Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَرُويّاكُ أُخْ المُؤْخَيْنَ عَائِمٌ في التَّفْسير الدكتُرُ سِعُد بْن عَبْداله الفيسَان مكتَبة التَّوْبَةُ جميع الحقوق محفوظَة الطبعة الأولى ١٤١٣ م -١٩٩٢. الرياض - المملكة العربية السعودية - شارع جرير هاتف ٤٧٦٣٤٢١ ص. ب ١٨٢٩٠ الرمز ١١٤١٥ مكتبة النَّوْنَةُ ٢١٢٫٣ ١٤ م مَرُويّاتُ أم المؤمنينَ بِعَائِشَةٌ في التَّفْسير ٠ تفاسير قديمه ٨ بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله منزل الكتاب ومفقه ذوي الألباب والصلاة والسلام على رسولنا محمد بن عبدالله أفضل من صلى وصام، وعلى آله وصحابته الأطهار الأوفياء، الكرام الأذكياء، وبالأخص أم المؤمنين عائشة بنت الصديق المبرأة من السماء، العالمة الذكية والفقيهة التقية رضي الله عنهم وأرضاهم وجمعنا بهم في دار كرامته. أما بعد: فقد راودني منذ مدة جمع مرويات أم المؤمنين عائشة في التفسير خاصة وتخريجها وبيان درجتها من الصحة أو الضعف، لولا ما منعني من واجبات وظيفية والتزامات أدبية، وقد طرحت هذه الفكرة على أحد الزملاء من أساتذة الكلية وقلت: حبذا لو كتب فيها بعض طلاب الدراسات العليا في قسم القرآن وعلومه - فقال: إن المادة العلمية قليلة، ووجدت أنه لم يسجل في واحد من الأقسام العلمية المتماثلة في بعض كليات جامعات المملكة. ولما بحثت عن السبب بعدم تسجيله رسالة علمية وجدت الجواب السابق نفسه وهو قلة المادة العلمية. فعجبت لهذا جد العجب، في حين أن بعض الأقسام العلمية في بعض الكليات تكتفي بدراسة وتخريج مائة حديث أو أثر في مرحلة الماجستير مثلاً .. فدفعني هذا فتناولت تفسير السيوطي (الدر المنثور) فاستعرضت منه سورتي الفاتحة والبقرة بادىء ذي بدء، فوجدت فيهما ما يزيد على (٢٠٠) حديث عن أم المؤمنين عائشة، فقررت العزم على الكتابة في هذا الموضوع جمعاً وتخريجاً، مع العلم أنه جمعت مرويات بعض الصحابة والتابعين في التفسير - ممن هم أقل علماً وفقهاً ورواية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. علاوة على أن بيان فضلها بإظهاره ونشره شجى وغصة في حلق كل رافضي بليد أو زنديق عنيد، فبيان فضل الصحابة نوع من أنواع العبادة ومسلك من مسالك الريادة، وقد اعتمدت من كتب التفسير بالمأثور تفاسير كل من: ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) وابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) والحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ) وأبي الفرج عبدالرحمن ابن الجوزي (ت ٥٩٦ هـ) ومحمد بن أحمد القرطبي (ت ٦٦١هـ) وعلي البغدادي الشهير بالخازن (ت ٧٢٥ هـ) والحافظ ابن كثير القرشي الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ) والحافظ جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) ومحمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ). وإن كان بعض هذه التفاسير يعد من كتب التفسير بالرأي غير أنها كثيراً ما تذكر الحديث أو الأثر معزواً لمن رواه أو خرجه، ونجد هذا كثيراً في تفسير الخازن ويليه القرطبي في جامعه. وقد التزمت أن لا أورد عن عائشة إلا ما ذكره أهل التفسير بالأثر في تفاسيرهم أو ذكر في كتب السنة عنها مقروناً بالآية - مما لم يذكره المفسرون أولئك وهذا نادر جداً. والتزمت نص (الدر المنثور) إلا ما ندر. وأبين في البداية من أورد الحديث في تفسير الآية من المفسرين بالأثر ثم أعقب ذلك بتخريجه من كتب السنة وأبين درجته إن كان ثمة حاجة إلى بيان. ٦ وما ظهرت درجته كأن يكون في الصحيحين أو أحدهما أو نص أحد من أهل العلم على صحته كالترمذي وابن خزيمة وابن حبان والذهبي فإني أتابعهم وأكتفي بذلك. أما ما كان في الصحيحين أو أحدهما وقد تلقتهما الأمة بالقبول فالبحث في أسانيدهما تصحيحاً أو تضعيفاً أراه من الغلو وتضييع للجهد والوقت بدون فائدة، وربما يكون من الابتداع في الدين المخالف لإجماع المسلمين؛ وهم أهل الشأن - فلا نكاد نجد حديثاً نصوا على صحته إلا وهو كذلك، إما بالنظر إلى إسناده أو بمجموع طرقه كما هو معلوم عند أهل العلم. ومن هذا على سبيل المثال: أسانيد الإمام مالك في موطأه فكلها مرسلة غير متصلة ولكن بالتتبع ثبت أن عامة بلاغاته موصولة صحيحة. وبعض أهل العلم قد يورد الحديث الضعيف في كتابه ولا ينص على ضعفه إما لظهوره لديه ولدى من عنده من التلاميذ أو باعتبار أن ما يذكره معزواً إلى كتاب بعينه هو ضعيف يكتفي بعزوه إليه عن بيان ضعفه . يقول السيوطي في جمع الجوامع: (كل ما كان لابن عدي في الكامل أو العقيلي في الضعفاء أو الخطيب أو ابن عساكر في تاريخه أو الحكيم الترمذي في نوادر الأصول أو الحاكم في تاريخه أو ابن الجارود أو الديلمي في مسند الفردوس - فهو ضعيف فليكتفى بالعزو إليها) اهـ. وقد تابعت السيوطي في مقولته تلك في بعض الأحيان فقط إذ لا تسلم له هذه الكلمة العامة التي أطلقها وإنما هي في غالب ما في هذه الكتب لا في جميع ما حوته وهي على بعضها أصدق منها على البعض الآخر. ٧ وقد يجد القارىء أنني قد أحلت في تخريج بعض الأحاديث بالواسطة وخاصة من مجمع الزوائد للهيثمي، وذلك لعدم وجود كثير من الكتب التي عزا إليها كمسند البزار والمعجم الأوسط للطبراني وقد رجعت إلى الأجزاء التي خرجت منهما أثناء كتابتي للبحث ومثلها الجامع لشعب الإيمان للبيهقي وبعض الكتب والأجزاء الحديثية الأخرى التي خرجت أخيراً. وفي التخريج إن روي الحديث أو الأثر مسنداً عن غير عائشة نصيت على هذا أو سميته وإن كان عنها سكت وهو الأصل. وقبل البداءة بالتفسير عقدت عنواناً لـ (فضل تعلم القرآن) ذكرت فيه بعض الأحاديث عن عائشة. وفي الختام لا أدعي لنفسي أنني أوفيت البحث حقه ولا أحكمته من جميع جوانبه حتى لا يجد الناقد فيه منفذاً، ولا المتتبع إليه مدخلًا، لا أقول هذا لأن طبيعة البشر - وأنا واحد منهم - النقص والخطأ، ولكن حسبي أنني بذلت فيه جهدي فإن وفقت فمن الله عز وجل وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان؛ وأناشد كل قارىء أو باحث يجد فيه خطأ أو زللاً تنبيهي إلى ذلك، فالدين النصيحة والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين .. وكتبه راجي عفو ربه المنان سعود بن عبدالله الفنيسان ٨ 1 أم المؤمنين(*) عائشة رضي الله عنها هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق خليفة رسول الله وَلفر، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس الكنانية. ولدت في أول السنة الرابعة من البعثة النبوية، هاجرت مع أمها أم رومان وتزوجها رسول الله وَّر في شوال قبل الهجرة بعد وفاة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها - ببضعة عشر شهراً - وهي بنت ست، ودخل بها في شوال بعد منصرفه من غزوة بدر وهي ابنة تسع سنین. علمها : تعد بحق أفقه نساء الأمة. بلغت مروياتها عن رسول الله وَلقه (٢٢١٠) حديثاً منها (١٧٤) حديثاً متفق عليها عند الشيخين، وانفرد البخاري بـ (٥٤) حديثاً ومسلم بـ (٦٩) حديثاً. والباقي في الصحاح (*) للتوسع في ترجمتها يراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥٨/٨ - ٨١)، الاستيعاب لابن عبد البر (٣٥٦/٤)، وأسد الغابة لابن الأثير (١٨٨/٧)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٢٧/١)، وسير أعلام النبلاء (١٢٥/٢ - ٢٠١)، والإصابة لابن حجر (٣٥٩/٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/١ و ٦١ - ٦٣)، وفضائل الصحابة للإمام أحمد (٨٦٨/٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٢٢٥/٩ - ٢٤١). ٩ ١٠ أم المؤمنين عائشة والسنن والمعاجم، والمسانيد، وعدها ابن حزم في المرتبة الرابعة من بين الصحابة المكثرين للرواية(١). أخذت العلم عن أبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعن عمر بن الخطاب وفاطمة بنت رسول الله وغيرهم، وأخذ عنها العلم من الصحابة: عبدالله بن عباس وابن عمر وعبدالله بن الزبير وأخوه عروة بن الزبير ومن التابعين جمع غفير كمولاها ذكوان وعبدالله بن أبي مليكة ومولاتها أم ذرة وابني أخيها محمد: عبدالله والقاسم وابن أخيها عبدالرحمن وابن سيرين ومسروق ومطرف بن الشخير ومقسم مولى بن عباس، وممن روى عنها مرسلاً ولم يرها: إبراهيم بن يزيد النخعي . وإبراهيم التيمي وخالد بن سعدان وزيد بن أسلم وسالم بن أبي الجعد وعراك .. وأبو جعفر الباقر ومكحول. قال لها عروة بن الزبير ذات يوم: يا أمتاه لا أعجب من فقهك أقول زوجة رسول الله وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو ومن أين هو؟. فضربت على منكبيه وقالت: أي عرية - تصغير عروة -: إن رسول الله وَّير كان يسقم عند آخر عمره وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات وكنت أعالجها له. وقال مرة: لقد صحبت عائشة فما رأيت أحداً قط كان أعلم بآية أنزلت ولا بفريضة ولا سنة ولا شعر ولا أروى له ولا بيوم من أيام العرب ولا بنسب ولا بقضاء ولا طب منها، وربما حفظت القصيدة ستين بيتاً أو أكثر من أول سماعها. وكانت أعلم الناس بالمواريث خاصة وأفعال الرسول الخاصة في بيته فكان صحابة رسول الله وسلم يسألونها عن ذلك. (١) انظر جوامع السيرة ص ٢٧٦ . ١١ أم المؤمنين عائشة تزويجها بالنبي صلى الله عليه وسلم: لما ماتت خديجة بنت خويلد خطب رسول الله وَ لافر عائشة وسودة بنت زمعة وتزوجهما في آن واحد؛ فتزوج عائشة وهي بنت ست ودخل بها وهي بنت تسع، وتفرد بسودة وحدها قرابة ثلاث سنوات، قال الذهبي: خطبتها له خولة بنت حكيم لما رأت ما نزل به من الشدة (الحزن لفقد أم المؤمنين خديجة) قالت له: ألا تتزوج؟ قال: ومن؟ قالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً قال: ومن البكر ومن الثيب قالت: أما البكر، فعائشة، وأما الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك، قال ◌َّه: اذكريها علي. قالت: فأتيت أم رومان فقلت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، قالت: ماذا؟ قالت: رسول الله يذكر عائشة قالت: انتظري فإن أبا بكر آت فجاء أبو بكر فذكرت ذلك له فقال: أوتصلح له وهي ابنة أخيه!؟ فقال رسول الله ير: أنا أخوه وهو أخي وابنته تصلح لي، فقام أبو بكر فقالت لي أم رومان: إن المطعم بن عدي كان قد ذكرها على ابنه والله ما أخلف وعداً قط. وأتى أبو بكر المطعم ابن عدي فقال: ما تقول في أمر هذه الجارية؟ - يعني عائشة - فأقبل المطعم إلى امرأته يقول ما تقولين؟ فأقبلت على أبي بكر فقالت: لعلنا إن أنكحنا هذا الفتى إليك تدخله في دينك!، قال أبو بكر للمطعم: وماذا تقول أنت فقال: إنها لتقول ما تسمع، فقام أبو بكر من عندهما وليس في نفسه عن الموعد شيء ثم قال لخولة: قولي لرسول الله و لتر فليأت فجاء فملكها على متاع بيت قيمته خمسون درهماً. وتحدث عائشة عن نفسها فتقول: تزوجني رسول الله وَّر متوفى خديجة وأنا ابنة ست وأدخلت عليه وأنا ابنة تسع، جاءني نسوة وأنا ألعب على أرجوحة وأنا مُجمّمة فهيأنني وصنعنني ثم أتين بي إليه وكنت ألعب بالبنات - تعني اللعب - فيجيء ١٢ أم المؤمنين عائشة - صواحبي فينقمعن من رسول الله - في فيخرج رسول الله فر فيدخلهن أو قالت: يسر بهن إلي فيلعبن معي، ولقد رأيت رسول الله وصلغير يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد وإنه ليسترني بردائه، لكي أنظر إلى لعبهم ثم يقف من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو. وفي هذا - علاوة على حسن خلقه ◌َليه - فائدة تربوية وهي أن الطفلة الحديثة السن إذا ما أرادت النزهة وأماكن اللعب يجب أن تكون بصحبة ولي أمرها وأن تكون محتشمة في لباس يسترها عن الناس ألا ترى رسول الله - وهي معه - كان يسترها برداءه، وقولها (فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو) ما يشير إلى الأبوين وأولياء الشاب أو الشابة حديثة السن أن يعاملوها بما لا يعاملون به الرجال والنساء البالغات. فضائلها : فضائل أم المؤمنين عائشة كثيرة يكفيها فخراً قول رسول الله حسن: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)». ومن هذه الفضائل على سبيل الإجمال: ١ - نزلت براءتها من السماء في قصة حادثة الإفك. ٢ - نزل جبريل عليه السلام بصورتها من السماء في خرقة من حرير إلى رسول الله وَلقر فقال له: هذه امرأتك فيكشف عن وجهها رسول الله * ويقول: إن يك هذا من عندالله يمضه. ٣- وهي الوحيدة من نسائه ◌َ ل ﴿ التي تزوجها بكراً ولم يتزوج بكراً غيرها. ٤ - وقبض رسول الله و ليزر ورأسه في حجرها. ٥- وقبر في بيتها. ١٣ أم المؤمنين عائشة ٦ - وكان الوحي ينزل عليه وهو في لحافها. ٧ - وهي ابنة خليفته وصديقه فأبوها أحب الناس إليه وهي أحب الناس إليه بعد أبيها. ٨ - وتزوجها لست وبنى بها لتسع. ٩ - واستأذن نساءه أن يُمرَّض في بيتها فأذنَّ له. ١٠ - وكان الناس يتقصدون في هداياهم لرسول الله يوم عائشة لعلمهم بمسرته بذلك. ١١ - جاء جبريل يسلم عليها ففي الحديث أن النبي مَلي قال: ((يا عائشة هذا جبريل وهو يقرأ عليك السلام قالت: وعليه السلام ورحمة الله جزاه من زائر ودخيل فنعم الصاحب ونعم الدخيل)). / ١٢ - ونزلت بسببها آية التيمم. ١٣ - سابقها الرسول مرتين فسبقته في المرة الأولى وسبقها في الثانية وقال: ((هذه بتلك يا عائشة)). ١٤ - وكان يقبلها وهو صائم وتقول عنه كان أملككم لإربه. وأخرج أبو داود في السنن عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي ◌َ﴿ فإذا عائشة ترفع صوتها على النبي وَّ فقال لها: يا ابنة فلان ترفعين صوتك على النبي ◌َّر! فحال النبي وَّل بينها وبينه ثم خرج أبو بكر فجعل النبي عليه يترضاها وقال: ألم تريني حلت بين الرجل وبينك، ثم استأذن أبو بكر مرة أخرى فسمع تضاحكهما فقال: أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما، وبلغ من دالتها على رسول الله و غير أنها كانت إذا خاطبت الرسول وهي غضبانة قالت: يا محمد، وإذا رضيت قالت: يا رسول الله. وفي رواية أن الرسول وَلإل قال لها: إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبي. قالت: وكيف يا رسول الله؟ قال: إذا كنت عني راضية قلت: ورب محمد ١٤ أم المؤمنين عائشة وإذا كنت علي غضبى قلت: لا ورب إبراهيم. قالت عائشة: أجل والله ما أهجر إلا اسمك. ودخلت عليها ذات يوم أم المؤمنين زينب بنت جحش بغير استئذان وهي غضبى ثم خاطبت الرسول قائلة: أحسبك إذا قلبت لك بنية أبي بكر ذريعتها - تقول عائشة - ثم أقبلت علي فأعرضتُ عنها فقال النبي ◌َّ: دونك ما تقصري فأقلبت عليها حتى رأيت ريقها في فمها فما ترد علي شيئاً فرأيت النبي (وَّ يتهلل وجهه، وفي رواية فنظر النبي إلى عائشة معجباً بفعلها، وقال إنها ابنة أبي بكر. ولما اجتمعت أمهات المؤمنين - وقد أصابتهن الغيرة من محبة الرسول لعائشة - اخترن ذات يوم أم سلمة لتبلغه مطلبهن قالت: يا رسول الله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإن أزواجك يناشدنك العدل في بنت أبي بكر وإنا نريد الخير كما تريده عائشة. فسكت النبي ◌َّقه ولم يرد عليها فأعادته ثانية وثالثة ولم يرد عليها وفي الرابعة قال: ((يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها)) وعلق الإمام الذهبي على هذا فقال: (وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها وإن ذلك الأمر من أسباب حبه لها) اهـ. قلت: وقول الحافظ الذهبي هذا يعض عليه بالنواجذ فإني لم أره لغيره وبه يزول ما قد يتردد في النفس أن الرسول لم يفضلها على غيرها إلا كونها بكراً وإذا أضيف إلى جواب الذهبي ما ثبت في الحديث الصحيح أن جبريل عليه السلام أتاه بصورتها. وكانت رضي الله عنها توابة رجّاعة فقد رجعت من خطئها يوم الجمل فكانت كلما قرأت قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الَّأُولَى﴾ بكت حتى تبل ثيابها بدموعها، ولما وقف علي بن أبي طالب ١٥ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه على خبائها يوم الجمل يلومها على مسيرها قالت: يا ابن أبي طالب: ملكتَ فاسجح - أي فاعفو. زهدها وکرمها : كانت رضي الله عنها لا يكاد يقر بيدها المال حتى تنفقه على الفقراء والمساكين فقد باعت عائشة داراً لها بمائة ألف دينار ثم قسمت الثمن على الفقراء فعتب عليها عبدالله بن الزبير فقال: والله لتنتهين عن بيع رباعها أو لأحجرن عليها فغضبت وقالت: أهو يحجر علي!؟ ثم قالت: لله علي نذر ألا أكلمه حتى يفرق بيني وبينه الموت. وما زال عبدالله بن الزبير يلح عليها أن تكلمه فتمتنع حتى دخل عليها حيلة ذات يوم فكلمته ثم كفرت عن نذرها بأن اعتقت أربعين - وقيل مائة - رقبة فإذا ذكرت نذرها هذا بكت حتى تبل خمارها، ووصلها معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم فما أدركها المساء وعندها منها شيء فقالت لها مولاتها أم ذرة: لو اشتريت لنا منها لحماً بدرهم فقالت عائشة: لا تعنفيني يا أم ذرة لو ذكرتيني لفعلت، وأعطاها عبدالله بن الزبير مائة ألف فدعت بطبق فجعلت تقسم في الناس فلما أمست قالت لمولاتها يا جارية هاتي فطوري فلم تجد عندها شيئاً وكانت صوامة قوامة تكره أن يثنى عليها وأن تمدح وهي تسمع مخافة الرياء وتقول: ليتني كنت نسياً منسياً. وكثيراً ما كانت تتمثل ببيت لبيد بن أبي ربيعة: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب وتقول: رحم الله لبيداً فكيف لو رأى زماننا. وقال عروة بن الزبير: رحم الله أم المؤمنين فكيف لو رأت زماننا. وقال ابنه هشام: رحم الله أبي فكيف لو رأى زماننا هذا. ١٦ أم المؤمنين عائشة وقد تمثل بهذا البيت ويقول عائشة هذا عدد كبير من أهل العلم في جميع العصور إلى يومنا هذا والله المستعان. المكثرون من الرواية عن عائشة في التفسير: ١ - عروة بن الزبير بن العوام (ت ٩٢ هـ). تراجع ترجمته في تهذيب التهذيب لابن حجر والتاريخ الكبير للبخاري وتاريخ الثقات للعجلي . ٢ - القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (ت ١٠٦ هـ) تراجع ترجمته في تهذيب التهذيب. ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان البستي . ٣ - عمرة بنت عبدالرحمن بن سعد (ت ٩٨ هـ) ترجمتها في تهذيب التهذيب وتاريخ الثقات والكاشف. ٤ - عبدالله بن أبي مليكة (ت ١٧ هـ) له ترجمة في تهذيب التهذيب وتاريخ الثقات. ٥ - ذكوان مولى عائشة توفي بعد المائة له ترجمة في تهذيب التهذيب وتاريخ الثقات ومشاهير علماء الأمصار. ٦ - الأسود بن يزيد النخعي (ت ٧٥ هـ) له ترجمة في تهذيب التهذيب والكاشف للذهبي ومشاهير علماء الأمصار. ٧ - أبو سلمة ابن عبدالرحمن (ت ٩٤ هـ) له ترجمة في تهذيب التهذيب وتاريخ الثقات ومشاهير علماء الأمصار. ٨ - مسروق بن الأجدع (ت ٦٣ هـ) له ترجمة في تهذيب التهذيب وتاريخ الثقات. ٩ - أم ذرة مولاة عائشة لها ترجمة في تهذيب التهذيب وتاريخ الثقات. ١٧ أم المؤمنين عائشة وفاتها : توفيت رضي الله عنها في السابع عشر من رمضان سنة سبع وخمسين من الهجرة وعمرها ثلاث وستون سنة وأشهراً. ودفنت بالبقيع وكانت تحدث نفسها أن تدفن في بيتها، ولكنها رجعت وقالت: إني أحدثت بعد رسول الله وَ لتر حدثاً ادفنوني مع أزواجه - وتعني بالحدث هذا مسيرها للقتال يوم الجمل ونزل في قبرها: عبدالله بن الزبير وأخوه عروة والقاسم ابن أبي بكر. فضل تعلم القرآن ١ - أخرج الإمام أحمد والديلمي وأبو نعيم في الحلية عن عائشة قالت: ذكر رجل عند رسول الله وَ﴿ بخير، فقال رسول الله أيتليفون: ((أولم تروه يتعلم القرآن .. ))(١). ٢ - وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والدارمي والإمام أحمد في مسنده عن عائشة، سمع النبي وَّر قراءة أبي موسى، فقال: ((لقد أوتي هذا من مزامير آل داود .. ))(٢). (١) أخرجه أحمد في المسند (٦٦/٦)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية، والديلمي في الفردوس عن عائشة بلفظ: ((من قرأ القرآن فأعربه كانت له عند الله دعوة مستجابة، إن شاء عجلها له في الدنيا، وإن شاء أخرها له في الآخرة)). انظر: الحلية (٣٤٩/٦)، ومسند الفردوس (٢٨/٤)، وفي سنده عند الإمام أحمد ابن لهيعة وهو مدلس وقد صرح بالتحدث وبقية رجاله رجال الصحيح، فالحديث حسن. انظر: مجمع الزوائد (١٦٢/٧)، وأخرجه بمعناه بألفاظ متقاربة أبو داود في سننه، كتاب الوتر عن عثمان بن عفان وأبي هريرة. انظر: عون المعبود (٣٢٥/٤)، وأخرجه الترمذي في جامعه / فضائل القرآن عن عثمان بن عفان - أيضاً - وقال: حديث حسن صحيح. انظر: الجامع الصحيح (١٧٣/٥)، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة (٤٦٩/١) .. وذكر الساعاتي في الفتح الرباني أنه لم يطلع عليه عند غير الإمام أحمد. انظر: الفتح الرباني (٦/١٨). قلت: بل ذكره السيوطي في مسند عائشة (ص ١٧٢) بهذا اللفظ عن ابن زنجوية، وسنده صحيح. (٢) متفق عليه، أخرجه البخاري عن عائشة في كتاب فضائل القرآن (١١٢/٦)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين بطريقين عن أبي بردة (٥٤٦/١)، ١٩ ٢٠ فضل تعلم القرآن وتلاوته ٣ - وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وأبو داود الطيالسي عن عائشة عن النبي ويغير أنه قال: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، وهذا الذي يقرؤه وهو عليه شاق يتتعتع فيه له أجران اثنان .. ))(١). ٤ - وأخرج الديلمي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((عدد مے = والترمذي في سننه في كتاب المناقب عن أبي بردة (٦٩٣/٥)، والنسائي في السنن في كتاب افتتاح الصلاة بثلاثة طرق طريقين عن عائشة والآخر عن أبي هريرة (١٧٩/٢)، وابن ماجه في سننه عن أبي هريرة في كتاب إقامة الصلاة (٢٤٥/١)، والدارمي في السنن عن عائشة في كتاب الصلاة (٣٤٩/١)، وعن أبي هريرة وأبي سلمة بن عبدالرحمن في كتاب فضائل القرآن بعدة طرق، وكان عمر بن الخطاب يأتي إلى أبي موسى الأشعري فيقول له: ذكرنا ربنا فيقرأ عنده (٤٧٢/٢). وأخرجه الإمام أحمد فى مسنده عن عائشة بطريقين (٣٧/٦، ١٦٧)، وعن أبي هريرة بطريقين أيضاً (٣٦٩/٢، ٤٥٠)، وعن بريدة بثلاثة طرق (٣٢٩/٥، ٣٥١، ٣٥٩). (١) أخرجه الخازن في تفسيره (٤/١). وبوب له البخاري في صحيحه - باب قول النبي ◌َّير: ((الماهر بالقرآن مع الكرام البررة وزينوا القرآن بأصواتكم» (٢١٤/٨)، وساق أحاديث بمعناه، وأخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة في كتاب صلاة المسافرين (٥٤٩/١)، وأبو داود في سننه عن عائشة في كتاب الوتر. انظر: عون المعبود (٣٢٦/٤)، والترمذي في سننه عن عائشة في كتاب فضائل القرآن (١٧١/٥). وابن ماجه في سننه عن عائشة في كتاب الأدب (١٢٤٢/٢)، والدارمي في سننه عن عائشة (٤٤٤/٢)، والإمام أحمد في مسنده عن عائشة بأربعة طرق. انظر: (٤٨/٦، ٩٤، ١١٠، ١٩٢) وأبو داود الطيالسي في مسنده ص ٢١٠.