليلهم ونهارهم ...
وأن قيض له رجالا قضوا معظم أيام حياتهم فى خدمته ودراسة علومه،
فنهم من كتب فى إعجازه وبلاغته، ومنهم من كتب فى قصصه وأخباره،
ومنهم من كتب فى أسباب نزوله، ومنهم من كتب فى قراءاته ورسمه ،ومنهم
من كتب فى محكمه ومتشابهه ، ومنهم من كتب فى ناسحة ومنسوخه ، ومنهم.
من كتب فى مكيه ومدفيه، ومنهم من كتب فى غريب ألفاظه .
٠
إلى غير ذلك من ألوان علومه .
وكثير منهم قد كتبوا فى تفسيره. وتوضيح معانيه ومقاصده وألفاظه ،
وذلك لأن سعادة الأفراد والأمم لا تتأتى إلا عن طريق الاسترشاد بتعاليم.
القرآن وتوجيهاته، وهذا الاسترشاد لا يتحقق إلا عن طريق الكشف.
والبيان ، لما تدل عليه ألفاظ القرآن. وهو ما يسمى بعلم التفسير.
فتفسير القرآن هو المفتاح الذى يكشف عن تلك الهدايات الساميه،
والتوجيهات النافعه، والعظات الشافيه، والكنوز الثمينه التى احتواها
هذا الكتاب الكريم .
وبدون تفسير القرآن، تفسيراً - علمياً سليماً مستنيراً- لا يمكن الوصول.
إلى ما اشتمل عليه هذا الكتاب من هدايات وتوجيهات، ٠هما قر أه القارون.
وردد ألفاظه المزددون .
قال إياس بن معاوية: مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره».
(١) سورة الحجر. الآية ٩.
٩

كمثل قوم جاءهم كتاب من مليكهم ليلا ، وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم
روعة ولا يدرون ما فى الكتاب. ومثل الذى يعرف التفسير كمثل رجل
جاءهم بمصباح فقر. وا ما فى الكتاب)) (١).
ولقد أفاض الإمام ابن كثير فى بيان هذا المعنى ((وفى بيان أحسن طرق
التفسير فقال: «فالواجب على العلماء الكشف عن معانى كلام اللّه، وتفسير
ذلك ، وطلبه من مظانه ، وتعلم ذلك وتعليمه.
فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير ؟ فالجواب: أن أصح الطريق
فى ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل فى مكان فإنه قد بسط فى موضع
آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ....
وقد قال رسول الله - عَّ الله - ((إلا إنى أوقيت القرآن ومثله معه)
يعنى السنة ....
١.
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة ....
فإن لم تجده فمن أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن.
والأحوال التى اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل
الصالح، لا سيما علماءهم وكبراءهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين،
والأئمة المهتدين المهديين ... قال عبد الله بن مسعود: والذى لا إله غيره، ما
ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت. ولو أعلم
أحداً أعلم بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته)). وقال: كان الرجل منا إذا
تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن)).
وقال أبو عبد الرحمن السلمى: ((حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا أنهمكانوا
3 - وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم
يستقرأون من النى -
يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل ، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً ، ....
فإذا لم تجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة ولا وجدته عن الصحابة ، فقد
رجع كثير من الأئمة فى ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر، وسعيد
(١) تفسير القرطبى حـ ١ ص ٠٢٦
١٠٠

ابن جبير . وعكرمه مولى ابن عباس ، وعطاء بن أبى رباح، والحسن
البصرى وغيرهم)، (١).
هذا ، وأنت إذا سرحت طرفك فى المكتبة الإسلامية ترى العشرات من
كتب التفسير، منها القديم والحديث ، وترى منها الكبير والوسيط والوجيز،
وترى منها ما يغلب عليه طابع التفسير بالمأثور ، وترى ما يغلب عليه طابع
التفسير بالرأى، وترى منها ما تغلب عليه الصبغه الفقهيه ، أو البلاغيه ، أو
الفلسفيه، أو الصوفيه، أو العلميه، أو الاجتماعيه، أو الطائفيه .... أو
غير ذلك من الاتجاهات والميول التى تختلف باختلاف أفكار الكاتبين
و ثقافتهم ومذهبهم ..
وترى منها المحرر أو شبه المحرر من الخرافات ، والأقوال السقيمه ،
والقصص الباطلة ... كما ترى منها ما هو محشو بذلك .
ولقد أنتفعت كثيراً بما كتبه الكاتبون عن كتاب الله - تعالى-، وهأنذا
- أخى القارى . - أقدم لك تفسيراً وسيطاً لسورتى الفاتحه والبقرة، وقد بذلت
فيه أقصى جهدى ليكون تفسيراً علمياً محققاً، محرراً من الأقوال الضعيفه،
والشبه الباطلة ، والمعانى السقيمه ..
وستلاحظ خلال قراءتك له أننى كثيراً ما أبدأ بشرح الألفاظ القرآنيه
شرحا لغوياً مناسباً ثم أبين المراد منها - إذا كان الأمر يقتضى ذلك ..
ثم أذكر سبب النزول للآيه أو الآيات - إذا وجد وكان مقبولا -.
ثم أذكر المعنى الإجمالى للآيه أو الجمله ، مستعرضاً لما اشتملت عليه
من وجوه البلاغه والبيان، والعظات والآداب والاحكام ... ، مدعما ذلك
بما يؤيد المعنى من آيات أخرى، ومن الأحاديث النبويه ، ومن أقوال
السلف الصالح .
وقد تجندت التوسع فى وجوه الإعراب، واكتفيت بالرأى أو الآراء
(١) تفسير ابن كثير حـ١ ص ٣ وما بعدها - بتصرف وتلخيص -.
١١

الراجحة إذا تعددت الأقوال .. .
وذلك لأننى توخيث فيما كتبت إبراز ما اشتمل عليه القرآن الكريم من
هدايات جامعة، وأحكام سامية ، وتشريعات جليلة ، وآداب فاضلة ،
وعظات بليغة ، وأخبار صادقة ، وتوجيهات نافعة ، وأساليب بليغة ،
وألفاظ فصيحه ...
والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا، وبهجه قلوبنا ..
وأن يعيننا ويوفقنا لإتمام ما بدأناه من خدمة لكتابه، وأن يجعل أعمالنا.
وأقوا لنا خالصة لوجهه، ونافعة لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم ؟
كتبه الراجى عفور به
محمد سيد طنطاوى
مفتى الديار المصرية
١٢

سورة الفاتحة
بِسْـ
سِلَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اَلْحَمْدُ لِنَِّرَبِّ الْعَلَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّكَ
مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ
نَسْتَغِینُ
أَهْدِنَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَظَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِيْنَ
سورة الفاتحة هى السورة الوحيدة التى أمر الإسلام أتباعه أن يقر وها
فى كل صلاة . وفى جميع الركعات، وفى كل الأوقات، ولهذا أصبح حفظها
میسوراً لكل مؤمن .
وهذه السورة على صغر حجمها، وقلة آياتها ، قد اشتملت بوجه إجمالى
على مقاصد الدين من توحيد، وتعبد، وأحكام ، ووعد ووعيد .
ونرى من الخير قبل أن نبدأ فى تفسيرها بالتفصيل، أن تمهد لذلك
بالكلام عما يأتى :
أولا : متى نزلت سورة الفاتحة ؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: إن الرأى الراجح بين المحققين من العلماء
أنها نزلت بمكة، بل هى من أوائل ما نزل من القرآن بمكة.
وقيل: إنها مدنية . وقيل: إنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة
ومرة بالمدينة حين حوات القبلة .
١٣

قال القرطى: الأول أصح لقوله - تعالى - فى سورة الحجر: ((ولقد
٦ قهناك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم)، وسورة الحجر مكية بالإجماع. ولا خلاف.
فى أن فرض الصلاة كان بمكة ، وما حفظ أنه كان فى الإسلام قط صلاة بغير
((الحمد لله رب العالمين، «يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا صلاة
إلا بفاتحة الكتاب). وهذا خبر عن الحكم لا عن الابتداء)، (١)،
ثانياً: عدد آياتها: وهى سبع آيات لقوله - تعالى -: (ولقد آتيناك
سبعاً من المثانى والقرآن العظيم). قال العلماء: السبع المثانى هى الفاتحة.
وقال ابن كثير: هى سبع آيات بلا خلاف. وقال عمرو بن عبيد: هى
ثمان آيات لأنه جعل ((إياك نعبد، آية . وقال حسينالجعفی : هی سعآ یات
وهذان القولان شاذان)) (٢).
ثالثاً: أسماؤها . لسورة الفاتحة أسماء كثيرة من أشهرها :
١ - ((الفاتحه أو فاتحة الكتاب)، وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن.
بها لفظاً. وتفتتح بها الكتابه فى المصحف خطا، وتفتتح بها الصلوات، وإن
لم تكن هى أول ما نزل من القرآن . وقد اشتهرت بهذا الاسم فى أيام النبوة.
وقد أصبح هذا الاسم علماً بالغلبه لتلك الطائفه من الآيات التى مبدؤها
((الحمد لله)) .. ونهايتها .. (( ولا الضالين)).
٢ - « أم القرآن أو الكتاب، وسميت بذلك لاشتمالها إجمالا على المقاصد.
التى ذكرت فيه تفصيلا، أو لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله بما هو أهله،
والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم
النظريه، والأحكام العملية التى هى سلوك الصراط المستقيم ، والاطلاع
على معارج السعداء ومنازل الأشقياء .
قال ابن جرير: (( والعرب تسمى كل أمر جامع أموراً، وكل مقدم.
(١) تفسير القرطبى. جـ ١ ص ١١٥ طبعه دار الكاتب العربى.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٨ طبعه عبسى الحلبى.
١٤

رابعاً : فضـ
مارواه البـ
کنت أملی ا
فقلت : يارسول
وللرسول إذا د
ثم قال لى : .
من المسجد)). ثم
تقل : لأعملتك.
العالمين ،، هى ١١
(١) تفسير ا
(٢) تفسير ١
(٣) صحيح ا

وروى مسلم والنسائى، عن ابن عباس ، قال :
بينما جبريل قاعد عند النبى - صلى الله عليه وسلم - سمع نقيضا من فوقه
-- أى: صوتا - فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط
إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، ولم يؤتها نبى قبلك: فاتحة
الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منها إلا أعطيته)، (١).
وروى مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى - صلى الله عليه
-وسلم - قال:
((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى ختاج (ثلاثاً): غير تمام»
فقيل لأبى هريرة: إنما تكون وراء الإمام؟ فقال: إقرأ بها فى نفسك؛ فإنى
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله - تعالى -: (قسمت
الصلاة بينى وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد، «الحمد لله
رب العالمين)). قال الله: حمدنى عبدى، وإذا قال: «الرحمن الرحيم)). قال
الله تعالى: أثنى على عبدی. وإذا قال: « مالك يوم الدين» قال الله: مجدنی
عبدى . فإذا قال: ((إياك نعيد وإياك نستعين)). قال الله: هذا بينى وبين عبدى
ولعبدى ما سأل. فإذا قال: ((أهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين
أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)). قال الله: هذا لعبدى
.ولعبدي ما سأل (٢).
وأخرج الإمام أحمد فى مسنده، عن عبد الله بن جابر، أن سول الله-مَ ا}
- قال له : ألا أخبرك بأخير سورة فى القرآن؟ قلت : بلى يا رسول الله.
مقال: اقرأ: ((الحمد لله رب العالمين)) حتى تختمها (٣).
تلك هى بعض الأحاديث التى وردت فى فضل هذه السورة الكريمة .
وقد ذكر العلماء أنه يسن للمسلم قبل القراءة أن يستعيذ بالله من الشيطان
(١) أخرجه مسلم فى كتاب : صلاة المسافرين وقصرها جـ٢ ص١٩٨.
(٢) أخرجه مسلم فى كتاب الصلاة جـ ٢ ص ٩.
(٣) تفسير ابن كثير ج١ ص ٠١٠
١٦

الرجيم، استجابة لقوله - تعالى-, فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من
الشيطان الرجيم :.
ومعنى ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)»: ألتجىء إلى الله وأتحصن به،
واستأجير بجانبه من الشيطان الرجيم أن يضرفى فى دينى أو دنياى .
١٠
قال إن كثير : ((والشيطان فى لغة العرب كل متمرد من الجن والإنس
والدواب وكل شىء . وهو مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن
طباع البشر، وبعيد بفسقة عن كل خير . وقيل : مشتق من شاط لأنه مخلوق
من فار. والأول أصح إذ عليه يدل كلام العرب، فهم: يقولون تشيطن فلان
إذا فعل أفعال الشيطان، ولو كان من شاط . لقالوا : نشيط ، فالشيطان
مشتق من البعد على الصحيح ، (١)
والرجيم: فعيل بمعنى مفعول أى أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن
- كل خير، وقيل: رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشكوك.
قال بعض العلماء: ((وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة مع أنه قد
أمر بها على وجه العموم فى جميع الشئون، لأن القرآن مصدر الهداية ،
والشيطان مصدر الصلال ، فهو يقف للإنسان بالمرصاد فى هذا الشأن على
وجه خاص ، فيثير أمامه ألواناً من الشكوك فيما يقرأ، وفيما يفيد من قراءته،
وفيها يقصد بها ، فيفوت عليه الانتفاع بهدى الله وآياته، فعلمنا الله أن نتقى
ذلك كله بهذه الاستعاذة التى هى فى الواقع عنوان صادق، وتعبير حق ،
عن امتلاء قلب المؤمن بمعنى اللجوء إلى الله، وقوة عزيمته فى طرد الوساوس
والشكوك، واستقبال الهداية بقلب طاهر، وعقل واع، وإيمان ثابت» (٢).
قال القرطبى : وقد أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آبة
منه، وهو قول القارىء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٤
(٢) تفسير القرآن الكريم ص ١٦ لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمود شلتوت
. (٣) تفسير القرطبى ج ١ ص ٨٦
٫٠١٧

والآن وبعدهذا التمهيد الموجز الذى تكلمنا فيه عزنزول سورة الفاتحة ....
وعن عدد آياتها ، وعن أشهر أسمائها ، وعن بعض الأحاديث التى وردت فى
فضلها نحب أن نبدأ فى تفسير السورة الكريمة فنقول ـ وبالله التوفيق -:
(( بسم الله الرحمن الرحيم)»
الاسم : اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون ..
فى اشتقاقه على وجهين ، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو
والرفعة ، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به .
وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهى العلامة ، لأن الاسم.
علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا (( وسم)).
ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير« اسم»
◌ُسمىَ، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها.
. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه : أوسام،
وفی تصغيره وسیم .
ولفظ الجلالة وهو «اللّه)) علم على ذات الخالق - عز وجل -
تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشر كه فيه أحد .
قال القرطبى: قوله ((الله، هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها *
حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ، ولذلك
لم يكن ولم يجمع. فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنغوت
بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه - (١)
و(«الرحمن الرحيم)) صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة فى أصل ...
اللغة : رقة فى القلب تقتضى الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً
الله - تعالى - ، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإحسان . وفسرها
آخرون بالإحسان نفسه .
والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا"
(١) تفسير القرطبى -١ ص ١٠٢
١٨

نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإحسان .
وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين ، فبعضهم
يرى أن «الرحمن» هو المنعم على جمع الخلق. وأن الرحيم، هو المنعم على
المؤمنين خاصه . ويرى آخرون أن ((الرحمن، هو المنعم بجلائل النعم،
وأن « الرحيم ، هو المنعم بد قائقها.
ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد الأول
والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد ، بل روعى
فى كل منهما معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة ، لأن
فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشىء وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران.
والرحيم بمعنى دائم الرحمة ، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائم
ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمها (١).
أو أن ((الرحمن)) صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإحسان. («والرحيم!
صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.
وأهل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى على
الصفات كما هو الشأن فى أسماء الذات. قال - تعالى -: «ار حمن علم القرآن :
و((الرحمن على العرش استوى))، ((قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن))،
وهكذا . . .
أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء فى
الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى - ((إن الله بالناس
أر.وف رحيم)» - «وكان بالمؤمنين رحيماً،، «أنه كان بكم رحيماً، الخ.
قال بعض العلماء ,وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص
أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه ، كما أنه
ليس مستساغاً أن يقال فى القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد
(١) تفسير سورة الفاتحة لفضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين.
مجنة لواء الإسلام لعلاد الأول من السنة الأولى ص ٨.
١٩

المعنى المستفاد منها)، (١).
والجار والمجرور (( بسم)) متعلق بمحذوف تقديره ابتدى ..
والمعنى: ابتدىء قراءتى متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر،
والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شىء، وأتبرأ مما كان يفعله
المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم
العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة .
هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله
- تعالى - ((إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)).
ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزات للفصل بين السور مرة
واحدة، أو هى من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ .
فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم
أن السلف قد أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن ما ليس منه،
ولذا لم يكتبوا «آمين)). فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.
وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير
والشافعى ، وأحمد فى أحد قوليه .
ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور،
وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن
حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة ، لما اختلف للناس فى
ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آيه من كل سورة أو من للفاتحه فقط.
وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونهاآبه مستقلة أو آ يه من كل سورة،
فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - فى وجوب قراءتها فى الصلاة ، وفى الجهر
بها أو الإسرار إذا قرئت .
(١) تفسير القرآن العظيم ص ٢٤ لفضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت.
٢٠